تداعيات تحرير درنة الليبية (2 من 3) : صداع الخلايا النائمة في ليبيا

حفتر يطهر شرق البلاد من «المتطرفين» بإمكانات متواضعة

أحد مواطني درنة بعد تحرير اجزاء كبيرة في المنطقة من المتطرفين (رويترز)
أحد مواطني درنة بعد تحرير اجزاء كبيرة في المنطقة من المتطرفين (رويترز)
TT

تداعيات تحرير درنة الليبية (2 من 3) : صداع الخلايا النائمة في ليبيا

أحد مواطني درنة بعد تحرير اجزاء كبيرة في المنطقة من المتطرفين (رويترز)
أحد مواطني درنة بعد تحرير اجزاء كبيرة في المنطقة من المتطرفين (رويترز)

تمكن الجيش الوطني الليبي، الذي يعاني حظرا دوليا على تسليحه منذ 2011. من دحر جماعات متشددة في مدينة درنة الساحلية، آخر معاقل الخروج عن الدولة في شرق البلاد. ووضع الجيش، بقيادة المشير خليفة حفتر، خططا لنشر الأمن ومكافحة الإرهاب، لكن هذا يحتاج إلى جهود كبيرة من المجتمع المحلي ذي الطابع القبلي، ومن المعنيين بإنهاء الفوضى والانقسام في هذا البلد الغني بالنفط.
ويقول الشيخ علي أبو صوة، مستشار الهيئة العامة للأوقاف في النظام السابق، إن خطر خلايا المتطرفين النائمة خاصة في درنة وبنغازي، ما زال كبيرا... و«خطر هذه الجماعات يكمن في الفكر؛ الفكر المتهور... وهو أنه حين يستهدف أبرياء، أو الجيش، أو المؤسسات، أو المناطق الحيوية، يعد نفسه يقوم بعمل صحيح، نكاية في الطاغوت، أو الدولة، وفقا لتوصيفاتهم».
تبلغ مساحة ليبيا نحو مليوني كيلومتر مربع، وهي أراض صحراوية جرداء في العموم تقع على شريط ساحلي مواجه لأوروبا. ويربط بين المدن، البعيدة عن بعضها بعضا، طرق طويلة يصعب تأمينها. وفي محطة «المخيلي» الواقعة في منتصف الطريق الصحراوي الجنوبي الرابط بين طبرق وبنغازي، تقوم مجموعات من المتطرفين الفارين من درنة، بالمرور بشكل خاطف من هذه المحطة التي كانت في الماضي نقطة صراع بين جيوش الحرب العالمية الثانية.
في مرات كثيرة كان ينبغي المرور من «المخيلي»، مع مرافقين مغامرين، لأن الخطر مستبعد فيها أكثر من الطريق الساحلي. وإذا ظهر الخطر فإنه يظهر فجأة، ويجعلك تستسلم سريعا لمصيرك، كما حدث لعشرات من سائقي الشاحنات المصرية في السابق. ورغم تواضع إمكانياته، بسبب الحظر الدولي، وضع الجيش نقاط تفتيش عدة من أجل منع أي خارجين عن القانون من الوصول إلى مفترق الطرق الرئيسية الذي تعد «المخيلي» نقطة ارتكاز لها، ما بين مدن الشمال والجنوب ومدن الشرق والغرب.
ويتميز أبناء التجمعات السكنية المبعثرة في الصحراء حول «المخيلي»، مثل غالبية مناطق ليبيا، بالكرم، والبساطة، وقرض الشعر، منذ القدم. وفي السابق كان يمكن أن تجد سيارة مفتوحة وداخلها المفتاح، دون أن يخشى صاحبها من سرقتها. كما اعتادت المطاعم التي تقدم الطعام للمسافرين كتابة شعار «معك نقود تأكل... ليس معك نقود تأكل أيضا».
لكن مرور المتطرفين على المنطقة، وارتكاب جرائم ضد الأبرياء، بعد مقتل القذافي، جعل السكان أكثر حرصا ومراقبة للغرباء. وحين أرسل حفتر الجيش إلى هنا، كان موضع ترحيب كبير. وتطوع شبان في الخدمة. وأثنى الشعراء على الجنرال في قصائدهم.
وفي البوابة الأمنية التي تقع على بعد خطوات من مطعم الفرسان الرئيسي في «المخيلي»، يقول أحد العرفاء التابعين للجيش: المشكلة التي تواجهنا هي الافتقار إلى أجهزة حديثة للكشف عن الأسلحة والمتفجرات التي قد تكون في السيارات العابرة من هنا، بالإضافة إلى عدم القدرة على توفير عناصر تفتيش نسائية، لأن العادات والتقاليد في ليبيا تمنع الرجال، حتى لو كانوا من الأمن، من الكشف عن وجوه النسوة المنتقبات.
