اتساع المظاهرات من سوق طهران إلى محيط البرلمان

المحتجون هتفوا ضد تدهور الوضع الاقتصادي وسياسات النظام الإقليمية... والشرطة استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريقهم

إيرانيون يهتفون ضد سوء الأوضاع الاقتصادية أثناء الاحتجاجات قبالة سوق الذهب والمجوهرات في بازار طهران القديم أمس (أ.ب)
إيرانيون يهتفون ضد سوء الأوضاع الاقتصادية أثناء الاحتجاجات قبالة سوق الذهب والمجوهرات في بازار طهران القديم أمس (أ.ب)
TT

اتساع المظاهرات من سوق طهران إلى محيط البرلمان

إيرانيون يهتفون ضد سوء الأوضاع الاقتصادية أثناء الاحتجاجات قبالة سوق الذهب والمجوهرات في بازار طهران القديم أمس (أ.ب)
إيرانيون يهتفون ضد سوء الأوضاع الاقتصادية أثناء الاحتجاجات قبالة سوق الذهب والمجوهرات في بازار طهران القديم أمس (أ.ب)

اتسع نطاق الاحتجاجات ضد تدهور الأوضاع الاقتصادية، في «بازار» طهران أمس لليوم الثاني على التوالي، على خلفية احتجاجات اندلعت أول من أمس غضبا من ارتفاع سعر الدولار إلى مستويات قياسية، وأعلن عدد من التجار والباعة في أسواق طهران إغلاق أبواب المحلات احتجاجا على تذبذب الأسعار، قبل أن تتشكل موجات احتجاجية عفوية شقت طريقها من مختلف مناطق وسط طهران إلى محيط البرلمان الإيراني للتنديد بالوضع الاقتصادي، وهو ما أدى إلى مناوشات بين المتظاهرين وقوات الأمن في ميدان بهارستان.
وتباينت تقارير وسائل الإعلام الرسمية مع عشرات المقاطع التي تم تداولها في مواقع التواصل الاجتماعي عبر نشطاء من داخل طهران، وبينما دفعت رواية وسائل الإعلام الحكومية باتجاه تمييز المتظاهرين بين تجار يرفعون مطالب اقتصادية محقة و«مجهولين حاولوا تحريف مسار المظاهرات»، أظهرت مقاطع الناشطين موجات بشرية تردد هتافات بصوت واحد تطالب قوات الأمن بتوفير الأمان للمتظاهرين والسماح بإقامة الاحتجاجات وذلك على الرغم من تأكيد الجانبين على سلمية الاحتجاجات.
وأظهرت المقاطع المتوفرة أن نواة الاحتجاجات بدأت بالإضرابات بين أسوار «بازار» طهران القديم منذ أول ساعات الصباح، قبل أن يشكل التجار والباعة إضافة إلى مواطنين غاضبين موجات بشرية شقت طريقها من الأسواق المركزية في وسط العاصمة الإيرانية باتجاه مقر البرلمان الإيراني في ميدان بهارستان.
وبحسب التقارير، شهدت مدن أخرى بالقرب من طهران، مثل شهريار وكرج، إضرابات مشابهة، كما تداول ناشطون حول حراك متزامن في أسواق مدينة مشهد في شمال شرقي البلاد وجزيرة قشم وبندر عباس وعبادان والأحواز في جنوب البلاد.
واتهمت وكالة «إيلنا» أطرافا بالسعي وراء إثارة التوتر على أثر إغلاق سوق طهران. وتابع تقرير الوكالة المقربة من الإصلاحيين أن «تعطل الأسواق كان دائما لإعلان موقف النقابات تجاه القضايا الاقتصادية مثل الضرائب والركود، وقلما تشهد شعارات سياسية».
وأبلغ متعاملون في «البازار»، التي أيد تجارها الثورة الإسلامية في إيران في 1979، وكالة «رويترز» بالهاتف أن معظم المحال التجارية ما زالت مغلقة.
ونقلت الوكالة عن تاجر في البازار طلب عدم نشر اسمه: «نحن جميعا غاضبون من الوضع الاقتصادي. لا يمكننا أن نواصل أعمالنا بهذا الشكل. لكننا لسنا ضد النظام».
وذكرت الوكالة أن بعض أصحاب المحلات في سوق طهران أغلقوا أبواب المحلات التجارية احتجاجا على غلاء الدولار وتراجع المبيعات، وقالت في تقريرها الرئيسي إن «بعض الأشخاص حاولوا إثارة التوتر في سوق طهران بهدف إغلاق المحلات التجارية احتجاجا على الأوضاع الاقتصادية المتدهورة وسببوا مشكلات للناس العاديين».
وذكرت تقارير وسائل إعلام رسمية أن 8 أسواق في سوق طهران الكبير أغلقت أبوابها «حفاظا على الأموال والأرواح».
