بلبلة أمنية في لبنان بعد تهديدات باستهداف الكنائس في البقاع

ترجيحات بكون تنظيم «أحرار السنة» وهميا ودعوات لتعزيز الإجراءات الوقائية

بلبلة أمنية في لبنان بعد تهديدات باستهداف الكنائس في البقاع
TT

بلبلة أمنية في لبنان بعد تهديدات باستهداف الكنائس في البقاع

بلبلة أمنية في لبنان بعد تهديدات باستهداف الكنائس في البقاع

انشغلت الساحة اللبنانية، وتحديدا المسيحية، أمس، بمضمون تغريدات نشرها «لواء أحرار السنة - بعلبك»، على موقع «تويتر» أعلن بموجبها «توكيل مجموعة خاصة من المجاهدين الأحرار لتطهير إمارة البقاع الإسلامية بشكل خاص، ولبنان بشكل عام من كنائس الشرك».
وبعد توعده ليل الأربعاء - الخميس، بـ«استهداف الصليبيين في الإمارة ولبنان لإيقاف قرع أجراس الشرك»، داعيا أهل السنة «للابتعاد عن كنائس الشرك وعدم الاقتراب منها، وذلك على كافة الأراضي اللبنانية حرصا على سلامتهم»، نشر اللواء أمس صورة غير واضحة لمن قال إنه «قائد المجموعة الموكلة باستهداف الصليبيين في لبنان المجاهد عمر الشامي في غرفة عمليات خاصة بتصنيع العبوات الناسفة».
ولا يعرف الكثير عن هذا التنظيم ومن يقف وراءه، ويفترض كثيرون أن حسابه على موقع «تويتر» وهمي، بموازاة اعتبار مصادر أمنية أن بياناته «غير جدية»، لكن تغريداته في اليومين الأخيرين أثارت بلبلة في منطقة البقاع تحديدا وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. ودفعت هذه البلبلة رئيس أساقفة الفرزل وزحلة والبقاع للروم الملكيين الكاثوليك المطران عصام يوحنا درويش إلى طمأنة أهالي البقاع ولبنان لـ«عدم جدية التصريح الصادر عن لواء أحرار السنة - بعلبك»، الذي يأتي «في سياق المخطط لخلق بلبلة أمنية في منطقة البقاع»، مؤكدا في الوقت ذاته: «إننا مدعوون إلى اتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر».
وأكد درويش، في بيان أصدره أمس، أنه «لدينا الإيمان والقناعة وملء الثقة بالجيش اللبناني والقوى الأمنية جميعها التي هي صمام أمان لجميع اللبنانيين في البقاع وفي بقية المناطق»، معربا عن اعتقاده بأن «الخطة الأمنية التي بدأت منذ فترة ستساهم من دون شك في إحلال السلام والأمن والطمأنينة».
وكانت التغريدات الأولى على حساب «لواء أحرار السنة» نشرت في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، إثر اشتباك شهدته مدينة بعلبك (شرق لبنان) على أحد عناصر «حزب الله» الأمنية، على خلفية موجة التفجيرات التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت الصيف الماضي ومن ثم انتقلت إلى بعلبك.
وأعلن «لواء أحرار السنة - بعلبك»، في وقت سابق انتماءه للدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، محذرا «جبهة النصرة» من نقل الخلاف الدائر مع الدولة في سوريا إلى لبنان. وتبنى اللواء يوم الأربعاء الماضي التفجير الانتحاري داخل غرفة بفندق في محلة الروشة في بيروت، ليتبين بعد ذلك أن الانتحاري أقدم على تفجير حزام ناسف أثناء محاولة القوى الأمنية اقتحام غرفته ما أدى إلى مقتله وإصابة زميله.
