حكاية البرازيلي «المهدي» الذي قاد المغرب لأروع ظهور بالمونديال

قصة «أسود الأطلسي» في مونديال المكسيك 1986

حكاية البرازيلي «المهدي» الذي قاد المغرب لأروع ظهور بالمونديال
TT

حكاية البرازيلي «المهدي» الذي قاد المغرب لأروع ظهور بالمونديال

حكاية البرازيلي «المهدي» الذي قاد المغرب لأروع ظهور بالمونديال

جوزيه فاريا عادة ما كان يغوص بقدميه في البلاط الخاص بغرفته في مجمع برشيد قرب الدار البيضاء ، حيث مقر معسكر المنتخبات المغربية بمختلف الألعاب الرياضية، فاريا كان يغسل هموم يومه بمحاكاة حركة قدميه في رمال شواطيء ريو دي جانيرو، محاكياً وضع رأسه على كتف زوجته الأولى، مشاهداً ابنه الوحيد وهو يجرب شعور الجنوح في المحيط دون أن تلمس قدماه الأرض أن يكون بلا أطواق تساعده على الطفو ، أو شباك أمان تلتقطه في أوقات الأزمة ”.
الذهاب مساء إلى ملعب ماراكانا ملاحقاً نادي فلومنينزي ، كل بقايا روائح الستينات القادمة من الطرف الآخر للأطلنطي.
السلسلة الذهبية المتدلية من رقبته العارية العامرة بشقوق في الجلد، بقايا حروق الشمس على الكتفين، الأنفاس المتقطعة التي تليق برجل في مطلع الخمسينيات من عمره هي التي تفيقه من أحلام اليقظة، وتذكره بأنه يقبع في واحدة من ضواحي كازابلانكا، متزوج من سعيدة ، واسمه الآن أصبح المهدي، عائد لتوه من لعب الجولف مع الملك الحسن الثاني في دعوة شبه أسبوعية، خوسيه بدا وكأنه سندباد كروي يعيش تبعات منتصف العمر، حطت رحاله بعد الرحيل عن ريو جي جانيرو والدوحة في محطة نهائية مغربية.
إنها اللحظة التي اكتشف فيها المهدي طبيعة محطته النهائية ، لم يفهم الكثير من تفاصيل الفيلم المصري الذي يتحدث عنه الجميع في المنتخب المغربي خلال الأسابيع الأخيرة، ذلك الرجل القادم من المدينة الذي حل ضيفاً لأيام قليلة على أهل بلدة صغيرة من أجل إنهاء إجراءات ميراث قانونية، ليجد نفسه ذلك الرجل متورطاً مع كل يوم يقضيه في شئون البلدة، حتى عثر على جنته الخاصة وسط حقول البرتقال المتناثرة كحباتها الناضرة على العشب دون ترتيب.
قادماً من عمله المضمون في قطر كان الحضور إلى المغرب فيما بدا وكأنها رحلة عمل قصيرة كمدير فني للجيش الملكي عنوانها الرئيسي هو مزيد من التأمين المادي أصبح حالة ارتباط لا يمكن تفسيرها ، للمرة الأولى لم يشعر ”خوسيه“ أنه مجرد رقم في الموضة البرازيلية الرائجة في الخليج إلى جانب كارلوس ألبرتو بيريرا وإيفرستو وتيلي سانتانا، ليصبح المدرب البرازيلي المعادل الكروي للفيلم المصري ”خرج ولم يعد“، ”خوسيه“ تورط بلقب مزدوج للدوري والكأس المحليين مع الجيش الملكي ، ثم ميدالية ذهبية مع المنتخب في ألعاب البحر المتوسط ١٩٨٣، ثم تأهل لألعاب لوس أنجيليس في العام التالي، ثم أول لقب قاري لنادي مغربي على الإطلاق في العالم الذي يليه.
وكان كل شيء يتعلق برحلة فاريا في المغرب يتعلق ب“اللحظة“، اللحظة التي حط فيها قدمه في كازابلانكا في وقت يبحث فيه ملك البلاد عن مدير فني برازيلي يمكنه أن يعوض الجمهور عن إحباطات ما بعد نشوة الفوز ببطولة كأس الأمم ١٩٧٦، لحظة اصطياد جيل يملكه النهم، تربى على مشاهدة أحمد فراس تلفزيونياً في مونديال ١٩٧٠ في المكسيك، جيل كرة ”الحومة“، جيل التمرس في شوارع الأحياء القديمة في السبعينات، لم تكن الصدفة فقط هي التي جمعت بين مراوغات عزيز أبو دربالة في حي الضبعة البيضاوي ، أو خليفة العابد في القنيطرة، أو مغامرات بادو الزاكي في سيدي قاسم أو مشاغبات محمد التيمومي في العاصمة الرباط.
