السلام في الشرق الأوسط.. طريق طويل وشاق

وزير الخارجية الأميركية جون كيري يصافح وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف (الثاني على اليسار) ويظهر وزير الخارجية الصيني وانغ يي (أقصى اليسار) ووزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس (أقصى اليمين) (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركية جون كيري يصافح وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف (الثاني على اليسار) ويظهر وزير الخارجية الصيني وانغ يي (أقصى اليسار) ووزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس (أقصى اليمين) (أ.ف.ب)
TT

السلام في الشرق الأوسط.. طريق طويل وشاق

وزير الخارجية الأميركية جون كيري يصافح وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف (الثاني على اليسار) ويظهر وزير الخارجية الصيني وانغ يي (أقصى اليسار) ووزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس (أقصى اليمين) (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركية جون كيري يصافح وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف (الثاني على اليسار) ويظهر وزير الخارجية الصيني وانغ يي (أقصى اليسار) ووزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس (أقصى اليمين) (أ.ف.ب)

عكست النبرة الحذرة لرئيسي الولايات المتحدة وإيران عند توقيع الاتفاق النووي الإيراني المرحلي، ومجموعة 5+1 (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي زائدا ألمانيا)، في 24 نوفمبر (تشرين الثاني)، الانطباع بأن العملية ما تزال في مهدها. مع ذلك هناك أمل نسبي أن تحدث الاتفاقية التي تحد من تخصيب إيران لليورانيوم مقابل تخفيف العقوبات، زخما إيجابيا يؤثر على محاولات التوصل إلى تسوية سياسية للنزاع السوري. في هذا الصدد فقد يثبت أن وجود تنظيم القاعدة والجماعات المرتبطة به في سوريا يمثل أكثر بكثير من مجرد مصدر إزعاج.
لم يتأخر الرئيس الإيراني حسن روحاني في إطلاق تغريدته على «تويتر» عقب توقيع الاتفاق النووي: «غرض التعاون البناء والجهود الحثيثة لفرق المفاوضين فتح آفاقا جديدة». كان تعليق روحاني إيجابيا لكنه حذر، ويتباين مع فرح الشعب في إيران وتشوقه للشعور بآثار رفع العقوبات الاقتصادية عن حياته اليومية، وكآبة شجب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للصفقة بوصفه لها بـ«الخطأ التاريخي».
وجاء بيان الرئيس أوباما مشجعا بشكل معتدل أيضا، وأوباما شأنه شأن روحاني الذي يواجه معارضة ببلده بسبب أسلوبه البناء مع «الشيطان الأكبر»، يحاول استثمار هذا النصر الدبلوماسي المحدود في وقت انخفضت فيه شعبيته في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق، «بينما يعد إعلان اليوم مجرد خطوة أولى فإنه يحقق الكثير».
ليست إسرائيل وحدها من يعارض الصفقة، فإن معظم دول الخليج العربي ما تزال على خلاف مع الولايات المتحدة بسبب الحرب في سوريا، وما يرون أنه انحناء من الولايات المتحدة لإيران وروسيا، ويساورها قلق عميق حول نيات إيران الحقيقية، رغم التغير الجوهري في الخطاب السياسي. وقد عبر زعماء دول الخليج صراحة عن حاجتهم للحصول على المزيد من التطمينات من إيران وانتقال إيران من مرحلة القول إلى الفعل.
يكمن التهديد الأكبر لصفقة شاملة بين إيران ومجموعة 5+1 في موقف الكونغرس الأميركي الذي يميل دائما إلى فرض عقوبات جديدة على إيران. في تصريح حديث، قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إنه لو فرضت عقوبات جديدة رغم اعتراض البيت الأبيض، فستكون ضربة مميتة للصفقة النووية.