وأفاد مراسل وكالة الصحافة الفرنسية بأن شرطة مكافحة الشغب استخدمت عند الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر (11.00 ت.غ) الغاز المسيل للدموع عند تقاطع «الفردوسي» وشارع «جمهوري»، في وسط طهران، ضد عشرات من الشبان الذين كانوا يرمون حجارة ومقذوفات في اتجاه عناصر الشرطة. وتفرق المحتجون الذين كانوا يهتفون: «ادعمونا أيها الإيرانيون» عندما بدأ عناصر الشرطة الاقتراب منهم.
وأفادت وكالة «رويترز» نقلا عن شهود، بأن دوريات للشرطة جابت البازار الكبير في طهران أمس في الوقت الذي واجهت فيه قوات الأمن صعوبة في إعادة الأمور إلى طبيعتها بعد اشتباكات مع محتجين أغضبهم انهيار الريال، الذي يعطل قطاع الأعمال من خلال زيادة تكلفة الواردات.
وكانت الدعوات للإضرابات بدأت بسوق طهران للإلكترونيات في شارع «جمهوري».
ونقلت عدسات المواطنين الإيرانيين تفاصيل التطورات إلى مختلف مناطق إيران والعالم. أول مقاطع تم تداولها أظهرت شعارات اقتصادية تندد بارتفاع سعر الدولار وعجز السياسات الاقتصادية الحكومية عن تحسين معيشة الإيرانيين، لكن مع مرور الوقت وابتعاد حشود المتظاهرين عن مناطق الانطلاق باتجاه البرلمان، أظهرت المقاطع أن الشعارات اتخذت ألوانا أكثر سياسية تندد بإنفاق طهران على تدخلاتها الإقليمية وتجاهل أوضاع المواطن الإيراني، فضلا عن شعارات «الموت للديكتاتور» وأخرى تشكك بأهلية المرشد الإيراني علي خامنئي وقدرة البرلمان الإيراني على إدارة شؤون البلاد.
وتشهد إيران منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي احتجاجات متصاعدة ضد تدهور الوضع المعيشي وتنحو إلى مسارات أكثر تحديا للسلطات بعدما جرب الإيرانيون عددا كبيرا من الاحتجاجات خلال العام الماضي ضد تدهور الأوضاع المعيشية والمشكلات البيئية، وهو ما أجمع مراقبون على أنه شكل مفارقة على مدى 39 عاما من عمر النظام الإيراني.
قبل أشهر قليلة كانت السلطات قد نجحت في احتواء الاحتجاجات ضد غلاء الأسعار قبل أن تلجأ قوات الأمن إلى العنف في تفريق احتجاجات جماعة «غناباد الصوفية» في فبراير (شباط) الماضي، بمنطقة باسداران شمال طهران، وهو ما أدى إلى سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى في صفوف الجماعة وقوات الأمن، وانتهت باعتقال المئات منهم.
في الأثناء، أعلن رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني حشمت الله فلاحت بيشه عن اجتماع صباح اليوم بين نواب البرلمان ومسؤولين حكوميين في الأجهزة المعنية لبحث الوضع الاقتصادي ومخاوف الإيرانيين، وفقا لوكالة «إيسنا» الحكومية.
وشدد فلاحت بيشه على أهمية تنفيذ الاتفاق النووي في ظل الظروف الراهنة وقال: «الأبعاد الاقتصادية الداخلية المتأثرة بالاتفاق النووي؛ نظرا لهواجس الناس والقضايا الدولية التي لها ظروفها الخاصة، تتطلب النقاش».
وكانت تصريحات فلاحت بيشه أول تعليق يصدر من مسؤول في البرلمان الإيراني بعد ساعات من تجمهر المتظاهرين في محيط البرلمان.
وناقش البرلمان أول من أمس خلف الأبواب المغلقة أوضاع الاقتصاد الإيراني وموجة غلاء الأسعار الجديدة بحضور نائب الرئيس الإيراني إسحاق جهانغيري ووزيري الصناعة والزراعة ورئيس البنك المركزي.
أما محافظ طهران فقد دعا إلى اجتماع طارئ لخلية الأزمة في العاصمة الإيرانية طهران لبحث الإضرابات وتجمهر المحتجين بالقرب من البرلمان الإيراني.
ونقلت «إيلنا» عن المساعد الأمني لمحافظ طهران محسن همداني نسج أن خلية الأزمة في طهران دعت إلى اجتماع طارئ لبحث أوضاع السوق في طهران.
وقال عبد الله اسفندياري، رئيس مجلس أمناء سوق طهران، في أول تعليق على الأوضاع الملتهبة في السوق، إنه «لم يتوقف نشاطه بصورة كاملة، لكن أجزاء كبيرة أغلقت الأبواب».
وصرح اسفندياري لوكالة «إيسنا» الطلابية بأن «مطالب تجار السوق شرعية، يريدون توضيح وضع سوق الصرف بشكل نهائي»، مضيفا: «نأمل في الالتفات إلى مشكلاتهم وأن تعود السوق غدا (اليوم الثلاثاء) إلى حركتها العادية». وأشار إلى أن التجار «يحتجون على سعر الصرف المرتفع... تقلب العملات الأجنبية (...)، وعرقلة البضائع في الجمارك، والافتقار إلى المعايير الواضحة للتخليص الجمركي، وحقيقة أنهم في ظل هذه الشروط، تجعلهم غير قادرين على اتخاذ قرارات أو بيع بضائعهم».