”اللحظة“ طالما كانت القاسم المشترك في حياة فاريا وجيل الثمانينات كله في المغرب ، إنها اللحظة بين إهدار اللاعب المصري لركلة جزاء في الدور الثالث من التصفيات الأفريقية للمكسيك ٨٦ ، في قلب الدار البيضاء ، والتي كانت كفيلة بإنهاء الرحلة في مهدها ، وبين هدف محمد التيمومي بعدها ب٣٠ ثانية.
هي نفسها ”اللحظة“ المغربية التي حسمت النتيجة في الخمس دقائق الأخيرة من مباراة التأهل في الدور التالي أمام ليبيا، بثنائية من التيمومي وبودربالة ، هي نفسها ”اللحظة“ التي أهدت البديل عبد الرازق خيري هدفين متتالين في المونديال أمام البرتغال ، إنها ”اللحظة“ التي رسم فيها الزاكي لوحته الخاصة بإنقاذ إعجازي أمام الأسطورة الألمانية كارل هاينتس رومينيجه في مباراة الدور الثاني، هي نفسها ”اللحظة“ التي قرر فيها المدافع نور الدين البويحياوي بتردده أن يخرج من حائط الصد المغربي في الدقيقة الأخيرة، متيحاً الفرصة للوثار ماتيوس أن يسجل هدف الحسم الألماني منهياً المغامرة بأكملها.
كل تلك ”اللحظات“ المغربية هي الواجهة لعقد كامل من محاولات الإخفاق والنجاح في الكرة المغربية، بين مناخ محلي مازال يبحث عن هويته، وبين الرغبة في الهجرة والاحتراف أوروبياً، رحلة فاريا في المغرب هي رحلة التوازن بين ألمعية عبد المجيد الضلمي كأسطورة محلية بيضاوية، وبين تجربة ”كريمو“ في باستيا كنجم للفريق الفرنسي المغمور وصيف بطولة كأس الإتحاد الأوروبي ١٩٧٧، والرحالة في البطولة الفرنسية لقرابة عقد كامل.
كل شيء في منتخب فاريا يتعلق بتلك الرحلة للبحث عن النضج، إيجاد تلك النقطة بين رومانسية التوانسة في مونديال ١٩٧٨، وبين اندفاعية الجزائريين في ١٩٨٢، إنجاز ”المهدي“ الحقيقي هو تصميمه لذلك ”الكاتالوج“ الذي قد تستعين به الفرق التي تم تلقيبها بأنها ”صغيرة“ لدى خوضها المناسبات الكبرى. لا يمكنك فقط التأهل عن مجموعة يشاركك فيها إنجلترا وبولندا والبرتغال ، بل يمكنك تصدرها. لا يمكنك فقط تطبيق مباراة فائقة تكتيكياً تفرض فيها إيقاعك الخاص على مدرب مثل الإنجليزي بوبي روبسون أو الألماني فرانز بيكنباور ، بل أيضاً يمكنك أن تصبح واحدا من أفضل الدفاعات في البطولة ، لا يمكنك فقط اقناع الفرق العربية والأفريقية بلعب طريقة ٤- ٤- ٢ بشكل حرفي، بل يمكن صناعة تنويعات هجومية بالغة الذكاء ، كما كان الحال في مباراة البرتغال في وقت كان مازال فيه الإيطالي أريجو ساكي يطور نفس الفلسفة التي اشتهر بها برفقة نادي بارما.
منتخب فاريا ينضح طوال الوقت بما يسمى بالنماذج المبدئية أو ”البروتوتايب“ ، كنوافذ على تطبيقات مستقبلية ، ليس فقط في تنويعات طريقة ٤ - ٤- ٢ ، ولكن أيضاً على المستوى الفردي أيضاً ، الضلمي في وسط الملعب كان يعطي للجميع فكرة عما يمكن أن يفعله رقم ٦ ، وكأنه تقديم عملي لسيرخيو بوسكيتس ، بجانبه مصطفى الحداوي في أدوار يمكن التعرف عليها من خلال أسماء مثل ريدوندو ، عبد المجيد لامريس وخلفية العابد بإنطلاقات الظهيرين النموذجية تعطي فكرة عما سيقدمه لاحقاً فينسنت كانديلا أو كريستاينو بانوتشي في روما ، عزيز بو دربالة كان أشبه بنبوءة عما سيقدمه بعدها بعقد كامل نجم مثل الفرنسي يوري ديوركاييف ، التيومومي كيدنامو لربط الوسط بالهجوم في الثلث الأخير من الملعب سيعطيك نبذة عن لمحات ريفالدو في التسعينات ، حتى بادو الزاكي في حراسة المرمى كان التفسير المثالي لمن في مركزه للقياد بدور ليبرو الفريق خلف رباعي الدفاع ، وتحديداً ثنائي القلب مصطفى البياز والبويحياوي.