وقالت مصادر وزارة الداخلية اللبنانية لـ«الشرق الأوسط» أمس إن «الأجهزة المختصة تحقق في موضوع التهديدات باستهداف كنائس، لكن لا معطيات أو تفاصيل للإعلان عنها حتى الآن»، لافتا إلى أن كشف هوية من يقف وراء حساب «تويتر» يحتاج إلى متابعة في الداخل والخارج. وعما إذا كانت الأجهزة الأمنية ستتخذ إجراءات أمنية في محيط الكنائس التي تغص بالمصلين أيام الآحاد، أجابت المصادر: «بطبيعة الحال، إجراءات مماثلة ستؤخذ بعين الاعتبار».
وكانت تقارير إعلامية لفتت أمس إلى اتخاذ «إجراءات أمنية لضبط الوضع وعدم تنفيذ عملية أمنية»، على خلفية تغريدات لواء «أحرار السنة - بعلبك». ونقلت «المؤسسة اللبنانية للإرسال» عن مصادر قضائية قولها إن «اسم تنظيم لواء أحرار السنة - بعلبك لم يرد في ملفات التحقيق في العمليات الإرهابية».
وفي موازاة دعوة رئيس أساقفة الفرزل وزحلة والبقاع للروم الملكيين الكاثوليك المطران عصام يوحنا درويش في بيانه أمس: «إنه في ظل هذه الظروف الدقيقة يقع على المسلمين بشكل عام والسنة بنوع خاص مسؤولية الحفاظ على المسيحيين في البقاع ولبنان والشرق»، أبدى رئيس المجلس العام الماروني الوزير السابق وديع الخازن، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، تخوفه من بدء مسلسل استهداف المسيحيين في لبنان على غرار ما شهده العراق ودول أخرى في المنطقة، داعيا «الحكومات العربية ومعها كل المعنيين إلى المبادرة لتفعيل وسائل الحماية والتمسك بالحضور المسيحي في الشرق».
من ناحيته، جزم النائب السني في كتلة «حزب الله» كامل الرفاعي بأنه «لا وجود للواء أحرار السنة، وأهل السنة أبعد ما يكون عن فكر (جبهة النصرة) و(داعش)»، وأكد: «إننا لن نقف في صفّ الفئات الإرهابية مهما حصل»، مشددا على أنه «لا علاقة بين دخول (حزب الله) إلى سوريا ومجيء هذه المجموعات التكفيرية إلى لبنان».
وفي إطار الردود على تغريدات «لواء أحرار السنة - بعلبك»، طالب حزب «القوات اللبنانية»، الذي يترأسه سمير جعجع، الدولة وأجهزتها بـ«التحرك لفضح من يقف وراء هذه التغريدات لأنها نعيق بوم الفتنة الطائفية ليس أكثر». وأشارت «القوات» في بيان صادر عنها أمس إلى أن «كل العمليات الأمنية التي تبناها هذا التنظيم حتى الآن تبين لاحقا أن منفذها تنظيم آخر، وعلى سبيل المثال لا الحصر، اغتيال القيادي في (حزب الله) حسان اللقيس في الضاحية الجنوبية لبيروت (نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي)، الذي أظهرت التحقيقات أن الموساد الإسرائيلي هو المسؤول عنها». وشددت على أن «الكنائس والجوامع والخلوات وكل أماكن الصلاة في لبنان لم تكن يوما ولن تكون لقمة سائغة في فم ذئاب الإجرام والفتنة؛ فكل اللبنانيين سيهبون للدفاع عنها عند الحاجة».