في سياق متصل، قال أمين عام نقابات «بازار طهران» أحمد كريمي أصفهاني لوكالة «إيسنا»: «كنا نتوقع الأوضاع الحالية للسوق، وحذرنا المسؤولين عدة مرات، وقلنا إنه لا يمكن السيطرة على السوق في ظل الأحوال الحالية».
من جانبه، قال المساعد الأمني والسياسي لقائمقام طهران عبد العظيم رضائي، أمس، إن السلطات «لم تعتقل أي شخص من المتجمهرين خلال الاحتجاجات»، مشددا على أن «التجمعات انتهت بشكل سلمي ومن دون مشكلات، ولم تسفر عن إصابة أي أحد».
وقال المسؤول الأمني الإيراني تعليقا على انتشار عدد كبير من قوات الأمن الإيرانية، إنه يأتي نتيجة «الحساسيات الموجودة لتوفير أمن المركز التجاري في محيط السوق، حتى لا يفتقر أصحاب المحلات للأمن ويغلقوا المحلات»؛ بحسب ما أوردت عنه وكالة «إيرنا» الرسمية.
وقال المسؤول الإيراني إن السلطات بحثت مطالب أصحاب المحلات والتجار مع رؤساء النقابات، مضيفا أن «مطالب الباعة اقتصادية، لكن عددا من الأشخاص أرادوا تغيير مسار الاحتجاجات من القضايا الاقتصادية، وهو ما تصدت له قوات الأمن».
وبحسب المسؤولين، فإن مطالب السوق في الاحتجاجات شملت مخاوف من تذبذبات سوق العملة وفقدان الأعمال.
وأجمعت وسائل الإعلام التابعة للحكومة و«الحرس الثوري» على أن الاحتجاجات «كانت مطالب نقابية واقتصادية، أدت إلى إغلاق جزئي للسوق وتجمهر عدد منهم أمام البرلمان».
وقالت وكالة «تسنيم»، التابعة لمخابرات «الحرس الثوري» الإيراني، في تقريرها الرئيسي عن احتجاجات سوق طهران إنها خرجت ضد السياسات الاقتصادية للحكومة الإيرانية.
وأوضحت الوكالة أن «المتظاهرين تفرقوا بإعلان احتجاجهم على الوضع الاقتصادي وقرارات المسؤولين عن الملف الاقتصادي في الإدارة الإيرانية»، ووصفت إغلاق سوق طهران بالخطوة الرمزية بهدف إيصال صوتهم إلى المسؤولين. كما وجهت تهما إلى «مجهولين ملثمين» بالسعي وراء اختراق صفوف المتظاهرين لإجبار التجار على إغلاق محلاتهم التجارية، وهو ما واجه مقاومة من قبل التجار أجبرتهم على مغادرة السوق؛ حسب زعم الوكالة.
وأشارت الوكالة إلى مناوشات بين المتظاهرين وقوات الأمن في شارع «جمهوري» ومنطقة «لاله زار» بالقرب من مقر البرلمان الإيراني، وقالت إن متظاهرين أشعلوا النيران في أكشاك الشرطة والممتلكات العامة.
ويتعرض الريال لضغوط شديدة من تهديد العقوبات الأميركية. وهوت العملة الإيرانية إلى 90 ألف ريال مقابل الدولار في السوق غير الرسمية أمس من 87 ألفا أول من أمس الأحد، ونحو 75500 يوم الخميس الماضي، بحسب موقع الصرف الأجنبي «بونباست دوت كوم»؛ وبحسب «رويترز».
وفي نهاية العام الماضي، بلغت العملة المحلية 42890 ريالا للدولار.
وفرضت إيران حظرا على استيراد أكثر من 1300 منتج في إطار إعداد اقتصادها لمقاومة عقوبات تهدد بها الولايات المتحدة، ووسط احتجاجات على هبوط عملتها إلى مستويات قياسية منخفضة.
في السياق نفسه، ذكرت صحيفة «فايننشيال تريبيون» الإيرانية أمس عن وثيقة رسمية أن وزير الصناعة والتجارة محمد شريعة مداري فرض حظر الاستيراد على 1339 سلعة يمكن إنتاجها داخل البلاد. كما ذكرت صحيفة «طهران تايمز» أن قائمة الواردات المحظورة تشمل الأجهزة المنزلية ومنتجات المنسوجات والأحذية ومنتجات الجلود والأثاث ومنتجات الرعاية الصحية وبعض الآلات.
وتأتي التطورات في طهران قبل بدء العقوبات الأميركية على إيران التي من المفترض أن تبدأ من جديد في أغسطس (آب) وفي نوفمبر (تشرين الثاني) المقبلين بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي.
وقد يتسبب هذا في انخفاض إيرادات إيران من العملة الصعبة من صادرات النفط، وقد يؤدي ذلك إلى قيام الإيرانيين بتحويل مدخراتهم من الريال إلى الدولار.



