ساوثغيت يأمل في قضاء إنجلترا على شبح ركلات الترجيح

أطاحت إنجلترا في يورو 1996 وكانت سبباً لخروج الفريق من البطولات الكبرى

ساوثغيت أخذ حذره من ركلات الترجيح وبات يضعها كجزء من تدريب إنجلترا (إ.ب.أ)
ساوثغيت أخذ حذره من ركلات الترجيح وبات يضعها كجزء من تدريب إنجلترا (إ.ب.أ)
TT

ساوثغيت يأمل في قضاء إنجلترا على شبح ركلات الترجيح

ساوثغيت أخذ حذره من ركلات الترجيح وبات يضعها كجزء من تدريب إنجلترا (إ.ب.أ)
ساوثغيت أخذ حذره من ركلات الترجيح وبات يضعها كجزء من تدريب إنجلترا (إ.ب.أ)

كان من الحتمي أن تتطرق المقابلة مع المدير الفني للمنتخب الإنجليزي غاريث ساوثغيت إلى أكبر محنة واجهها في حياته المهنية وإلى الأسباب التي جعلته، بعد عقدين من التعايش مع عواقب هذه المحنة، يعمل جاهدا على ألا يقع فريقه في نفس الفخ مرة أخرى.
وكان ساوثغيت يفكر في تلك الليلة التي واجه فيها المنتخب الإنجليزي نظيره الألماني في الدور ربع النهائي لكأس الأمم الأوروبية عام 1996 وخروج منتخب الأسود الثلاثة من البطولة التي أقيمت في إنجلترا بعد الخسارة أمام الماكينات الألمانية بركلات الترجيح بعدما انتهى الوقت الأصلي والإضافي للمباراة بالتعادل بهدف لكل فريق.
وعقب انتهاء هذه المباراة، عانق رئيس الوزراء البريطاني آنذاك جون ميجور ساوثغيت خارج ملعب ويمبلي وكان متعاطفا معه للغاية. وفي تلك الليلة، سأل المدير الفني للمنتخب الإنجليزي تيري فينابلز لاعبه غاريث ساوثغيت قبل لحظات من بداية ركلات الترجيح عما إذا كان مستعدا لتسديد إحدى ركلات الجزاء، وهو السؤال الذي نزل على اللاعب مثل «الصاعقة» على حد تعبيره. وطمأن ساوثغيت برايان روبسون آنذاك على أنه قد سدد ركلة جزاء من قبل، ويتذكر ساوثغيت ما حدث قائلا: «برايان لم يسأل عن التفاصيل، وهذا كان شيئا جيدا بالنسبة لي. لقد كانت تجربتي مع ركلات الجزاء محدودة، فقد سددت ركلة جزاء واحدة مع كريستال بالاس قبل ذلك بثلاث سنوات وأضعتها».
والآن، وبعد مرور 22 عاما على إهدار ساوثغيت لركلة الجزاء أمام ألمانيا وعودته وحيدا إلى نقطة المنتصف، بات بإمكانه الآن أن يتحدث من موقع المسؤولية وهو يتولى قيادة المنتخب الإنجليزي في كأس العالم وقد وصل إلى الأدوار الإقصائية حيث يمكن أن يكون الخط الفاصل بين النجاح والفشل هو دقة اللاعبين في تسديد ركلات الترجيح من على بُعد 12 ياردة.
ويمكن لساوثغيت أن يتذكر تلك اللحظة التي كان يمشي فيها من منتصف الملعب نحو منطقة الجزاء وهو يفكر في أن العالم كله يراقبه عن كثبت وشعوره بأن حارس المرمى الألماني أندريساس كوبكه يبدو وكأنه قد أصبح أكثر طولا، والأسوأ من ذلك تلك اللحظة التي عرف فيها الجمهور الإنجليزي أن «ساوثغيت، ذلك الفتى عديم الخبرة» هو الذي سيسدد ركلة الجزاء.
ولم يكن ساوثغيت هو اللاعب الإنجليزي الوحيد الذي يهدر ركلة جزاء حاسمة في البطولات الكبرى، لكن هذا الأمر يشمل الكثير من اللاعبين مثل سيتوارت بيرس وكريس وادل في كأس العالم عام 1990 بإيطاليا، وبول إنس وديفيد باتي في كأس العالم عام 1998 بفرنسا، وديفيد بيكام واريوس فاسيل في كأس الأمم الأوروبية عام 2004. فضلا عن فرانك لامبارد وستيفن جيرارد وجيمي كاراغر في كأس العالم عام 2006. وأشلي يونغ وأشلي كول في كأس الأمم الأوروبية 2012.