فيسينغ: سنعالج أخطاء الاتحاد... الأمر لن يتغير بين يوم وليلة

الألماني ينز فيسينغ مدرب الاتحاد (الشرق الأوسط)
الألماني ينز فيسينغ مدرب الاتحاد (الشرق الأوسط)
TT

فيسينغ: سنعالج أخطاء الاتحاد... الأمر لن يتغير بين يوم وليلة

الألماني ينز فيسينغ مدرب الاتحاد (الشرق الأوسط)
الألماني ينز فيسينغ مدرب الاتحاد (الشرق الأوسط)

أكد الألماني ينز فيسينغ، مدرب الاتحاد، أن فريقه يعمل على تصحيح الأخطاء التي تسببت في خسارته أمام الهلال، مشيراً إلى أن تحسين جودة القرارات يحتاج إلى العمل والتكرار، ولا يمكن تحقيقه في يوم وليلة.

وقال فيسينغ، خلال المؤتمر الصحافي الذي يسبق مواجهة الاتحاد وشباب الأهلي الإماراتي في دوري أبطال آسيا للنخبة: «نعود مجدداً إلى منافسات دوري الأبطال بعد مدة توقف طويلة، لعبنا قبل يومين، والآن ينتظرنا تحدٍ صعب، وأنا متطلع إلى المواجهة».

وعن تأثير الخسارة أمام الهلال على الفريق من الناحيتين النفسية والبدنية، قال: «بعد التوقف أردنا العودة بانتصار، لكننا لم نتمكن من ذلك بسبب الأخطاء التي ارتكبناها، وهي أخطاء نستطيع تلافيها. لم نقدم المستوى الذي نطمح إليه، وكان فوز الهلال مستحقاً بالنظر إلى الأداء الذي قدمه والأخطاء التي ارتكبناها».

وأضاف رداً على سؤال بشأن كيفية تفادي تكرار هذه الأخطاء: «يمكننا تجنب الخسارة مستقبلاً من خلال عدم تكرار الأخطاء ومواصلة العمل مع اللاعبين».

وفي رده على سؤال «الشرق الأوسط» بشأن العمل على تحسين القرارات داخل الملعب، خصوصاً بعد تكرار الحديث عن هذا الجانب عقب مواجهة الشمال، قال فيسينغ: «نعمل على تحسين جودة القرارات، وأحياناً ينقصنا التوفيق. اتخاذ القرار في الوقت الصحيح قد يكون صعباً حتى على اللاعبين العالميين، وهذا يحدث في كرة القدم على مستوى العالم. نحن نعمل على ذلك، ولن يتغير الأمر في يوم وليلة، بل يحتاج إلى العمل والتكرار».

وعن تحضيراته للمواجهة الآسيوية واحتمالية إجراء مداورة في التشكيلة، أوضح: «تحضيري للمواجهة مثل أي مباراة أخرى، وهذا أمر طبيعي. نعمل على تصحيح الأخطاء، ولا أريد الكشف عن الخطة، لكننا نريد تسجيل الأهداف، وهذه طريقتنا».

واكتفى فيسينغ بالرد «دعنا نرى» على سؤال بشأن إمكانية إجراء مداورة في مواجهة شباب الأهلي.

من جانبه، أكد الهولندي جورجينيو فينالدوم، لاعب الاتحاد، رغبة الفريق في استعادة مستواه وتعويض الخسارة الأخيرة، مشيراً إلى أن اللاعبين يتطلعون إلى تقديم أداء يعكس إمكاناتهم.

وقال فينالدوم خلال المؤتمر الصحافي: «بعد نهاية الأسبوع الصعب نظراً للأوضاع التي حدثت، نتقدم بالتعازي للعائلات، ونتمنى للمصابين الشفاء العاجل. نريد التعافي والعودة إلى مستوانا المعتاد، وتعويض الخسارة وإثبات ما نستطيع تقديمه».


ليبيا: تصعيد سياسي يستبق إحاطة تيتيه أمام «مجلس الأمن»

جلسة للمجلس الأعلى للدولة في العاصمة الليبية الأسبوع الماضي (المجلس الأعلى)
جلسة للمجلس الأعلى للدولة في العاصمة الليبية الأسبوع الماضي (المجلس الأعلى)
TT

ليبيا: تصعيد سياسي يستبق إحاطة تيتيه أمام «مجلس الأمن»

جلسة للمجلس الأعلى للدولة في العاصمة الليبية الأسبوع الماضي (المجلس الأعلى)
جلسة للمجلس الأعلى للدولة في العاصمة الليبية الأسبوع الماضي (المجلس الأعلى)

انفتح المشهد العام في ليبيا على تصعيد سياسي، تبلور في تمسّك المجلس الأعلى للدولة في طرابلس بموقفه الرافض لمخرجات اتفاق «4+4»، فضلاً عن رفضه بعض القوانين الانتخابية الصادرة عن مجلس النواب.