ورغم الاتفاق فما تزال إيران تبعث برسائلها حول تحيز الولايات المتحدة القوي بالنسبة لبرنامج الأسلحة النووية الإسرائيلية، وحقيقة أن حليفة الولايات المتحدة ليست موقعة على اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية. وتمنع الاتفاقية أي دولة من صنع أو السعي لصنع أسلحة نووية باستثناء الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي التي كانت تمتلك الأسلحة النووية أصلا عندما دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في 1970.
لا يرى الإيرانيون ببساطة منطقا في الدعوة لشرق أوسط خال من الأسلحة النووية بينما يسمح لإسرائيل بالاحتفاظ بترسانتها. ورد إسرائيل المعتاد على ذلك هو أنه طالما ظلت الظروف الأمنية عدائية بشكل أساسي في المنطقة فلن توقع على اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية. وتقول إسرائيل أيضا إن الدول الموقعة على الاتفاقية في منطقة الشرق الأوسط تنتهكها بصورة دائمة، وعلى سبيل المثال العراق وسوريا وليبيا وإيران.
رغم ذلك، هناك جو دبلوماسي مختلف وبناء أكثر في المنطقة. وفهم ضمني بين القوى الغربية ودول الخليج وإيران وروسيا والصين بضرورة إيجاد خطة للانتقال السياسي في سوريا. بالنسبة لأكثر المراقبين لسياسة المنطقة تفاؤلا، فقد يكون العام المقبل عاما فارقا بالنسبة للجهود الرامية لتحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط.
* نحو صفقة شاملة
* في النظام السياسي الذي يكون فيه المرشد الأعلى هو متخذ القرار المطلق، فإن انتخاب روحاني ليس هو العامل الوحيد الذي يجب أخذه في الاعتبار عندما يتعلق الأمر بتحديد الأسباب الحقيقية وراء التحول الجذري في سياسة إيران الخارجية. ومن المهم للغاية معرفة النيات الحقيقية لإيران. السؤال هو ما إذا كان قبول إيران بالاتفاقية المرحلية خطوة تكتيكية دافعها الأساس الحاجة لرفع العقوبات، أو رغبة أكثر عمقا في الانخراط مع الغرب وتحسين العلاقات مع جيرانها العرب. أضرت العقوبات الاقتصادية بالاقتصاد الإيراني ضررا بليغا وتسببت في استياء عميق وسط الشعب الإيراني تجاه الأسلوب المتعجرف السابق للرئيس محمود أحمدي نجاد. وازداد توجه ذلك الاستياء نحو آية الله علي خامنئي نفسه.
في حديث لـ«الشرق الأوسط»، قال مارك فيتزباتريك، مدير برنامج منع انتشار الأسلحة النووية ونزعها بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، «الأثر المدمر على الاقتصاد الإيراني» انعكس في انتخاب الشعب الإيراني لروحاني. ويضيف فيتزباتريك قائلا: «مهمة روحاني هي محاولة رفع العقوبات، ومن أجل ذلك فهو مستعد لقبول بعض التنازلات التي لا تقبل بها إيران حتى اليوم».
بينما يرى البعض أن ما حدث نتيجة لتغير عميق في توجه السياسة الخارجية باتجاه أسلوب أكثر تعقلا وبراغماتية. وليس بعيدا عن ذلك محاولة تحسين صورة إيران أمام العالم، وذلك يهم الإيرانيين كثيرا، لكن الطريق نحو اتفاقية شاملة بشأن البرنامج النووي الإيراني شائكة ومليئة بالعقبات. فمن ناحية يخيم دائما تهديد فرض الكونغرس لعقوبات جديدة رغم جهود إدارة أوباما لإقناع أعضاء الكونغرس بعكس ذلك، كما جاء في بيان وزير الخارجية الأميركي جون كيري أمام لجنة الشؤون الخارجية بالبيت الأبيض في وقت سابق هذا الشهر: «نطلب منكم أن تمنحوا مفاوضينا وخبراءنا الوقت والمجال لأداء مهمتهم، ويشمل ذلك طلبنا منكم عدم فرض عقوبات جديدة أثناء سير المفاوضات».