ربما كان فوز تونس على المكسيك في ٧٨ هو الأول عربياً وأفريقياً في المونديال ، وربما كان تغلب الجزائر على ألمانيا في ٨٢ هو الأكثر مباغتةً ، إلا أن فوز المغرب على البرتغال في ٨٦ هو الأكثر أهمية ، ليس فقط لأنه كان قد تأهل على المحك مع منافس مباشر على الصدارة ، ولكن للطريقة التي أجهز بها المغاربة على حظوظ منافسيهم ، في عرض هجومي مباغت مغاير تماماً للتحفظ الدفاعي السابق أمام إنجلترا وبولندا ، يكفي تأمل الطريقة التي انتقل بها المغاربة من الدفاع إلى الهجوم في أقل من أربع تمريرات، من اليمين إلى اليسار في سرعة تثير الدوار ، خاصة في الهدف الثاني من خيري ، ثم ذلك الصبر الذي رافق الهدف الثالث لكريمو ، بعد ١٠ لمسات متتالية ضاعفت من دوار البرتغاليين ، وكانها إعادة إنتاج لهدف البرازيل في إيطاليا على نفس الأراضي المكسيكية بنهائي ١٩٧٠.
الأمر لا يتعلق بالمعجزات بالنسبة للمهدي فاريا في المغرب، إنها أقرب لتجربة عمل أفضت إلى واحدة من أعمق العلاقات الإنسانية التي عرفتها كرة القدم الأفريقية والعربية خلال العقود الأربعة الماضية، حتى مع ترهل الجسم ، ثقل الحركة ، بطء ردود الفعل ، البقاء وحيداً في غرفة بشقة الابن يوسف ، فواتير مثقلة بالديون ، مازالت السلسلة الذهبية على صدر حافل بالتجاعيد ، ، مقرراً البقاء حتى اللحظة الأخيرة على الجانب الأخر من أمواج الأطلنطي ، على الجانب الأخر من مدينته في ”الوطن“ ، قدوم ”المهدي“ إلى المغرب لم يكن منتظراً والإخفاق في السنوات التالية لمونديال المكسيك لم يكن متوقعاً ، الرحيل في عام ٢٠١٣ لم يكن صاخباً ، ولكن في كل موقع من مواقع مجمع مولاي برشيد ، أو ملاكب محمد الخامس بالدار البيضاء يمكن أن يشم أي محب لكرة القدم المغربية رائحة هي الأكثر غياباً عن المنتخبات الوطنية المغربية منذ استقبال هدف ماتيوس في الدقيقة الأخيرة ، ليس فقط رائحة النجاح ، ولكنه المغلف أيضاً بالثقة ، وكأن ”المهدي“ رغب فقط في المجيء إلى المغرب لإرشاد أصحاب البلد إلى الطريق قبل الاختفاء مجدداً.


مقالات ذات صلة

هل تحظى إسبانيا بدعم جماهير كاتالونيا في كأس العالم؟

رياضة عالمية السبب في غياب منتخب كاتالوني رسمي يعود إلى رفض الدولة الإسبانية الاعتراف به (رويترز)

هل تحظى إسبانيا بدعم جماهير كاتالونيا في كأس العالم؟

«بما أننا نحن الكاتالونيين لا نملك منتخباً وطنياً فسوف نختار المنتخب الذي سيمثلنا في كأس العالم»

The Athletic (أنجلود (الولايات المتحدة))
رياضة عالمية هاري كين (أ.ف.ب)

مونديال 2026: هاري كين... جوهرة كان يفتقدها التاج الإنجليزي

يمكن القول من دون تردد إن هاري كين كان بمثابة الجوهرة التي يفتقدها التاج الإنجليزي، بعدما أثبت نفسه بطل «الأسود الثلاثة»، من دون منازع، الأربعاء، في أتلانتا.

«الشرق الأوسط» (اتلانتا )
رياضة عالمية لحظة طرد بالغون بالبطاقة الحمراء (أ.ب)

هل يمكن إلغاء البطاقة الحمراء لفولارين بالوغون؟ شرح لقواعد الاستئناف في كأس العالم

شكّلت البطاقة الحمراء التي تلقاها مهاجم المنتخب الأميركي فولارين بالوغون النقطة السلبية الوحيدة في ليلة مثالية لمنتخب بلاده، بعدما قاده إلى الفوز على البوسنة.

The Athletic (سانتا كلارا (الولايات المتحدة))
رياضة عالمية بابي غاي (د.ب.أ)

بابي غاي يقرر عدم تمثيل السنغال إذا استمر تياو مدرباً

قال بابي غاي، لاعب خط وسط السنغال، إنه لن ينضم إلى تشكيلة منتخب بلاده طالما بقي الجهاز الفني الحالي في منصبه، وذلك بعد خروج فريقه من كأس العالم لكرة القدم.

رياضة عالمية ليونيل سكالوني (رويترز)

«مونديال 2026»: سكالوني سيخوض مباراته الـ100 مع الأرجنتين ضد الرأس الأخضر

سيخوض ليونيل سكالوني مباراته الـ100 مدرباً لمنتخب الأرجنتين لكرة القدم، عندما يقوده الجمعة أمام الرأس الأخضر في دور الـ32 من «كأس العالم» بأميركا الشمالية...

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي (الولايات المتحدة))

«مونديال 2026»: نوير يعتلي عرشاً تاريخياً في ألمانيا بمشاركته أمام باراغواي

حارس المرمى الألماني المخضرم مانويل نوير (أ.ب)
حارس المرمى الألماني المخضرم مانويل نوير (أ.ب)
TT

«مونديال 2026»: نوير يعتلي عرشاً تاريخياً في ألمانيا بمشاركته أمام باراغواي

حارس المرمى الألماني المخضرم مانويل نوير (أ.ب)
حارس المرمى الألماني المخضرم مانويل نوير (أ.ب)

احتفل حارس المرمى الألماني المخضرم مانويل نوير بإنجاز تاريخي جديد بمشاركته في مباراة باراغواي، مساء الاثنين، ضمن منافسات دور الـ32 لبطولة كأس العالم 2026 لكرة القدم التي تقام في الولايات المتحدة الأميركية وكندا والمكسيك.

أصبح نوير قائد ألمانيا وفريق بايرن ميونيخ أكثر لاعبي بلاده يشارك أساسياً في كأس العالم برصيد 23 مباراة، ليتجاوز الثنائي ميروسلاف كلوزه ولوثار ماتيوس اللذين يتساويان بعدد 22 مباراة في التشكيل الأساسي.

كما تساوى الحارس الألماني البالغ من العمر 40 عاماً مع الإيطالي باولو مالديني في المركز الخامس بقائمة أكثر اللاعبين مشاركة في بطولة كأس العالم سواء أساسياً أو بديلاً.

ويتصدر هذه القائمة النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي بـ 29 مباراة، ويشارك مع بلاده في مونديال 2026، يليه ماتيوس والبرتغالي كريستيانو رونالدو بـ25 مباراة لكل منهما، ثم كلوزه 24 مباراة.

يذكر أن مانويل نوير اعتزل اللعب الدولي بعد خروج ألمانيا من دور الثمانية ببطولة أمم أوروبا يورو 2024 بعد الخسارة أمام إسبانيا التي توجت باللقب لاحقاً.

لكن يوليان ناغلسمان مدرب منتخب ألمانيا أقنع نوير بالعدول عن قراره باعتزال اللعب الدولي في ظل كثرة إصابات مارك أندريه تير شتيغن حارس مرمى برشلونة، وعدم القناعة التامة بالاعتماد على الحارس أوليفر باومان في التشكيل الأساسي.


