سباق على الجنوب السوري بين التسوية والتصعيد... وإيران «عقدة» الحل

واشنطن تنصح المعارضة بضبط النفس... وتعويل على قمة محتملة بين ترمب وبوتين

نازحون جنوب سوريا (نبأ)
نازحون جنوب سوريا (نبأ)
TT

سباق على الجنوب السوري بين التسوية والتصعيد... وإيران «عقدة» الحل

نازحون جنوب سوريا (نبأ)
نازحون جنوب سوريا (نبأ)

سباق محموم على الجنوب السوري بين التصعيد العسكري من جهة، وترتيبات دولية - إقليمية من جهة ثانية. قوات الحكومة استأنفت قصف ريف درعا بـ«البراميل المتفجرة» ما دفع آلاف المدنيين إلى التوجه إلى الحدود الأردنية، لكن الاتصالات الدبلوماسية لا تزال قائمةً على أمل الوصول إلى ترتيبات بناء على الاتفاق الأميركي - الروسي - الأردني.
اتجاه الاتصالات هو القمة المحتملة بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال الجولة المرتقبة لترمب إلى أوروبا. هو سيشارك في قمة «حلف شمال الأطلسي» (ناتو) في بروكسيل في 10 و11 الشهر المقبل ثم يزور لندن. وهناك طرح عقد القمة في فيينا. ويقوم مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون بزيارة إلى لندن الاثنين قبل التوجه إلى موسكو لاختبار مدى إمكانية عقد قمة ترمب - بوتين.
وسيكون اتفاق «خفض التصعيد» في الجنوب أحد المواضيع المطروحة على الأجندة الأميركية - الروسية خصوصاً أن الرئيسين كانا باركا كل خطوة من الاتفاق العام الماضي. وأمس، وجهت واشنطن رسالة نصية إلى قادة فصائل الجنوب فيها: «نحن في حكومة الولايات المتحدة الأميركية نعمل حالياً للحفاظ على وقف إطلاق النار من خلال القنوات الدبلوماسية، ونبذل جهوداً جبارة في سبيل تحقيق ذلك. نتوجه إليكم الآن لنؤكد على ضرورة عدم الرد على الاستفزازات، لأن القيام بذلك لا يؤدي سوى إلى تسريع السيناريو الأسوأ للجنوب السوري وتقويض جهودنا. فكروا بعائلاتكم وأبناء شعبكم وافعلوا كل ما في وسعكم من أجل حقن الدماء».

وتابعت الرسالة: «النظام من دون أدنى شك، يحاول استفزازكم بالأرتال والتصريحات لإيجاد ذريعة لمهاجمة الجنوب، ولا يمكن أن نعطيه هذا العذر. وفي حين أن فصائل الجنوب تحتفظ بحقها في الدفاع عن النفس، فإننا نشدد على أن عليها أن تحرص بشدة على منع أي هجمات استباقية عبر خط التماس بينما نعمل دبلوماسياً لإيجاد حل للوضع في الجنوب. وختاماً، نقدر عالياً صبركم وصمودكم وتعاونكم في هذا الوقت الصعب».
وعلى عكس التصريحات العلنية من الخارجية الأميركية التي تضمنت تحذير دمشق بـ«رد صارم» على الهجوم الجنوبي، تحض الرسالة العملياتية الآتية من الميدان قادة الفصائل على «ضبط النفس». إذ إن المسؤول السياسي في السفارة الأميركية في عمان، كان بعث في مارس (آذار) الماضي رسالة إلى «جبهة الجنوب»، فيها: «ما يحدث في الغوطة الشرقية مأساة ووصمة عار على مرتكبي هذه الهجومات البشعة كما أنه يثير للقلق الدولي الشديد. وللأسف، فإن النظام السوري وروسيا لا يتعاونان من أجل وقف العنف في الغوطة وتخفيف الألم عن المدنيين بل العكس».
وتابعت: «نتفهم شعوركم بالغضب الشديد لما يحدث، وأنكم تودون تخفيف معاناة أهلكم السوريين في الغوطة، لكن اتفاق الجنوب هو معاهدة شبه ثابتة بفضل تعاونكم وبفضل الإرادة الأميركية في الحفاظ عليها، ولو على منطقة واحدة للمعارضة المعتدلة لتكون ربما في المستقبل الطريق للحل الشامل في سوريا. إن إشعال حرب الآن ضد النظام في الجنوب سيعطي للنظام وروسيا الذريعة المطلوبة لأن يقتل المزيد من المدنيين واحتلال المزيد من الأراضي وكسر الهدنة التي من خلالها نستطيع أن نفاوض الروس من أجل الحل... نحضُّكم على ضبط النفس، والتفكير ملياً في أهلكم من المدنيين، وعدم إعطاء الذرائع للنظام لقصفكم والقضاء على آخر معقل للمعارضة المعتدلة في سوريا».