ويأتي موقف المجلس الأعلى قبيل إحاطة تعتزم المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هانا تيتيه، تقديمها إلى مجلس الأمن الدولي يوم الأربعاء.

ويحدّد اتفاق «4+4» مهلة أقصاها 24 شهراً لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وأقر تعديلات في شروط الترشح تنص على السماح للعسكريين بالمشاركة، وإلزام مزدوجي الجنسية بالتخلي عن الجنسية الأجنبية حال الفوز.

ورغم هذا المسار الذي ترعاه البعثة، تعترض تطبيقه عقبات سياسية في ظل رفض المجلس الأعلى للدولة.

تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا مستقبلاً المبعوثة الأممية 12 أغسطس الماضي (المجلس)

وانتهت مهلة الشهر التي حدّدتها البعثة لمجلسي النواب و«الأعلى للدولة» لاعتماد مخرجات «4+4» قبل اللجوء إلى «خيارات بديلة حال فشل التنفيذ». ومع موافقة مجلس النواب ورفض «الأعلى للدولة»، بات المشهد السياسي منفتحاً على سيناريوهات جديدة، ربما تتكشف بعد إحاطة تيتيه.

وقال المجلس الأعلى للدولة، مساء الأحد، إنه خلص إلى «رفض ما تضمنته مراسلة البعثة الأممية بشأن مسار (4+4)، من توجهات أو ترتيبات من شأنها تجاوز الأطر الدستورية والقانونية والتوافقية للعملية السياسية، أو الانتقاص من الاختصاصات المقررة للمؤسسات المنبثقة عن الاتفاق السياسي الليبي».

ولم تُصدر البعثة الأممية تعليقاً على رفض المجلس الأعلى للدولة مخرجات الاتفاق، فيما قال مصدر مقرب من المبعوثة تيتيه لـ«الشرق الأوسط» إنها كثفت جهود التقريب بين الأطراف الليبية منذ التوقيع على اتفاق «4+4» في أواخر أغسطس (آب)، تمهيداً لإحاطتها المرتقبة أمام مجلس الأمن الدولي، مشيراً إلى أنها «ستعرض رؤيتها للحل في ظل هذه التعقيدات».

ويرى المجلس أن «أي ترتيبات تتصل بالمسار السياسي أو الانتخابي أو بإدارة المرحلة الانتقالية، لا تكون مشروعة أو منتجة لآثارها إلا في إطار الإعلان الدستوري وتعديلاته، والاتفاق السياسي الليبي، ووفق الاختصاصات المقررة للمؤسسات القائمة، وبما يراعي مبدأ التوافق فيما أوجبته الأطر الدستورية والسياسية من توافق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة».

ويؤكد المجلس أن «بعثة الأمم المتحدة تضطلع بدور الميسّر والداعم للعملية السياسية، في إطار ولايتها، ولا تملك إنشاء مسارات أو ترتيبات تحل محل المؤسسات الليبية أو تتجاوز اختصاصاتها أو تنال من ملكية الليبيين مسارهم السياسي».

وقال المجلس إنه «تمسكاً بمبدأ التوافق المؤسسي، واحتراماً للاختصاصات والإجراءات التي قررتها الأطر الدستورية والسياسية النافذة، وحرصاً على سلامة المسار التشريعي للانتخابات، وصوناً لمشروعية الاستحقاق الانتخابي؛ يرفض قوانين أصدرها مجلس النواب وتتعلق بانتخاب مجلس الأمة ورئيس الدولة، وإنشاء المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديلاتها».

وأرجع المجلس الأعلى هذا الرفض إلى أن هذه القوانين «صدرت منفردة، ودون استيفاء الإجراءات التوافقية المقررة بين مجلسي النواب و(الأعلى للدولة)، بالمخالفة للأطر الدستورية والسياسية الحاكمة للعملية السياسية».

تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا مستقبلاً عدداً من النواب نهاية الأسبوع الماضي (المجلس)

ورغم ذلك، أبدى المجلس الأعلى للدولة «تمسّكه بإحياء خريطة الطريق» التي أعلنتها البعثة في 21 أغسطس (آب) 2025، والتي سبق للمجلس أن وافق عليها، والعمل على استئناف مسارها وتنفيذ ما تضمنته من خطوات.