يعتقد فيتزباتريك، الذي عمل لمدة 26 سنة دبلوماسيا أميركيا بما في ذلك نائب مساعد وزير الخارجية لمنع انتشار الأسلحة النووية، أنه سيكون «من الصعب للغاية التوصل إلى اتفاقية شاملة بنهاية فترة الـ6 أشهر، فلا يزال الجانبان مختلفين اختلافات جوهرية حول أهدافهما، فبينما ما تزال إيران تريد الاحتفاظ بخيارها النووي فإن الولايات المتحدة وحلفاءها لا تريد أن يكون لإيران ذلك الخيار». وبحسب فيتزباتريك فإن هذا الاختلاف في الأهداف إضافة إلى العوامل الداخلية في الولايات المتحدة وإيران التي قد تقوض الاتفاقية، «تجعل من التسوية الشاملة أمرا عسيرا جدا. أعتقد أن الاتفاقية المرحلية ستمدد في الغالب بنهاية فترة الـ6 أشهر وستتواصل المفاوضات».
هناك مقترحات بتوسيع مجموعة الـ5+1 لتصبح 5+2 بإضافة مجلس التعاون الخليجي كطرف في المفاوضات وذلك كوسيلة لمعالجة قلق دول الخليج العربي من الاتفاقية النووية. ورغم وجود قلق مشروع لدى دول الخليج من العملية وتعقيداتها بالنسبة لأمن منطقة الخليج العربي، فقد عبرت جهات أخرى عن شكها حول جدوى مجموعة 5+2 المقترحة.
وكما صرح ألستر بيرت، عضو البرلمان ووكيل وزير بمكتب الكومنولث والخارجية البريطانية السابق لـ«الشرق الأوسط» قائلا: «صعوبة توسيع المفاوضات لتشمل أعضاء أكثر ممن هم فيها أصلا أنها ستؤدي إلى ذريعة وجوب دخول أطراف أخرى أيضا». ويؤكد: «يجب أن لا تصل مجموعة الـ5+1 إلى خلاصة لم يسبق اختبارها بصورة تامة مع الشركاء الآخرين». يعتقد فيتزباتريك أيضا بصعوبة إضافة طرف له اختلاف جوهري مع الاتفاقية المرحلية الحالية. ويشير هنا إلى خطاب وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل خلال مؤتمر الأمن الإقليمي «حوار المنامة» هذا العام، الذي نظمه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، عندما قال إن هناك طرقا وآليات تشاور أخرى لإدراج مرئيات جيران إيران من دول الخليج في العملية. رغم قلق معظم دول الخليج العربي، فإن الاتفاقية المرحلية تمثل انحرافا عن الوضع ما قبلها. فهي تحد من مقدرات إيران النووية. ويسمح ذلك بوقت كاف لمجموعة 5+1 للتصرف في حال عدم التوصل لاتفاق بنهاية الصيف المقبل وقبل تمكن إيران من القيام بخطوة حاسمة تجاه سلاح نووي رغم إنكار إيران لتلك النية.
جنيف 2...
تتزايد الدعوات، بما فيها دعوات من روسيا، لإيران للانضمام إلى مؤتمر «جنيف 2» حول سوريا. وليس هناك حتى الآن ما يشير إلى مشاركة إيران. لكن المؤتمر الذي سيعقد في 22 يناير (كانون الثاني) وما سيليه مباشرة من آثار، يتوقع أن يكون الاختبار الأول الكبير لحسن نية إيران بعد الاتفاقية المرحلية حول برنامجها النووي.
قال سيد حسين موسفيان، وهو دبلوماسي إيراني سابق ومتحدث عن إيران في مفاوضات البرنامج النووي الإيراني مع الاتحاد الأوروبي، متحدثا إلى «الشرق الأوسط»: «هناك فرصة 50 في المائة». وحذر من أن مؤتمر «جنيف2»: «سيفشل دون مشاركة جميع الأطراف الإقليمية والدولية الرئيسة بما في ذلك إيران». وأضاف: «ستكون إيران مستعدة للمشاركة، لكني لا أتصور أن تقبل إيران أي شروط مسبقة». وحول ما إذا كانت إيران مستعدة لقبول فكرة سوريا من دون الأسد قال موسفيان: «لقد ظلت إيران على موقفها بشأن انتخابات حرة ونزيهة في سوريا منذ بداية الأزمة. وستدعم إيران أي قرار يتخذه الشعب السوري».
