«البحر الميت»... طينه يحمل الشفاء وشاطئه يهدّئ الأعصاب

أخفض نقطة على الكرة الأرضية يجد فيها السائح كل وسائل الاستجمام والعلاج

«البحر الميت»... طينه يحمل الشفاء وشاطئه يهدّئ الأعصاب
TT

«البحر الميت»... طينه يحمل الشفاء وشاطئه يهدّئ الأعصاب

«البحر الميت»... طينه يحمل الشفاء وشاطئه يهدّئ الأعصاب

عمّان. مركز الأردن الرئيسي. شوارعها مزدحمة ومحالها مكتظة وسكانها يتضاعفون. رغم تميز العاصمة الأردنية، فإن الهدوء والسكينة ليسا من مواصفاتها. لذلك؛ يختار سكانها وزوارها الهرب من حيويتها أحياناً طلباً للاسترخاء. رحلة نصف ساعة بالسيارة ستقضي بالغرض. مسافة نحو 50 كيلومتراً تفصلهم عن واحة هادئة فريدة من نوعها... البحر الميت. هذا المعلم ليس غريباً على الناس، فكلما بحثوا عن صور للأردن ظهرت لهم لقطة شهيرة لرجل يطوف على سطح البحر ويطالع الجريدة من دون أي جهد وارتباك. البحر الميت أعجوبة طبيعية وجوهرة بصرية. مياهه وطينه يحملان الشفاء، وشاطئه يهدئ الأعصاب.
يعتبر البحر الميت أخفض بقعة على الأرض، 430 متراً تحت سطح البحر. وبين سلسلتين جبليتين عند وادي الأردن تشكل في قلبها البحر الميت الذي كان يمتد في الأصل على طول 360 كيلومتراً من العقبة (جنوب الأردن) إلى بحيرة طبريا (شمال). يعتبر هذا الوادي بأرضه الخصبة ومناخه الدافئ، والبحر الميت بمياهه العلاجية مركزاً جاذباً للسكان عبر التاريخ. شهد الوادي على مدار السنين الكثير من الحضارات التي تعود إلى عصور قديمة. تم الكشف في هذا المكان عن أكثر من 200 موقع إثري حتى اليوم.
رغم أنه يتغذى من مياه نهر الأردن العذبة، فإن البحر الميت، وهو بحيرة بالأصح، يتسم بمياه شديدة الملوحة؛ ما يمنع الحياة المائية فيه، ويتيح لمن يحاول السباحة فيه أن يطوف إلى سطحه من دون أي جهد. سُمي بالميت لتعذر وجود الكائنات الحية فيه، إلا أنه بحر حي وغني بالأملاح والمعادن التي تشكل ثروة بالإمكان استخدامها في مجالات صناعية وطبية عدة.
لهذا؛ ليس غريباً أن يُعتبر المنتجع قبلة الباحثين عن الهدوء والجمال والعلاج منذ فجر التاريخ. فقد زارته شخصيات تاريخية شهيرة كهيرودس العظيم وكيلوباترا، وهلم جراً من السلاطين والحكام والملوك.
- متحف وإطلالة
افتتح متحف البحر الميت عام 2006 ليكون متحفاً تاريخياً طبيعياً يسلط الضوء على قصة البحر الميت منذ ولادته، بما فيها مخاطر الجفاف. يتربع المشروع على أرض واسعة تُطل من أعلى تلة، على البحر الميت. وقد سميت هذه الإطلالة «بانوراما»؛ لما توفره من منظر رائع من كل الاتجاهات. ويتوفر المتحف على خريطة تكشف مسافات واتجاهات المدن الأردنية والفلسطينية المجاورة كالعقبة، والبتراء، وجرش، والكركـ وبيت لحم، والخليل والقدس.
أما المتحف نفسه، فبني على الطراز المعماري العربي الأصيل، ويشمل أربعة أقسام، الأول يوضح نشأة وجيولوجيا البحر وما نتج من حركة الصفائح الأرضية، إلى جانب عرض معادن وصخور موجودة في المنطقة المحيطة. الثاني يعرض خصائص النظام البيئي للمنطقة بما فيها النباتات التي تعيش في محيطها. أما الثالث فيكشف علاقة الإنسان بالمنطقة منذ الأزل إلى جانب عرض منتجات البحر الميت وفوائدها. القسم الرابع والأخير، يعكس حال البحر الميت اليوم في ظل ظواهر تهدده ومقترحات للحفاظ عليه من الجفاف والزوال.
المشروع مزود أيضاً بمسرح خارجي صغير محاط بحديقة نخيل وزهور تتلاءم مع طبيعة المنطقة. كما يضم مطعماً لبنانياً يطل على البحر.
- مشاهير ومؤتمرات عالمية
البحر الميت وجهة تجذب مشاهير العرب والعالم. يرونها بقعة للانعزال عن العالم لبضعة أيام والاسترخاء لهدوئها وجمالها. منهم على سبيل المثال المغنية الصغيرة حلا الترك التي شاركت متابعيها على «سنابشات» تفاصيل إقامتها هناك، والمغنية الأميركية الشهيرة بولا عبدول التي تناقلت وسائل الإعلام تفاصيل إجازتها أيضاً. كما تحولت الوجهة إلى موقع مثالي لإقامة حفلات الخطبة والزواج على شاطئ البحر في الفنادق الفاخرة.
