نازحات سوريات تعرضن لانتهاكات مقابل مساعدات إنسانية

تنشر شهادات نساء من شمال شرقي البلاد

نازحون شمال شرقي سوريا ({الشرق الأوسط})
نازحون شمال شرقي سوريا ({الشرق الأوسط})
TT

نازحات سوريات تعرضن لانتهاكات مقابل مساعدات إنسانية

نازحون شمال شرقي سوريا ({الشرق الأوسط})
نازحون شمال شرقي سوريا ({الشرق الأوسط})

في منزل بسيط منعزل، يقع في مزرعة غربي مدينة الرقة، تسكن (ع.ع)، وهي سيدة في منتصف عقدها الثالث مع طفليها. عندما أخبرتها صديقتها سبب الزيارة وإجراء المقابلة، اعتذرت بشدة عن الحديث والخوض في تفاصيل تسعى جاهدة إلى نسيانها، لأنّها تعرضت لضغوط النزوح والشتات، ووجدت نفسها أخيراً ضحيّة للاستغلال الجنسي، كما تلاقي صعوبة في البوح بما مضى.
حاولت جاهدة استجماع ما تبقى من صبرها لتتمكن من الحديث. طلبت عدم الإفصاح عن الأسماء. بصوتٍ مبحوح وكلمات مبعثرة بدأت تسرد ما حدث معها قبل عام، ففي بداية شهر يونيو (حزيران) 2017، وعندما كانت ذاهبة إلى مكتب منظمة إنسانية لتسلم حصّة المساعدات المخصّصة لها، رفض موظف محلّي تسليمها السلة بحجة تأجيل دورها إلى الشهر المقبل، لكن بطاقتها تخوّل تسلم حصتها في ذلك اليوم.

- مساعدة مشروطة
بدأت تروي ما حدث معها يومذاك، وقالت: «ارتبكت، ولم أعرف كيف أتصرف، صرختُ بوجه الموظف وقلت له: لماذا تحرمني من حصتي؟ فطردني من المكتب، لكنّني توسلت إليه مراراً، ثم قال لي إنّه يتوجب علي مراجعته بعد توزيع الحصص».
تنحدر (ع.ع) من مدينة الرقة (شمال شرقي سوريا) وهي أرملة، إذ قتل زوجها بداية 2017 برصاصة قنّاص «داعشي» عندما حاولت الأسرة الهروب من المدينة، آنذاك أطبقت «قوات سوريا الديمقراطية» الحصار على المدينة، وكان طيران التحالف الدولي يقصف مواقع التنظيم المتشدّد، لكنّها تمكنت مع طفليها من النجاة، ووصلوا إلى إحدى المخيّمات الآمنة الواقعة بالشمال السوري، ولم تعلم شيئاً عن مصير عائلتها أو أهل زوجها جراء المعارك المحتدمة.
وأجبرت الحرب الدائرة في سوريا أكثر من 10 ملايين إلى النزوح واللجوء داخل البلاد وخارجها، معظمهم من النساء، لا يمتلكون إلا الثياب التي كانوا يرتدونها لدى هروبهم من منازلهم، واضطرت الأمهات اللواتي تحملن أعباء الحياة إلى الاختيار بين تقديم الغذاء لأطفالهنّ وحاجاتهنّ الخاصة.
تابعت (ع.ع) حديثها لتقول: «رجعت إلى المكتب بعد انتهاء الدوام، ولم يكن هناك سوى الموظف. قال لي بهدوء إنّهم غيروا في اللوائح بسبب ازدياد النازحين، وقرّروا توزيع ما تبقى من سلال غذائية على العائلات الوافدة حديثاً، وطلب منّي المجيء في اليوم التالي على أمل بتسلم حصّة».