- اتفاق ثلاثي
جرى الإعلان عن وقف النار جنوب غربي البلاد في 7 يوليو (تموز) لعام 2017، بواسطة وزير الخارجية الأميركي الأسبق ريكس تيلرسون في أعقاب الاجتماع الذي ضم الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين في قمة العشرين في مدينة هامبورغ. ودخل الاتفاق حيز التنفيذ الفعلي بعد يومين من ذلك الاجتماع.
وجاء إعلان وقف النار بعد أشهر من المفاوضات ين الدبلوماسيين الأميركيين والروس والأردنيين، الذين واصلوا ضبط تفاصيل الاتفاق عبر اجتماعات لاحقة. وفي أغسطس (آب) الماضي، وافقت أميركا وروسيا والأردن على إنشاء مركز عمان للمراقبة بهدف الإشراف المشترك على وقف إطلاق النار في سوريا. وفي 8 نوفمبر (تشرين الثاني) وقعت الأطراف الثلاثة المذكورة على مذكرة مبادئ لإضفاء الطابع الرسمي على شروط الاتفاق المبرم. وتم التصديق على مذكرة المبادئ تلك عبر بيان لاحق صادر عن الرئيسين ترمب وبوتين اللذين اجتمعا على هامش مؤتمر التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي في نوفمبر في فيتنام.
وبحسب تقرير لـ«مجموعة حل الأزمات الدولية» أول من أمس، أسفر خفض التصعيد عن هدوء تام استمراراً للصمت المطبق منذ عام 2015، ذلك عندما أبرم الأردن اتفاقاً مع روسيا في أعقاب التدخل العسكري الروسي في سبتمبر (أيلول). وتخلل هذا الهدوء الجنوبي بعد أعمال العنف خلال الفترة السابقة على خفض التصعيد، إذ اندلع قتال عنيف لمدة شهور في عاصمة محافظة درعا التي تحمل الاسم ذاته قبل أن ينتهي إلى طريق مسدود ثم توقف أعمال العنف مجدداً. وفي تلك الأثناء، كان المعتقد أن هذه النتائج تؤكد على استحالة مواصلة التقدم العسكري لأي من الأطراف المتناحرة، ومن ثم إثبات مبرر آخر قوي لخفض التصعيد المخطط له.
عملياً، أدَّى خفض التصعيد إلى تجميد أعمال العنف على خطوط الجبهة الجنوبية الغربية، ثم إنشاء منطقة عازلة خالية من المقاتلين الأجانب المدعومين من قبل إيران. وعلى طول خط منطقة خفض التصعيد، من المفترض للمنطقة العازلة أن تمتد بطول 5 كيلومترات من خط الاتصال بين القوات الحكومية السورية وقوات المعارضة، وبطول 10 كيلومترات من الحدود الأردنية وحتى خط الهدنة الذي يلامس مرتفعات الجولان المحتلة من قبل إسرائيل. وناقشت الأطراف المعنية خفض التصعيد توسيع منطقة الـ5 كيلومترات إلى 20 كيلومتراً في المرحلة الثانية من المفاوضات، وغير أنها لم تضع اللمسات النهائية بالنسبة لذلك الترتيب، كما أن الأطراف المعنية التزمت أيضاً بالانسحاب النهائي للقوات الأجنبية من تلك المنطقة.