وردت إشارات إيجابية من إيران وبعض مناصري نظام بشار الأسد خلال هذا الشهر، فلقد ذكر الرئيس روحاني لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أن هدف مؤتمر «جنيف2» يجب أن يكون التحضير «لتنظيم انتخابات حرة تماما ودون شروط مسبقة».
كما سلم مندوبو روسيا والصين في مؤتمر الأمن الإقليمي «حوار المنامة» بتطلعات الشعب السوري نحو الحاجة إلى التغيير في سوريا. وقال المندوب الروسي بضرورة وجود فترة انتقالية جديدة باتفاق طرفي النزاع.
على أن الجو الإيجابي لم يقنع على كل حال المراقبين الآخرين بالفاعلية الحقيقية للاتفاقية المرحلية، التي يمكن تطبيقها على الجهود الدبلوماسية بغرض التوصل إلى حل سياسي للنزاع السوري. قال إيميل هوكايم، وهو مسؤول أمني إقليمي كبير في مؤتمر الأمن الإقليمي «حوار المنامة»: «لا بد أن نفرق، رغم أنهما متشابكان» (برنامج إيران النووي والدور النشط لإيران في الحرب في سوريا)، فهو يعتقد أن دول الخليج يجب أن تقبل حضور إيران لمؤتمر «جنيف2»، لكن فقط بشرط قبول إيران لمبادئ مؤتمر «جنيف1». وأضاف قائلا: «سيكون من الخطأ فرض شروط مسبقة على النظام السوري أو على المعارضة في جنيف، لكن بالنسبة للاعبين الإقليميين فإن الشروط المسبقة عادلة. وعلى إيران أن تقبل مبدأ الانتقال السياسي».
حظي بيان جنيف الصادر في يونيو (حزيران) 2012 بقبول الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وجامعة الدول العربية وتركيا والممثل السامي للاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية والأمن. وأكد البيان الالتزام بسيادة واستقلال سوريا ووحدتها الوطنية وتكامل أراضيها وطالب بالتنفيذ الكامل لخطة كوفي أنان ذات النقاط الست، إضافة إلى قراري مجلس الأمن رقمي 2042 و2043، كما دعا ضمن أمور أخرى جميع الأطراف إلى «إعادة التزامها بوقف مستدام للعنف المسلح بجميع أشكاله». ونظرا لدور إيران النشط في النزاع السوري فإن قبول تلك المبادئ والالتزام بها سيجبر إيران على تعديل استراتيجيتها بشأن سوريا بشكل كبير.
ويعتقد ألستر بيرت أن الأثر المحتمل للاتفاق المرحلي على الجهود الدبلوماسية حول سوريا «يعتمد كثيرا على ما سنكتشفه حول النية الحقيقية لإيران، وما إن كانت ستلتزم بالشروط المحددة في الاتفاقية». كما تطرق إلى حجة أخرى: «بينما نجحت إيران في توجيه نظر بقية العالم إلى المسألة النووية، فيمكنها مواصلة دعمها للنظام». ويضيف بيرت: «وجهة نظري الشخصية تتركز في الاحتمال الثاني أكثر منه في الاحتمال الأول». كما يقول بيرت سيكون أثر الاتفاقية «هامشيا بالفعل» ومن المهم الفصل بين المسألة السورية والاتفاقية المرحلية. «هناك أسباب لوضع نهاية لذلك النزاع، وهي أسباب ملحة بكل ما في الكلمة من معنى ومنفصلة تماما عن الاتفاقية».
يدرك فيتزباتريك أن «للاتفاقية المؤقتة عوامل خارجية إيجابية، أثر إيجابي على الطريقة التي ينظر بها إلى إيران». وهي توضح مقدرة إيران على تقديم التنازلات وإبراز قيادة أكثر براغماتية، لكنه متشكك بشأن أن يكون دور إيران في المفاوضات السورية أكثر إيجابية وأقل تعويقا.
ظلت إيران عقبة رئيسة أمام الطريق نحو السلام في سوريا ولكنها لم تكن الوحيدة بالتأكيد. يقول هوكايم مؤلف كتاب «انتفاضة سوريا وتشرذم الشرق» إنه في ظل الظروف السياسية الراهنة فإن الحل السياسي «يبدو غير محتمل على المدى القصير أو المتوسط». وذكر قائمة من العوامل والديناميكيات الذاتية الدفع على الأرض وإقليميا التي تجعل من أي حل سياسي في هذه المرحلة غير محتمل إلى حد بعيد. وتشمل تلك العوامل نشوء حرب اقتصادية في سوريا والانقسامات في جانب النظام والمعارضة المسلحة على حد سواء، إضافة إلى عدم وجود موقف موحد بين الداعمين الدوليين والإقليميين للمعارضة المسلحة.