ويأتي تصعيد المجلس الأعلى للدولة غداة توتر شهدته العاصمة طرابلس، الاثنين، على أثر إغلاق قوة أمنية مقر مجلس النواب في طرابلس لمنع اجتماع كان مقرراً انعقاده بين النواب المقاطعين لانتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً للمجلس.

وكان طارق الأشتر، النائب الأول لرئيس مجلس النواب، قد ذهب إلى العاصمة لعقد جلسة مع النواب المقاطعين، لكنه لم يتمكن من ذلك بعد إغلاق مقر المجلس.


أنطوان الدويهي: «الشتاء الكبير» عهد بيني وبين نفسي

أنطوان الدويهي
أنطوان الدويهي
TT

أنطوان الدويهي: «الشتاء الكبير» عهد بيني وبين نفسي

أنطوان الدويهي
أنطوان الدويهي

مع روايته الأخيرة «الشتاء الكبير» الصادرة في بيروت عن «الدار العربية» و«دار المراد»، يستمر أنطوان الدويهي على مدى ثلث قرن في صوغ عالمه الأدبي، إذ يستند إلى الحياة الداخلية، ويتوغل في أقاصي النفس البشرية، كما يتماهى مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي الذات الفردية بذات الأرض وذات الجماعة، وحيث سحر الذاكرة التي يرى فيها الدويهي «شمس الروح». وكان الشاعر أنسي الحاج قال عن الدويهي: «إنه يُقرأ كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبمناسبة مشاركة الدويهي في «معرض بيروت العربي والدولي للكتاب»، خروجاً عن تنسّكه المعتاد في الكتابة والحياة، دار الحوار التالي...

> لا أخفي عنك سروري بصدور «الشتاء الكبير»، خصوصاً بعد سنوات عدة من الصمت والعزلة، منذ صدور روايتك «آخر الأراضي » عام 2017، ثم إعادة نشر «كتب الحالة» في العام التالي، الذي يحتل مكانة خاصة في مكتبتي، فلماذا هذه الرواية الآن؟ - هذه الرواية عهد بيني وبين نفسي. تعلم أن جميع أعمالي الأدبية مستمدة من «يوميات الحياة الداخلية» التي دأبت على تدوينها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم. من بين هذه المخطوطات المحفوظة لديّ، ثمة مدونات عن روايتين كنت أعمل عليهما في الصبا الأول، لم أنجزهما في حينه. وها أنا بعد أكثر من نصف قرن أعود إليهما، فأكملهما من حيث توقفت آنذاك، وقد دمجتهما في رواية واحدة بعنوان «الشتاء الكبير».

> لماذا عنوان «الشتاء الكبير»؟

- كان عنوان الفصل الأخير الذي توقفت عنده في حينه، وقد اعتمدته عنواناً للرواية. و«الشتاء الكبير» هو الشتاء الرهيب، المفعم بعذابات الروح التي أتحدث عنها، في تلك المراهقة المتألمة، المتوهجة، المسكونة بالهواجس وبنزعة المطلق. هي عذابات عيش الحياة قبل عيشها. وقد صدف أن آلام الصبا الأول الذاتية قد تمّت في مجتمع كان يعيش مرحلة من الاضطراب العميق أيضاً، مع أني أرى تماماً أن الاضطراب الذاتي لم يكن ناتجاً قط عن الاضطراب المجتمعي، وكان سيحدث في ذلك المكان أو سواه.