وبالفعل تسلمت (ع.ع) حصتها في اليوم الثاني وشكرت الموظف كثيراً لتعاطفه معها، وبعد مرور أيام، شاهدته يمشي في المخيم وألقت التحية عليه، وقتذاك شرحت له إنّها أرملة تعيل أسرتها وترعى أطفالاً يتامى، سألته عن إمكانية مساعدتها للحصول على عمل، وإذا ما احتاجت إلى حصة غذائية فهل بمقدورها مراجعته، هزّ الموظف رأسه في إشارة على الموافقة.
وتعيش نسبة كبيرة من النساء السوريات اللاجئات اللاتي فقدن أزواجهنّ خلال أعمال القتال الدائرة في سوريا تحت ضغوط شديدة، يواجهنَ التعرّض لمخاطر عالية من الفقر والاستغلال الجنسي، حيث لم تدرك (ع.ع) إنها ستقع ضحية ابتزاز مقابل حصولها على حصة غذائية إضافية أو عمل، فالحاجة لتربية طفليها الصغار، وصعوبات العيش داخل خيمة لا تقيها حرارة الشمس وبرودة الشتاء، دفعتها لطلب المزيد من المساعدة، وأعربت عن حزنها قائلة: «حقيقةً عندما ذهبت، قلت في قرارة نفسي سيقوم بمساعدتي كونه أشفق عليّ، وبعدما أعطاني الحصة طلب مني أن أقصده إذا احتجت المزيد، ووعدني بالبحث عن عمل».
وبعد مرور فترة زمنية، حصلت (ع.ع) على وظيفة بمساعدة الموظف وبدأت ترتاد عملها الجديد، وكان يأخذها بسيارته الخاصة، وتبادلا أرقام الهواتف وباتت لقاءاتهم شبه يومية. لم تصدق أنّها حصلت على هذه الفرصة وبدأت تشعر بالأمان، وفي أحد الأيام طلب منها الموظف زيارتها في الخيمة، لم تتمكن من رفض طلبه نظراً لحاجتها للعمل، وقالت: «كنت أخشى من زيارته لخيمتي، لأن جاراتي ستنشرن إشاعات عنّي، ويتم تناقل الأمر بشكل خاطئ، لذلك طلبت منه المجيء بعد حلول الظلام، كي لا يشاهده أحد».
ذهب الموظف إلى خيمتها حاملاً معه هدية مغرية، وذكرت ما حدث معها قائلة: «اقترب منّي وقال لي: أعدك بالزواج، وسأساعدك في تربية أطفالك وسأبقى إلى جانبك، هنا شعرت ببعض الأمان لأجد نفسي في أحضانه».
وقد نبّهت منظمات دولية عاملة في مجال الإغاثة الإنسانية إلى وجود انتهاكات جنسية منذ نحو ثلاث سنوات، الأمر الذي دفع «صندوق الأمم المتحدة للسكان» بإجراء تقييم للعنف القائم على نوع الجنس في سوريا العام الماضي، ليخلص التقرير إلى أنّ: «المساعدات الإنسانية يجري تبادلها مقابل الجنس في مختلف المحافظات في سوريا»، وسلّط التقرير الذي حمل اسم: «أصوات من سوريا 2018» على أمثلة من النساء والفتيات اللواتي تزوجن مسؤولين لفترة قصيرة من الزمن، لتقديم الخدمات الجنسية مقابل الحصول على الطعام، موضحاً أنّ الكثير من موزعي المساعدات الإنسانية المحليين يطلبون أرقام هواتف النساء والفتيات، ويعرضون إيصالهن لمنازلهن بسيارتهم مقابل الحصول على شيء في المقابل، أو يعرضن الحصول على معونات غذائية مقابل زيارتهن في خيامهنّ وقضاء ليلة معهنّ، وشدد التقرير على أنّ: «النساء والفتيات اللواتي ليس لهنّ من يحميهنّ مثل الأرامل والمطلقات، والنازحات داخلياً يُعتبرن معرضات بشكل خاص للاستغلال الجنسيّ».