وبعيداً عن الحفلات الغنائية وزيارات مشاهير عالم الفن والغناء والسينما، يستقطب البحر الميت نوعاً آخر من المؤثرين والمشاهير؛ أعلام عالم السياسة والاقتصاد وصناع القرار عربياً وعالمياً. السبب وراء ذلك يعود إلى افتتاح مركز الملك الحسين بن طلال الراحل للمؤتمرات عام 2005. المركز يقع على الضفة الشرقية من البحر الميت، ويتميز بطرازه المعماري الفريد الذي يمزج بين فن العمارة الإسلامية وطراز البناء الحديث، كما تحاكي حجارته وجدرانه، بتركيبتها وألوانها، البيئة الأردنية المحيطة.
- أماكن مجاورة
منطقة البحر الميت محاطة بمواقع مميزة بطبيعتها وآثارها. رحلة قصيرة لا تتعدى الساعة من هناك ستصحبك إلى معالم يجب على كل زائر للأردن استكشافها.
- حمامات ماعين
تقع على مسافة عشرين كيلومتراً من منتجعات البحر الميت. سميت بهذا الاسم لكثرة ينابيع المياه فيها. فعددها يزيد على ستين من جبال ماعين باتجاه البحر الميت، ثم تتجمع في شلالات من أعلى قمم الجبال. إلى جانب المنظر الطبيعي الخلاب، تحتوي مياه الينابيع على عناصر معدنية مثل الكالسيوم والصوديوم؛ ما يجعلها مقصداً للسياحة العلاجية والاستجمامية. تتميز مياه الينابيع المعدنية بحرارتها أيضاً، وتعتبر هاتان الخاصيتان مثاليتين لمن يعانون أمراضاً مزمنة، مثل الروماتيزم وآلام المفاصل، ودوالي القدمين، وآلام العضلات والظهر. كما تساعد في تنشيط الدورة الدموية والشفاء من الأمراض والطفح الجلدي وتهدئة الأعصاب. استنشاق الأبخرة المتصاعدة من الينابيع الحارة يساعد أيضاً على تخفيف احتقان الجيوب الأنفية، والتخلص من الأمراض الصدرية. المنطقة توفر دخولاً لاستمتاع بالينابيع العامة، لكن منتجع «الينابيع الساخنة» الذي يقع مباشرة تحت شلال المياه الحارة يوفر تجربة متكاملة وإقامة فاخرة للنزلاء. يضم المنتج المصمم على طراز الواحة مسبحاً خارجياً، ومنتجعاً صحياً إلى جانب مطعم عصري وآخر تقليدي يقدم وجبة «الزرب» الأردنية التقليدية في خيمة بدوية. كما يوفر خدمات نقل يومية إلى البحر الميت.
- محمية الموجب
رحلة بالسيارة لا تتعدى عشرين دقيقة تصحب زائر البحر الميت إلى محمية الموجب. سميت بهذا الاسم بسبب مرور وادي الموجب الشهير في الجزء الجنوبي منها. تبلغ مساحتها نحو 212 كيلومتراً مربعاً، وتمتد نحو 24 كيلومتراً على شاطئ البحر الميت. جريان المياه بشكل موسمي ودائم في الكثير من الأودية، يدعم نمو النباتات المائية كالأوركيدا في النهر، كما تعطي هذه الأودية المناطق الجافة إمكانية دعم التنوع الرائع من الحياة البرية، فضلاً عن أنها واحدة من المصادر الرئيسية التي تعوّض نسبة التبخر العالية من البحر الميت. فالدراسات تشير إلى أن المحمية تحتوي على أكثر من 550 نوعاً من النباتات، و8 أنواع من الحيوانات آكلة اللحوم، وأنواع كثيرة من الطيور المقيمة والمهاجرة، وفق تقرير للجمعية الملكية الأردنية لحماية الطبيعة. كما أن غنى التنوع الحيوي النباتي مرتبط بهذه الأودية، حيث توجد أشجار النخيل، بالإضافة إلى التين البري، وأشجار أثل، وشجيرات الدفلي، والنباتات الجميلة، والنبت المائي على طول ضفاف الأودية. هذا، وتضم المحمية مواقع أثرية ترجع إلى العصور القديمة سواء الرومانية أو الإسلامية. هنا يمكن للسياح القيام بمغامرات وأنشطة عدة، مثل السباحة والتسلق وعبور وادي الموجب بمساراته الضيقة وغيرها.
المغطس
مسافة ٢٠ كيلومتراً تفصل منتجعات البحر الميت عن المغطس الواقع في منطقة وادي الخرار التي سميت قديماً ببيت عنيا، وتبعد مئات الأمتار شرق نهر الأردن على الحدود مع الأراضي الفلسطينية المحتلة. ونظراً لرمزيته الدينية زاره بابا الفاتيكان بنيدكت السادس عشر خلال زيارته إلى الأراضي المقدسة عام 2009، وقد كشفت الحفريات في المنطقة آثار كنيسة بيزنطية كانت قد بنيت في عهد الإمبراطور آناستاسيوس، كما يوجد في المكان آبار عدة للماء، وبرك يعتقد أن المسيحيين الأوائل استخدموها في طقوس جماعية للعماد. وقد قامت دائرة الآثار العامة بترميم