- لحظة القرار... وخسائر
بعد سيطرة قوات الحكومة على غوطة دمشق وريف حمص، بقيت ثلاثة جيوب: (شمال شرق) حيث يوجد التحالف الدولي ضد «داعش» بقيادة أميركا، (شمال غرب) حيث تقيم قوات تركية بموجب اتفاق آستانة، (جنوب غرب) حيث ليس هناك وجود عسكري داعم للمعارضة. وبات توقع أن قوات الحكومة ستذهب إلى هذه المنطقة وقال الرئيس بشار الأسد إن دمشق أمامها خياران في التعامل مع الجنوب الغربي من البلاد: «إما المصالحة، أو التحرير بالقوة». وأرسل النظام بالفعل قوات إلى الجبهات الجنوبية، بما في ذلك الوحدات المعاونة. وكانت هذه التعزيزات كافية لدفع وزارة الخارجية الأميركية إلى الإعراب بتاريخ 25 مايو (أيار) عن قلقها من التقارير الواردة بشأن العمليات العسكرية الوشيكة لنظام الأسد في جنوب البلاد.
بحسب تقرير مجموعة «حل الأزمات الدولية»، لا يزال هناك وقت متاح من أجل التوصل إلى حل تفاوضي من شأنه تفادي وقوع هجوم عسكري مدمر ومفعم بالمخاطر الكبيرة. وقد تكون الظروف مواتية في هذه المرحلة: إذ أبدت روسيا حساسية واضحة إزاء المصالح الإسرائيلية والأردنية، كما أعربت عن الرغبة في جذب الولايات المتحدة نحو ترتيب سياسي يصب في صالح الأهداف الروسية في سوريا. إذ هددت إسرائيل بشن الهجمات العسكرية في حالة اقتراب العناصر الموالية لإيران من مرتفعات الجولان المحتلة، وهي الأعمال العسكرية التي قد تسبب تهديداً للنظام الحاكم السوري وتعصف ببعض المكاسب العسكرية المحققة لدى دمشق وموسكو من التدخل العسكري الروسي في سبتمبر العام 2015. كما يبقى احتمال قائم (وإن كان طفيفاً) بشأن التدخل العسكري الأميركي ردّاً على هجمات النظام السوري، استناداً على الأقل إلى بيانات وزارة الخارجية الأميركية في 25 مايو و15 يونيو (حزيران).
وفي غياب الاتفاق سيكون البديل المفتَرَض هو شن هجوم عسكري سوري واسع النطاق مدعوم من روسيا وستكون نتائجه هي الأسوأ بالنسبة لكل الأطراف المعنية بالصراع. وسيكون الهجوم كارثيّاً بالنسبة لسكان جنوب غربي البلاد.
وبصرف النظر عن سكان الجنوب السوري أنفسهم، فإن مؤيدي قوات المعارضة السورية هم الأكثر عرضة للخسارة. وتجازف إسرائيل بإهدار جميع الضمانات الدائمة والمنهجية بشأن الوجود والدور الإيراني الذي كان بوسعها التفاوض عليه مسبقاً، مهما كانت حالة عدم اليقين أو ضعف التأثير الذي تعتبره حيالها، بحسب التقرير. والأردن معرَّض بصور خاصة إلى التدفقات العارمة لجموع اللاجئين التي تسبب زعزعة استقرار البلاد والناجمة عن الهجوم العسكري السوري الوشيك في جنوب البلاد.
وعلاوة على ما تقدَّم، وبالنظر لما وراء خفض التصعيد المؤقت، يحتاج الاقتصاد الأردني إلى عقد الروابط السياسية والتجارية القوية والمنتظمة مع سوريا. ومن شأن المصالح الأردنية والإسرائيلية - وبالتالي مصالح الولايات المتحدة - أن تلقى أفضل استفادة ممكنة عبر الانتقال السلمي ومنظم للسلطة في جنوب غربي سوريا، وليس عن طريق المواجهات العسكرية المريعة التي قد تتيح للمتطرفين الفرصة بالعودة إلى واجهة الأحداث، وتشجيع النظام السوري الحاكم على الاعتماد على الميليشيات ذات الصلة بإيران، وجلب إسرائيل إلى آتون الصراع ناهيكم عن الولايات المتحدة كذلك.
وقال التقرير: «لدى النظام السوري وحلفاؤه ما يخسرونه أيضاً من الأعمال العسكرية في جنوب البلاد. سيتحقق النصر العسكري وفق تكاليف باهظة من الناحية المادية والبشرية وتدمير المزيد من البنية التحتية في البلاد، وإنهاك الآلة العسكرية والمدنية في الوقت الذي تحاول فيه سوريا إعادة البناء».
في المقابل، إن من شأن الاتفاق المسبق على نزع «عسكرة استيلاء النظام السوري على جنوب غربي البلاد أن يقلل، ولكن ليس بالكامل، من احتمال شعور إسرائيل بالقلق حيال ما تتصور أنه الدور الإيراني الذي يدفعها إلى التدخل ضد النظام السوري وحلفائه، الأمر الذي قد يشعل صراعاً إقليمياً موسَّعاً في المنطقة. للحرب المفتوحة ديناميتها غير الخاضعة للتحكم والسيطرة، لا سيما على طول خط الهدنة شديد الحساسية سياسيا في مرتفعات الجولان»، بحسب التقرير.
وفي الأثناء ذاتها، يُعتَبَر الأردن شريكاً سياسياً واقتصادياً ضرورياً بالنسبة إلى سوريا، وإن أسفرت أعمال العنف عن موجات جديدة من اللاجئين السوريين الذين يعملون على زعزعة استقرار الأردن، أو يثيرون القلاقل والاضطرابات في مدن وقرى شمال الأردن ذات الصلة بالروابط العائلية مع جنوب غربي سوريا. وأفاد التقرير: «وإن لم تحصل إسرائيل على ضمانات كافية قبل التفاوض من روسيا بشأن الدور الإيراني في إطار الدولة السورية المستعادة، فإن ذلك الأمر يثير مخاطر قيام إسرائيل بالأعمال العسكرية المدمرة في وقت لاحق. الأمر الذي يعني الجنوب الغربي السوري الأقل استقرار، وبالتالي سوريا الأقل استقراراً كذلك».

- استقرار مؤقت
في ظلِّ الاتفاق المتفاوض عليه بشأن الجنوب الغربي السوري، يمكن لجميع الأطراف الوفاء بالحد الأدنى الممكن من احتياجاتها، أو على أدنى تقدير تفادي سيناريوهات أسوأ الحالات المعنية بكل منها. وفي هذا السياق، ينبغي على رعاة خفض التصعيد في الجنوب السوري إعادة المفاوضات الثلاثية إلى مرحلة ما وراء إطار عمل مركز عمان للمراقبة المشار إليه، ذلك باستخدام اتفاق خفض التصعيد القائم والعمليات ذات الصلة به باعتبارها وسيلة الوصول إلى اتفاق أكثر تطوراً واستدامة. وتبدو الخطوط العريضة للاتفاق واضحة بصورة نسبية، حتى وإن كانت التفاصيل، بما في ذلك التوقيت وآليات التنفيذ، لا تزال قيد التفاوض حتى الآن. أولاً، ورغم كل شيء، تحتاج كل الأطراف إلى إسناد مبدأ خفض التصعيد والمحافظة على وقف إطلاق النار.
يُمكن للحل المؤقت بشأن المحافظة على خفض التصعيد أن يكون بمثابة اقتراح من جانب الأردن: الانتقال لما بعد وقف إطلاق النار المبدئي بهدف التركيز على «الاستقرار». ويستلزم النموذج الأردني للاستقرار، والمعرف على نطاق واسع، وجود برمجة برعاية دولية تعيد الخدمات العامة والأداء الاقتصادي الاعتيادي في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، وتسهيل التجارة عبر خطوط التماس، وكذلك التجارة عبر الحدود مع الأردن، والارتباط التدريجي بين مؤسسات الخدمات المحلية وأجهزة الدولة السورية. ومن شأن ذلك أن يشمل أيضاً مجموعة موسعة من أصحاب المصالح الدوليين، بما في ذلك دور أكبر لروسيا، إن كان يهدف فقط إلى طمأنة موسكو بشأن منطقة الاستقرار، وأنه لا يُقصد من ورائها أن تكون مقدمة لترتيبات إقليمية أكثر ديمومة تماثل التقسيم.
وتكون النتيجة هي التكامل الإداري والاقتصادي التدريجي في هذه المناطق ضمن المناطق الأوسع التي يسيطر عليها النظام السوري. وقال التقرير: «ينبغي على الأطراف الثلاثة التفاوض بشأن شروط إعادة فتح معبر نصيب وتأمين الطريق الممتد لمسافة 18 كيلومتراً من المعبر الحدودي وحتى مدينة درعا تحت إشراف ورعاية النظام السوري. ومن شأن إعادة فتح نصيب أن يكون أوضح الأدلة على الالتزام المتجدد من جميع الأطراف بشأن خفض التصعيد الثلاثي».
أما بالنسبة إلى دمشق، فإن «الاستقرار» على المدى القريب قد يكون بطيئاً وأقل إرضاء من الزحف العسكري المنتصر عبر مناطق الجنوب الغربي. ومع استمرار المفاوضات، رغم كل شيء، فإن أفضل الخيارات المتاحة بالنسبة لدمشق هو التحلي بالصبر والسماح للأردن بصياغة المنهج الأفضل دراسة والأوعى إدارة، بحسب «الأزمات الدولية».