وفي الحقيقة، يمتلك المنتخب الإنجليزي سجلا مروعا فيما يتعلق بركلات الترجيح، حيث خسر ست مرات من إجمالي سبع مواجهات في البطولات الكبرى بركلات الترجيح، وكانت المرة الوحيدة التي تفوز فيها إنجلترا بركلات الترجيح في كأس الأمم الأوروبية عام 1996 أمام إسبانيا. ولا يجب أن ننسى أيضا أن ليس فيرديناند وروب لي قد أهدرا ركلتي جزاء أمام بلجيكا في بطولة الكأس الدولية التي استضافتها المغرب عام 1998.
وفي الواقع، لا يمكن القول بأن المنتخب الإنجليزي كان من الممكن أن يستعد لركلات الجزاء بشكل أفضل من هذا، وهو يستعد لمواجهة كولومبيا يوم الثلاثاء في دور الستة عشر لكأس العالم، بالنظر إلى أن المدير الفني للمنتخب الإنجليزي هو غاريث ساوثغيت الذي يعرف جيدا مرارة الخسارة بركلات الترجيح.
يقول ساوثغيت: «إنني أفكر في تلك اللحظة منذ نحو عقدين من الزمان. لقد تطوعت لتسديد ركلة الجزاء في كأس الأمم الأوروبية عام 1996، بعدما شعرت بأنه يتعين علي أن أتقدم للأمام لتسديد هذه الركلة، فقد كانت هذه هي شخصيتي. ربما كان من الأفضل ألا أقوم بذلك إن لم أكن واثقا من النجاح. ولكن دفاعا عن الطاقم الفني للمنتخب الإنجليزي آنذاك، لم نكن نلعب ركلات الجزاء كثيرا لأن المباريات التي كانت تنتهي بالتعادل في كأس الاتحاد الإنجليزي كانت تعاد مرتين أو ثلاث مرات، ولذا لم نكن نوضع في هذه المواقف كثيرا».
وعندما سئل ساوثغيت عقب هزيمة المنتخب الإنجليزي أمام نظيره البلجيكي في المباراة الثالثة بدور المجموعات عما إذا كان لاعبوه يتدربون على ركلات الجزاء، رد قائلا إن منتخب بلاده قد بدأ هذا الأمر منذ شهر مارس (آذار) الماضي ولم ينتظر حتى تتكدس كل الأمور في خلال أيام. ويشجع ساوثغيت لاعبيه على تسديد ركلات الجزاء عقب انتهاء كل حصة تدريبية.
ويعمل فريق على تحليل كيفية قيام المنتخبات المنافسة بتسديد ركلات الترجيح من أجل تقديم النصيحة لحارس مرمى المنتخب الإنجليزي جوردان بيكفورد فيما يتعلق بكيفية التصدي لركلات الجزاء، فضلا عن تحليل الكيفية التي يتعامل بها جميع حراس المرمى في كأس العالم مع ركلات الجزاء.
وتعرف إنجلترا من الآن قائمة اللاعبين الذين سيسددون ركلات الجزاء في حال اللجوء إليها، وقد صرح ساوثغيت في أكثر من مناسبة بأنه يسعى للسيطرة على ركلات الجزاء بدلا من الوقوع تحت ضغوط هائلة، بالشكل الذي تعرض له هو شخصيا في كأس الأمم الأوروبية عام 1996. وعلاوة على ذلك، يخضع لاعبو المنتخب الإنجليزي لاختبارات نفسية قبل البطولة من أجل المساعدة في هذا الأمر.
وقال ساوثغيت: «لقد نظرنا إلى العمليات والتقنيات الفردية، وأجرينا دراسات وممارسات مختلفة. وبعد ذلك، نظرنا في كيفية التعامل مع ركلات الجزاء، وتأكدنا من أن اللاعبين سيتسمون بالهدوء ومن أننا نمتلك كل التفاصيل الخاصة بركلات الجزاء وأن القرارات التي ستتخذ في ذلك الوقت لن تكون وليدة اللحظة. يتعين علينا أن نتأكد من أننا سنتعامل مع الأمر بكل هدوء، وأنه سيتم اختيار اللاعبين المناسبين لهذه المهمة، وألا يدخل اللاعب لتسديد ركلة الترجيح وهو يستمع للكثير من الأصوات في رأسه. دائما ما تكون الفوارق بسيطة في مراحل خروج المغلوب، ولذا يجب أن نكون مستعدين جسدياً وذهنياً للذهاب إلى الوقت الإضافي وما بعده إذا تطلب الأمر ذلك».