الموقع الذي زاره البابا يوحنا بولس الثاني وأعلنه مكاناً للحج المسيحي في العالم مع أربعة مواقع أخرى في الأردن، هي: قلعة مكاور، جبل نيبو، مزار سيدة الجبل في عنجرة، مزار النبي إيليا في منطقة خربة الوهادنة. وقد جرى اكتشاف دير بيزنطي في موقع تل الخرار، المشار إليه باسم «بيت عنيا عبر الأردن»، ويوجد هذا الموقع على بعد نحو كيلومترين شرقي نهر الأردن في بداية وادي الخرار. وهناك ينابيع طبيعية عدة تشكل بركاً يبدأ منها تدفق الماء إلى وادي الخرار، وتصب في النهاية في نهر الأردن. وكذلك، توجد واحة رعوية تقع في بداية وادي الخرار، أو كما تسمى «تلة إيليا» أو «تلة مار إلياس». كما جرى العثور على مواد أخرى، مثل الخزف، والعملات المعدنية، وبلاط الرخام المستعمل في تبليط الأرضية، وكل هذه تدل على أن الموقع يعود إلى الفترة البيزنطية المتأخرة ما بين القرنين الخامس والسادس بعد الميلاد.
- تشكيلة فنادق تناسب الجميع
لا تكتمل تجربة الاستمتاع بالبحر الميت ومحيطه من دون قضاء ليلة واحدة على الأقل في أحد الفنادق المطلة على شاطئه، حيث حرص الأردن في السنوات الأخيرة على استقطاب استثمارات لزيادة أعداد الفنادق في البحر الميت لتلائم جميع من يرتاده.
- كمبنسكي عشتار
يقدم 9 مسابح مياه حلوة في الهواء الطلق محاطة بالأشجار ومطلة على البحر الميت. للفندق شاطئه الخاص ومزود بمنتجع علاجي «سبا» يوفر للنزلاء جلسات التدليك والحمام التقليدي. كما يقدم مركزه الرياضي مدربين شخصيين عند الطلب إلى جانب دروس اليوغا والاسترخاء. طابع الفندق رومانسي وهادئ؛ لذا يفضله عادة الأزواج.
- ماريوت وادي الأردن
يقع قبالة الجبال الوعرة، ويمتاز بضمه مسابح مياه حلوة ومالحة وأحواض الجاكوزي. غرفه تصميمها عصري وهادئ، ويطل بعضها مباشرة على البحر. يوفر الفندق المزود بمنتجع صحي علاجات عدة لتجديد الجلد بأملاح وطين البحر الميت. ويمتاز بمطاعمه المتنوعة إلى جانب مقهى يطل على البحر يقدم المشروبات والشيشة حتى ساعة متأخرة؛ ما يجعله مناسباً لمحبي السمر.
- موفنبيك البحر الميت
يتميز بطابعه المعماري العربي وبديكوره التراثي. يوفر الفندق مدخلاً خاصاً إلى الشاطئ ويضم مسابح عدة، منها مسبح لا متناهٍ (إنفينيتي) وآخر شتوي مدفأ. كما يضم نادياً خاصاً بالأطفال. الغرف متناثرة على طابع معمار بيوت الصخر العربية، بعضها يطل على نافورات وحدائق والآخر يطل على المسابح أو على البحر. من أهم مرافقه منتجع صحي يشتمل على غرف بخار وخدمات المساج، وحمامات بالعطور الاستوائية. الفندق مناسب للعائلات.
- هيلتون البحر الميت
يقع على مقربة من المغطس المعمداني، وأكثر ما يميزه شاطئه الخاص الذي يمتد (اصطناعياً) عبر عشرات الأمتار من الشط الأصلي. يضم أيضاً منتجعاً صحياً وسبعة مطاعم من مختلف مطابخ العالم. الفندق مناسب لمحبي الجلوس عند الشاطئ، ولمن يحبون تنويع وجباتهم وتذوق نكهات من مختلف بقاع الأرض.
- فندق البحيرة
المنتجع يقع في الرامة، مسافة 15 دقيقة من البحر الميت. يوفر مرافق رياضية مائية إلى جانب ملاعب خاصة للأطفال، ومنتجع صحي للنساء فقط. الفندق محافظ ومناسب جداً للعائلات المحافظة والنساء المحجبات؛ إذ يوفر لهن حمامات سباحة وأقسامأً خاصة بهن.
- مطاعم على الشاطئ
توفر الفنادق المتعددة في منطقة البحر الميت اختيارات لا تحصى من المطاعم والأطباق المتنوعة، وتفتح أبوابها لغير النزلاء لتناول الوجبات، لمن يحب الخروج من الفندق واستكشاف المطاعم المجاورة. من أجملها، مطعم برج الحمام اللبناني المطل على البحر في فندق الكراون بلازا. ولمحبي الأكلات السريعة اختيارات عدة من فروع سلاسل أردنية مثل «تشيلي وايز»، و«بوفالو وينغز آند رينغز». ولمن يبحث عن جلسة أكثر فخامة لتناول وجبة عشاء مطولة، فعليه زيارة «سمارة مول». وتتوفر اختيارات متعددة من المطاعم منها مطعم «دابلينرز» الآيرلندي و«روفرز ريترن» الإنجليزي، ومطعم المحيط المختص بالأسماك الطازجة، ومطعم زيتونة ومقهى «باستيش» لمحبي الشيشة.