بالإضافة إلى هذه المخاوف يكمن قلق حول وجود «القاعدة» على الأرض في سوريا.. الأمر الذي قد يحول دون الوصول إلى حل سياسي.
في اجتماع لمجموعة من الصحافيين حضرته «الشرق الأوسط»، دحض وفد رفيع المستوى من ائتلاف المعارضة السورية (ائتلاف جماعات المعارضة المعتدلة) والجيش السوري الحر (المعارضة المسلحة المعتدلة) المخاوف حول أثر تعليق سفير الولايات المتحدة ريان كروكر أوائل هذا الشهر. وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد نقلت عن كروكر قوله: «نحتاج لبدء الحوار مع نظام الأسد مجددا». في إشارة إلى المسائل المتعلقة بمكافحة الإرهاب وغيرها من المسائل ذات الاهتمام المشترك.
ولم تصدر عن إدارة أوباما تعليقات مماثلة، لكن موقفها بشأن النزاع السوري خلال العام الماضي لا يشير إلى أن «القاعدة» والجماعات المرتبطة بها، وتحديدا الدولة الإسلامية في بلاد العراق والشام وجبهة النصرة، هي عوامل هامة في الطريقة التي تحدد بها الولايات المتحدة استراتيجيتها وأولوياتها الخاصة بالنزاع. وقد أحجمت الولايات المتحدة، وبصورة عامة أكثر الجهات الغربية الداعمة للمعارضة المعتدلة، عن تقديم أسلحة ثقيلة ومعدات عسكرية هامة إلى المعارضة المسلحة، على الأقل جزئيا، بسبب الخوف من وقوع تلك الأسلحة والمعدات بأيدي المتطرفين.
يرفض ألستر بيرت فكرة أن وجود «القاعدة» والجماعات المرتبطة بها في سوريا يعد عاملا حاسما في النزاع بالطريقة التي أخذت بها في الاعتبار حكومة المملكة المتحدة خياراتها الخاصة بالنزاع: «لا، لا أعتقد أنه كان لذلك أثر على المملكة المتحدة». وقال: «إن المملكة المتحدة حذرة للغاية حول وجود (القاعدة)». لكنه أكد دعم حكومة المملكة المتحدة المتواصل للمعارضة المعتدلة خلال مجموعة أصدقاء سوريا. كما دحض بيرت فكرة أن تكون الولايات المتحدة راغبة، كما هو الحال بالنسبة للمملكة المتحدة، في الحوار مع الأسد، وأكد أن «أفعال النظام هي التي تشجع الإرهاب».
على كل حال يدرك بيرت أنه «ليس هناك دعم برلماني لتقديم أسلحة أو أي شيء من هذا القبيل»، وأن وجود «القاعدة» وفكرة أن تقع الأسلحة في الأيدي الخطأ قد «تكون ما يشغل بال نواب البرلمان». في أغسطس (آب) من هذه السنة خسرت حكومة ديفيد كاميرون مشروع قرار في البرلمان حول إمكانية مشاركة المملكة المتحدة في عمل عسكري ضد نظام بشار الأسد لردعه ضد استخدام الأسلحة الكيميائية. ويوافق هوكايم على أن «الخطر يكمن في أن يقوم المسؤولون الغربيون اليوم باعتبار (القاعدة) تمثل تهديدا أكبر بكثير من نظام بشار الأسد ذاته، مما سيفتح المجال أمام التعاون في مجال مكافحة الإرهاب والتعاون الاستخباري مع نظام الأسد» وستكون تلك «نتيجة وخيمة». ويضيف هوكايم: «إن دمج مكافحة الإرهاب في مجمل السياسة الغربية الخاصة بسوريا يعد مأساة حقيقية»، فذلك لا يعطي نظام الأسد الشرعية فحسب، بل يؤدي إلى تطرف المعارضة أكثر. بينما يماط اللثام عن هذه النقاشات وصل النزاع السوري إلى مرحلة جمود؛ إذ يواصل نظام الأسد مقاومة غارات المعارضة المسلحة بالدعم العسكري من إيران وحلفائها، لكن النظام يبقى عاجزا إلى حد كبير عن الاحتفاظ بالمناطق التي يستعيدها من قوات المعارضة المسلحة. وقد صرحت المعارضة المعتدلة بنقص الدعم الدولي والفجوة الناتجة في القوة النارية بينها وبين النظام.