وقام الجيش بتعزيز واحدة من أهم النقاط الأمنية في الوقت الراهن، وهي نقطة «وادي السهل» المعبر الرئيسي للقادمين من مدينة درنة التي تشهد اشتباكات بين الجيش والمتطرفين، إلى مدينة طبرق التي يوجد فيها برلمان الدولة.
وفي منطقة «وادي السهل» نفسها، وقعت في سنة (1913) مواجهات دامية بين الاحتلال الإيطالي والقبائل. وفي الوقت الراهن وقف معظم أبناء القبائل مع الجيش ضد متطرفين استوطنوا درنة التي تقع بين جبلين على ساحل البحر. ومع تشديده للحصار على مسلحي المدينة، زاد الجيش كذلك من عدد الجنود المسلحين بالكلاشنيكوف هنا. وجرى مضاعفة عدد السيارات العسكرية في النقطة. وتم نصب مدافع من عيار 23 ملم على صناديق خمس سيارات. بينما تقف ثلاث سيارات أخرى بجوار المبنى الإداري للنقطة، وكل منها مخصص لها جندي محترف في مطاردة من يحاولون الفرار من كمين الجيش.
وعلى كثير من النقاط الأمنية، تبدو حالة الفقر والعوز في أوساط جنود شبان التحقوا خلال السنوات الأخيرة بالعمليات العسكرية لاستعادة الأمن في عموم البلاد. ويقول أحد هؤلاء الجنود من قبيلة القطعان، ويبلغ من العمر 22 عاما، إنه فر من درنة إلى طبرق، مع أسرته في 2016. بسبب سطوة المتطرفين. وفي طبرق التحق بالجيش وتلقى تدريبات على عجل في معسكر يقع قرب المطار الجوي للمدينة، مع مئات الشبان الآخرين، لمدة شهر، ثم جرى تعيينه على نقطة «وادي السهل»، تحت إمرة رئيس عرفاء، له خبرة أمنية منذ عهد معمر القذافي. ويقول الجندي في فخر إن جده كان ممن استشهدوا في معركة «وادي السهل» أثناء التصدي للاحتلال الإيطالي.
ويروي الجنود في مرارة أن العالم تركهم ليحاربوا الإرهاب وحدهم، لأنه ما زال يمنع تسليح الجيش. ولا يوجد في هذه النقطة أيضا أي معدات حديثة لكشف المعادن. كما يصعب توفير عناصر أمن نسائية. ويتذكر الجندي، القطعاني، أنه في إحدى المرات جاءت سيارة ذات قمرتين وصندوق. ويُعرف هذا النوع من السيارات لدى العامة باسم «ميتشي موزة». وتتسع لحمل شخصين في القمرة الأمامية، وثلاثة في القمرة الخلفية.
ويضيف: كان الظاهر من خلال الزجاج الأمامي للسيارة، وجود سائق وبجواره سيدة تخفي وجهها بطرحة سوداء، لا غير. وفي هذه الأحوال فإن المتعارف عليه هو أن يقوم الجندي بإزاحة البرميل الذي يغلق الطريق، والسماح للسيارة بالمرور، دون تفتيش، باعتبار أن من فيها عائلة (رجل وزوجته).
لكن الأمور تغيرت الآن، بالنظر إلى الحرب ضد «المتطرفين». فمثل هذه الاستثناءات كانت من الماضي... «ظل البرميل يسد الطريق، وهو أمر لم يتوقعه السائق... وحين اقترب أحد الجنود لفحص السيارة، وهويته، وهوية المرأة التي معه، اندفع السائق بالسيارة مرة واحدة، وضرب البرميل بمقدمتها وفر هاربا». وفي لمح البصر استقل جنديان آخران سيارتيهما، وطارداه على الطريق المرصوف لأكثر من عشرين كيلومترا. ثم انحرفت السيارة إلى درب ترابي، وتم توقيفها في نهاية المطاف.
وكانت المفاجأة. يوجد خمسة شبان صغار السن جرى إخفاؤهم في موضع الأقدام، في القمرة الخلفية، وكان فوقهم حقائب سفر فارغة، للتمويه. وبالتحقيق في القضية اتضح أنهم من المتطرفين الفارين من درنة، وكانوا في طريقهم إلى الشرق، حيث يعتقد أنه توجد خلايا نائمة في طبرق، التي تعرف باسم «مدينة السلام»، وتبعد عن درنة بنحو 150 كيلومترا. كما يوجد مركز تجميع للمتطرفين الهاربين يقع في صحراء واحة الجغبوب على الحدود، قبالة واحة سيوه المصرية.