وجالت صحيفة «الشرق الأوسط» في ثلاثة مخيّمات شمال شرقي سوريا، وأجرى الكثير من المقابلات مع نساء وفتيات نازحات، بعضهنّ أكدن وقوع حوادث مماثلة، لكن أصحابها فضّلن السكوت خوفاً من الفضيحة، في حين استنكرت أخريات وقوعها، وإنّ شرف الفتاة لا يساوي حصّة غذائية أو الحصول على عمل، فيما نقلت الكثير من النساء كيفية تعرضهنّ للتحرّش اللفظيّ، وكانوا يسمعون كلمات وإشارات غير مريحة، وصلت إلى درجة رفضن معها الذهاب إلى مكاتب المنظمات لتسلم المساعدات الإنسانية خشيةً من تعرضهنّ لمواقف مماثلة.

- انتهاكات جنسية منذ سنوات
تحت خيمة صغيرة كانت مساحتها 20 متراً، جلست (م.س) تدخّن سيجارة تلو سيجارة. كانت تلبست ثوباً وغطاء الرأس متشحاً بالسواد، بدت وكأنّها كبيرة في السنّ، على الرغم من أنّ عمرها لم يتجاوز الـ30 عاماً. بدأتْ برواية قصتها التي حدثت معها قبل نحو ثلاثة أشهر، حيث قطعت الأمل في زوجها المفقود منذ سنة، ولم تسمع أية أخبار جديدة، الأمر الذي دفعها للبحث عن العمل، وقصدت مكاتب المنظمات العاملة في المخيم الذي نزحت إليه، رفقة أطفالها الثلاث صيف العام الفائت.
وفي بداية حديثها، أخبرت (م.س) أنّ كلّ أفراد أسرتها سافروا إلى تركيا منذ بداية الأزمة السورية نهاية 2011، أما عائلة زوجها فهي لا تعلم عنهم شيئاً، فبعد انتهاء معركة الرقة في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، تقطّعت أوصال العائلات السورية، فالبعض نزح إلى المناطق الخاضعة لقوات النظام السوري جنوب البلاد، في حين قصد معظم سكان الرقة المناطق التي تسيطر عليها «قوات سوريا الديمقراطية» شمالاً.
ومنذ ذلك التاريخ لم تعد (م.س) تعلم شيئاً عن زوجها وأسرته، حالها كحال معظم المدنيين الذين فقدوا بعضهم بعضاً، جراء المعارك العنيفة التي استمرت قرابة 4 أشهر بين يونيو وأكتوبر 2017، وقالت: «عندي 3 أطفال صغار، ضاقت بي سبل العيش، والحصّة الغذائية لم تعد تكفي شيئاً، بحثت عن عمل لكن دون جدوى»، وبعد مراجعتها إحدى المكاتب التابعة لمنظّمة دولية، شرحت وضعها لموظّف سوريّ، والذي وعدها بمساعدتها بالبحث عن زوجها، وعن وظيفة مناسبة، وطلب منها مراجعته بعد أيام.
بعد مرور ثلاثة أيام قرّرت (م.س) الذهاب إلى مقرّ المنظّمة، وهي تحلم بالحصول على عمل أو أخبار عن زوجها، وصلت إلى المكتب عصر يومذاك، لم يكن هناك سوى الموظف، طلب منها الجلوس وإعادة شرح ما قالته سابقاً، وتاريخ فقدان زوجها والمهن التي تجيدها، وقالت: «سرعان ما تطوّر الحديث بيننا، وتطرّق دون خجل للجانب الشخصي، وتحدّث عن علاقته مع زوجته، وبدأ يشتكي منها واتهمها بالبرود وأنّها لا تلبّي رغباته، وكيف أنّه صار بحاجة إلى امرأة ثانية».
