قطاعا الإعلام والاتصالات في أميركا مهددان بالاحتكار

قطاعا الإعلام والاتصالات في أميركا مهددان بالاحتكار

صفقة اندماج «إيه تي آند تي» و«تايم وارنر» ستكشف قدرة الشركات التكنولوجية على معرفة عادات المستهلك واستغلالها
الاثنين - 4 شوال 1439 هـ - 18 يونيو 2018 مـ رقم العدد [ 14447]
واشنطن: هبة القدسي
يبدو أن عصراً جديداً للاستحواذات الإعلامية والتكنولوجية يبدأ في أميركا، حيث أثار الحكم القضائي الذي أصدره قاضٍ فيدرالي أميركي بواشنطن، الأسبوع الماضي بالموافقة على صفقة اندماج ما بين شركة الاتصالات الأميركية «إيه تي آند تي» (AT&T) وشركة «تايم وارنر» العالمية لصناعة الترفيه والأفلام، الكثير من القلق والتوتر في السوق المالية، وفي حقل صناعة الإعلام في الولايات المتحدة.

فالمسائل لا تتعلق باندماج شركتين كبيرتين، وإنما يتعلق الأمر بالتغيرات الكبيرة في صناعات الإعلام والتكنولوجيا، ويتعلق الأمر بالمحتوى الذي تقدمه هذه الشركات الضخمة وبالأسلوب الذي تتبعه هذه الشركات في الحصول على بيانات حول عادات المشاهد وسلوك المستهلك، وأيضاً مخاوف الاحتكار والتحكم بشكل كبير في سوقي الإعلام والاتصال حينما يمنح الاندماج بين شركتين كبيرتين مثل AT&T وشركة «تايم وارنر» الكثير من القدرة على التحكم في إنتاج المحتوي الإعلامي وتوصيله للمستهلك.



مكتبة مرئية عملاقة وباقات للمستخدمين

تعد شركة AT&T هي أكبر شركة اتصالات في العالم، وهي شركة أميركية قابضة متعددة الجنسيات مقرها في برج وايتاكر في وسط مدينة دالاس بولاية تكساس، وتعد أكبر شركة لخدمات الهاتف الثابت في الولايات المتحدة، وثاني أكبر شركة لخدمات الهاتف المحول.

أما شركة «تايم وارنر»، فهي تعد ثالث أكبر شركة ترفيه في العالم (من حيث العائد) بعد شركة «كومكاست» Comcast، وشركة «والت ديزني»، وتعد أكبر تكتل إعلامي في العالم، وتضم شبكة «سي إن إن» الإخبارية وقنوات HBO للأفلام، وعدداً من الشركات الإعلامية تحت مظلتها.

وتسعى شركة AT&T من هذه الصفقة إلى جذب ملايين المشاهدين إلى الاشتراك في باقات للمحتوى التلفزيوني المدفوع مقدماً، حيث ستطرح عرضاً جديداً تحت مسمي «WATCH»، أو «شاهد»، وهو عبارة عن حزمة تلفزيونية مقابل 15 دولاراً في الشهر، تشمل برامج رياضية وعروضاً تجتذب فئات عريضة من الشباب من Game of thrones مع عروض خدمات تلفونية.

وستمتلك الشركة بهذا الاندماج مكتبة ضخمة من القنوات التلفزيونية، أهمها شبكة HBO وشبكة CNN الإخبارية، وعدد من القنوات الرياضية الكثيفة المشاهدة، إلى جانب انتشار واسع لخدمات التلفزيون على الهاتف المحمول. أي أن هذا الاندماج سيمنح شركة الاتصالات العملاقة AT&T أن تقدم لعملائها باقات تمكّن المستهلك من مشاهدة قنوات ترفيهية ورياضية، والحصول على أحدث الأفلام السينمائية، وإنتاج أشكال ومحتوى إعلامي خاص يجذب المستهلكين للبقاء على أجهزة الهاتف المحمول طوال اليوم في مشاهدة الأفلام ومقاطع الفيديو والألعاب الرياضية، وذلك مقابل اشتراك مالي مع فاتورة الهاتف المحمول والترويج لعروض دفع متنوعة.