ويقول ضابط في الجيش، إن «القوات المسلحة العربية الليبية»، أصبح لديها خطة صارمة للتحقق من كل عابر على الطرق المرصوفة والترابية، في كل المناطق التي فرضت سلطتها عليها، سواء كان هذا العابر رجلا أو امرأة، حتى لو كانت الإمكانيات ضعيفة، مثلما هو الحال في «المخيلي» وفي «وادي السهل»، وغيرهما.
ويضيف: أن الجيش بدأ في الفترة الأخيرة يشرك المرأة في العمل الأمني، بعد الالتحاق بمعسكرات تدريب متخصصة، وذلك لتسهيل مهمة التفتيش في مجتمع له تقاليد محافظة. وأنه بدأ بنشر عناصر أمنية نسائية في بنغازي وسيفعل ذلك في درنة، وغيرها، ويشير مع ذلك، إلى أن خطر الخلايا النائمة في هذه المدن المحررة ما زال قائما، قائلا: إن الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجيش تراقب عن كثب تحركات المجاميع المسلحة التي تمكنت من الفرار من بنغازي ودرنة إلى الصحراء في وسط البلاد وجنوبها.
ويعمل معظم جنود الجيش في ظل ظروف صعبة. ويضطر بعض الملتحقين بالخدمة لشراء الملابس العسكرية على نفقتهم الخاصة. وفي كثير من الأحيان تتأخر الرواتب لشهور عدة. وتتطوع بعض العائلات بإعداد الطعام لنقطة أمنية مجاورة. ومن خلال الحديث مع جنود في بنغازي ودرنة وطبرق، يبدو أن الدافع الرئيسي وراء هذا النوع من العمل المضني، هو الرغبة الجارفة في تخليص البلاد من «المتطرفين» ومن الفوضى. فقد أدى انتشار «المتطرفين» المحليين والأجانب في عموم ليبيا، إلى ابتعاد معظم المواطنين عن الطرق السريعة، حتى لا يقعوا في كمين يديره الدواعش أو غيرهم ممن يحملون مسميات مختلفة ويقومون بنفس تصرفات الابتزاز وسرقة السيارات الخاصة والقتل والاحتجاز والتعذيب في سجون سرية.
ولوقت طويل كان لا يمكن لعائلة من مدينة طبرق، مثلا، أن تزور أقرباءها في مدن بنغازي أو درنة أو البيضاء أو القبة، إلا بعد إجراء عشرات الاتصالات الهاتفية مع معارفهم للتأكد من أن هذا الطريق آمن أو لا. وظل الطريق الساحلي الرابط بين طبرق وبنغازي، والذي يبلغ طوله نحو 475 كيلومترا، ويمر بمدن عدة، بمثابة طريق للموت. وسقط فيه عشرات المواطنين ضحية لعناصر التنظيمات المتطرفة. ويقول جندي قبيلة القطعان في بوابة «وادي السهل «أنا أقف هنا لأدافع عن أهلي... عن أبناء عمومتي. ومن يدافع عن أهله لا ينتظر راتبا عن هذا العمل».
ويبدو أن سلطة البرلمان التي يتبعها الجيش، وهي سلطة منتخبة، تشجع على التعاون الأمني والاستخباراتي بين الجيش ودول أخرى، سواء عربية أو أوروبية. لكن البرلمان لم يتمكن أبدا من إقناع المجتمع الدولي برفع حظر التسليح. ومع ذلك هناك اعتقاد أن الضربات الدقيقة التي وجهتها الطائرات الحربية الليبية لمعسكرات ومراكز المتطرفين في درنة، استفادت إلى حد كبير من معلومات جرى جمعها من مصادر مختلفة من أصدقاء ليبيا «لأنها ضربات اعتمدت على تقنيات حديثة في الرصد والتتبع»، كما يقول أحد القيادات السابقة في الجيش.
وطوال الشهور الثمانية الأخيرة، وحتى توغل الجيش في درنة، الأسبوع الماضي، كانت تحركات «المتطرفين» وقياداتهم تحت رقابة صارمة من القوات المسلحة. وأمكن توجيه غارات محكمة في أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني)، وفبراير (شباط)، أدت إلى إضعاف العناصر المتشددة وإصابة زعماء مهمين من العرب، من بينهم المصري الملقب بـ«المهاجر»، والذي يعتقد أنه محاصر في الوقت الراهن في منطقة في الوادي الجنوبي لدرنة، أي ما بين «الشلال» و«شيحا».