حاولت (م.س) مراراً تغيير الموضوع دون جدوى، مضيفة: «عملت حالي لم أفهم قصده، سألته هل هناك أمل بالحصول على عمل ما، كم سيكون الراتب وعدد ساعات العمل، لكنّه عاد لنفس الحديث، وبأنّي امرأة جميلة وزوجي مفقود، لذلك يجب أن يكون هناك شخص يقف لجانبي»، إلا أنها تعمّدت مسايرته، وسماع حديثه حتى النهاية أملاً بمساعدة، لكنّها لم تحتمل كلامه، وخرجت من المكتب وحذرته من تكرار ما حدث، وتضيف: «حاول إقناعي بالموافقة لتلبية رغباته، وعندما هممت بالخروج من المكتب ألح علي بضرورة مراجعته، لأنه سيعمل جاهداً ليجد لي عملاً ويسأل عن زوجي».
بعد أيام عادت (م.س) مرة ثانية إلى مكتبه لكن ضمن أوقات الدوام، وعندما وصلت أدخلها إلى غرفته، وهناك فاجئها بالكلام ليقول لها: «أنا معجب بك وأريد إقامة علاقة، استغربت وقلت له: بالحلال، وهل سنتزوج؟ قال لي إنّ الأمر صعب، لأن لديه وضعه الخاصّ، وهو متزوّج ومسؤول في المنظمة»، عادت وسألته من جديد عن شكل العلاقة، ليجيبها: «المساعدة بالحصول على عمل والبحث عن زوجك، وسآتي إلى خيمتك».
ورفضت (م.س) طلبه، وقررت عدم الذهاب إليه مرة ثانية، وتردّدت في تقديم شكوى ضدّه، خوفاً من الفضيحة أو طردها من المخيّم، وعبّرت بغضب عن مشاعرها المشوّشة لتقول: «أين أذهب بحالي وأطفالي صغار، حقيقةً سنتشرّد، أما هو فلن يتأثر بشيء، كونه مسؤولا، ولديه حماية، وسيتمكن من تكذيب كلّ شيء، لأنه لا يوجد دليل ملموس ضدّه».
ولدى لقائها مع صحيفة «الشرق الأوسط» كشفت الناشطة المدنية مزنة دريد مديرة حملة «لاجئات لا سبايا» بأنّ النساء يشكلنّ 50 إلى 60 في المائة من نسبة النازحين واللاجئين، منهنّ 35 في المائة معيلات لأسرهنّ؛ أي إنّ عائلة من بين كلّ ثلاثة عوائل نازحة تعيلها امرأة، وقالت: «السيّدة النازحة تواجه مطالب جديدة في سبيل إعالة نفسها وإعالة أطفالها، وفضلاً عن ذلك فإنّ الصراع وانهيار القانون والنظام يجعل النساء والفتيات عرضة للانتهاكات وتزايد خطر العنف الجنسي والاعتداءات».

- حجب المساعدات
وكشفت تقارير صحافية بأنّ نازحات سوريات تعرّضن للاستغلال الجنسي من قِبل رجال محلّيين يقدمون المساعدات الإنسانية باسم منظمات دولية في مخيمات النزوح، وأفاد عمّال في مجال الإغاثة الإنسانية بأنّ العملية كانت تتم بطريق مقايضة المساعدات أو التنقّل بمزايا جنسية.
ونشرت قناة «بي بي سي» البريطانية نهاية فبراير (شباط) العام الحالي، مقابلة مع دانييل سبنسر وهي مستشارة إنسانية تعمل لصالح جمعية خيرية، أكدت سماعها عن تلك المزاعم من مجموعة من النساء السوريات في مخيم للاجئين في الأردن بشهر مارس (آذار) 2015، نقلن كيف أنّ أفراداً من المجالس المحلية في مناطق مثل درعا والقنيطرة قد عرضوا عليهنّ المساعدات مقابل ممارسة الجنس.