الدموع الساخنة... أمهات يبكين أثناء دفن قتلى الحرب في جبانة بطهران

حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (رويترز)
حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (رويترز)
TT

الدموع الساخنة... أمهات يبكين أثناء دفن قتلى الحرب في جبانة بطهران

حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (رويترز)
حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (رويترز)

بينما كان حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، كانت مرضية رضائي تبكي على ابنها عرفان شامي، الذي لقي حتفه في انفجار بمعسكر تدريب قبل أيام من موعد عودته إلى المنزل في إجازة.

يقول مسؤولون إيرانيون إن الحرب، التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) بسلسلة من الغارات الجوية على طهران ومدن أخرى وأغرقت الشرق الأوسط في أزمة، أودت بحياة أكثر من 1300 إيراني حتى الآن.

سالت الدموع بغزارة على وجه مرضية وهي تحدق بذهول في الفراغ، وتعانق صورة كبيرة لابنها البالغ من العمر 23 عاماً. كان صوتها يرتجف من الحزن، وهي تتذكر آخر محادثة دارت بينهما عندما ناقشا تفاصيل إجازته المقبلة وعودته إلى عائلته.

قالت «لم أره منذ شهرين»، مضيفة أن آخر يوم له قبل العودة إلى المنزل كان من المفترض أن يكون اليوم الاثنين، وهو اليوم الذي قابلتها فيه «رويترز». كان من المقرر أن يتزوج بعد ذلك بوقت قصير، وكانت رحلة العودة إلى المنزل جزءاً من الاستعدادات للزفاف.

أم تبكي على ابنها (رويترز)

قتل شامي في انفجار وقع في معسكر التدريب في كرمانشاه بغرب إيران في الرابع من مارس (آذار)، حوّل خيمته إلى كرة من اللهب وحول جثته إلى كتلة متفحمة لدرجة أن أمه لم تتمكن من رؤيتها.

وسط مهابة الموت وجلال المشهد، وتحت الأمطار الخفيفة التي تتساقط ببطء حولها، جلست مرضية أمام القبر في مقبرة بهشت زهراء (جنة الزهراء) الفسيحة التي تمتد على مساحة واسعة جنوبي طهران. وقالت إن ابنها كان شخصاً مأمون الجانب حتى إنه «كان يخاف من الظلام».

حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (رويترز)

دفن شامي وغيره من القتلى في الصراع الحالي في القسم 42 من المقبرة، حيث كان عشرات من حفاري القبور منشغلين، اليوم الاثنين، بتحضيرات الدفن. وكان العمال يجهزون أحجار الرخام الأبيض التي نُقشت عليها أسماء المتوفين.

وأثناء إحضار جثة أخرى للدفن، في نعش محمول على أكتاف الأهل والأقارب، تردد صوت الهدير الناتج عن جراء غارة جوية عبر المقبرة، وارتفع دخان رمادي من منطقة مجاورة.

امتدت القبور تحت مظلة مزينة بصور الموتى والأعلام الإيرانية، بينما تجمعت العائلات، تبكي وتتحدث. جلست نساء بجانب القبور، بعضهن يبكين في هدوء، وأخريات يضربن صدورهن بقبضات أيديهن تعبيراً عن الحزن والألم.

وقفت شاحنة على مقربة، وكانت محملة بالزهور الملونة. ونثرت الزهور فوق القبور بينما كانت مكبرات الصوت تبث ترانيم الحداد الشيعية. تضم قبور أخرى في القسم نفسه رفات أعضاء «الباسيج»، وهي قوة تطوعية شبه عسكرية تابعة للحرس الثوري، ومسؤولين ومعتقلين من سجن إيفين، الذي استُهدف في الحرب الحالية وفي غارات في يونيو (حزيران) من العام الماضي.

فقدت فاطمة دربيشي (58 عاماً) شقيقها البالغ من العمر 44 عاماً في بداية الحرب، عندما كان يحاول إنقاذ أشخاص محاصرين في سيارة تعرضت للقصف، فأصيب بشظايا انفجار آخر، مما أدى إلى إصابته بجروح أودت بحياته. توفي والداهما عندما كان طفلاً صغيراً. وقالت وهي تبكي «نشأ يتيماً. أنا من ربيته». لكن بالنسبة لبعض المشيعين، كان الحزن مصحوباً بالغضب والتحدي تجاه إسرائيل والولايات المتحدة بسبب حملة القصف. وقالت والدة إحسان جانجرافي البالغ من العمر 25 عاماً وهي ترفع قبضة يدها في الهواء: «لن يوقفونا، ولن يجبرونا على الرضوخ عندما يحرقون قلوبنا».


حرب الاستنزاف تتسع بين إسرائيل وإيران

نيران وأعمدة دخان تتصاعد من مطار مهرآباد ضمن غارات طالت غرب طهران فجر الاثنين (شبكات التواصل)
نيران وأعمدة دخان تتصاعد من مطار مهرآباد ضمن غارات طالت غرب طهران فجر الاثنين (شبكات التواصل)
TT

حرب الاستنزاف تتسع بين إسرائيل وإيران

نيران وأعمدة دخان تتصاعد من مطار مهرآباد ضمن غارات طالت غرب طهران فجر الاثنين (شبكات التواصل)
نيران وأعمدة دخان تتصاعد من مطار مهرآباد ضمن غارات طالت غرب طهران فجر الاثنين (شبكات التواصل)

تكثفت الضربات المتبادلة بين إسرائيل وإيران في اليوم السابع عشر من الحرب، مع اتساع رقعة الغارات داخل إيران، في وقت قالت فيه القيادة المركزية الأميركية إن الحملة العسكرية تواصل استهداف البنية الصناعية والعسكرية الإيرانية، في وقت قالت طهران إنها ما زالت تحتفظ بقدرات صاروخية ومسيّرة كافية وإنها أعدّت نفسها لحرب طويلة الأمد.