مواجهة كسر العظم... «أسود الأطلس» و«طواحين» هولندا في صراع العبور لثمن النهائي المونديالي

لاعب المنتخب المغربي أشرف حكيمي (يمين) ولاعب هولندا فيرجيل فان دايك (يسار)
لاعب المنتخب المغربي أشرف حكيمي (يمين) ولاعب هولندا فيرجيل فان دايك (يسار)
TT

مواجهة كسر العظم... «أسود الأطلس» و«طواحين» هولندا في صراع العبور لثمن النهائي المونديالي

لاعب المنتخب المغربي أشرف حكيمي (يمين) ولاعب هولندا فيرجيل فان دايك (يسار)
لاعب المنتخب المغربي أشرف حكيمي (يمين) ولاعب هولندا فيرجيل فان دايك (يسار)

تتجه أنظار الملايين من عشاق الساحرة المستديرة يوم الاثنين المقبل، صوب الأراضي المكسيكية، وتحديداً نحو ملعب مدينة مونتيرّي، حيث يصطدم المنتخب المغربي بنظيره الهولندي في مواجهة نارية لا تقبل القسمة على اثنين ضمن منافسات دور الـ32 لبطولة كأس العالم 2026.

وتكتسب هذه الملحمة المونديالية المبكرة رمزية تاريخية استثنائية، إذ تعيد «أسود الأطلس» إلى الأرض التي شهدت ولادة أمجادهم الكروية الأولى وألهمت جيل 1986 الذهبي ليكون أول منتخب أفريقي وعربي يتصدر مجموعته ويتأهل للدور الثاني في تاريخ المونديال. واليوم، يعود الأحفاد إلى المكسيك بالكبرياء والطموح نفسه، متسلحين بمسيرة مجموعات خالية من الهزيمة حصدوا فيها 7 نقاط ثمنية، ليلتقوا كتيبة «الطواحين» في لقاء يمزج بين السحر المهارة الأفريقية والانضباط التكتيكي الأوروبي على ملاعب المكسيك المشتعلة حماساً صاخباً، حيث يرفع النجوم شعار الفوز ولا شيء غيره للعبور نحو ثمن النهائي وإحياء الإرث المكسيكي الخالد.

لاعبو منتخب المغرب خلال الاستعدادات (أ.ف.ب)

إرث تاريخي متكافئ... تفوُّق الأسود في الوديات وعقدة بيركامب الرسمية

منتخب هولندا (رويترز)

عند تقليب دفاتر الماضي، نجد أن هذا الصدام المتجدد يحمل الرقم 4 في تاريخ مواجهات الطرفين، إذ التقى المنتخبان سابقاً في 3 مباريات. وتشير لغة الأرقام إلى تفوق طفيف لمنتخب المغرب الذي حقق الفوز في مناسبتين وديتين، بينما يظل الفوز الهولندي الوحيد مسجلاً في الذاكرة الرسمية للمونديال. وتعود تلك المواجهة التاريخية إلى نهائيات كأس العالم في أميركا عام 1994، حينما قاد النجم الشهير دينيس نيكولاس ماريا بيركامب بلاده للفوز بنتيجة (2-1) في دور المجموعات، مما يجعل لقاء مونتيرّي فرصة مثالية لكتيبة الأسود للثأر التاريخي، وبوابة سانحة للطواحين لتأكيد العقدة الرسمية في المحافل العالمية.

زحف مجموعاتي مثير... صحوة مغربية وثبات هولندي نحو بطاقة العبور

المنتخب المغربي (أ.ف.ب)

بلغ كلا المنتخبين هذا الدور الإقصائي بعد مسيرة مميزة في دور المجموعات حصد خلالها كل طرف 7 نقاط من فوزين وتعادل. وجاء تأهل المنتخب المغربي كوصيف للمجموعة الثالثة بفارق الأهداف خلف البرازيل، إذ استهل مشواره بتعادل مثير أمام السيلساو بهدف لمثله، ثم انتصار ثمين على اسكوتلندا بهدف نظيف، قبل أن يختتم جولاته بعرض هجومي قوي اكتسح فيه هايتي بنتيجة 4-2. وفي المقابل، تربع المنتخب الهولندي على عرش صدارة المجموعة السادسة بالرصيد ذاته، بعدما تعادل مع اليابان بهدفين لمثلهما، واكتسح السويد بخمسة أهداف لهدف، ثم أكد جاهزيته الفنية الكاملة بإسقاط تونس في الجولة الأخيرة بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد.