> لكن المكان، أي موريا القديمة، التي تقع فيها تلك الأحداث المأساوية، هي شديدة الأهمية بالنسبة للراوي. يذكر في مستهل «الشتاء الكبير» كم يعجب من الذين يسافرون، كيف يستطيعون الانتقال من مكان إلى آخر، وكيف يمكنهم العيش في بلدان وأنحاء لا علاقة لها بحيواتهم الماضية، أما هو فلا يستطيع العيش إلا في هذا المكان الواحد، هذا الحي القديم الذي هو فيه، ولا يستطيع مبارحته إلى أي مكان قريب أو بعيد في هذه الدنيا، ولا يمكنه تصور حياته خارجه، أليس كذلك؟ - لا شك في ذلك. كان ثمة تعلّق شديد بذلك المكان. لكن عذابات الصبا الأول، أي أزمة الراوي الشخصية، كان لا بد أن تحدث في أي مكان، لأنها ناتجة عن طبيعة ذاته العميقة، وليس عن المكان الذي هو فيه. مع ذلك يتوقف الراوي عند تعلقه الشديد بموريا القديمة، ويحاول إدراك أسبابه. يتساءل إذا كان ارتباطه بذلك الحي القديم عائداً إلى طبيعة الحي شبه الدائرية، شبه المغلقة، أم لفصول العنف وطقوس الموت التي رافقته فيه منذ وصوله إليه طفلاً، أم بسبب ولهه الرهيب بهند، مع أنها لم تكن تقيم في موريا القديمة. لكن توالت في هذا الحي فصول ولهه الداخلي بها، القائمة ليس على حضورها، بل على غيابها النهائي.

> كذلك يربط الراوي عميقاً بين دعوته الأدبية وموريا القديمة...

- أجل، كمسرح لهذه الدعوة. يذهب بعيداً جداً في هذا الربط، إذ يقول: «لا حاجة لي لمعرفة ما جرى في مسارات التاريخ، أو ما يحدث الآن في أرجاء العالم الشاسع، كي أعبّر عن المغامرة البشرية وعن المصير البشري. يكفيني أن أعيش فصول الحياة والموت في موريا القديمة، ويكفيني عيش ولهي بهند، حت ألج كل شيء وأشهد لكل شيء منذ بدء الزمان. حي موريا القديم هو مسرحي الكوني».

لكن هنا أيضاً، وعلى الرغم من هذا الربط العميق بالمكان، تبقى الدعوة الأدبية قائمة كلياً في ذاتها، بمعزل عن المكان. كان يمكن أن تعبّر عن نفسها في أي مكان يقوده صباه الأول إليه. فعالم الراوي الأدبي قائم، ليس في المكان، بل في ذاته الأعمق، ويبقى في جوهره هو نفسه، بمعزل عن تغيّر الأماكن وطبيعتها وظروفها.

يذكر الراوي أنه، على الرغم من وجوده في موريا القديمة وصلته الوثيقة بأهلها، فهو مقيم في «مكان ناء عنهم، بعيد عن عالمهم». ويوضح ذلك أكثر بقوله: «أعجب كيف يرى الناظر إليّ وراء سحنتي الهادئة وظلي الناحل، هذا المدى الشاسع الذي أنا فيه. وأنا لم أختره ولم أسع إليه، ولا علاقة له برغبتي أو إرادتي كأنه مكان إقامتي منذ ما قبل ولادتي بزمن طويل».

> أودّ التوقف قليلاً عند دعوة الكتابة التي ترتدي كثيراً من الأهمية في هذه الرواية. كيف تحدد هذه الدعوة؟

- يحددها الراوي في «الشتاء الكبير» تحديداً وافياً، فهو يذكر أن لا غاية معرفية أو فكرية أو فلسفية أو توجيهية لما يكتبه، بل غاية جمالية بحتة، وأن ما يكتبه هو شهادة، إذ يقول: «فما أنا إلا شاهد، أشهد لما أنا فيه، وحين أكتب لا أكتب لأحد، ولا أتخيل أحداً أمامي، ولا أهتمّ بمن سيقرأ أو لا يقرأ ما أخطّه، فصدق شهادتي وجماليتها هما غايتي الوحيدة». ويضيف: «هو هاجس الكتابة المطلقة التي أتوق إليها، وهاجس الكتاب المطلق الذي أسعى إليه. فالكتابة هي خلق عالم جديد، فريد، شعري الجوهر، يكون على صورة الكاتب ومثاله، وليس من أدب كبير إن لم يكن شعرياً»، أي جمالي الجوهر.