مقالات ذات صلة

الرياض ترتبط مباشرة بميلانو عبر رحلات جديدة من «طيران ناس»

الاقتصاد المكتب المخصص لأولى رحلات «طيران ناس» المتجهة من الرياض إلى ميلانو (طيران ناس)

الرياض ترتبط مباشرة بميلانو عبر رحلات جديدة من «طيران ناس»

أعلن «طيران ناس» عن تسيير رحلات مباشرة تربط العاصمة السعودية الرياض بمدينة ميلانو الإيطالية، وذلك بالتعاون مع «برنامج الربط الجوي»، و«الهيئة السعودية للسياحة».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
سفر وسياحة وصف الصورة: الرحالة سلوى إبراهيم خلال تسلقها صخور العلا (إرشيف الرحالة)

رحّالة سعودية تكشف عن جمال الأحساء وتجارب التخييم والسفر المنفرد

الرحالة السعودية سلوى إبراهيم، اختارت من الجغرافيا المحلية بوصلتها، بصفتها صانعة محتوى متخصصة في التعريف بالأماكن السياحية في السعودية.

فاطمة القحطاني (الرياض)
أوروبا مسافرون عند مكاتب تسجيل الوصول التابعة للخطوط الجوية البريطانية في مطار هيثرو بلندن (رويترز-أرشيفية)

بريطانيا تدرس إطلاق تأشيرة إقامة لاستقطاب الأثرياء ورواد الأعمال

تدرس بريطانيا إطلاق تأشيرة إقامة جديدة لمدة ثلاث سنوات للأثرياء الأجانب الذين يستثمرون 5 ملايين جنيه إسترليني (6.7 مليون دولار) على الأقل في البلاد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا سياح أجانب على متن قارب سياحي يمرون بمعبد الفجر أو «وات أرون» على ضفة نهر تشاو فرايا في بانكوك بتايلاند 18 مايو 2026 (إ.ب.أ)

تايلاند تعتزم تقليص مدة الإقامة من دون تأشيرة مع ارتفاع جرائم مرتبطة بأجانب

تعتزم تايلاند خفض مدة الإقامة من دون تأشيرة للسياح من أكثر من 90 دولة وذلك في إطار جهودها للحد من الجرائم التي يرتكبها أجانب.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد إحدى طائرات «طيران الرياض» تحلق في العاصمة الرياض (صندوق الاستثمارات العامة)

«بوينغ دريملاينر» ستحلّق بأول مسافري «طيران الرياض» في يوليو

يدخل «طيران الرياض»، الناقل الوطني الجديد، المملوك بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة، المشهد الجوي العالمي من بوابة العاصمة البريطانية، لندن.

بندر مسلم (الرياض)

رحّالة سعودية تكشف عن جمال الأحساء وتجارب التخييم والسفر المنفرد

وصف الصورة: الرحالة سلوى إبراهيم خلال تسلقها صخور العلا (إرشيف الرحالة)
وصف الصورة: الرحالة سلوى إبراهيم خلال تسلقها صخور العلا (إرشيف الرحالة)
TT

رحّالة سعودية تكشف عن جمال الأحساء وتجارب التخييم والسفر المنفرد

وصف الصورة: الرحالة سلوى إبراهيم خلال تسلقها صخور العلا (إرشيف الرحالة)
وصف الصورة: الرحالة سلوى إبراهيم خلال تسلقها صخور العلا (إرشيف الرحالة)

شهدت السعودية خلال السنوات الأخيرة تغيراً في مفهوم الرحلات؛ إذ لم تعد مجرد انتقال جغرافي، بل باتت تجربة ثقافية متكاملة تعكس علاقة الإنسان بالمكان وتعيد تعريف الاكتشاف، ويتنامى الاهتمام بالرحلات البرية والتخييم بوصفه جزءاً من أسلوب حياة يقوم على الوعي بالطبيعة واحترامها، وجاء ذلك مدفوعاً بتنوع الطبيعة في السعودية من الصحاري الممتدة إلى الأودية الخضراء والسواحل المتباينة؛ ما أوجد بيئة خصبة لهذا النوع من الترحال.

وتتقدم الرحلات المنفردة بوصفها مساحة لاختبار الذات، حيث أصبح التخييم ممارسة تقوم على التخطيط الدقيق، والانفتاح على المجهول، والتوازن بين الأمان وروح المغامرة.

وضمن هذا المشهد تظهر الرحالة السعودية سلوى إبراهيم، التي اختارت من الجغرافيا المحلية بوصلتها، بصفتها صانعة محتوى متخصصة في التعريف بالأماكن السياحية في السعودية، وتحاول من خلال رحلاتها أن يرى الناس المكان كما عاشته، وأن يشعروا به كما شعرت.

وصف الصورة: لقطة تبرز تشكيلات الصخرية في صحراء «بجدة» بمدينة تبوك (إرشيف الرحالة)

وأوضحت سلوى إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أنه على الرغم من انفتاح الوجهات العالمية وسهولة الوصول إليها، لا ترى أن هويتها تمتد خارج هذه الجغرافيا التي تنتمي إليها، «نصبت تركيزي الأساسي على السعودية ودول الخليج؛ لما تحتويه من طبيعة عملت على توثيقها من خلال سلسلة أسميتها الجانب الآخر، والتي تستعرض فيها مواقع غير تقليدية وتجارب بعيدة عن المسارات المعتادة، ففي مدن السعودية أماكن مدهشة لا يعرفها كثيرون».

وأشارت إلى أن رحلاتها تمتد لفترات طويلة «لا أعتمد على جدول يومي صارم، بل أمنح نفسي الوقت الكافي للتشبع بالمكان، وقد أقضي ليلتين أو ثلاثاً في موقع واحد، أو حتى أياماً عدة إذا وجدت فيه ما يستحق البقاء»، مستشهدة بتجربتها في وادي الديسة، حيث عادت إليه أكثر من مرة خلال رحلاتها.

وصف الصورة: ملايين النخيل الممتدة في مشهد حي بمدينة الأحساء (إرشيف الرحالة)

وتحدثت عن أبرز الوجهات التي تركت أثراً في تجربتها، مشيرة إلى ثلاثة أودية رئيسية في السعودية، لكل منها طابعه الخاص؛ إذ وصفت وادي الديسة بأنه مساحة طبيعية تحيط بها الجبال الشاهقة وتتخللها ممرات خضراء ومياه موسمية، تمنح إحساساً مختلفاً عن البيئة الصحراوية، في حين يتميز وادي «طيب اسم» بتداخل فريد بين الجبال الحادة ومياه خليج العقبة، في مشهد يجمع بين عنصرين متناقضين داخل تناغم، إلى جانب وادي «لجب» فسلطت الضوء على أنه «تجربة حسية بحد ذاته، حيث يمر الزائر داخل ممر صخري ضيق بارتفاعات شاهقة، تتدفق فيه المياه بين الجدران».