وعكس مشهد الضربات المتبادلة، الاثنين، انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر عمقاً داخل البنية العسكرية والأمنية الإيرانية، مع تركيز إسرائيلي وأميركي معلن على تفكيك أجهزة صنع القرار والقدرات الصناعية والفضائية ومخازن السلاح، في مقابل خطاب إيراني يسعى إلى إظهار تماسك مؤسسات الدولة واستمرار قدرة الجيش و«الحرس الثوري» على الرد، بالتوازي مع إعادة ترتيب مواقع في هرم السلطة بعد مقتل علي خامنئي وتولي نجله مجتبى المنصب.

وقال الجيش الإسرائيلي إن سلاحه الجوي دمر مقر قيادة الوحدة البحرية في «الحرس الثوري» الإيراني في ضربة دقيقة جرى تنفيذها الأسبوع الماضي استناداً إلى معلومات استخباراتية.وأضاف في بيان أن المقر كان يقع داخل مجمع عسكري كبير للنظام الإيراني، واستخدمه قادة البحرية في «الحرس الثوري» لسنوات لإدارة الأنشطة العملياتية وتطوير ما وصفه بعمليات بحرية «إرهابية» ضد إسرائيل ودول أخرى في الشرق الأوسط.وأشار الجيش الإسرائيلي إلى أن الوحدة البحرية في «الحرس الثوري» مسؤولة عن تنفيذ هجمات ضد سفن مدنية، إضافة إلى نقل الأسلحة بحراً وتمويل وتسليح جماعات حليفة لإيران في المنطقة.وقال إن استهداف المقر يضعف قدرات القيادة والسيطرة لدى البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري»، ويحد من قدرتها على تنفيذ عمليات ضد إسرائيل وتهديد طرق التجارة الدولية وحرية الملاحة.

أتى ذلك، بعدما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه شن خلال الليل ثم صباح الاثنين موجات واسعة من الضربات داخل إيران، استهدفت، حسب وصفه، «البنية التحتية للنظام الإيراني» في طهران، قبل أن يوسّع نطاقها لتشمل أيضاً شيراز وتبريز. وقال إن هذه العمليات تأتي ضمن حملة مستمرة لإضعاف الوسائل التي تستخدمها القوات العسكرية الإيرانية في أنحاء البلاد.

وفي سياق متصل، قال الجيش الإسرائيلي إن سلاحه الجوي نفّذ ضربة «دقيقة» في مطار مهرآباد في طهران، أسفرت، حسب بيانه، عن تدمير طائرة قال إنها كانت تُستخدم من جانب المرشد الإيراني السابق علي خامنئي وكبار المسؤولين والعسكريين للتنسيق مع حلفاء إيران وتعزيز المشتريات العسكرية عبر رحلات داخلية ودولية. وأضاف أن تدمير الطائرة يهدف إلى تعطيل قدرات القيادة الإيرانية على التنسيق مع حلفائها وإضعاف جهود إعادة تأهيل قدراتها العسكرية.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أيضاً أنه نفّذ «ضربة مهمة في قلب طهران» دمّرت مجمّعاً قال إنه كان يُستخدم لتطوير قدرات هجومية ضد الأقمار الصناعية. وأوضح أن سلاح الجو نفذ الضربة استناداً إلى معلومات استخباراتية دقيقة، مشيراً إلى أن المجمع كان مخصصاً لتطوير برامج فضائية عسكرية، بما في ذلك منشأة مرتبطة بتطوير القمر الصناعي «شمران-1»، الذي صنعته الصناعات الإلكترونية التابعة لوزارة الدفاع الإيرانية، وأطلقه «الحرس الثوري» إلى الفضاء في سبتمبر (أيلول) 2024.

وأضاف البيان أن تدمير هذا المجمع يأتي بعد ضربة نُفذت الأسبوع الماضي ضد مجمع أبحاث آخر مرتبط بالفضاء تابع لمنظمة الفضاء الإيرانية في طهران. وقال الجيش الإسرائيلي إن إيران استثمرت لسنوات في تطوير قدراتها في مجال «الحرب الفضائية»، مؤكداً أنه سيواصل العمل للدفاع عن قدراته «على الأرض وفي الجو وفي البحر وفي الفضاء».

وفي غرب إيران، قال الجيش الإسرائيلي إنه قصف أهدافاً بينها مقرات لـ«الحرس الثوري» ونقاط تفتيش تابعة لقوات «الباسيج» في مدينة همدان. وبدأت إسرائيل أيضاً استهداف حواجز طرق وجسور تعتقد أن قيادات «الحرس الثوري» تستخدمها في الحركة والتنقل.

نيران تتصاعد من طائرة مدنية بعد ضربة جوية في مطار مهرآباد غرب طهران (شبكات التواصل)

مشهد ميداني من طهران وضواحيها

ميدانياً، أفادت تقارير ومشاهدات بسماع دوي انفجارات متتالية وتحليق طائرات مقاتلة وطائرات مسيّرة فوق طهران وضواحيها خلال الساعات الأولى من فجر الاثنين.