> ومن أين يأتي هذا الأدب الكبير؟

- من مصدر أوحد، من نهر الأعماق. نهر الحياة الداخلية الذي لا يتوقف، بما يحمله من لحظات مضيئة، متوهجة. وهو ليس تعبيراً عن الذات الفردية فقط، بل أيضاً من حيث يدري الكاتب أو لا يدري، عن وجدان الشعب، وعن روح الأرض. والحياة الداخلية ليست فسحة ضيقة، محاصرة، كما يظنّ البعض، بل هي الكون لرمته، وحين تنطفئ ينطفئ الكون.

وبشأن الأدب الكبير أيضاً، يذكر الراوي أنه «لا حاجة للبحث عنه هنا وهناك، لأنه يكون موجوداً بأكمله، وجوداً مسبقاً، في ذات الكاتب. ويكفي لتجسيده شعور عميق يقود إليه، كأنه دليله، والبقية تأتي كفعل تأليفي ولغوي، لا أكثر».

> ثمة تساؤلات تفرض ذاتها حول هذا العمل: كيف يمكن إكمال رواية بعد أكثر من نصف قرن على بدئها؟ وكيف يبقى عالم الكاتب هو نفسه؟ وكيف تبقى لغته هي نفسها؟

- يحق للمرء التساؤل والاستغراب، لكنه أمر جد طبيعي بالنسبة لي. أنا اكتملت لغتي منذ ذلك الزمن، زمن الصبا، ولم تعد تتغير. كذلك هواجسي ورؤيتي للأشياء، وجوهر حياتي الداخلية. كل مساري الأدبي يشهد على ذلك. ويوضح الراوي في مستهل «الشتاء الكبير» ما يلي: «كنت أشرت مراراً إلى غرابة علاقتي بالزمن، كيف كأنه يمرّ لديّ ولا يمر. كأنه يجتاز الخارج ولا يلج إلى الداخل. كيف أن المسافات الفاصلة بين الماضي والحاضر مصابة بقصر نظر مريع، وأن كل شيء حي ومحفوظ بكامله في فسحة الذات، لم تضع ذرة واحدة منه».

وبشأن العالم الداخلي الذي بقي في جوهره هو نفسه على مرّ الزمن، يذكر الراوي: «كل ما عرفته بعد ذلك، على مر السنين، من مشاهد وأمكنة وأنفس وحيوات لا تحصى، في جغرافية حياتي الفسيحة على ضفتي العالمين... لم يضف كثيراً إلى ما كان يختلج في حنايا ذلك الفتى اليافع الصامت».

وعن اللغة والرؤية، يضيف الراوي: «كما أود الإشارة إلى أني لم أغيّر شيئاً في لغته التي بقيت هي عينها على الدوام. هي لغة نفسي، فأنى لي تغييرها؟ ولا استطعت الغوص أبعد منه في غياهب ذاتي، ولا أعمق منه في ولوج ما يُرى وما لا يرى من عوالم».

> ترتبط عذابات الصبا الأول المبرّحة في «الشتاء الكبير» بوله الراوي بهند. لكن الراوي لم يقترب من هذه الصبية أبداً، بل كان يراها من بعيد واقفة على تلك الشرفة. وهو لا يعرف عنها شيئاً، ولا يدري إذا كانت شعرت بشيء تجاهه، وقد أولاها اسم هند، لأنه لا يعرف اسمها. فما طبيعة هذا الوله الغريب الذي كانت له النتائج النفسية المهولة؟

- ثمة علاقة وثيقة مباشرة بين الوله بهند «صبية الشرفة» وعذابات الصبا الأول التي دامت 3 سنوات مفعمة بآلام الروح، وتتوقف الرواية عندها. يذكر الراوي بهذا الشأن: «أسميه (الشتاء الكبير) وهو (الشتاء الرهيب) حقاً، حين أضحت (صبية الشرفة) الهاجس الداخلي، السري، الطاغي، المضني، الذي لا يبارح ذاتي في أي وقت. وكم تساءلت إذا كان من كائن بشري آخر عرف الاضطراب الذي أعيش، علّه يحمل لي بعض العزاء وبعض الإضاءة لما أنا فيه. أحاول الاقتراب بالكتابة من الحالة التي تمتلكني، آملاً أن تسعفني كتابتها على تحملها والخروج ذات يوم منها، وأنا في كل مرة أحاول ذلك، أجد ما أكتبه بالغ النقصان».