كما يعتقد أن قياديا مصريا آخر يدعى «سرور» قتل، مع عشرات آخرين من المتشددين المصريين والتونسيين والجزائريين، في الاشتباكات الأخيرة، بالإضافة إلى القبض على شخصيات تعد «صناديق سوداء لحركة المتطرفين في المدينة»، كما يقول أحد المصادر الأمنية الليبية. ويضيف أن معلومات المقبوض عليهم «تقلل إلى حد كبير من خطر الخلايا النائمة... من خلالهم نعرف أين توجد هذه الخلايا، وماذا تريد أن تفعل، وما نوع الإمكانيات التي يتحصلون عليها. وهذا ما فعلناه في بنغازي، بعد تحريرها، حيث كان عدد السيارات المفخخة التي تنتقم من الجيش ومن مؤسسات الدولة، أقل من المتوقع».
وشهدت درنة تفجير سيارتين مفخختين وهجمات بأحزمة ناسفة، قرب ضاحية شيحا الشرقية، الأسبوع الماضي. كما وقعت تفجيرات مماثلة في السابق في بنغازي وفي نقاط أمنية قرب سرت والجفرة في الشمال الأوسط والجنوب الأوسط من البلاد. وفي مقابلة سابقة في مكتبه، يقول العميد أحمد المسماري، المتحدث باسم الجيش الليبي، وباسم المشير حفتر، إن القوات المسلحة تدرك أن تحرير المدن من «الإرهابيين» لا يكفي للقضاء على الإرهاب، وأن الأمر يتطلب تجفيف منابع هذا الفكر.
ومن ضمن الاستراتيجية الجديدة للجيش، إنشاء غرفة أمنية موحدة، للتنسيق بين مختلف الأجهزة سواء تلك التابعة للجيش، أو الشرطة، أو المخابرات، من أجل تبادل المعلومات ووضع الخطط لتأمين المواطنين والمؤسسات الحيوية والمرافق العامة. ويقول مسؤول عسكري، إن ليبيا في حاجة ماسة إلى «غرفة أمنية موحدة» بشكل أوسع، لكي تشمل كل البلاد، بحيث لا يقتصر الأمر على مدن المنطقة الشرقية وبعض المدن في الجنوب.
ويضيف أن خطر الإرهاب لا يمكن أن يتوقف طالما ظلت مؤسسة الجيش والشرطة منقسمة بين شرق ليبيا وغربها... «هناك انقسام أيضا في المخابرات العامة، وفي المخابرات العسكرية... وبالتالي يصعب، في الوقت الراهن، وضع تصور شامل لخريطة أمنية تحد من نشاط «الإرهابيين»... أنظر إلى مدن الغرب مثل طرابلس، وصبراتة، وزوارة، والزاوية، ومصراتة. نعلم أنه توجد مراكز للمتطرفين هناك، لكن لا نعرف في الحقيقة كل ما يدور فيها على وجه التحديد».
وشهدت طرابلس نفسها عمليات إرهابية عدة، كان أكبرها في الفترة الأخيرة تفجير مفوضية الانتخابات بسيارة مفخخة وأحزمة ناسفة في العاصمة. ويقول الشيخ أبو صوة، الذي تعرض للسجن في طرابلس بعد سقوط نظام القذافي في مقار يديرها متطرفون، إن مشكلة الإرهاب تكمن في الفكر. والسيارات المفخخة من أخطر ما يكون في هذا المجال.
وعما إذا كان يعتقد بوجود حواضن شعبية للمتطرفين في مدن مثل درنة وبنغازي، يقول المستشار السابق للهيئة العامة للأوقاف: لا... لكن هناك أئمة في بعض المساجد (يقومون بالتحريض)، وبعض الناس تتعاطف مع الخطاب الديني... المشكلة تكمن في أن الفكر المتداول في كثير من المواقع هو نفس الفكر الذي أسست له كتب سيد قطب (المنظر الإخواني المصري الراحل). ويضيف: «يتم الترويج للقصة التي تتبعها جماعة «الإخوان» منذ القدم، فيما يتعلق بصوت الحق، وصوت الباطل، وصوت الطاغوت... وهكذا».
ولا يفرق عموم الليبيين بين التنظيمات المتشددة... وتتساوى لدى معظمهم أسماء جماعة «الإخوان» و«القاعدة» و«داعش» و«أنصار الشريعة» و«أبو سليم». واعتاد العميد المسماري نفسه جمع كل هؤلاء في سلة واحدة، حين يتناول تحركات «المتطرفين» الذين يستهدفون الجيش والدولة. وتبين في تحقيقات متفرقة مع قيادات تنتمي لهذه الجماعات وجود تنسيق بطريق مباشر، أو غير مباشر، فيما بينها.