- ماذا عن الحل؟
أفاد تقرير «الأزمات الدولية» بأن الخطوط العريضة للاتفاق «واضحة بصورة نسبية: عودة الدولة السورية إلى كامل مناطق الجنوب الغربي، وعودة الجيش السوري إلى الحدود السورية، وإقامة منطقة عازلة موازية لخط الهدنة في الجولان وتكون منطقة خالية من القوات الموالية لإيران، وإعادة العمل باتفاقية الفصل بين القوات الإسرائيلية السورية لعام 1974، بما في ذلك إعادة نشر قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك. ومن حيث التفاصيل، فهناك مساحة جيدة للتفاوض. وتشتمل المفاوضات على توقيت وآليات الاتفاق، ولكن هناك أيضاً تساؤلات مثل: ما الذي تعنيه عبارة: عودة الدولة السورية؟».
كان الحد الأدنى لشروط دمشق بشأن «المصالحات» السابقة هي: عودة رموز الدولة السورية، عودة الشرطة المدنية السورية، التي يحتمل أن تضم مواطنين محليين، خروج المتطرفين وغيرهم ممن يرفضون الاتفاق، أو ممن تعترض دمشق على وجودهم، دمج قوات المعارضة المحلية في الوحدات العسكرية النظامية السورية، كمجموعات كاملة في بعض الأحيان، تسوية الأوضاع القانونية للسكان المحليين، بما في ذلك تسجيل التجنيد بفترة سماح قابلة للتفاوض، وعودة الحكم المحلي والإدارة البلدية، مع موظفين من الموالين للنظام، وفي بعض الحالات مع الأعضاء السابقين في المجلس المحلي المعارض، الذين يخدمون تحت إمرة حاكم المحافظة.
كانت هذه هي الشروط المستخدمة سابقاً في الجيوب المحاصرة في الداخل السوري، من دون وجود راعٍ حقيقي معاكس للتفاوض في مواجهة دمشق وحلفائها. وبالنظر إلى الالتزام المتواصل من قبل الرعاة الثلاثة لخفض التصعيد حيال الاتفاق والأهمية الاستراتيجية التي يمثلها الجنوب الغربي السوري لكل من الأردن وإسرائيل، فإن مساحة التفاوض بشأن الشروط في الجنوب الغربي قد تكون أرحب.
من شأن الاتفاق المتفاوض عليه أن يكون مرضياً إلى حده الأدنى بالنسبة لدمشق وحلفائها إذا ما أراد النظام السوري الامتناع عن شنِّ الهجوم العسكري على جنوب غربي البلاد. ولكن ينبغي للاتفاق أن يكون مناسباً إلى أقصى درجة بالنسبة إلى قوات المعارضة وغيرهم من السكان في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، وفي حدود ما هو معقول ومقبول. وقال: «من المتوقَّع ألا يرحب كثير من المواطنين السوريين داخل جنوب غربي البلاد، الخاضع لسيطرة المعارضة، بعودة الدولة السورية التي يقودها النظام الحاكم، تحت أي شروط كانت. ومع ذلك، فإن الاتفاق الذي لا يفي بتطلعاتهم ولكن يمكنه، إلى أقصى درجة ممكن، استيعاب وتهدئة مخاوفهم، من شأنه الحد من المقاومة المسلحة وإراقة المزيد من الدماء بلا طائل».