الإعلام التقليدي يواكب

يقول المسؤولون التنفيذيون، إن إنشاء المحتوى الإعلامي وتوزيعه هو السبيل الوحيد للبقاء على قيد الحياة في مواجهة شركات تكنولوجية ضخمة مثل «أمازون» و Netflix، وقد بدأت هذه الشركات إنتاج برامجها الخاصة في السنوات الماضية بما يمكّن المستخدمين من بث فيديوهات على الأجهزة المحمولة؛ وهو ما سبب ضغطاً على شركات الإعلام التقليدية.

يقول الخبراء، إن هذا الاندماج سيؤدي إلى تمركز السيطرة على الإعلام والاتصالات وخلق قطب جديد، وإعادة تشكيل المشهد في هذه الصناعات. من جانب آخر، توقع الخبراء أن يفتح هذا الحكم القضائي الباب أم موجة واسعة من الاستحواذات على الشركات والاندماجات بين الشركات العملاقة. وتدور تسريبات بأن شركة «كومكاست» Comcast العملاقة أيضاً ترغب في الاستحواذ على شركة «والت ديزني» وبعض أصول شركة 21st century Fox وقدمت «كومكاست» آخر الأسبوع الماضي عرضاً بنحو 65 مليار دولار.

القضية كانت أطرافها وزارة العدل الأميركية التي كانت ترفض الصفقة من منطلق أنها تكافح الاحتكار، مقابل شركة AT&T، وأصدر القاضي ريتشارد جيه ليون حكمه بالموافقة على صفقة الاندماج البالغة 85 مليار دولار، وقال إن وزارة العدل فشلت في إثبات أن امتلاك شركة الاتصالات العملاقة AT&T لشركة «تايم وارنر» ستؤدي إلى خيارات أقل للمستهلكين وأسعار أعلى لخدمات التلفزيون والإنترنت.



صفقة وراء أبواب محكمة

وقد جادل محامو وزارة العدل من خلال أستاذ الاقتصاد كارل شابيرو بجامعة كاليفورنيا، الذي استخدام نموذجاً اقتصادياً للتنبؤ بأن العملاء سيواجهون زيادة في الأسعار (نتيجة الاندماج) تتراوح بين 235 مليون دولار و561 مليون دولار، أي أقل من دولار واحد لكل عميل شهرياً. وأشار محامو وزارة العدل إلى أن الأمر لا يتعلق بتوجه الشركات في إنتاج برامج مبتكرة ومثيرة تجذب ملايين المشاهدين، لكنهم يجمعون أيضاً بيانات عن عملائهم بما يسمح لهم بفهم تفضيلات المستهلكين. فشركة «تايم وارنر» لا تستطيع معرفة من يشاهد ماذا ومتى وكيف.

بينما أكد محامو شركة الاتصالات العملاقة، أن الاندماج بين شركة AT&T وشركة «تايم وارنر»، والقدرة على معرفة تفضيلات المشاهدين والمستهلكين سيؤدي إلى تقديم خدمة أفضل للعملاء عن طريق إنشاء المحتوى الذي يريدونه، وتقول الشركة إن معرفة بيانات المستهلك ستساعد أيضاً على الترويج لإعلانات مستهدفة؛ مما قد يؤدي إلى خفض فواتير المستهلك؛ لأن الشركة ستحصّل رسوماً أقل لأنها تحقق المزيد من الأموال من الإعلانات.

ويدعم عدد من السياسيين اليساريين في واشنطن وخبراء مكافحة الاحتكار توجه الحكومة لتفكيك شركات عملاقة مثل «غوغل» و«فيسبوك» و«أمازون»، وبخاصة مع شكوك حول الخصوصية وقدرة تلك الشركات على الحصول على بيانات المستهلك وتحليل عاداته وتوجهاته الشرائية.