أما عن الوله بهند، فهو الحب الأول، وهو حب عذري. لكنه أبعد وأغرب من ذلك. ففي حالة الحب العذري، لا يكون من تواصل جسدي طبعاً، لكن تكون هناك، على الأقل، معرفة متبادلة ما. أما في حالة الوله بهند، فهو وله بالغياب المطلق. فبعد أن ولجت الصبية أعماق النفس، وأضحت هاجسها الأكبر، يخبر الراوي أنها «اختفت فجأة بعد نحو عام ونصف عام مع عائلتها التي غادرت ذات يوم إلى جهة أجهلها». ومنذ ذلك الحين أضحى الوله بها ولهاً بالغياب النهائي الذي لا خاتمة له.

> هذا في جانب اضطراب الصبا الأول وعذابات الوله ودعوة الكتابة. لكن كيف ترى الاضطراب المجتمعي العميق الذي رافق تلك المرحلة، وما حمله من عنف وموت؟ في بعض القراءات النقدية التي اطلعت عليها، للرواية، كان التركيز على تاريخية أحداث العنف التي عرفها مجتمع طفولتك وصباك الأول في حينه. ما رأيك في ذلك؟

- لا شك أن ما حملته الرواية من اضطراب مجتمعي ومن أحداث عنف، لا يأتي من العدم. فهو منبثق من واقع مأساوي عشناه في تلك المرحلة، لكن العنف في «الشتاء الكبير» يتجاوز تاريخية الأحداث ولا يتوقف إطلاقاً عندها. وإذا ركّز بعض النقد على ذلك، فلأنه يسهل عليه التحرك في المجال التاريخي ومساراته المعروفة، بما تحمله من لفت نظر وإثارة. لكن العنف الجماعي في «الشتاء الكبير» هو في مكان جد بعيد عن تاريخية الأحداث، فأنا لا أحب الأدب التاريخي ولا ألجأ إليه، وقد تحدثت عن ذلك مراراً من قبل.

> لكن إذا كان العنف الجماعي في «الشتاء الكبير» يتجاوز تاريخية الأحداث ويقيم خارجها وفي منأى عنها، فأين يكون؟

- يتخطى العنف الجماعي في «الشتاء الكبير» سردياته ليمثل في أبعاده الوجودية، الواعية واللاواعية، المجردة من الأحداث الواقعة، وينزح نحو أسراره النفسية والشعورية القصيّة. فهو يحضر مجرداً من ماديته، تائقاً إلى ما ورائيته. فالراوي يذكر بهذا الشأن: «هو في ذاكرتي موت بلا دم، وليس في ذاكرتي مكان للدم المراق. وحين كان يقترب الدم أحياناً من صورة موتهم في مخيلتي، كنت أرفض بقوة تتخطاني وتتجاوز وعيي وإرادتي. لذلك كلمة (دم) شبه غائبة عن قاموسي، لا أحب استعمالها قط، وأستغرب كثيراً الذين يفرطون في ذكرها، فهم ينتمون إلى عالم جد ناءٍ عن ذاتي».

والعنف في الرواية يكمن في محاولة الإجابة المسهبة عن تساؤلات لا إجابة عنها، مثل: «كيف يمكن للوالد أو الوالدة العيش بعد موت ولدهما؟»، والغوص في أغوارها ومجاهلها. ومثل تقصّي حالة الاشتباك الجماعية بين موريا الشرقية وموريا الغربية ومحاولة ولوج أسرارها ومعانيها في غياهب الوعي واللاوعي الفرديين والجماعيين، عبر الانتقال من مادية العنف إلى احتفاليته، وإلى ما يشبه ميتافيزيقيته.