ميزان القوى بالأرقام... صراع الخطوط الثلاثة تحت المجهر التكتيكي

منتخب هولندا (أ.ف.ب)

تكشف لغة الأرقام الصادرة من غرف التحليل عن ملامح الصراع الشرس بين الخطوط الثلاثة لكلا الفريقين، فعلى مستوى حراسة المرمى والدفاع، يرتكز المغرب على صمام أمانه في العرين لحماية الشباك التي استقبلت 3 أهداف في المجموعات، بينما تلقت الشباك الهولندية 4 أهداف، مما يعكس بعض الهفوات التي يسعى المدرب رونالد كومان لمعالجتها. وفي الشق الهجومي، تبرز القوة الضاربة لمنتخب «الطواحين» الذي سجل خط مقدمته 10 أهداف كاملة في 3 مباريات بفضل التحولات السريعة، في حين لا يقل الهجوم المغربي شراسة بعدما زار شباك منافسيه في 6 مناسبات، مستفيداً من انطلاقات ظهيره الطائر وقائده أشرف حكيمي وهدافه إسماعيل الصيباري وعناصره المهارية في الثلث الأخير من الملعب.

نقاط القوة والضعف... مهارة الأطلس الفردية في مواجهة الانضباط الأوروبي

تكمن القوة الحقيقية للمنتخب المغربي في التنوع الهجومي الفائق والقدرة العالية على الاحتفاظ بالكرة تحت الضغط، إلى جانب الانسجام الكبير بين لاعبي خط الوسط والارتداد السريع للأطراف، وإن عاب الفريق في بعض الأحيان حاجته لمزيد من الدقة في اللمسة الأخيرة أمام التكتلات الدفاعية.

وعلى الجانب الآخر، يستمد المنتخب الهولندي خطورته من انضباطه التكتيكي الصارم، والتميز الواضح في استغلال الكرات الثابتة بوجود مدافعين طوال القامة، بالإضافة إلى الفاعلية الهجومية المفرطة، إلا أن بطء الارتداد الدفاعي في مواجهة المهاجمين السريعين يظل الثغرة التي يأمل الأسود استغلالها لخلخلة الخط الخلفي البرتقالي.

ترشيحات خارج نطاق التوقع... مَن يبتسم له الحظ في المكسيك؟

يقف خبراء كرة القدم عاجزين عن ترجيح كفة منتخب على حساب الآخر، إذ تبدو فرص التأهل متكافئة بنسبة 50 في المائة لكل فريق عطفاً على الجاهزية الفنية والبدنية التي ظهرت في الدور الأول. وتميل الكفة المهارية والفردية نسبياً لصالح لاعبي المغرب القادرين على صناعة الفارق من أنصاف الفرص، بينما تمنح الصرامة الأوروبية والخبرة في المباريات الإقصائية الأفضلية لهولندا. وستكون الكلمة العليا في النهاية للمنتخب الأكثر تركيزاً وذكاءً في التعامل مع تفاصيل اللقاء الصغيرة، لانتزاع بطاقة العبور ومواصلة كتابة التاريخ في المحفل المونديالي الكبير.

اقرأ أيضاً


قلوب مغربية بوعي تكتيكي برتقالي... حكاية الثلاثي الذي يعرف أسرار هولندا

قلوب مغربية بوعي تكتيكي برتقالي... حكاية الثلاثي الذي يعرف أسرار هولندا
TT

قلوب مغربية بوعي تكتيكي برتقالي... حكاية الثلاثي الذي يعرف أسرار هولندا

قلوب مغربية بوعي تكتيكي برتقالي... حكاية الثلاثي الذي يعرف أسرار هولندا

تحمل مواجهة دور الـ32 في كأس العالم 2026 بمدينة مونتيرّي المكسيكية طابعاً دراماتيكياً استثنائياً، إذ تشهد صداماً عاطفياً وتكتيكياً من طراز رفيع بين المغرب وهولندا.

في هذه الملحمة الإقصائية، يقف ثلاثة من أبرز نجوم المنتخب المغربي المولودين والمنشَّئين في هولندا، وجهاً لوجه ضد البلد الذي علَّمهم أبجديات كرة القدم في الصغر. هؤلاء النجوم اختاروا تمثيل وطنهم الأم تلبيةً لنداء الجذور، واليوم يجدون أنفسهم أمام فرصة تاريخية لكتابة مجد مغربي خالص على حساب أصدقاء الطفولة ومكتشفي مواهبهم الأوائل في الملاعب البرتقالية.