- عودة رقيقة
وتحدث التقرير عن نماذج عدة لـ«عودة الدولة» خلال السنوات السبع الماضية بين «الدولة الرقيقة» أو «العميقة». إذ هناك بعض السوابق لـ«المصالحات» التي تنصُّ على انتشار الشرطة العسكرية الروسية، واستبعاد أجهزة النظام الحاكم الأمنية، لفترة مؤقتة على الأقل. وضمن ترتيبات «الدولة الرقيقة»، فإن الفصائل المحلية المسلحة، والشرطة المدنية السورية، وفرقة من الشرطة العسكرية الروسية، يمكنها المشاركة في المحافظة على الأمن والنظام. والوجود الروسي مهم نسبيّاً من أجل تسهيل عودة أجهزة الدولة السورية، وردع محاولات الاعتداء والانتقام، وطمأنة كل من السكان المحليين والبلدان المجاورة. وسوف تكون النتيجة شكلاً من أشكال الإدارة الذاتية تحت السيطرة الرسمية للدولة السورية، والبناء نحو مزيد من اندماج وتكامل الجنوب في ظل الدولة.
وعلى الاتفاق أن يشمل فرض الحد الأدنى من القيود على الحركة المدنية والوصول التجاري إلى هذه المناطق، الأمر الذي من شأنه تنشيط الاقتصاد المحلي ويُسهِم في التعافي الاقتصادي الوطني السوري وإعادة بناء البلاد. وينبغي إتاحة الخيار أمام المعارضة والرجال في سن الخدمة العسكرية لتلبية متطلبات الخدمة الإلزامية في مناطقهم، سواء في الجيش الوطني السوري، أو القوات المعاونة، أو الشرطة المدنية المحلية، أو الأدوار الاقتصادية المدنية الحيوية في الزراعة أو التعمير، وليس في الوحدات العسكرية المنتشرة في ميادين بعيدة لقتال قوات المعارضة الأخرى.
وقال التقرير: «في سيناريو المصالحة، سوف تستفيد المصالح الأردنية وكثيراً في حالة دمج الشركاء السابقين إداريّاً ضمن الدولة والوحدات المسلحة المحلية الخاضعة لسيطرة الحكومة في دمشق، بدلاً من مواجهة القوة العسكرية الغاشمة، أو (الإخلاء) القسري الذي يدمر التركيبة السكانية والنسيج الاجتماعي في هذه المناطق. وسوف يستفيد الأمن الأردني من الجنوب الذي يعيش سكانه ضمن عائلاتهم وعشائرهم في مجتمع جنوبي سلمي وصحي نسبيّاً، وبالتالي يكونون أقل عرضة للاستمالة من قبل المجرمين، والمتطرفين، أو الجماعات الموالية لإيران. وبالنسبة إلى المعارضة والمدنيين المعارضين أيضا، من المهم ألا يتم اقتلاعهم من منازلهم ومجتمعاتهم للعثور على مأوى في إحدى المناطق السورية الأخرى الفقيرة والنائية والخاضعة لسيطرة المعارضة».
لكن التحدي هو «مدى رغبة روسيا والقيادة السورية، أو مقدرتهما، على إبعاد العناصر الموالية لإيران من الجنوب الغربي للبلاد المتاخم لخط الهدنة في مرتفعات الجولان تحت أي ترتيب يمكن التوصل إليه. من شأن التهديد بشن الهجمات الإسرائيلية الجديدة أن يُثني إيران وحلفاءها المحليين عن دخول مناطق الجنوب الغربي السوري، لا سيما في الوقت الذي تتعرض فيه إيران للضغوط السياسية والاقتصادية الجديدة والمكثفة على الصعيد الإقليمي».
وخلص التقرير إلى أن «الصراع منخفض الكثافة بين إسرائيل وإيران سيستمر لبعض الوقت، في سوريا وعلى صعيد المنطقة بأسرها، لكن القتال لأجل الجنوب الغربي السوري يجب ألا يكون الشرارة التي تشعل أتون الصراع والحرب المفتوحة. هناك أساس واضح لاتخاذ القرار بشأن الحل التفاوضي غير العنيف في الجنوب السوري. ولكن مثل هذه التسوية تتطلب دفعة دبلوماسية قوية من جميع الأطراف. بدلاً من السماح للوضع بالانحراف عن مساره، ينبغي عليهم استغلال الفرصة السانحة واستخدام الوقت المتبقي في الوصول إلى اتفاق مشترك».



انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني، وترحيب واشنطن، وعدم ممانعة رسمية إسرائيلية بعد تحفظات سابقة.

وجاء الاجتماع الأول بعد ساعات من قتل إسرائيل 8 فلسطينيين، واتهام «حماس» لها بـ«تخريب الاتفاق»، وهو ما يجعل خبراء «إزاء تفاؤل حذر بمسار الاتفاق، في ضوء تلك المتغيرات واستمرار الاستهدافات الإسرائيلية». وشددوا على «أهمية موقف أميركي حاسم لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية التي بدأت بتشكيل لجنة إدارة القطاع، وتشهد عقبات رئيسية منها إدخال المساعدات، وانسحاب إسرائيلي، ونزع سلاح (حماس)».

وتحدثت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الجمعة، عن بدء أول اجتماع تعقده اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، في العاصمة المصرية، برئاسة الفلسطيني علي شعث.

وفي أول ظهور إعلامي له، قال رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، علي شعث، إن اللجنة بدأت رسمياً أعمالها من العاصمة المصرية، وهي مكونة من 15 شخصية فلسطينية مهنية وطنية. ولفت إلى أن اللجنة تلقت دعماً مالياً، ووُضعت لها موازنة لمدة عامين هي عمر عمل اللجنة، وطالب بإنشاء صندوق في البنك الدولي لإعمار وإغاثة غزة، مشيراً إلى أن «هناك وعوداً من الدول الوازنة في المنطقة، لتقديم دعم مالي كبير وملموس».

وأوضح شعث أن خطة الإغاثة تستند إلى الخطة المصرية التي أقرّتها جامعة الدول العربية في مارس (آذار) 2025، (وتستغرق 5 سنوات بتكلفة نحو 53 مليار دولار)، ولقيت ترحيباً من الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن «أول خطوة تبنتها لجنة إدارة قطاع غزة هي توريد 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع للقطاع».

وفي حين قالت حركة «حماس»، الجمعة، إنها جاهزة لتسليم القطاع لإدارة التكنوقراط، ونبهت، في بيان، إلى أن «المجازر» التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بغزة باستهداف 9 فلسطينيين بينهم سيدة وطفلة جراء غارات وإطلاق نيران صوب خيام النازحين، تؤكد استمرار تل أبيب في «سياسة تخريب اتفاق وقف الحرب، وتعطيل الجهود المعلنة لتثبيت الهدوء في القطاع».