المفارقة المحزنة هي أن المتطرفين «طعنوا الثورة في ظهرها» كما قال أحد أعضاء الائتلاف الوطني السوري طلب عدم ذكر اسمه، في حديث لـ«الشرق الأوسط». ويدعي أعضاء المعارضة أن مقاتلي الدولة الإسلامية في بلاد العراق والشام لا يقاتلون النظام كما أن النظام لا يقاتلهم. فهم مهتمون أكثر بتأسيس موطئ قدم لهم لنشر آيديولوجيتهم وتوفير الأدوية والطعام وغير ذلك من الخدمات، إضافة إلى اغتيال قيادات الجيش السوري الحر.
حسب الوضع الراهن لا يملك الجيش السوري الحر الوسائل اللازمة لخوض حرب على جبهتين، ولهذا جعل الحرب ضد النظام أولويته. لاحظ هؤلاء الأعضاء من المعارضة أن مقاتلي الجيش السوري الحر يفوقون مقاتلي جبهة النصرة في العدد بأكثر من نسبة 10 إلى واحد، لكن جبهة النصرة تتلقى دعما مهما أكثر بكثير.
مفارقة أخرى هي أن نظام الأسد استغل المتطرفين في الماضي، فعل ذلك في سوريا وفي لبنان وفي العراق بعد غزو عام 2003 الذي سلح بعده النظام المتطرفين الذين كانوا مسجونين في سوريا وأرسلهم إلى العراق ليقاتلوا الأميركان ثم زج بهم في السجون مرة أخرى عند عودتهم. يضيف هوكايم في هذا الخصوص: «فكرة أن نظام الأسد حاجز حقيقي لهذه الجماعات عارية عن الصحة تماما».
طرأ تطور مهم على الأرض بإعلان تكوين الجبهة الإسلامية أواخر نوفمبر (تشرين الثاني). وما جاء في بيان المجموعة عبارة عن مظلة نتجت عن «الدمج التدريجي» لعدد من الأجنحة الإسلامية الهادفة إلى الإطاحة بالأسد وتأسيس دولة إسلامية. ويعتقد الخبراء أن ذلك قد يلعب دورا مضادا لموازنة جبهة النصرة والدولة الإسلامية بالعراق وبلاد الشام، لكنها تمثل أيضا تهديدا للجيش السوري الحر المعتدل. في الحادي عشر من ديسمبر (كانون الأول) أعلنت كل من حكومتي الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا عن إيقاف المساعدات غير الفتاكة للمعارضة السورية في شمال البلاد. وجاء هذا القرار بعد قيام الجبهة الإسلامية بالسيطرة على مخازن تابعة للجيش الحر على الحدود التركية تحوي على مساعدات أميركية للجيش الحر.
لا تعد المعارضة المعتدلة فقط هي الحاجز الحقيقي أمام صعود الجماعات المتطرفة في سوريا، ولكن في غياب دعم دولي أكثر للمعارضة المسلحة فهذا يعني أنه سيعوزهم الفاعلية الضرورية على الأرض حتى تترجم في مؤتمر «جنيف2» إلى ضغط من أجل صفقة تشمل رحيل الأسد. في ظل هذه الظروف فإن الضغط الذي يمكن للدول دائمة العضوية بمجلس الأمن الدولي ممارسته على الأسد قد يكون حاسما. حتى لو خرج المؤتمر مثمرا فهو لن يعدو تمثيلا لبداية جولة من المحادثات التي يمكن أن تمتد إلى ما لا نهاية. ستستمر الحرب وستتواصل خسائرها البشرية والمادية في التصاعد.
في ظل الظروف الراهنة، من المحتمل جدا أن لا يفي مؤتمر «جنيف2» بهدف المعارضة المعتدلة: التراضي على اتفاق حول حكومة انتقالية يشكلها مسؤولون من النظام وشخصيات من المعارضة باستثناء الأسد والدائرة المقربة منه.
قال ويليام هيغ وزير الخارجية البريطاني في حديث له أخيرا: «علينا أن نأمل أن تكون سنة 2014 هي السنة التي نطوي فيها صفحة النزاع السوري ونجعل بها حل الدولتين لعملية الشرق الأوسط قريب المنال، ونقوم بكل ما يمكن للتفاوض من أجل تسوية شاملة مع إيران حول برنامجها النووي». وسط كل ما هو مجهول وغير متيقن منه ستكشف 2014 إلى أي مدى كان ذلك تمنية للنفس بالأماني.
*مساعد رئيس التحرير للموقع الانجليزي



العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».


هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
TT

هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)

بالتزامن مع التحركات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، والضربات العسكرية المحتملة على إيران، تواصل الجماعة الحوثية في اليمن استعداداتها العسكرية وحشد المقاتلين واستحداث مواقع جديدة لأسلحتها، في وقت يُنظر لها فيه بأنها إحدى أهم الأذرع الإقليمية للرد الإيراني.

وعلى الرغم أن الجماعة المدعومة من إيران لم تصدر أي بيان رسمي يعلن موقفها من تعرض إيران لهجوم أميركي، فإن قادة فيها حذَّروا الولايات المتحدة من أي عمل عسكري، وتحمُّل المسؤولية الكاملة عن التصعيد وتداعياته، ولمحوا إلى أن تعاطيهم معه سيتم وفق ما تراه القيادة العليا بعد تقييم الموقف وتداعياته المحتملة.

وبقدر ما توحي هذه التلميحات، إلا أن ثمة تفسيرات لها بعدم الرغبة في لفت انتباه الإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترمب إلى ضرورة التعامل مسبقاً مع الرد المقبل من قِبل الجماعة، خصوصاً وأن هذه الإدارة قد شنت حملة عسكرية سابقة ربيع العام الماضي على الجماعة وتسببت لها بالكثير من الخسائر.

ويرى إسلام المنسي، الباحث المصري في الشؤون الإيرانية، أن إيران قد لا تذهب إلى إحراق أوراقها كافة في حال لم يكن هناك داعٍ لذلك، خصوصاً مع التهديدات الأميركية بارتفاع سقف التصعيد في حال إقدام أي أذرع عسكرية إيرانية على التدخل والمشاركة في المواجهة.

مدمرة أميركية تصل إلى ميناء إيلات جنوب إسرائيل ضمن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة (رويترز)

ولم تلجأ إيران لاستخدام أذرعها العسكرية خلال مواجهتها مع إسرائيل والضربة الأميركية المحدودة لها صيف العام الماضي؛ لكونها لم تشعر بخطر وجودي، وهو ما قد يتغير في المواجهة المرتقبة، ويمكن أن يدفع إلى تدخل الجماعة الحوثية، بما يشمل استهداف حلفاء ومصالح الولايات المتحدة وقواتها العسكرية، وفقاً لحديث المنسي لـ«الشرق الأوسط».

وإذا كانت إيران قد سبق لها وعرضت، في إطار تفاوضي، التخلي عن أذرعها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك الحوثي، فإن ذلك يجعل من المؤكد أنها ستستخدمها في الرد، خصوصاً وأنها أنشأتها للدفاع عن أراضيها في جغرافيا بعيدة عنها، حسب المنسي.

وترجح الكثير من التقارير الاستخباراتية أن يكون «الحرس الثوري» الإيراني قد بحث مع الحوثيين تفعيل ساحات دعم بديلة خلال المواجهة الأميركية الإيرانية المنتظرة، واستخدام خلايا وأسلحة لم يجرِ استخدامها من قبل.

تأهب مكشوف

ومنذ أيام نقلت وسائل إعلام صينية عن قيادي عسكري حوثي، لم تسمّه، أن الجماعة رفعت فعلاً حالة التأهب، ونفذت عمليات تفتيش لمنصات إطلاق الصواريخ في مناطق عدة داخل اليمن، من بينها منطقة البحر الأحمر ذي الأهمية الاستراتيجية.

صورة نشرها الحوثيون لما زعموا أنه موقع تحطم طائرة أميركية مسيّرة في أبريل الماضي (غيتي)

في هذا السياق، يؤكد صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن الجماعة الحوثية ستشارك في الدفاع عن إيران ضد أي هجمات أميركية، مستنداً إلى خطابها الإعلامي المرافق لحشود أنصارها في الساحات والميادين، والذي يؤيد بشكل واضح حق إيران في الدفاع عن نفسها.

ورغم المواربة التي يتخذها هذا الخطاب بشأن إيران؛ فإنه يعيد التذكير بحرب غزة، ويجدد التعهدات الحوثية بالعودة إلى التصعيد العسكرية للدفاع عن سكان القطاع المحاصر، كما يوضح صلاح لـ«الشرق الأوسط»، منوهاً إلى أن إيران لم تشارك الحوثيين كل تلك التقنيات العسكرية المتطورة والنوعية، إلا بسبب ثقتها العالية بهم وقدرتهم على استخدامها لصالحها.