ولم يبدأ ساوثغيت التعامل مع هذا الأمر من الآن، لكنه يعرف منذ شهر مايو (أيار) الماضي أسماء اللاعبين الخمسة الذين يعتقد أنهم الأفضل من الناحية النفسية لتسديد ركلات الجزاء. وكثيرا ما يقال إن ركلات الجزاء تعتمد على الحظ في المقام الأول، لكن المدير الفني للمنتخب الإنجليزي يختلف مع وجهة النظر هذه بشدة.
يقول ساوثغيت: «بالتأكيد لا يتعلق الأمر بالحظ أو الصدفة، لكن الأمر يتعلق بأداء مهارة معينة في ظل التعرض لضغوط كبيرة. وهناك أشياء فردية يمكنك العمل عليها فيما يتعلق بهذا الأمر. يتعين علينا أن نعرف من هو المسؤول عن تسديد ركلات الجزاء، ومن هم اللاعبين الذين لا يجب المساح لهم التسديد. وهناك الكثير من الأشياء التي يمكننا القيام بها من أجل السيطرة على هذه العملية والتحكم فيها بدلا من أن نقع نحن تحت تأثيرها».
ونجح هاري كين، الذي يعد الخيار الأول للمنتخب الإنجليزي في تسديد ركلات الجزاء، في تسجيل هدفين من ركلتي جزاء في مرمى بنما. كما أن جيمي فاردي هو المسؤول عن تسديد ركلات الجزاء مع نادي ليستر سيتي، ويمكن أن يشركه ساوثغيت في الوقت الأخير من المباراة لتسديد إحدى ركلات الترجيح، كما يمكن أن تشمل قائمة المرشحين لتسديد ركلات الترجيح كلا من كيران تريبير وجيسي لينغارد وجوردان هندرسون وروبن لوفتوس - شيك. وفي الوقت الحالي، يضفي ساوثغيت طابعا من السرية على الأسماء الخمسة التي ستسدد ركلات الترجيح.
وقال ساوثغيت: «إذا أجرينا تغييرات في تشكيلة الفريق، فسنستمر في تحديث قائمة اللاعبين الذين سيسددون ركلات الترجيح. هناك لاعبون يسددون ركلات الترجيح بشكل منتظم، وهناك لاعبون يسددون بطريقة معينة ولاعبون آخرون قادرون على تغيير طريقة التسديد حسب رد فعل حارس المرمى، ولاعبون آخرون لا يسددون ركلات الجزاء بانتظام ويحتاجون إلى التدريب على تسديد ركلة أو ركلتين. ومع بعض اللاعبين، لا ينبغي علينا التدخل في كيفية تسديدهم لركلات الجزاء، لكن بالنسبة للاعبين آخرين فإننا نقدم لهم تعليمات نعتقد أنها ستساعدهم على القيام بذلك بشكل أفضل».
ويعرف ساوثغيت جيدا ما يعنيه الخروج من بطولة كبرى بركلات الترجيح، لأنه نفسه أهدر ركلة جزاء حاسمة أدت لخروج منتخب بلاده من البطولة التي نظمها على أرضه وبين جمهوره. صحيح أن المدير الفني للمنتخب الإنجليزي آنذاك قد طلب من ساوثغيت ألا يلوم نفسه على إهدار ركلة الجزاء، لكن ساوثغيت ما زال يلوم نفسه حتى الآن، للدرجة التي جعلته يصف نفسه بأنه الرجل الذي حطم حلم الأمة.
يقول ساوثغيت: «أقول لنفسي إن وقتا طويلا قد مر على تلك اللحظة ولم يعد الناس يشعرون بالحزن بسبب ركلة الجزاء التي أهدرتها، لكن أحيانا أكون في أحد الفنادق وأرى فتاة تنظر إلى صديقها وتقول له: أعتقد أن هذا هو الشخص الذي أهدر ركلة الجزاء!».



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.