وقال سكان إن الانفجارات سُمعت في مناطق عدة من شرق وشمال شرق وغرب العاصمة، بينها نارمك وسبلان وطهران بارس ومرزداران وستارخان وجنت آباد ونياوران، إضافة إلى مناطق قرب مطار مهرآباد في غرب المدينة.

وأضاف شهود أن بعض الانفجارات كانت قوية بما يكفي لهز المباني وتحريك النوافذ، بينما أضاءت ومضات الانفجارات سماء بعض الأحياء، وسط تحليق مكثف للمقاتلات والمسيّرات في الأجواء. وأفاد سكان في كرج، المدينة المجاورة لطهران، بسماع سلسلة انفجارات قوية في مناطق مهرشهر وجهانشهر وباغستان، بالتزامن مع أصوات مقاتلات حربية تحلق على ارتفاع منخفض. كما وردت تقارير عن سماع انفجارات في مدن أخرى قرب العاصمة، بينها رودهن وورامين وشهريار.

وتشير التقديرات إلى وقوع عشرات الانفجارات في العاصمة وضواحيها خلال فترة قصيرة امتدت بين نحو الساعة 2:45 و3:00 فجراً.

وفي وسط البلاد، ذكرت وكالة «مهر» أن خمسة أشخاص قتلوا وأصيب سبعة آخرون في غارات خلال الليل استهدفت إقليم مركزي. وقالت الوكالة إن منطقة سكنية في ضواحي مدينة أراك تعرضت للهجوم، بالإضافة إلى مبنى سكني في منطقة محلات. وفي مدينة خمين، استُهدفت مدرسة للبنين، ما تسبب بأضرار في المنطقة المحيطة من دون تقارير عن وقوع إصابات.

وفي طهران، واصلت فرق الإنقاذ، وفق رواية نُقلت عن أحد العاملين في الهلال الأحمر الإيراني، انتشال أشخاص من تحت أنقاض مبنى قيل إنه كان سكنياً بالكامل. كما ذكرت وكالة «فارس» أن عدداً من المدنيين قتلوا في غارة قرب ميدان الشهداء، من دون تحديد حصيلة دقيقة.

إسرائيل تتحدث عن حملة ممتدة

على الجانب الإسرائيلي، قال المتحدث العسكري اللفتنانت كولونيل نداف شوشاني إن هناك خططاً عملياتية مفصلة للحرب مع إيران موضوعة للأسابيع الثلاثة المقبلة، إلى جانب خطط إضافية تمتد إلى ما بعد ذلك. وذكر الجيش أن أهدافه تقتصر على إضعاف قدرة إيران على تهديد إسرائيل عبر ضرب البنية التحتية للصواريخ الباليستية والمنشآت النووية والجهاز الأمني.

وقال شوشاني: «نريد أن نتأكد من أن هذا النظام ضعيف قدر الإمكان، وأننا نضعف جميع قدراته، وجميع أجزاء وأجنحة مؤسسته الأمنية». وأضاف أن إسرائيل حشدت أكثر من 110 آلاف جندي احتياط، وأن لديها آلاف الأهداف لضربها داخل إيران.

وفي موازاة الغارات داخل إيران، أعلن الجيش الإسرائيلي في بيانات متلاحقة رصد مرات عدة إطلاق صواريخ من إيران باتجاه إسرائيل، مشيراً إلى أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت هذه التهديدات. وقال إن قيادة الجبهة الداخلية أرسلت تعليمات احترازية مباشرة إلى الهواتف المحمولة في المناطق المعنية، ودعت السكان إلى التوجه إلى الأماكن المحمية والبقاء فيها حتى إشعار آخر، قبل أن تسمح لاحقاً بمغادرتها بعد تقييمات للوضع.

سنتكوم: الحملة تستهدف القدرة على القتال

قدّم قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، عرضاً مفصلاً للحملة العسكرية الجارية، متحدثاً عن نطاق الضربات وحجم الطلعات والأهداف التي دمّرتها القوات الأميركية.

وقال كوبر إن الطيارين الأميركيين نفذوا أكثر من 6000 طلعة جوية قتالية مشتركة منذ بدء الحرب مع إيران، استهدفت صواريخ ومصانع أسلحة و100 سفينة إيرانية. وأضاف أن هذه المهام محددة بدقة بهدف القضاء على تهديدات إيران المتمثلة في الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية.

وأوضح أن القوات الأميركية تستهدف أيضاً «المنظومة الصناعية الأوسع التي تقف وراءها»، وذلك خلال عرض صور ومقاطع قال إنها تُظهر قبل وبعد الضربات التي استهدفت المجمع الصناعي العسكري الإيراني، بما في ذلك مصانع الصواريخ ومستودعات السلاح. وقال إن الهدف من هذه الضربات هو «تدمير قدرة إيران على القتال والتهديد في المنطقة».

وأضاف كوبر أن الهجوم الأميركي الذي نُفذ يوم الجمعة على مواقع عسكرية إيرانية في جزيرة خرج دمّر أكثر من 90 هدفاً، من بينها مخابئ للألغام البحرية والصواريخ. وقال إن نحو 50 ألف أميركي منتشرون في أنحاء المنطقة لتنفيذ المهمة، بما في ذلك إدارة الجوانب اللوجيستية، مشيراً إلى أن الأرقام المعلنة بشأن الطلعات تعكس عدد الطيارين الذين نفذوا المهام وليس عدد الطائرات.

وقال أيضاً إن إيران أطلقت أكثر من 300 صاروخ أو طائرة مسيّرة باتجاه أكثر من 12 دولة منذ اندلاع الحرب، قبل أن يخلص إلى أن «قدرات إيران تتراجع بينما تستمر قدراتنا ومزايا قواتنا في التنامي».

الرد الإيراني: ضربات ورسائل تحدٍّ

في المقابل، أعلن الجيش الإيراني تنفيذ هجوم بطائرات مسيّرة استهدف ما وصفه بـ«مراكز مهمة واستراتيجية» في إسرائيل، قائلاً إن العملية جاءت رداً على ما اعتبره «جرائم العدو». وأوضح أن الهجمات طالت منشآت تصنيع الأسلحة التابعة لشركة «رافائيل» وكذلك مرافق «الصناعات الجوية الإسرائيلية»، مشيراً إلى أن الأولى تعمل في تطوير أنظمة الدفاع الجوي، فيما تنشط الثانية في إنتاج الطائرات العسكرية ومنظومات الدفاع.

وقبل ذلك، قال المتحدث باسم «الحرس الثوري» علي محمد نائيني، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام رسمية، إن إيران لم تستخدم أحدث صواريخها بعد. وأضاف متحدياً: «ألا يقول ترمب إنه دمر البحرية الإيرانية؟ إذا كان يجرؤ، فليرسل سفنه إلى منطقة الخليج».

وفي بيان آخر، قال المتحدث باسم عمليات هيئة الأركان، إن «مفاجآت إيران» لا تقتصر على الأسلحة القوية، بل تشمل «كيفية توجيه ضربات حاسمة للعدو». وأضاف أن القوة البحرية في «الحرس الثوري» نفذت، فجر الاثنين، عملية «دقيقة وقوية» استهدفت المستودع المركزي للذخيرة في قاعدة الظفرة الجوية الأميركية. وقال إن انفجارات «شديدة» وقعت داخل القاعدة، ما أدى إلى إصدار أوامر بإخلائها وإلى نقل المقاتلات الأميركية إلى قواعد أبعد.

وأضاف المتحدث أن القوات المسلحة الإيرانية دمرت، وفق صور أقمار صناعية منشورة خلال الأيام الماضية، أكثر من 80 في المائة من الرادارات الاستراتيجية والنقاط الرئيسية والحيوية في قواعد «الإرهابيين الأميركيين».

كما توعد المتحدث باستهداف المراكز اللوجيستية والخدمية التي تُبقي حاملة الطائرات الأميركية «جيرالد فورد» في حالة تشغيلية، قائلاً إن الحاملة في البحر الأحمر «تمثل تهديداً لإيران».

قاليباف: استعددنا لحرب طويلة

سياسياً وعسكرياً، قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن إيران أعدّت نفسها لحرب طويلة الأمد، مشيراً إلى أن طهران كانت تتوقع التعرض لهجوم واستفادت من تجارب الحرب السابقة لمعرفة الكيفية التي سيحاول بها خصومها «أخذ القدرة العملياتية» منها، حسبما أوردت وكالات إيرانية.

وأضاف قاليباف أن بلاده اتخذت تدابير لمواجهة كل تلك السيناريوهات، معتبراً أن «اللفظيات الأميركية» بشأن القضاء على القدرة الهجومية لإيران لم يعد يصدقها أحد. وأكد أن إيران تمتلك مخزوناً كافياً من الصواريخ والطائرات المسيّرة، فضلاً عن قدرتها على إنتاجها محلياً، مضيفاً أن تصنيع هذه الأنظمة يتم «بمعدل أعلى وبكلفة أقل» من الصواريخ الاعتراضية لدى الخصوم.

إعادة ترتيب هرم السلطة

في موازاة الحرب، برزت مؤشرات إلى محاولة تثبيت البنية القيادية في إيران بعد مقتل علي خامنئي في اليوم الأول للحرب. وأفادت وكالة «مهر» بأن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي عيّن محسن رضائي مستشاراً عسكرياً له. ويُعد هذا أول تعيين بارز يصدر عنه منذ توليه المنصب، فيما يشغل رضائي موقعاً رمزياً وعسكرياً مهماً بوصفه من القادة التاريخيين في «الحرس الثوري» وقائداً عاماً سابقاً له.

وبالتوازي، وجّه مجتبى خامنئي باستمرار المسؤولين الذين عيّنهم المرشد السابق علي خامنئي في مناصبهم، قائلاً، حسب بيان من مكتبه، إن هؤلاء لا يحتاجون حالياً إلى تجديد قرارات تعيينهم، وإن عليهم مواصلة عملهم وفق السياسات والتوجيهات التي تلقوها خلال فترة المرشد السابق. ويعكس القرار رغبة واضحة في الإبقاء على الهيكل الإداري والسياسي الذي كان يدير الدولة قبل الحرب، وتفادي أي فراغ أو ارتباك في مراكز النفوذ الحساسة.

غموض حول مصير مجتبى

في واشنطن، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مؤتمر صحافي إن من غير الواضح من يتحدث باسم إيران الآن. وأضاف خلال فعالية في البيت الأبيض: «لا نعرف قادتهم. هناك جهات ترغب في التفاوض، لكننا لا نعرف هويتها».

وذهب أبعد من ذلك حين تحدث عن وضع مجتبى خامنئي، قائلاً إن كثيرين يقولون إنه «مشوّه بشكل بالغ» وإنه «فقد ساقه» وأصيب بجروح خطيرة، فيما يقول آخرون إنه مات. وأضاف: «لا نعرف ما إذا كان ميتاً أم لا... لا أحد يقول إنه بكامل صحته. كما تعلمون، هو لم يتحدث». كما قال في تصريح آخر: «لا نعلم مع من نتعامل... لا نعرف من هو قائدهم حالياً».

وتأتي هذه التصريحات بينما لم يظهر مجتبى خامنئي علناً منذ إعلانه مرشداً خلفاً لوالده، في وقت نقلت «رويترز» أن سلطنة عُمان حاولت مراراً فتح قنوات اتصال بين واشنطن وطهران، لكن البيت الأبيض أوضح أنه غير مهتم بذلك في هذه المرحلة.

تشديد داخلي وانقطاع اتصالات

في الداخل الإيراني، قال مرصد «نت بلوكس» إن انقطاع الإنترنت دخل يومه السابع عشر بعد أكثر من 384 ساعة، مع تراجع في البنية التحتية للاتصالات قلّص استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة وأخرج بعض المستخدمين المصرح لهم وخدمات «شبكة المعلومات الوطنية» من الخدمة.

كما دعا رئيس السلطة القضائية غلام محسن إجئي إلى عدم التهاون أو التأخر في إصدار الأحكام بحق المتهمين بالتعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة، ملوّحاً بمصادرة أموال من يثبت تعاونهم مع «العدو». وذكرت وسائل إعلام إيرانية أن قوات الأمن اعتقلت العشرات بتهم تتعلق بإفشاء معلومات لإسرائيل.

وبينما تستمر الغارات الإسرائيلية والأميركية على مواقع متعددة داخل إيران، ويواصل الإيرانيون إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة وتوجيه رسائل تحدٍّ ووعود برد أطول مدى، يبدو أن اليوم السابع عشر لم يفتح باب الانحسار، بل أكد أن الحرب باتت أكثر عمقاً داخل الجغرافيا الإيرانية وأكثر تشابكاً مع ترتيبات السلطة ومفهوم الردع لدى الطرفين.


رئيس السلطة القضائية في إيران لعدم التهاون مع «عملاء» أميركا وإسرائيل

إيرانيون يسيرون بجوار مبانٍ متضررة في أعقاب غارة سابقة على العاصمة الإيرانية طهران... 15 مارس 2026 (أ.ف.ب)
إيرانيون يسيرون بجوار مبانٍ متضررة في أعقاب غارة سابقة على العاصمة الإيرانية طهران... 15 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

رئيس السلطة القضائية في إيران لعدم التهاون مع «عملاء» أميركا وإسرائيل

إيرانيون يسيرون بجوار مبانٍ متضررة في أعقاب غارة سابقة على العاصمة الإيرانية طهران... 15 مارس 2026 (أ.ف.ب)
إيرانيون يسيرون بجوار مبانٍ متضررة في أعقاب غارة سابقة على العاصمة الإيرانية طهران... 15 مارس 2026 (أ.ف.ب)

قال رئيس السلطة القضائية الإيرانية، الاثنين، إنه لا ينبغي التهاون أو التأخر في إصدار الأحكام ضد المتّهمين بالتعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة.

ونقلت وكالة أنباء «تسنيم» عن غلام حسين محسني إيجئي، قوله: «يجب ألا نتساهل أو نتباطأ في تنفيذ الأحكام النهائية بحق من ارتكبوا جرائم خلال الحرب والاضطرابات، وكانوا على صلة بالعدو المعتدي». وأضاف: «من الضروري تسريع مراجعة القضايا المتعلقة بالعناصر المتهمة بتهديد الأمن العام والفصل فيها»، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وذكرت وسائل إعلام محلية أن السلطات نفّذت في الأسابيع الأخيرة عمليات دهم واسعة النطاق في أنحاء إيران، واعتقلت خلال الأيام القليلة الماضية مئات الأشخاص المشتبه في تعاونهم مع إسرائيل والولايات المتحدة.

والأحد، أعلن قائد الشرطة أحمد رضا رادان اعتقال 500 شخص بشبهة التجسس و«تسريب معلومات للعدو ووسائل إعلام معادية لإيران»، وفقاً لوسائل إعلام محلية. وأوضح أن «250 شخصاً من بين هؤلاء الـ500 يعدّون حالات خطيرة، إذ كانوا يزوّدون جهات ما بمعلومات لاستهداف مواقع محددة ويتواصلون مع جماعات مسلّحة، كما حاولوا الإخلال بالنظام العام».

ولم يتضح على الفور متى جرت الاعتقالات.

وفي 28 فبراير (شباط)، شنت إسرائيل والولايات المتحدة غارات جوية على إيران، أسفرت عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، وأشعلت فتيل حرب تمددت عبر الشرق الأوسط.

وردت طهران عبر إطلاق صواريخ ومسيّرات، لا سيما على الدول المجاورة في المنطقة.