وقالت سبنسر في مقابلتها: «كانوا يحجبون المساعدات التي تم تسليمها ثم يستخدمون أولاء النساء لممارسة الجنس، وقد تم الإبلاغ عن هذا الاستغلال الجنسي في سوريا لأول مرة ربيع 2015»، ونوهت إلى أن الأمر كان منتشراً لدرجة: «أنّه لا يمكن للنساء أن يذهبن دون أن يلحق بهنّ العار، وأصبح هناك افتراض بأنّه إذا ذهبت أي امرأة إلى أماكن توزيع المساعدات، فإنها تكون قد قدّمت تنازلاً جنسياً مقابل المساعدة».
وفي حديثها مع صحيفة «الشرق الأوسط» أكدت المحامية السورية ليلى العودات، رئيسة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «رابطة النساء الدولية للسلام والحرية»، أنّ هذه الحوادث المروّعة بحقّ النساء شائعة في حالات النزاع المسلّح، وقالت: «النزاع المسلح يؤدي في كثير من الأحيان إلى انهيار دور القانون الذي يؤمّن نوعاً من الحماية للنساء، وشيئاً من الردع للمعتدين»، وتعزو تهاوي المؤسسات القانونية والضوابط التي تلتزم الدولة بتطبيقها إلى: «توسّع سلطة ونفوذ الجهات المسلّحة (الحكومية وغير الحكومية) مقابل تضاؤل مساحات حرية وأمان المدنيين، وتصبح النساء عرضة للابتزاز والإيذاء النفسي والجسديّ، دون حماية ودون طرق للتبليغ أو المقاومة»، على حدّ تعبير الناشطة الحقوقية ليلى العودات.
وأقرّت (ع.ع) استمرار علاقة مع الموظف نحو 6 أشهر بطريقة غير شرعية، وتزيد: «في كلّ مرة كنت أسأله متى ستكتب كتابك علي ونتزوج، كان يتحجّج بانشغاله ومسؤولياته وأنّ الوقت غير مناسب»، وبقيا لفترة زمنية مع بعضهم البعض حتى افتضح أمرهما واكتشفت جارتها الأمر. تذكرت ما حدث معها في ذلك اليوم. توقفت عن الكلام. اغرورقت عيناها بالدموع. تدخلت صديقتها لإيقاف التسجيل، لكنّها طلبت إكمال الحديث، وقالت وهي تمسح دموعها: «يومها توسّلت إليهنّ بعدم افتضاح أمري والتستر على الفضيحة، وافقن على طلبي مقابل خروجي من المخيم، وقدّمت طلباً وانتقلت للعيش في هذا المنزل الطيني، وفضلت الابتعاد عن أنظار الفضوليين».
أما الموظف فعاد إلى حياته بشكل طبيعي ورفض الزواج منها، وعمد إلى طردها من العمل، ولم يجب على اتصالاتها، وتضيف (ع.ع): «لم أتمكن من تقديم الشكوى. ماذا سأقول، وافقت على إقامة علاقة جنسية للحصول على عمل!! على حصّة إضافية!! هل هناك دليل أو وثيقة تثبت كلامي»، أخذتْ نفساً عميقاً وقالت وهي تتنهّد: «يصعب علي البوح بما مضى، تمنيت لو كان حلماً. أتمنى نسيان ما حدث».
وفي مقابلتها مع «الشرق الأوسط» ترى الدكتورة خلود صابر، مدرسة مساعدة بقسم علم النفس بجامعة القاهرة، وباحثة دكتوراه متخصّصة في مجال العنف الجنسي ودراسات الجندر بجامعة لوفان البلجيكية، إنّ الاعتداءات الجنسية تحدِث صدمة تهزّ معتقدات المرأة حول ذاتها وحول الآخرين وحول المجتمع، وقالت: «يضاف أيضا عبء عدم القدرة على البوح، أو طلب المساندة أو المواجهة، وذلك بشكل رئيسي بسبب وصمة العار الاجتماعية في المجتمع السوريّ، الذي ما زال حتى الآن يلوم المرأة المعرّضة للعنف الجنسي وتحميلها مسؤولية الانتهاك، وتعتبرها مصدراً للعار، دون الالتفات على الإطلاق لما تشعر هي به»، وأضافت: «الأزمة الأساسيّة إنّ هذه الأحداث الصدمية مستمرة حتى الآن، وتحوّلت بشكل ما إلى واقع يومي هنّ مجبرات على معايشته، مما يجعل فكرة استيعاب ما حدث، وإعادة تشكيل معتقدات الفرد أمراً في غاية الصعوبة».