ووصفت صحراء «بجدة» في منطقة تبوك بأنها «من أكثر المواقع غرابة بصرياً؛ نظراً لتداخل الجبال الحمراء مع الرمال والطعوس في تشكيلات جيولوجية معقدة، بالإضافة إلى انتشار الكهوف الطبيعية؛ ما يجعلها بيئة استكشافية متقدمة لا يمكن الوصول إليها بسهولة». وكشفت عن أن سيارتها كانت عنصراً أساسياً في بدء هذه الرحلات «حضرت سيارتي جيب رانجلر ذات الدفع الرباعي كجزء أساسي من التجربة، حيث منحتني القدرة على الوصول إلى أماكن لا تستطيع السيارة الصغيرة خوضها».

لقطة للرحالة سلوى إبراهيم خلال رحلتها في كهوف بجدة بمدينة تبوك(إرشيف الرحالة)

وتنطلق رحلات سلوى بعد مرحلة تحضير دقيقة وطويلة، تتجاوز الجانب اللوجستي إلى الجاهزية الذهنية الكاملة، فهي تعتمد على تخطيط شامل يشمل دراسة الخرائط ومسارات الوصول، وتحديد مواقع التخييم بدقة، إلى جانب حفظ أرقام الطوارئ والتنسيق مع مرشدين محليين موثوقين، بما يضمن تقليل أي مخاطر محتملة أثناء الرحلة، بالإضافة إلى تجهيز ما يكفي من المؤن الغذائية وأواني طبخ سهلة التنظيف.

على الرغم من هذا المستوى العالي من التنظيم، تترك مساحة محسوبة للعفوية، «بعض التجارب الأكثر تميزاً قد تنشأ من تغير غير متوقع في المسار، ويقودني ذلك إلى مواقع لم تكن ضمن الخطة الأصلية»، هذا التوازن بين الانضباط والمرونة يشكّل الإطار العام لأسلوبها في السفر والاستكشاف.

وتعتمد سلوى في اختيار وجهاتها على مزيج من البحث المسبق والاقتراحات الواردة من متابعيها عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب الحدس الشخصي الذي يلعب دوراً حاسماً في اتخاذ القرار النهائي، مستخدمةً تطبيقات الخرائط وتوصيات المرشدين، مع متابعة كثيفة لما يردها من جمهورها، حيث ترى أن تكرار الإشارات إلى موقع معين مؤشر يستحق التوقف عنده.

كشفت سلوى في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مدينة الأحساء تمثل حالة خاصة تتجاوز كونها محطة ضمن رحلاتها، لتتحول مشروعاً شخصياً تسعى من خلاله إلى إعادة تعريف المنطقة بصرياً، إذ تُعدّ مسقط رأسها، «لا أكتفي بتقديم النخيل كصورة تقليدية، إنما أنقل تجربة كاملة تعكس تنوع الأحساء الفريد، حيث تضم ملايين النخيل وتلتقي بيئات متعددة في مساحة واحدة، إلى جانب صحراء ممتدة نحو الربع الخالي والدهناء وامتداد بحري، هذا التداخل يجعل الأحساء واحدة من أغنى البيئات الطبيعية في السعودية».

وصف الصورة: جانب من رحلات سلوى إبراهيم في وادي الديسة تظهر الجبال المحيطة بالوادي (إرشيف الرحالة)

وترتكز فلسفة سلوى في السفر من رؤية تتجاوز الإحساس بالمكان، إذ ترى أن الجمال لا يرتبط بمدى انتشار الوجهة، بل بقدرة الزائر على التفاعل معها شعورياً؛ فالمواقع البسيطة أو غير المعروفة تحمل في نظرها قيمة استثنائية لمن ينسجم معها، مستشهدة بتجربتها في العلا، حيث تفرض التكوينات الصخرية والجبال حضوراً بصرياً وروحياً خاصاً.

وأما تجربة السفر المنفرد، فلم تكن بداية سهلة بالنسبة لسلوى، حيث رافقتها مخاوف طبيعية دفعتها في أولى رحلات التخييم إلى البقاء بالقرب من الطرق طلباً للأمان، غير أن تلك المرحلة تحولت لاحقاً نقطة مفصلية في مسارها، ومع مرور الوقت أصبح السفر الفردي عنصراً أساسياً في تشكيل شخصيتها، انعكس أثره على حياتها المهنية في عملها ممرضةً، وأسهم من قدرتها على اتخاذ القرار والتعامل مع المواقف تحت الضغط.

تمثل تجربة سلوى نموذجاً يعكس ما تتسم به بيئة السعودية والخليج من درجات عالية من الأمان، غير أن ذلك لا يلغي أهمية الوعي والمسؤولية، خاصةً لدى الفتيات الراغبات في خوض تجربة السفر الفردي أو التخييم، على أن يتم التخطيط المسبق، واختيار مواقع معروفة، وتجنب المناطق المعزولة دون خبرة كافية، تُعدّ هذه عناصر أساسية لضمان تجربة آمنة.

ويشهد قطاع السياحة تطورات كبيرة بما في ذلك مواقع مهيأة للتخييم وبنية تنظيمية كبيرة، أسهمت في ترسيخ ثقافة الرحلات البرية، لتتحول السعودية وجهة استكشاف متنامية تستقطب رحَّالة من داخلها وخارجها، خاصة خلال موسم الشتاء.


«غرب سهيل»... عنوان السياحة الريفية المستدامة

إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)
إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)
TT

«غرب سهيل»... عنوان السياحة الريفية المستدامة

إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)
إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)

على الضفة الغربية لنهر النيل في أسوان تتخذ «غرب سهيل» موقعاً استثنائياً بين القرى المصرية؛ فهي تتخذ مكانها فوق سفح جبلي، مستمدة خصوصيتها من جمال الطبيعة، ومسجلة حضورها كنموذج حي للسياحة الريفية المستدامة.

لكن لا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد أصبحت القرية النوبية في أقصى جنوب مصر أيضاً وجهة عالمية تُروى قصتها في المحافل الدولية بعد اختيارها ضمن أفضل القرى السياحية لعام 2024 في برنامج منظمة الأمم المتحدة للسياحة.

وهو اختيار لم يأت صدفة، بل عبر مسار طويل من التحول، بدأ من جذور ضاربة في التاريخ الفرعوني، مروراً بتهجير أبناء النوبة، وصولاً إلى المشهد الحالي الذي جعل من القرية متحفاً طبيعياً مفتوحاً، يحيا فيه التراث، ويتنفس يومياً مع سكانها وزائريها.

هذه القرية التي يصفها أهلها بـ«بلدي الحبوب»؛ من فرط حبهم واعتزازهم بها، لا تعد مجرد محطة في جولة السائح داخل أسوان، إنما باتت تشكل الوجهة ذاتها، بما تملكه من طاقة بصرية، وبما تحتضنه من ذاكرة إنسانية وثقافية تمتد إلى العصور الفرعونية؛ حين كانت المنطقة مركزاً للتعبد والطقوس اليومية للملوك.

تجربة سياحية مختلفة (غرب سهيل الفيسبوك)

ويرتبط اسمها تاريخياً بجزيرة «سهيل» المجاورة، وهي الجزيرة التي اكتسبت قداسة كبيرة في الدولة القديمة لصلتها بالإله خنوم وزوجته الإلهة ساتت.

ولذلك حين تزورها حتماً ستشعر بقدسية المكان وأهميته الروحية، لا سيما حين تتأمل نقوش الملوك على الجرانيت الصلد، والتي تعد كتاباً مفتوحاً لفصول من التاريخ.

لكن على الرغم من كل هذا الزخم الحضاري والتاريخي، فإن للقرية وجهاً آخر معاصراً يجتذب شرائح أخرى من السياح؛ فبعد تعلية خزان أسوان في بدايات القرن العشرين، حين انتقلت أسر نوبية كثيرة إلى الضفة الغربية بحثاً عن أرض جديدة تستوعبهم، أعاد الأهالي بناء حياتهم، محافظين على ملامح العمارة النوبية القديمة بطراز «القبو»، وبألوان زاهية تتوزع على الجدران كأنها توقيع شخصي لكل بيت.

ويبدأ كل شيء عند الاقتراب من القرية عبر نهر النيل، وتستوقفك المراكب الشراعية التي تتمايل بخفة، قبل أن تكشف عن ضفة ملونة دافئة تحتضنك في حب، وهي عبارة عن بيوت بقباب دائرية وزخارف يدوية، وأطفال ببشرة داكنة يلوحون للقادمين بابتسامة لا تفارقهم.

بيت نوبي داخل القرية (صفحة غرب سهيل الفيسبوك)

من قرية بسيطة إلى وجهة عالمية

لذلك حين تتوجه إليها فلن تجد نفسك في قلب قرية جميلة فقط، إنما ستكتشف إنك تخوض تجربة سياحية متكاملة، ومختلفة فهنا ستجد البيوت تستقبلك بترحاب، وتقدم لك الأكلات النوبية، وتعكس العادات اليومية.

وإذا تجولت في شوارعها ستدرك حينئذ أنك داخل مساحة مفتوحة للتراث النوبي بكل تفاصيله: الألوان، الموسيقى، الحرف، اللغة، والضيافة.

فالسائح هنا اختار مقصداً حياً للسياحة البيئية؛ وربما يرتبط ذلك بمجموعة المبادرات التي أطلقها الأهالي في المكان والتي تحولت بمرور الوقت إلى مشروع جماعي، أو رمز للسياحة البيئية يُعرف بأسلوبه الخاص، حتى أصبحت اليوم واحدة من أكثر المحطات طلباً لدى الشركات السياحية العالمية.

ربما يكون السر وراء ذلك هو أنك تدخل مكاناً لا يشبه أي مكان آخر؛ فالضيافة في غرب سهيل ليست خدمة بقدر ما هي أسلوب حياة؛ فهنا البيوت مفتوحة كأنها جزء من الشارع، والوجبات النوبية تقدم كما لو أن الزائر فرد من العائلة.

سحر النوبة وجمالها في المكان (فندق إندو ماندو )

الصورة التي تبهر الزائر

من أبرز ما يلتقي به الزائر داخل تلك البيوت التي تحولت العديد منها إلى «بيوت ضيافة» أو مكان سياحي للإقامة، هو المشغولات اليدوية التي تحمل روح النوبة، وتتنوع بين السلال، الحُلي، المشربيات، الرسوم الهندسية، والحرف التي ما زالت النساء يمارسنها منذ أجيال تعيش مع الجذور والفلكلور المصري الجنوبي.

ويمكن للسائح أن يستمتع بأنشطة متعددة يعيشها في المكان؛ حيث يمكنه أن يبدأ يومه برحلة نيلية على المراكب الشراعية، يتبعها ركوب الجِمال على الشريط الرملي، قبل الانتقال إلى جلسات داخل البيوت النوبية لتناول الطعام المحلي المكون من أطباق تقليدية مثل الفطير النوبي، الطواجن، السمك، أو العصائر التقليدية مثل «الكركديه» والدوم.

بينما تتحول الجلسات المسائية إلى مشاهد لا تنسى، بين الموسيقى النوبية التي تؤديها الفرق الشعبية الجنوبية، والرقصات الدائرية على صوت الدفوف، وإذا نظرت إلى أعلى ستبهرك سماء مضاءة بنجوم الجنوب التي تبدو أكثر قرباً من أي مكان آخر.