نصير مزراوي... أسد مانشستر الذي نشأ في مدرسة أياكس الصارمة

النجم المغربي نصير مزراوي (رويترز)

يجسد مدافع مانشستر يونايتد الإنجليزي، نصير مزراوي، القصة النموذجية للتربية الكروية الهولندية الصارمة، فاللاعب الذي وُلد في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 1997 بمدينة لايدن الهولندية، انضم إلى أكاديمية أياكس أمستردام الأسطورية وهو في السابعة من عمره فقط، وتدرج هناك حتى قاد الفريق الأول في أكثر من 130 مباراة، محقِّقاً الدوري الهولندي 3 مرات، قبل رحلته نحو بايرن ميونيخ ثم أولد ترافورد.

ويمتاز مزراوي بمرونة تكتيكية فائقة تسمح له بشغل مراكز الظهيرين الأيمن والأيسر بدقة تمرير تتجاوز 85 في المائة تحت الضغط، وسيكون في ملحمة مونتيرّي بمنزلة الصخرة التي تتكسر عليها أطراف الطواحين، مستغلاً معرفته اللصيقة بأسلوب لعب زملائه السابقين في الملاعب المنخفضة لشل حركة الأجنحة البرتقالية تماماً.

سفيان أمرابط... بلدوزر الوسط والقلب النابض الفاهم للكرة الشاملة

خط الوسط المغربي سفيان أمرابط (غيتي)

وفي عمق الميدان، يبرز المحارب سفيان أمرابط، المولود في 21 أغسطس (آب) 1996 بمدينة هويزن الهولندية، الذي تشرَّب أسلوب الضغط العالي والكرة الشاملة منذ بداياته الاحترافية الأولى مع نادي أوتريخت عام 2014 ثم فينورد روتردام العريق الذي تُوِّج معه بكأس هولندا. أمرابط، الذي تحول إلى ركيزة عالمية لا غنى عنها وبطل الملحمة المونديالية السابقة في «قطر 2022» كأفضل لاعب ارتكاز دفاعي، هو امتداد حي لإرث عائلي مونديالي خالد، فهو الشقيق الأصغر للنجم المغربي السابق نور الدين أمرابط، الذي صال وجال بقميص المنتخب المغربي لسنوات.

يمتلك أمرابط الذي ينشط حالياً في الدوري الإسباني مع نادي ريال بيتيس، أكثر من 55 مباراة دولية، ويواجه اختباراً فريداً من نوعه لتفكيك منظومة الوسط الهولندي والحد من خطورة نجوم الطواحين.

مستنداً إلى قوته البدنية الهائلة، يسعى أمرابط لفرض ميزان القوى وحرمان رفاق الأمس من السيطرة على أم المعارك في وسط الملعب.

أنس صلاح الدين... الموهبة البرتقالية السابقة المتمردة في الرواق الأيسر

الظهير الأيسر المغربي أنس صلاح الدين (فيسبوك)

ويكتمل هذا المثلث الاستراتيجي بالظهير الأيسر الواعد أنس صلاح الدين، المولود في 18 يناير (كانون الثاني) 2002 في قلب العاصمة أمستردام، والذي مثَّل سابقاً المنتخبات السنية الصغرى لهولندا وتُوِّج معها بكأس أمم أوروبا للناشئين، قبل أن يختار نداء الوطن الأم. وينشط صلاح الدين حالياً عنصراً رئيسياً صاعداً في صفوف نادي بي إس في آيندهوفن الهولندي بعد فترة إعارة ناجحة من ناديه الأصلي روما الإيطالي أسهم خلالها بقوة في تتويج الفريق بلقب الدوري هذا الموسم رفقة إسماعيل صيباري والهولندي غوس تيل. صلاح الدين، الذي يمتاز بالسرعة الكبيرة والجرأة في الصعود الهجومي، أكد قبل الملحمة تخليه التام عن العواطف، مستهدفاً توظيف خبرته العميقة بأسرار الكرة الهولندية لتأمين الرواق الأيسر للأسود وإبطال مفعول أجنحة الخصم.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended