نساء يروين معاناتهن من التطرف الإسلامي في أفغانستان وباكستان وإيران

قصص أربع سيدات في أوقات الاضطرابات

غلاف «ظل الهلال» و غلاف «شجر الصفصاف لا يبكي»
غلاف «ظل الهلال» و غلاف «شجر الصفصاف لا يبكي»
TT

نساء يروين معاناتهن من التطرف الإسلامي في أفغانستان وباكستان وإيران

غلاف «ظل الهلال» و غلاف «شجر الصفصاف لا يبكي»
غلاف «ظل الهلال» و غلاف «شجر الصفصاف لا يبكي»

في كثير من البلاد الإسلامية، يعد شهر رمضان وقتا جيدا للقراءة. وفي هذا المقال، يرشح أمير طاهري بعض الكتب التي قد يود القارئ تصفح أوراقها في هذا الشهر الكريم.
على مدار العقود الأربعة المنصرمة، ظل الكثير من الدول ذات الغالبية المسلمة يعاني من نزاعات، وثورات، وحروب، وإرهاب، وفي الوقت الذي كانت تلك الدول تسعى إلى مواجهة التحدي المتمثل في أن يضعوا أنفسهم في مكانة مناسبة في العالم الحديث الذي يجدونه جذابا ومثيرا للاشمئزاز في الوقت ذاته، وبينما أخذ كل شخص حصة من المعاناة، فإن المرأة قد تكون عانت أكثر من غيرها.
سلطت الكثير من الكتب الصادرة حديثا الضوء على هذه النقطة بأساليب مختلفة وغالبا ما تكون مكملة لبعضها. ففي رواية «ظل الهلال»، يتألف الكتاب من 230 صفحة، نشرته دار «بنغوين»، تبدأ الروائية الباكستانية فاطمة بوتو بحكاية قصة ثلاثة أشقاء يقطنون قرية «مير علي» الوهمية التي تقع على مشارف منطقة وزيرستان التي يغيب عنها القانون، والتي تعد معقلا لفرع طالبان الباكستاني. ومع مرور الوقت وصلت الحبكة إلى ذروتها عندما ظهرت شخصيتان من الشخصيات النسائية، وهما سامراء الجميلة ومينا المشاكسة، اللتان سرقتا الأضواء وأضفيتا الصبغة الدرامية على الرواية.
ظلت دائما قرية «مير علي» مكانا مهملا، لكن ساكنيها، بمن فيهم الثلاثة أشقاء، اعتبروها أنها موطنهم واعتزموا قضاء عمرهم كله فيها. ومع صعود وتيرة الإرهاب الديني أصبح من الصعب أن يظلوا على موقفهم. ولم يعد الناس مؤهلين للذهاب مع بعضهم البعض إلى المسجد من أجل الصلاة بسبب الهجمات الانتحارية. فعلى سبيل المثال، كان الأشقاء الثلاثة يذهبون إلى ثلاثة مساجد مختلفة بحيث إنه في حالة مقتل أحدهم، في هجوم انتحاري يقوم به متطرفون، قد يبقى الآخران على قيد الحياة. وفي وقت بداية الرواية، وصلت قرية «مير علي» إلى طريق مسدود، فأصبح قاطنوها يرغبون في الهرب منها بأسرع وقت ممكن.
وتحاول بوتو أن تنسج حبكة عن مؤامرة لاغتيال سياسي زائر. بيد أن ما يجعل الكتاب مثيرا للانتباه هو أنه عبارة عن تحقيق صحافي يروي بشكل جيد جوانب الحياة القبلية والثقافية والدينية والسياسية في منطقة تأبى ألا تنصهر في باكستان. إن قوة بوتو في الملاحظة ورصانة نثرها يجعل منها كاتبة ممتازة. رواية «ظل الهلال» كتاب قصير يمكن أن يقرأ في جلسة واحدة.
فاطمة ليست بمنأى عن المآسي الشخصية الناجمة عن السياسة، فهي حفيدة الزعيم الباكستاني ذو الفقار علي بوتو. وهو ما انعكس في الحبكة الفرعية للكتاب.
وفي رواية «شجر الصفصاف لا يبكي»، كتاب يتكون من 277 صفحة. نشرته دار «هيرون» للكاتبة فادية الفقير، كان الأب المفقود هو لب الفكرة الرئيسة للقصة. ففيها تسافر الراوية إلى الأردن للبحث عن والدها الذي تركها وانضم لجماعة متطرفة. وتحاول الكاتبة الموهوبة فادية الفقير أن تمزج من خلال ذلك خليطا من الملاحظات الاجتماعية والفلسفية بإيقاع سريع يأسر القارئ من البداية.
كان على بطلة الرواية، نجوى، أن تجد والدها لأنها من دونه لا تستطيع أن تعيش في مجتمع لا تتمكن فيه النساء من بناء حياة مستقلة. وحتى تعتبر المرأة في هذا المجتمع «طبيعية» لا بد أن يكون من يعولها أب أو زوج. ويأخذ البحث نجوى إلى الأردن ومنه إلى أفغانستان، في مكان قريب جدا من المكان الذي دارت فيه أحداث رواية فاطمة بوتو. تتمثل روعة رواية «شجر الصفصاف لا يبكي» أنها تتجنب الإغراء في مقابل تقديمها لبعد آخر عن الطريقة التي يؤدي بها التعصب الديني إلى عدم التسامح ومن ثم إلى الإرهاب. وبطريقة ما، كتبت فادية الفقير روايتها مستخدمة أسلوبا تدريجيا، إذ سردت التشكل البطيء والمؤلم لشخصية امرأة شابة، فكل من نجوى ووالدها شرعا في رحلتيهما بناء على أسبابهما الخاصة وكل حسب وجهته. وكلتا الرحلتين تغيرتا بشكل كبير.