- قوانين للحماية والرقابة
فيما استمرّ الموظف بمضايقة (م.س) ولا يزال يتردّد إلى المجمع الذي تقع فيها خيمتها، ويرسل الأطفال إليها ويقولون لها أنّ الأستاذ يريدك في مكتبه، وأضافت: «فكرت كثيراً في إبلاغ السلطات المحلّية في المخيّم، فلا يوجد دليل ملموس على كلامي، ماذا سأقول لهم، شخص معجب بي ويريد إقامة علاقة جنسيّة معي»، تابعت حديثها بغصّة، وبدت علامات الحزن على وجهها وأضافت: «في نهاية المطاف إذا بقي الحال كما هو عليه سأخرج من المخيم، وسأبحث عن مكان آخر أستر فيه شرفي وكرامتي».
وبحسب العودات، يتمّ تفادي هذه الانتهاكات عبر أربعة إجراءات بالتزامن، وقالت: «أولها؛ دعم وتقوية المجتمع المدني خاصة المؤسّسات التي تقودها نساء، وتعمل فيها نساء، وهي الأقدر على فهم المجتمع المحليّ، وبناء منظومة محلّية تعطي الأولوية للمدنيين، وتتفهّم وتعالج الأثر المجحف للنزاع على النساء والفتيات»، كما يشكّل الضغط الدائم على الجهات الدولية المانحة لإيجاد نظام رقابي حقيقي، تلعب فيه المؤسسات والمجتمعات المحلية دورا أساسيا شرطاً ثانياً، وتضيف العودات: «يجب أن يشمل هذا النظام الرقابي نظام إحالة فعّالة للضحايا والناجين / ات وكذلك نظام تدريبي هيكلي لرصد أي انتهاكات وجعل طرق التبليغ عنها متاحة للجميع»، فيما يكمن الشرط الثالث بالضغط محلياً ودولياً على زيادة أعداد النساء في المؤسّسات المحلّية والدوليّة العاملة في المجال الإنساني، وتضيف: «أما الإجراء الرابع والأخير، فيتمحور حول العمل للحدّ من سلطة السلاح والعنف، سواءٌ أحملته جهات رديفة للحكومة، أو جهات غير حكومية، وإعادة سلطة القانون والنضال السلمي وإعلاء حقوق الإنسان».
ولم تخفِ (م.س) و(ع.ع) إنّ الكثير من النساء والفتيات تعرضن لمواقف مشابه، إلا أنهنّ فضّلن كتمان الأمر خوفاً من الفضيحة، والتقيّد بالعادات والتقاليد، وأن الطرف الثاني سيتهرّب من المسؤولية، وسيكذّب كلّ الادعاءات، خاصة في ظلّ عدم توفّر أدلة في هكذا حالات عادةً.
ودعت الدكتورة والأخصائيّة خلود صابر الجهات الإنسانية الدوليّة إلى تحمّل مسؤوليّة خلق آليات مراقبة ومحاسبة لموظفيها، وقالت: «يجب على هذه المؤسّسات تطوير أدوات دعم ذات حساسية جندرية، تراعى واقع النساء السوريات عند تقديم الخدمات، بما فيها خلق مناخ آمن لطلب المساعدات المادية، وخلق أطر آمنة ومهنية، وذات حساسيّة ثقافيّة وجندرية لطلب المساندة النفسية».



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.