ولفتت إلى أن تلك المجازر «تصعيد خطير» يأتي مع «إعلان الوسطاء تشكيل حكومة تكنوقراط، والدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق (في بيان الأربعاء)، وكذلك مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، تشكيل مجلس السلام»، مطالبة الوسطاء والدول الضامنة للاتفاق بالوقوف أمام مسؤولياتها في ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها، وإلزامها بما جرى الاتفاق عليه.

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة بينما تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

والخميس، أعلن ترمب، تأسيس «مجلس السلام» المعني بغزة، مشيراً إلى أنه تم الدخول رسمياً إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. بينما قال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في بيان الخميس، إن إسرائيل ارتكبت 1244 خرقاً لوقف إطلاق النار في مرحلته الأولى؛ ما أسفر عن مقتل وإصابة واعتقال 1760 فلسطينياً، منذ سريان الاتفاق.

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، يرى أن انطلاق عمل اللجنة مهم للغاية، ويعدّ إنهاءً لإحدى ذرائع إسرائيل بشأن وجود «حماس»، خصوصاً أن اللجنة تكنوقراط ومحل توافق، لافتاً إلى أنه رغم إبطال إنهاء تلك الذرائع وإنهاء «حماس» لسلطتها السياسية، فإنه يجب التعامل بحذر مع تطورات المشهد الذي يجب أن يُستكمَل بقوات الاستقرار وشرطة فلسطينية حال لم توجد عراقيل إسرائيلية جديدة.

وفي ضوء ذلك، يبدي المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، تفاؤلاً حذراً أيضاً، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن هناك تحديات كبيرة تواجهها اللجنة، خصوصاً أنها تدير منطقة مدمرة كلياً، وأمامها تعقيدات إسرائيلية مرتبطة بسلاح المقاومة، ورفض الإعمار الكامل والانسحاب.

أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في المقابل، هناك جهود لا تزال مستمرة من الوسطاء، وتلقّى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، اتصالاً هاتفياً من المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، بشأن الخطوات والإجراءات المقبلة بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب.

وشهد الاتصال الهاتفي بحسب بيان لـ«الخارجية المصرية» الجمعة، «التأكيد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، بما في ذلك بدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية عقب إعلان تشكيلها، ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وبدء مرحلة التعافي المبكر، وإعادة الإعمار».

حسن أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الدور المصري مهم، ويواصل حرصه على استكمال الاتفاق وعدم عرقلته من جانب إسرائيل، خصوصاً أن فتح معبر رفح لم يتم من المرحلة الأولى ويتواصل التلكؤ في نشر قوات الاستقرار التي ستشرف على المعابر، مشدداً على أن واشنطن ستحاول أن تستكمل الاتفاق؛ حرصاً على مصداقيتها ألا تُفقَد.

في حين يعتقد الرقب أن أي تقدم في المرحلة الثانية وعدم تكرار جمود المرحلة الأولى، يتوقف على الدعم الأميركي لإنجاز استكمال الاتفاق، خصوصاً انسحاب إسرائيل وليس فقط نزع السلاح.


وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
TT

وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)

أمام فحم مشتعل على عربة قديمة، يقف الستيني محمد مرسي لشواء ذرة وبيعها، عين على عربته وأخرى على الشارع يتأمل المتجولين، وبينهم العديد من أبناء الجالية السودانية التي تسكن منطقة المساحة في شارع فيصل (جنوب العاصمة)، ممن باتوا مكوناً رئيسياً في التركيبة الديموغرافية للمنطقة التي تسكنها طبقات دُنيا ووسطى.

يتمركز بائع الذرة الستيني في المكان نفسه منذ 38 عاماً، فبات مرجعاً للمنطقة. يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد السودانيين ما زالت كبيرة، رغم عودة بعضهم للسودان»، مقدراً أعداد الباقين إلى العائدين بنسبة 85 إلى 15 في المائة. يقول ذلك فيما تقترب الشابة السودانية فاطمة (23 عاماً) من عربته لتسأل عن سعر الذرة، وتمضي دون أن تشتري لارتفاع سعره بالنسبة لها. فاطمة واحدة ممن اتخذوا قرار العودة بعد عامين من الإقامة بمصر، منتظرة دورها في مبادرة «العودة الطوعية»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع فيصل (الشرق الأوسط)

ومكنت مبادرة «العودة الطوعية»، التي أطلقتها منظومة الدفاعات السودانية بالتعاون مع وزارة النقل المصرية في 21 يوليو (تموز) الماضي، مئات الآلاف من السودانيين خصوصاً محدودي الدخل من العودة، خلال قطارات تنقلهم من القاهرة إلى أسوان، ثم حافلات تصل بهم إلى المدن السودانية بالمجان، ورغم ذلك يظل الحضور السوداني لافتاً في الشارع المصري، خصوصاً في المناطق الشعبية مثل فيصل، وأخرى في مدينة العاشر من رمضان (شمال القاهرة) حيث أبرز نقاط تمركز السودانيين بمصر.

عودة مئات الآلاف

وقدّرت القنصلية السودانية في أسوان أعداد العائدين إلى السودان عبر المنافذ البرية حتى الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي، بـ428 ألفاً و676 شخصاً، حسب القنصل عبد القادر عبد الله، قائلاً خلال مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، إن مشروع العودة سيستأنف رحلاته بمجرد توفير التمويل اللازم لذلك، بعد أن انطلقت 45 رحلة خلال الشهور الماضية.

ويفسر أمين الجالية السودانية في العاشر من رمضان، إبراهيم عز الدين، كثافة الحضور السوداني رغم ما تشير إليه الإحصاءات من سفر مئات الآلاف إلى أن «بعض من سافروا عادوا مرة أخرى بعدما وجدوا ظروف الحياة في السودان صعبة»، مشيراً إلى أن هؤلاء ممن تعتبر ظروفهم المادية جيدة، أما الأفقر فلا يستطيعون تحمل مصاريف السفر. ويرى عز الدين، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداد من بقوا في مصر بمدينة العاشر أكبر ممن قرروا المغادرة.