ويعتقد الشيخ أبو صوة أن هناك نوعا من التواطؤ بين «الإخوان» و«القاعدة» و«داعش»، في بعض المدن، وفي بعض المسارات، وفي بعض الطرق أيضا. ويقول: «لا أشك في مثل هذا التواطؤ أبدا. فالقاعدة العامة تقول عدو عدوي، صديقي، فما بالك بأن هناك فكرا يلتقون حوله». ويشير إلى أن «الدواعش هم فصيل من جماعة «الإخوان»... حتى لو رأيت دواعش ينالون من شخصيات إخوانية بأنهم ميعوا القضية، فأنا أقول لك: لا... هم في النهاية يتفقون حول عدة نقاط».
ويخلص كثير من المحققين في ليبيا، إلى أن الفرق بين جماعة «الإخوان» وتنظيم داعش، هو أن الإخوان يعملون ببطء، أما الدواعش فيتعجلون الأمور، ويريدون تنفيذ كل شيء بسرعة. ويقول أبو صوة عن هذا إنه «صحيح إلى حد كبير... الدواعش متعجلون أكثر من «الإخوان»، لكن الفكر واحد، وهو تكفير المجتمع، وتكفير الحاكم، والخروج عليه، والغاية تبرر الوسيلة، وما إلى ذلك».
ويتشكل المجتمع الليبي في أغلبه من قبائل وعائلات كبيرة معروفة. وسبق لمصر أن استضافت مؤتمرا لهذه القبائل في القاهرة في صيف 2015. وأصدر المؤتمر وقتها توصيات كان من بينها دعوة أبنائهم للخروج من صفوف الجماعات المسلحة، أيا كان نوعها. وتعهدت برفع الغطاء الاجتماعي عن الأبناء الذين يصرون على العمل في صفوف الميليشيات. وأدت مخرجات المؤتمر إلى تقليص كبير في عدد المنخرطين في صفوف المسلحين في المنطقة الشرقية ذات التماسك القبلي.
وحول ما إذا كان يعتقد أن الجانب القبلي والعائلي يمكن أن يتغاضى عن بعض الشباب المتطرف، رغم كل شيء، يقول أبو صوة: هذا ممكن. حسب القبيلة. وحسب الشخصية التي يراد الإبلاغ عنها. هذا يلعب دورا كبيرا في التغاضي عن المتطرفين من عدمه.
وتمكنت قبائل كثيرة من «تنظيف» مناطقها من «المتطرفين»، بمن فيهم أولئك الذين ينتمون إلى القبيلة نفسها، ولم يقتصر هذا الأمر على الشرق الليبي فقط، ولكنه حدث في بعض مناطق الغرب والجنوب. واضطرت بعض المجاميع المنتمية إلى «داعش» أو «القاعدة» أو «الإخوان»، إلى النزوح بعيدا عن مواقع قبيلتها، وبعضها اجتاز الحدود إلى خارج البلاد مع القيادات الأجنبية التي تواليها. لكن الخطر يظل كامنا، ويمكن أن يظهر في أي وقت في المستقبل، مثلما حدث العام الماضي من عملية اغتيال لوفد المصالحة القبلية الذي كان قادما من مدينة «بني وليد» للم شمل قبيلتين في غرب طرابلس.
والأمر لا يقتصر على رغبة «المتطرفين» في استمرار الفوضى والانقسام في ليبيا، ولكن توجد أطراف مختلفة - بعضها مدني، وبعضها ليبرالي مدعوم من المجتمع الدولي - تمد يد المساعدة لكل ما من شأنه أن يطيل أمد الأزمة، أو بالأحرى، لكل ما من شأنه أن يعرقل جهود حفتر والجيش الوطني لفرض الأمن والاستقرار في عموم البلاد.
ويقول أبو صوة، بعد أن تمكن حفتر من بسط مظاهر الدولة في شرق ليبيا: الآن، وفي سبيل الإطاحة بحفتر، أو إضعافه، أو تأخير مشروعه: «الإخوان» يتعاطفون مع كل من يعمل ضد قائد الجيش. ويشير إلى أن الهجوم الذي جرى قبل أيام على منطقة مصافي تصدير البترول في الهلال النفطي، التي يسيطر عليها الجيش في غربي بنغازي... «يبدو هجوما مدعوما من كل خصوم حفتر، سواء كانوا «متطرفين»، أو غير «متطرفين».



«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.


كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.


القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».