وخلال الفترة الماضية، وبعد استهداف إسرائيل حكومة الجماعة غير المعترف بها وعدداً من قياداتها، برز عدد من القادة الحوثيين المتشددين في ولائهم لإيران، بينما يجري على الأرض استحداث مواقع عسكرية ونقل معدات وأسلحة إلى مناطق جديدة في المناطق الساحلية والقريبة منها، إضافة إلى إمكانية استخدام خلايا أمنية في خارج حدود اليمن.

ويرجح صلاح أنه، ومع تهديدات الضربة العسكرية على إيران كبيرة، فإن الرد الإيراني سيأخذ منحى متقدماً قد يصل إلى السعي لإغلاق المضائق؛ وهو ما يجعل مضيق باب المندب في دائرة الاستهداف الحوثي.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

ويبدي الكثير من المراقبين قلقاً من أن تكون الجماعة الحوثية نقلت خلال السنوات الماضية عدداً من مقاتليها وخلاياها الاستخباراتية إلى خارج اليمن لاستهداف مصالح أميركية وغربية في المنطقة.

خيارات مفتوحة

وفقدت الجماعة الحوثية عند إعلان وقف إطلاق النار في غزة أحد أهم مبررات حشد المقاتلين وجمع الأموال، وبدأت بمواجهة تصاعد الغضب الشعبي ضد ممارساتها والحالة الإنسانية المتدهورة بخطاب إعلامي يحاول إقناع المتلقين بأن المعركة لم تنتهِ، وأن هناك جولات قادمة منها.

وفي موازاة استمرار الجماعة بحشد أنصارها أسبوعياً في مظاهرات تشمل مختلف مناطق سيطرتها تحت شعارات مناصرة قطاع غزة، لجأت إلى تنفيذ هجمات في جبهات المواجهة مع الحكومة الشرعية في اليمن، خصوصاً في محافظة تعز، في حوادث يصفها بعض الخبراء العسكريين بمحاولات جس النبض، بينما يرى آخرون أنها تهدف لصرف الانتباه عن ممارسات أخرى.

في هذا السياق، يذكّر وليد الأبارة، رئيس مركز اليمن والخليج للدراسات، بأن الجماعة واجهت مرحلة حرجة بعد وقف الحرب في غزة، بعد أن فقدت أحد أبرز مبررات هجماتها على الملاحة في البحر الأحمر، وإزاء ذلك فقد تلجأ إلى استحداث مبررات جديدة، بمزاعم العقوبات المفروضة عليها للحفاظ على زخمها الإعلامي ودورها الإقليمي.

أنصار الحوثيين في وقفة لهم بمدينة حجة تحت شعار الاستعداد للمواجهة المقبلة (إعلام حوثي)

إلى جانب ذلك، فهناك خياران آخران، حسب توضيحات الأبارة لـ«الشرق الأوسط»، يتمثل الأول بإعادة توجيه نشاطها نحو الداخل؛ بهدف تعزيز ميزان القوى العسكري والاقتصادي لمصلحتها، أو لفرض شروطها في أي تسوية مقبلة، بينما يتمثل الآخر بالرضوخ للضغوط الدولية والإقليمية والانخراط في مسار تفاوضي، خصوصاً في حال تصاعد العقوبات أو تراجع قدرتها الاقتصادية والعسكرية.

وحسب تقدير موقف لمركز اليمن والخليج الذي يديره الأبارة، فإن المعطيات تشير إلى أن الاحتجاجات الواسعة في إيران باتت تضغط على قدرة النظام على إدارة نفوذه الإقليمي بالوتيرة السابقة، دون أن تصل إلى تفكيك شبكة وكلائه.

وهذا الواقع يدفع طهران إلى مقاربة أكثر حذراً، تحكمها أولويات الداخل وحسابات التكلفة والعائد، مع الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ الخارجي دون تصعيد واسع.

ويُرجَّح الأبارة في هذا الإطار استمرار العلاقة مع الحوثيين ضمن استمرارية منضبطة، بدعم انتقائي يضمن بقاء الجماعة فاعلة، إلا أن اتساع الاحتجاجات أو تعرض إيران لضربة عسكرية مباشرة قد يفتح سيناريو إعادة تموضع حوثية أعمق، تشمل تنازلات سياسية وأمنية أوسع مقابل ضمانات إقليمية.