بعض العائدين في الرحلة رقم 42 (مشروع العودة الطوعية المجانية للسودانيين - فيسبوك)

وتسببت الحرب الداخلية بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو مليون ونصف مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. وتقدر الحكومة مجمل أعداد السودانيين في مصر بنحو 4 ملايين سوداني.

توافد مستمر

لا يلاحظ الشاب الثلاثيني محمود صلاح، وهو يعمل في مطعم بمنطقة فيصل، انكماشاً في الحضور السوداني، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «السودانيين ما زالوا يتوافدون لمصر»، مدللاً على كثرتهم في منطقته باستمرار الأثر الأبرز لحضورهم بارتفاع الإيجارات، قائلاً: «أقل إيجار في شقة متواضعة بحارة جانبية 3 آلاف جنيه (الدولار يساوي 47.30 جنيه بالبنوك المصرية)».

عكسه يشعر الشاب العشريني فارس إسماعيل، وهو بائع ملابس متجول، بتراجع أثر السودانيين على عمله مع عودة «كثيرين منهم»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «الشغل نام (راكد) فقد كانوا زبائن أساسيين»، يقول ذلك بينما تقف الشابة السودانية حفصة محمد أمام عربته تختار بعض الملابس الشتوية.

تقول حفصة لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تفكر في العودة حالياً في ظل عدم تحسن الأوضاع المعيشية هناك، خصوصاً أنها تعمل في مصر برسم الحناء للفتيات، ويوفر ذلك لها دخلاً جيداً تعيش منه أسرتها، فيما تشكو حفصة من استمرار ارتفاع الإيجارات في المنطقة، رغم سفر مئات الآلاف من السودانيين، موضحة أنها تدفع إيجار 5 آلاف جنيه.

وشهدت أسعار الإيجارات ارتفاعاً كبيراً مع توافد السودانيين إلى مصر، وقدّر سماسرة سبق أن تحدثت معهم «الشرق الأوسط» الارتفاعات بعدة أضعاف. وهدأت الأسعار نسبياً عن ذي قبل مع توفر أكبر للشقق، لكنها لم تعد إلى مستوى الأسعار قبل قدومهم.

834 ألف لاجئ سوداني

وتعدّ مصر واحدة من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، وسط مطالب حكومية متكررة بزيادة الدعم الدولي لها للمشاركة في استيعاب أعباء اللاجئين. ووفق آخر إحصائية لمفوضية شؤون اللاجئين في يناير الحالي، تتجاوز أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء بمصر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي مليوناً و98 ألف شخص، من 60 جنسية مختلفة، يتصدرهم السودانيون بـ834 ألفاً و201 طلب.

مئات السودانيين في محطة رمسيس ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)

يرصد المتجول في شارع فيصل أو منطقة الدقي والمهندسين وغيرها من مناطق بقاء السودانيين في مصر وجودهم اللافت؛ داخل المواصلات العامة، وفي الشوارع، والمطاعم، وداخل عيادات الأطباء، رغم أن الإحصائيات تشير إلى عودة مئات الآلاف منهم، في مؤشر على ضخامة أعدادهم الفعلية الوافدة إلى مصر.

شعبياً تأقلم كثير من المصريين على وجود الوافدين، بما يحمله ذلك من آثار إيجابية لبعضهم، وسلبية لآخرين، ورسمياً تظل الشكاوى الحكومية من «ثقل حمل الوافدين»، مع التمسك بوصفهم «ضيوفاً». وقدّرت تكلفة استضافة نحو 10 ملايين وافد أجنبي بنحو 10 مليارات دولار سنوياً.


اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» يعزز التنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو

مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
TT

اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» يعزز التنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو

مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)

يسلط اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي دولةً مستقلةً، مع الرفض المصري اللافت لهذه الخطوة، الضوء على التفاهمات والاتفاقات الأمنية التي أبرمتها القاهرة سابقاً مع حكومة مقديشو، وسط حديث وسائل إعلام إسرائيلية عن تعزيز «مصر وجودها العسكري» في الصومال.

وأكد خبراء عسكريون مصريون في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطر الإسرائيلي جراء خطوة الاعتراف «بالإقليم الانفصالي» يتطلب تعزيزاً للتنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو، غير أنَّ أشكال هذا التنسيق تبقى مختلفةً عمّا تحاول أن تُروِّج إليه وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تسعى لادعاء مظلومية تشي بوجود تهديدات مصرية لإسرائيل.

ونقلت مواقع عبرية متعددة بينها صحيفة «جيروزاليم بوست» وموقع «إيه آي 24» ما نشرته صحيفة «ذا ناشيونال» الأسبوع الماضي، بشأن «قيام مصر بتعزيز وجودها العسكري في الصومال عقب اعتراف إسرائيل بـ (صومالي لاند)، خشيةً من النفوذ الإسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الاستراتيجية».

وادعت التقارير أن «القوات المصرية، البالغ قوامها 10 آلاف جندي، أُعيد توزيعها وتوسيع نطاق مهامها الأمنية لمواجهة التهديد الجيوسياسي المتنامي».