إن عمل فادية الفقير يكفي لإعطاء جرعة كوميدية رائعة، أو على الأقل جرعة من الكوميديا السوداء، بالإضافة إلى عرض أمثلة عن «صراع الحضارات» بطريقة مبسطة.
إن معاناة سامراء ومينا في رواية بوتو، وشخصية نجوى في كتاب فادية الفقير أقل من التجربة التي مرت بها مارينا نعمت باعتبارها سجينة سياسية في طهران في ظل نظام الخميني. رواية نعمت التي تحمل اسم «سجينة طهران»، تتألف من 278 صفحة.. نشرتها دار «جون موراي». بدأت معاناة نعمت عندما كانت تلميذة في المرحلة الثانوية بالمدرسة في طهران وكانت تتحلى بالجرأة التي جعلتها تتظاهر ضد قرار الخميني بخفض عدد ساعات تدريس مادة الرياضيات من أجل توفير ساعة إضافية للوقت المحدد لتدريس المواد الدينية.
ألقي القبض عليها ووجهت إليها تهمة «الحرب على الله»، وألقي بها في سجن «إيفين» الموحش. وعلى الرغم من أنها كانت في سن الـ16، حكم عليها بالإعدام. وقبل يوم من تنفيذ الحكم، عرض علي - أحد عناصر حزب الله المسؤول عن السجن - على مارينا صفقة خاسرة: هي أن يتزوجها زواج متعة لفترة «مؤقتة» وفي المقابل ستنجو بحياتها!
قبلت مارينا المقايضة وأصبحت زوجة علي سرا حيث قبعت في سجن آخر اكتشفت فيه مع الوقت أنها قد اختارت الموت البطيء اليومي بدلا من موت سريع رميا بالرصاص. وفي تطور جديد لهذه القصة العصيبة، قتل علي على يد فصيل منافس للحكم الخميني. مما مكن مارينا أن تستفيد من عفو جزئي كفل لها الحرية. بيد أنها لا تزال بعد مضي عقود من الزمان غير قادرة على تحرير نفسها من سجن «إيفين» الذي استوطن بداخلها.
ما يجعل من رواية «سجينة طهران» أكثر إثارة هو نثر نعمت الرائع والهادئ. حيث تأخذنا نعمت إلى حيث لا يريد أحد الذهاب، وعلى الرغم من ذلك، ينبغي للجميع الذهاب، من خلال روايتها، لإلقاء نظرة سريعة على معاناة ملايين الإيرانيين الذين كانوا وما زالوا يعانون تحت وطأة حكم الخميني.
في كل الكتب الثلاثة التي جرى استعراضها آنفا، تدور الموضوعات الرئيسة بها حول الراديكالية الدينية وأشد أشكالها ضراوة في كل من أفغانستان، وباكستان، وإيران.
بيد أن رواية «عروس أميركية في كابل»، من تأليف فيليس تشيسلر التي تتألف من 256 صفحة، من نشر دار «بالجراف»، تسرد حقيقة أن التجارب السلبية الحالية للمرأة لا تعتبر انحرافا حديثا. كانت تشيسلر منذ 50 عاما طالبة يهودية شابة من نيويورك تبحث عن الحب والمغامرة، وهي الآن شخصية بارزة من شخصيات «الموجة النسوية الثانية». أحبت شابا أفغانيا وسيما يدعى عبد الكريم، وسرعان ما تزوج الاثنان. وجاء جانب المغامرة حينما اقترح عبد الكريم انتقالهما للعيش في أفغانستان حيث عائلته. وبمجرد وصولهما إلى كابل أدركت العروس الجديدة أنها عقدت صفقة سيئة. إذ إن عبد الكريم، العريس المتأنق ذا المظهر الغربي كشف عن شخصيته الحقيقية، فقد كان شوفينيا ذكوريا أفغانيا من الذين يعتقدون أنه من الأفضل أن تقبع خلف برقعها.
ومن المفارقات أنه في عقد الستينات سافر الكثير من الشباب من أميركا ومن دول غرب أوروبا برا إلى أفغانستان بحثا عن الحب والحرية، اللذين كانا في معظم الحالات يعنيان ببساطة حرية ممارسة الجنس وتعاطي الحشيش.
لقد وجد الشباب الغربيون آنذاك، بمن فيهم الآلاف من الهيبز، أن أفغانستان ملاذ ملائم لمن يرغب في السلام والحرية لأنهم لم ينخرطوا في تفاصيل المعيشة هناك؛ مكتفين بالاستمتاع بالمناخ الرائع، والطعام والسكن الرخيص. وكان الأفغان لا يهتمون بشأن الزوار، معتقدين أنه يتعين النظر إلى غير المسلمين باعتبارهم أناسا غرباء. بيد أن تشيسلر كانت منخرطة في التفاصيل؛ حيث كان يجري التعامل معها باعتبارها أفغانية، وكان يجري تذكيرها دائما بأن الواجبات أكثر أهمية من الحقوق، وأن الحرية قيمة مبالغ فيها إلى حد كبير.
يحتوي كتاب تشيسلر - الذي يعد جزءا منه عبارة عن مذكرات والجزء الآخر عبارة عن تغطية صحافية، وجزء ثالث يتحدث عن النسوية - على رسالة مأسوية، وهي: في الستينات، رغم أن المرأة كانت تعامل بصرامة، فإن المرأة الأفغانية كانت أفضل حالا مما كانت عليه تحت حكم طالبان، بل كانت أفضل حالا مما هي عليه الآن؛ حين يعيشون في ظل الهجمات الإرهابية التي تشنها طالبان.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».