من اللافت في «غرب سهيل» وجود شباب القرية في كل مكان، وتوليهم مهمة تقديم الخدمات للسياح بشكل احترافي؛ حيث تحولت السياحة إلى مصدر رزق مستدام بالنسبة لهم.

غرف بألوان مبهجة و نقوش فالكلورية (صفحة غرب سهيل الفيسبوك)

مكان الإقامة

أنصحك أن تترك حياة الرفاهية في الفنادق الكبرى في جنوب مصر، وتتوجه إلى بيوت الضيافة بغرب سهيل؛ التجربة هنا مختلفة وممتعة؛ فهي مجهزة على الطراز النوبي، بعضها بإطلالات رائعة مباشرة على النيل، وبعضها الآخر في شوارع جانبية لكنها تضم غرفاً رحبة وشرفات واسعة.

كما ستجد منشآت أكبر ذات طابع معماري مستوحى من الطين الملون والقباب، تقدم برامج إقامة كاملة، ومنها رحلات نيلية يومية، زيارات للمناطق الأثرية، جلسات موسيقية فلكلورية، ورش للتعرف على التراث النوبي.

وجهة قريبة من أهم المعالم

إلى جانب ما تقدمه القرية نفسها، تحيط بها مجموعة من أبرز مواقع أسوان التاريخية والطبيعية، وهو ما يعزز من قيمة زيارتها ويجعلها نقطة انطلاق مثالية لاكتشاف المدينة، ومن أبرز هذه الأماكن «معبد فيلة»، وهو واحد من أهم المعابد المصرية المكرسة لعبادة إيزيس، يحتضنه النيل على جزيرة ساحرة.

وبالقرب من القرية أيضاً، هناك «مقابر النبلاء» تلك المقابر الصخرية المحفورة في الجبل، والتي تكشف عن طبقات من التاريخ المصري القديم، ويقبع دير الأنبا سمعان على الجانب الغربي للنيل، وهو أيضاً دير أثري فريد.

ويمكن لمن يزور أسوان الاستمتاع «بجزيرة النباتات» إذا كان من عشاق المحميات الطبيعية؛ فهي تضم نباتات نادرة، يمكن الوصول إليها بالفلوكة، وتستطيع أيضاً الاستمتاع بزيارة «السد العالي»، فهو أحد أبرز إنجازات مصر الهندسية الحديثة، ومتحف النوبة لذي يعرض ذاكرة النوبة وهويتها.

إذا أردت اتباع نصائحي فإن الفلوكة هي الوسيلة الأفضل والأكثر متعة للوصول إلى القرية، ولا تنسى تخصيص يوم كامل للزيارة على الأقل؛ للاستمتاع بالرحلات النيلية، والتجول، وتناول الأطعمة النوبية.

وقم بشراء المنتجات اليدوية من البيوت؛ فهي ذات سعر أقل من المتاجر، كما أنك حين تفعل ذلك ستساهم مباشرة في دعم الأسر المحلية بالمكان.


بيوت لندن التاريخية... أرشيف حي يرتبط بشخصيات أثرت الفكر والفن والسياسة

منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)
منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)
TT

بيوت لندن التاريخية... أرشيف حي يرتبط بشخصيات أثرت الفكر والفن والسياسة

منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)
منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)

تشتهر لندن بكونها إحدى أكثر العواصم العالمية ثراءً بالمؤسسات الثقافية والمتاحف؛ فمن المتاحف الوطنية الكبرى إلى المعارض الفنية الحديثة، تبدو المدينة وكأنها مكتبة مفتوحة للذاكرة الإنسانية. غير أن جانباً مميزاً من هذا الإرث الثقافي لا يظهر في القاعات الواسعة أو المباني الضخمة، بل في فضاءات أكثر حميمية وهدوءاً: بيوت المتاحف: هذه البيوت ليست مجرد مبانٍ تاريخية محفوظة، بل أماكن تعيد إحياء حياة أصحابها وتفاصيل يومهم العادي. ففيها تتقاطع العمارة بالتاريخ، والسيرة الشخصية بالتحولات الاجتماعية الكبرى. وعندما يدخل الزائر أحد هذه المنازل، فإنه لا يشاهد التاريخ فقط، بل يعيش داخله للحظات.

إن فكرة تحويل المنازل التاريخية إلى متاحف ليست جديدة، لكنها اكتسبت في لندن طابعاً خاصاً، حيث ترتبط هذه البيوت غالباً بشخصيات أثرت في الفكر أو الفن أو السياسة. ومن بين أبرز هذه الأمثلة متحف Sir John Soane’s Museum، وبيت Benjamin Franklin House، والتجربة الفنية المميزة في Dennis Severs’ House.

هذه البيوت الثلاثة، رغم اختلاف قصصها، تشترك في هدف واحد: تحويل التاريخ من مادة جامدة محفوظة في الكتب إلى تجربة إنسانية ملموسة.

منزل تاريخي يعود إلى عام 1630 (الشرق الأوسط)

عندما يصبح المنزل وثيقة تاريخية

تتميز بيوت المتاحف بأنها تحافظ على البنية الأصلية للمكان، وهو ما يمنح الزائر فرصة نادرة لفهم كيف كانت الحياة اليومية في فترات تاريخية مختلفة.

فبدلاً من عرض الأثاث أو الوثائق في قاعات معزولة، تبقى الأشياء في أماكنها الطبيعية: المكتب في غرفة الدراسة، والكتب على رفوف المكتبة، وأدوات الطعام على مائدة المطبخ.

هذا الترتيب يمنح الزائر إحساساً بأن الزمن توقف داخل تلك الجدران. وهو إحساس يصعب تحقيقه في المتاحف التقليدية التي تعتمد على العرض المنفصل للقطع الأثرية.

كما أن بيوت المتاحف تمثل أيضاً مصادر مهمة لدراسة التاريخ الاجتماعي؛ فهي تكشف تفاصيل الحياة اليومية التي غالباً ما تغيب عن السجلات الرسمية: طريقة ترتيب الغرف، وأنواع الأثاث المستخدمة، وحتى أسلوب الإضاءة والتدفئة. ومن خلال هذه التفاصيل الصغيرة يمكن فهم الكثير عن الثقافة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية في العصور الماضية.

غرفة نوم تعود إلى عام 1956 (الشرق الأوسط)

متحف السير جون سوان: عبقرية معمارية داخل منزل صغير

يعد متحف سير جون سوان واحداً من أكثر بيوت المتاحف إثارة للإعجاب في لندن. وكان هذا المنزل مقر إقامة المعماري البريطاني الشهير السير جون سوان الذي ترك بصمة واضحة في العمارة البريطانية في أواخر القرن الثامن عشر.

وكان سوان شخصية استثنائية تجمع بين المعمار والباحث وجامع التحف. فقد أمضى سنوات طويلة في السفر وجمع القطع الأثرية واللوحات الفنية والمخطوطات من مختلف أنحاء أوروبا.

ومع مرور الوقت، امتلأت غرف منزله بهذه المقتنيات إلى حد جعل المكان أشبه بمتحف خاص. لكن سوان لم يكن مجرد جامع للقطع الفنية، بل كان مهتماً أيضاً بكيفية عرضها.

لذلك صمم المنزل بطريقة مبتكرة تعتمد على اللعب بالضوء والمساحات. فقد استخدم فتحات سقفية ومرايا تعكس الضوء الطبيعي إلى داخل الغرف، مما يمنح المكان إشراقاً غير متوقع.

كما صمم جدراناً متحركة يمكن فتحها لتكشف عن لوحات إضافية، الأمر الذي يجعل الزائر يشعر وكأنه يكتشف المتحف تدريجياً.

ومن بين الكنوز التي يضمها المتحف أعمال للفنان البريطاني الشهير ويليام هوغارث (William Hogarth)، إضافة إلى مجموعة واسعة من الآثار المصرية والرومانية.

اليوم، لا يُنظر إلى هذا المكان على أنه متحف فني فحسب، بل أيضاً كدرس حي في العمارة. فالبيت نفسه يُعد عملاً فنياً يوضح كيف يمكن للمساحة المحدودة أن تتحول إلى فضاء ثقافي غني.

منزل تاريخي تحول إلى متحف (الشرق الأوسط)

بيت بنجامين فرانكلين: التاريخ الأميركي يمر عبر لندن

في شارع هادئ بالقرب من ساحة الطرف الأغر تجد منزل بنجامين فرانكلين الذي عاش في هذا البيت بين عامي 1757 و1774، وهي فترة حاسمة سبقت اندلاع (الثورة الأميركية).

وخلال تلك السنوات، كان يعمل ممثلاً لعدة مستعمرات أميركية لدى الحكومة البريطانية، وكان يسعى إلى تسوية الخلافات المتصاعدة بين المستعمرات وبريطانيا.

لكن جهوده الدبلوماسية لم تنجح في منع الأزمة التي انتهت بقيام الثورة الأميركية. ومع ذلك، لعبت تجربته في لندن دوراً مهماً في تشكيل أفكاره السياسية.

لم يكن فرانكلين سياسياً فقط، بل كان أيضاً عالماً بارزاً في مجال الكهرباء. واشتهر بتجاربه حول البرق التي قادته إلى تطوير فكرة مانعة الصواعق.

كما كان شخصية فكرية بارزة في حركة Age of Enlightenment التي دعت إلى استخدام العقل والعلم في فهم العالم.

اليوم، يقدم المنزل للزوار فرصة لفهم هذه المرحلة المهمة من حياة فرانكلين. فالغرف التي عاش فيها، والمكتب الذي كتب عليه رسائله، تعطي صورة واضحة عن الحياة الفكرية والسياسية في القرن الثامن عشر.

إن زيارة هذا البيت تذكرنا بأن الأفكار التي غيرت العالم قد تنشأ أحياناً في أماكن بسيطة، داخل منزل هادئ في مدينة بعيدة عن موطن صاحبها.

منزل دينيس سيفرز: المتحف بوصفه تجربة فنية

في شرق لندن يقع أحد أكثر بيوت المتاحف غرابة وإبداعاً منزل دينيس سيفرز: (Dennis Severs’ House) إنشاء هذا المكان الفنان سيفرز الذي عاش فيه لعقود قبل وفاته عام 1999.

لم يكن مؤرخاً تقليدياً، بل كان فناناً يسعى إلى خلق تجربة حسية كاملة. لذلك صمم المنزل بحيث يبدو كأنه منزل عائلة حقيقية عاشت فيه عبر قرون.

وكل غرفة تمثل فترة زمنية مختلفة، وتحكي جزءاً من قصة خيالية لعائلة من نسّاجي الحرير الذين استقروا في لندن في القرن الثامن عشر. وما يجعل التجربة فريدة هو أن الزائر لا يجد شروحات مكتوبة تقريباً. بدلاً من ذلك يعتمد المتحف على الإضاءة والروائح والأصوات لإعادة خلق أجواء الماضي.

فقد يرى الزائر شموعاً مضاءة، أو مائدة طعام لم تُرفع بعد، أو أدوات عمل تركها أصحابها للحظة. وهذه التفاصيل الصغيرة تجعل المكان يبدو وكأن سكانه سيعودون في أي لحظة. وهكذا يتحول المتحف إلى تجربة فنية تجمع بين التاريخ والمسرح والخيال.