ووقَّعت مصر والصومال، في أغسطس (آب) 2024، بروتوكول تعاون عسكري، واتفق البلدان حينها على مشاركة مصر في البعثة الأفريقية لحفظ السلام خلال الفترة من 2025 إلى 2029، ودعمت القاهرة مقديشو بمعدات عسكرية في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وعبَّرت مصر عن رفضها الخطوة الإسرائيلية في إقليم «أرض الصومال» وكانت شريكةً في مواقف منفردة وجماعية في التأكيد على «الدعم الكامل لوحدة الصومال وسلامة أراضيه»، ورفضت «أي خطوات أحادية تمس السيادة، أو تفرض واقعاً سياسياً جديداً خارج الأطر القانونية الدولية».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود في لقاء سابق بالقاهرة (الرئاسة المصرية)

وأكد الخبير العسكري اللواء سمير فرج، أن الخطر الإسرائيلي في «صومالي لاند» يتطلب تعزيز التعاون العسكري مع الصومال، وأن القاهرة تركز بالأساس على تدريب القوات الصومالية وتجهيزها لضمان بسط كامل سيادة الدولة على الأراضي الصومالية، مشيراً إلى أن التعاون والتنسيق مستمر منذ عام 2024 وليس الآن.

وأوضح فرج في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن التحركات الإسرائيلية الأخيرة في منطقة القرن الأفريقي تخلق بؤر توتر عدة في منطقة حساسة للغاية، كما أن قرب إقليم «أرض الصومال» من ممرات الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وتأثيراته على «قناة السويس» يجعل مصر تنظر للأوضاع هناك بوصفها جزءاً أصيلاً من أمنها القومي، وأن أي وجود عسكري غير شرعي في هذه المنطقة يصعب تجاهله.

ومع الاعتراضات الإثيوبية التي برزت عند توقيع الاتفاق الأمني بين مصر والصومال قبل عام 2024، أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في ذلك الحين أن «القوات المصرية ستشارك بالصومال بناء على طلب الحكومة الصومالية، وترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي».

وفي سبتمبر الماضي، أنهى وفد مصري مهمةً استطلاعيةً تمهيداً لانتشار قوات من الجيش المصري ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم واستقرار الصومال (أوصوم)؛ بهدف الإسهام في تعزيز الأمن، ومكافحة الإرهاب، وترسيخ دعائم الاستقرار في الصومال والمنطقة.

ويرى المستشار «بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا»، اللواء عادل العمدة، «أن التعاون العسكري بين مصر والصومال ليس وليد اللحظة، بل قائم منذ توقيع اتفاقية الدفاع العربي المشترك في خمسينات القرن الماضي، والآن هناك حاجة لتعزيز هذا التعاون في ظل مساعي إسرائيل لإثارة الأزمات بالمنطقة، وهي تتحالف مع إثيوبيا للإضرار بالمصالح المصرية والتحكم في ملاحة البحر الأحمر بما لدى ذلك من تأثيرات سلبية على قناة السويس».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تعزيز التعاون العسكري مع الصومال لا يشمل فقط القاهرة، بل إن هناك تنسيقاً مع المملكة العربية السعودية في هذا الإطار من أجل تقديم الدعم اللازم لمقديشو في مواجهة التدخلات الخارجية، مشيراً إلى «أن برتوكول التعاون الدفاعي يسير في اتجاهه القائم منذ التوقيع عليه، وهناك قوات مصرية منتشرة في إطار بعثة الاتحاد الأفريقي، وأخرى في إطار منفصل لتأهيل القدرات العسكرية الصومالية وتدريب العناصر الأمنية».

يفسر العمدة الاهتمام الإسرائيلي بالتعاون بين مصر والصومال كونه يستهدف «ادعاء مظلومية يُصدِّر من خلالها الإعلام الإسرائيلي صورةً مضللةً عن التهديد الذي يمثله الجيش المصري لإسرائيل، رغم أن الحكومة اليمينية المتطرفة قامت بخرق القانون الدولي عبر الاعتراف بإقليم انفصالي»، مشيراً إلى أن المزاعم الإسرائيلية «تأتي في سياق أكاذيب كثيرة اعتاد عليها الإعلام العبري بشأن الوجود المصري في سيناء، وخرق (اتفاقية السلام)، والتهريب عبر الحدود».

وزير الدفاع المصري عبد المجيد صقر يناقش سبل التعاون العسكري مع نظيره الصومال أحمد معلم في سبتمبر الماضي بالقاهرة (المتحدث العسكري المصري)

وذكر موقع «واللا نيوز» العبري أن مصر عزَّزت مؤخراً وجودها العسكري في الصومال، رداً مباشراً على الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، وهو الأول منذ إعلانها استقلالها الفعلي عن مقديشو عام 1991.

وأكد التقرير العبري أن «القاهرة تخشى من أن تستغل إسرائيل نفوذها في أرض الصومال لبناء تعاون إقليمي مع إثيوبيا، الدولة التي تخوض معها مصر نزاعاً طويل الأمد حول سد النهضة ومياه نهر النيل».

ولفت أستاذ العلوم الاستراتيجية في «الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا»، اللواء نصر سالم، إلى أن توطيد التعاون العسكري مع مقديشو طبيعي في ظل التهديدات الإسرائيلية، مضيفاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «لن تقف القاهرة مكتوفة الأيدي في ظل تهديدات متصاعدة في الصومال وإريتريا من جانب دول معادية، وذلك في إطار مناطق تقع في الإطار الحيوي للأمن القومي، ما يتطلب وجوداً يمكن أن يحمي الحدود والمصالح المصرية».

وأكد سالم أن اتفاق التعاون الأمني ممتد ما دامت تحافظ عليه كل من القاهرة ومقديشو، ومن الممكن تطويره وفقاً لمتقضيات التهديدات التي تجابه الدولتين.