ومثلما تتصاعد الدراما والأحداث في الأفلام السينمائية، شهدت قاعات المحكمة يوم الثلاثاء الماضي، نوعاً مثيراً من الدراما خلال نظر القضية، وتم منع الصحافيين من مغادرة قاعة المحكمة حتى ينطق القاضي بحكمه، ومُنعوا من استخدام هواتفهم المحمولة. وامتلأت قاعة المحكمة بحشد كبير من الرؤساء التنفيذيين ومديري صناديق التحوط والمحللين الماليين.

وقد ظلت القضية لمدة 18 شهراً في أروقة المحكمة، وأنفقت وزارة العدل عشرات الملايين من الدولارات في القضية، واستخدمت نحو 32 محامياً من الخبراء العاملين في الوزارة ومن الخبراء المستقلين. وهو ما قاد كثيراً من الصحف الأميركية إلى اتهام وزارة العدل بإهدار أموال دافعي الضرائب الأميركيين، وطرح تساؤل ما إذا كانت تحركات وزارة العدل تحكمها أغراض سياسية (تتعلق بموقف إدارة ترمب من قناة «سي إن إن» - الذراع الإخبارية لشركة «تايم وارنر» - والإعلام بصفة عامة وإطلاق الاتهامات بتزييف الأخبار) أكثر من الأهداف الاقتصادية.



مخاوف من اندثار التنافسية

قرار القاضي بالاندماج أثار أيضاً قلق شركات خدمات الإنترنت الذين انتقدوا القرار وتخوفوا من هذا الاندماج، وقالوا إنه سيؤدي إلى تقليل التنافسية بين الشركات المالكة والموزعة للمحتوى وسيصيب المستهلك بأضرار اقتصادية.

القضية أيضاً لها بالفعل إبعاد سياسية فشركة AT&T هي شركات خدمات تليفونية مقرها ولاية دالاس، وهي ولاية اشتهرت بالتصويت للحزب الجمهوري (مما يطلق عليهم ولايات حمراء الرمز اللوني للحزب الجمهوري) بينما شركة «تايم وارنر» هي شركة إعلامية لها مقرات ضخمة في كل من مدينة نيويورك ولوس انجلوس، وهي ولاية اشتهرت بالتصويت للحزب الديمقراطي (مما يطلق عليهم الولايات الزرقاء الرمز اللوني للحزب الديمقراطي)، ولها بعد آخر يتعلق بحرب الرئيس ترمب على ذراع شركة «تايم وارنر» الإخبارية واتهامه للإعلام بتزييف الأخبار.

ويقول ستيفن سالوب، أستاذ الاقتصاد والقانون بجامعة جورج تاون، إن القرار القضائي بالموافقة على صفقة الاندماج سيعطي شركة AT&T قوة سوقية كبيرة تدفعها لرفع سعر المحتوى الإعلامي الذي ستحصل عليه من شركة «تايم وارنر»، وثانياً سيؤدي هذا الاندماج إلى مزيد من عمليات الدمج العمودية في هذه الصناعة؛ مما سيضر في النهاية بالمستهلكين.

في عام 2000، تم بيع شركة «تايم وارنر» بمبلغ 100 مليار دولار، واشترتها شركة AOL الأميركية التابعة لشبكة «دوت كوم» في عملية اندماج قائمة على الأسهم، لكن الصفقة انتهت إلى الفشل الذريع، واعتبرت أسوأ حالة اندماج بين شركتين في التاريخ. فقد انهارت شبكة «دوت كوم» واضطرت AOL إلى خسارة 99 مليار دولار من القيمة الدفترية للصفقة؛ وهو ما أدى إلى انخفاض قيمة شركة AOL في السوق من 226 مليار دولار إلى نحو 20 مليار دولار، ويرجع السبب إلى عدم قدرة الشركة على الاستجابة لمطالب الوصول السريع إلى الإنترنت، وفقدت شركة AOL موقعها التنافسي ولم تستطع الخروج من الأزمة المالية التي واجهتها في أعقاب صفقة الاندماج.

وبعد سنوات عدة قامت شركة «تايم وارنر» بفصل إدارة «تايم وارنر كابل» عن شركة AOL، وقامت شركة «فيرايزون» VERIZON بشراء شركة AOL عام 2015 مقابل 4.4 مليار دولار فقط.



أميركا إعلام

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة