«حرائق داخليّة»... صراعات الهوية عند مسلمي الغرب... و«التطرف»

كاملة شمسي فازت بـ«جائزة الكتابة النسائيّة» 2018

كاملة شمسي  -  غلاف الرواية
كاملة شمسي - غلاف الرواية
TT

«حرائق داخليّة»... صراعات الهوية عند مسلمي الغرب... و«التطرف»

كاملة شمسي  -  غلاف الرواية
كاملة شمسي - غلاف الرواية

عندما شرعت سارة ساند في تعليل قرار لجنة تحكيم جائزة الكتابة النسائيّة للرّواية منح جائزتها العام 2018 للبريطانيّة الباكستانيّة الأصل كاملة شمسي عن آخر أعمالها «حرائق داخليّة Home Fire» لم تجد بُداً من القول بأن اللجنة اختارت في النهاية «رواية تصف الأزمنة التي نعيشها» حيث قضايا الهويّة، وتعارُض الولاءات، والعلاقة بالآخر تكاد تحتكر فضاء النقاش العام في المجتمعات الغربيّة. فالرّواية الفائزة التي تستوحي ثيمة مسرحيّة «أنتيغون» للإغريقي سوفوكليس تطرح جدليّات المشاعر المتناقضة التي يجد الأوروبيّون المسلمون المعاصرون أنفسهم داخلها عندما تدفعهم الأحداث السياسيّة في صراع بين هوياتهم الموروثة عن أسرهم وتلك التي اكتسبوها بحكم عيشهم في أجواء ثقافة الغرب.
الذين يعرفون شمسي يدركون أنها ربما كتبت رواية خياليّة عن هذه الأجواء الملتبسة، لكنّها بالتأكيد حاكت قماشة «حرائق داخليّة» من ذاتها الفرديّة وتجربتها الشخصيّة ومناخات مجتمعها الإنجليزي، وهي التي نشأت كباكستانيّة مسلمة تكتب وتفكّر باللغة الإنجليزيّة في كراتشي، وتنحدر من أسرة كانت لها علاقات وثيقة بالثقافة الغربيّة عبر عدة أجيال، بينما حصّلت دراستها الجامعيّة وصنعت خبرتها الروائيّة في الغرب (بين الولايات المتحدة وبريطانيا)، واكتسبت الجنسيّة البريطانيّة عام 2007. وللحقيقة فإن البعض وصفها بـ«شمسي المتنبئة»، إذ إن إحدى الشخصيات الخمس الرئيسة في روايتها الفائزة، هو ابن مسلم بريطاني من أصل باكستاني صنع نفسه في عالم الأعمال قبل أن يتولى منصب وزير الداخليّة عن حزب المحافظين، وهو الأمر الذي تحقق حرفيّاً بعد أشهر قليلة بتولي البريطاني الباكستاني الأصل ساجد جافيد حقيبة داخليّة حكومة تيريزا ماي.
رئيسة لجنة التحكيم أكّدت أن رواية «حرائق داخليّة» لم تُمنح الجائزة لقوّة ثيمتها المرتبطة بهموم معاصرة في زمن صعود الشعبويات وانفلات موجات العداء للآخر فحسب، وإنما أيضاً لمتانة شكلها الأدبي ونجاحها في تقديم نص روائي نسوي متماسك عن تداخل الحبّ في السياسة، والتاريخ في الواقع، والفرد في المنظومة. وهي نجحت بالفعل في استلهام المعضلة التي تطرحها مسرحيّة سوفوكليس المعروفة من دون السقوط في فخ العبوديّة التامة للنص الكلاسيكي أو الارتطام بفخ الميلودراما والإثارة، ولذلك لا يستبعد كثيرون أن تنتهي الرواية الفائزة كمسلسل درامي تلفزيوني سيحظى بالتأكيد بمتابعة جمهور واسع.
وجاءت ولادة «حرائق داخليّة» كمسرحيّة بناءً على طلب أحد منتجي المسرح اللندني من شمسي استيحاء أنتيغون –النموذج الأدبي الكلاسيكي لتعارُض الولاءات– بهدف خلق عمل معاصر عن صراع الهويّة عند مسلمي أوروبا. لكنها انتهت بالنص إلى مساحة الرواية، معتبرة أنها في داخلها «روائيّة وإن كانت لديها القدرة على الاستمتاع بمشاهدة تحليق الممثلين على الخشبة». وبالفعل فإنها نشرت من قبل ست روايات ناجحة أولاها «مدينة بجوار البحر» قبل أن تتجاوز الـ25 من عمرها، ورُشِّح بعضها لجوائز أدبيّة مرموقة وحصلت على أرفع التكريمات الأدبيّة في بلدها الأم باكستان، وقد باعت أعمالها -بالإنجليزية وترجماتها إلى لغات عدّة- ملايين من النسخ حول العالم (تُرجمت إحداها إلى العربيّة وصدرت بعنوان «ظلال محترقة»).
الشخصيات الخمس الرئيسة في «حرائق داخليّة» مسلمة بحكم النشأة لكنّ كلاً منها تتشرب الدين بطريقة متفاوتة رغم أن ثلاثاً منها تنتمي إلى ذات العائلة. وتتمحور مناخات الرواية حول شاب مسلم بريطاني اكتشف أن والده، الذي تطوع في ما يسمى «الجهاد» في الشيشان وأفغانستان، توفي في أثناء نقله بين سجن باغرام وسجن غوانتانامو فيستجيب منصاعاً كردّة فعل للانتماء إلى تنظيم داعش والخدمة في ذراعه الإعلامية. وتتنازع انفعالات شقيقتيه على قراره بين اللامبالاة والتعاطف الإنساني لدرجة أن الأخت الصغرى تدخل في علاقة عاطفيّة مع ابن وزير الداخليّة المسلم لإحساسها بأنه ربما يكون الفرصة الوحيدة لاستعادة أخيها من براثن التطرف.
وتتوالى الأحداث من خلال سرديات خمس مختلفة لذات الوقائع وفق رؤية الشخصيات، وتتوزع على فضاء جغرافي معادل لخبرة شمسي بالعيش المتناثر بين الولايات المتحدة وبريطانيا وباكستان.
تأتي «حرائق داخلية» كابنة شرعيّة لزمن لم يعد فيه المهاجرون إلى أوروبا يعامَلون كأتراك في ألمانيا أو باكستانيين في بريطانيا أو مغاربة في إسبانيا، بل هم اليوم في نظر كثير من الأوروبيين مجرد مسلمين لا فرق بينهم –حتى ولو كانوا مسيحيين أو من أتباع ديانات أخرى– وأنهم يسرقون لقمة عيش أصحاب البلاد الأصليين، ويريدون كسر قيم المجتمع الغربي واستبدال حكم الشريعة بها. وهذه الهويّة الجديدة، النقيض لكل ما يراه الأوروبي هويته الذاتيّة، والمفروضة على اللاجئين من الشرق الأوسط دون تفريق -وما ينشأ عنها من جدل وحروب ثقافيّة صارت في السنوات الأخيرة موضوع الانقسام المجتمعي على حساب المسائل الاقتصاديّة والطبقيّة والاجتماعيّة، وتسببت في صعود تيارات يمينيّة شعبوية داخل عديدِ دول أوروبيّة أمسكت بتلابيب السلطة وكانت وراء تصويت البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي.
ربما لا تقّدم شمسي في روايتها إجابات محددة لطرفي مجتمعها –البريطاني الغربي والباكستاني المسلم– عمّا ينبغي عمله للتعامل مع صدام الهويات هذا، وليست تلك بالتأكيد غاية الأدب، لكنّها تتحدى أنماط التفكير البليدة المسيطرة على كثير من الأفراد وتسهّل مهمة تقبلهم للأفكار الشعبوية المسمومة. مع ذلك فإنها لا توافق على تصنيف روايتها بالعمل المسيّس وإنما تراها نصاً حميماً حول ما يمكن أن تفعله السياسة بمشاعر البشر وفهمهم لمكانهم في العالم وحتى أقدارهم ومآلاتهم.
تفوقت شمسي في «حرائق داخليّة» على أكثر من 200 عمل رُشِّح لنيل جائزة الكتابة النسائيّة التي تُمنح سنوياً منذ عام 1996 من قبل لجنة تحكيم مختارة لأفضل رواية صدرت حديثاً في العالم كتبتها امرأة باللغة الإنجليزيّة، وتعد أهم الجوائز الأدبيّة المخصصة للمبدعات النساء في العالم الأنغلوفوني. وقد وصلت روايات ست منهن إلى قائمة قصيرة تنافست في ما بينها على الفوز باللقب إضافة إلى تمثال برونزي تكريمي وثلاثين ألف جنيه إسترليني نقداً. وكانت الروائيّة البريطانيّة المعروفة كاتي موس قد أطلقت الجائزة المقتصرة على الروائيات النساء قبل عقدين تقريباً رداً على ما اعتبرته وقتها تحيّزاً ضدهن في جائزة «مان بوكر» البريطانيّة للرّوايات التي تغلب عليها عادةً أسماء ذكورّية. وللإشارة فإن الجائزة -التي عُرفت سابقاً باسم «أورانج» وكذلك «بيليز» على أسماء مموليها- ساهمت على نحو ملموس في تحسين أرقام مبيع روايات خَطَّتْها أنامل نسوية، وصعّدت أسماء مغمورة إلى سماوات الألق الأدبيّ، وتحوّل كثير من الروايات الفائزة إلى أعمال تلفزيونيّة وسينمائيّة. وقد توافق الإعلان عن فوز شمسي -صاحبة الصوت العالي في دعم قضايا المرأة- مع أسبوع شهد جدلاً واسعاً في الأجواء الأدبيّة البريطانيّة بعدما اتهمت مؤلفةٌ معروفة جائزة «وودهاوس» لروايات الكوميكس المصورة، بالانحياز ضد الكاتبات ومنحها قيمة أعلى لما تخطه أقلام زملائهن الرجال، الأمر الذي سهّل مهمة رئيسة لجنة التحكيم -في مؤتمرها الصحافي للإعلان عن رواية العام الفائزة- الدّفاع عن استمرار الحاجة إلى منح جوائز أدبيّة تقتصر على جنس دون الآخر.



عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
TT

عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)

في ظل ما يتعرض له العالم من تطورات متسارعة في كل المجالات الحيوية في الطبيعة والاقتصاد والسياسة والاجتماع، وحتى في منظومة القيم، يصطدم الواقع البشري بأن لديه قوانين وتشريعات تتطور بوتيرة بطيئة تشبه المشي، في حين يتطور العالم بتقنياته الحديثة بسرعة الضوء.

هذه الفجوة بين نمط الحياة البشري وإيقاع الحياة التكنولوجي المتطور الذي تحكمه عناصر عدة أهمها الذكاء الاصطناعي، هو ما يطرحه الدكتور منصور الجنادي، في كتابه الأحدث «عصر الانفلات... حياتنا اليوم ومستقبل الإنسان» الصادر أخيراً عن دار العين في القاهرة.

على طريقة «أيام الإنسان السبعة»، ينقسم الكتاب إلى سبعة أبواب كل باب يتضمن فصلاً عن توقعات العلم وتطوراته وتقنياته وآلياته المختلفة وتأثيراته على الكرة الأرضية، وفصلاً عن الإنسان وتأثره بهذا التطور العلمي أو التقني أو التكنولوجي. فيما عدا الباب السابع المخصص للإنسان فقط من خلال رصد الأزمات التي تناولها الكتاب وتشريحها لفهم أبعادها المختلفة، والبحث عن حلول وعلاج لها أو طرق لمواجهتها.

الكاتب المتخصص في الفلسفة، وصاحب الإنتاج الفكري والعلمي المعروف ومن بينه كتابه السابق «خرافة العقل» متناولاً مقاربة فلسفية لحياتنا قبل وبعد الذكاء الاصطناعي، يعتمد في كتابه الأحدث على علوم المستقبل، فهو لا يطلق الافتراضات أو الأفكار على علاتها وإنما بالدلائل والحجج والبراهين المختلفة، مشفقاً على القارئ من البرودة والملل الذي تسربه الأرقام الإحصائية والأبحاث العلمية الجافة منزوعة الروح، ليقدم لنا رؤية تنطلق من تجربة شخصية أو ما يمكن اعتباره سيرة ذاتية لشخص نشأ في قرية مصرية، لا تفرق عاداتها وتقاليدها كثيراً عن حياة المصريين القدماء، ثم انتقل إلى القاهرة ليواجه كل ما تخبئه المدينة من زخم يخطف الأنفاس، ثم يتعلم فن الباليه، ثم يقرر الهجرة إلى الخارج ويكرس وقته لدراسة الفلسفة وعلم النفس ثم العمل مع شركات عابرة للقارات، ثم العودة بكل خبرات السنين الطويلة لكتابة هذه التجربة الثرية من منظور عام يتصل بالوجود البشري وليس شخصه المفرد.

يأتي ترتيب أبواب الكتاب ليقدم لنا رؤية علمية للواقع الذي نعيشه من خلال عناصر بعينها هي الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا مثل الطبيعة، وتشير توقعات العلم فيها إلى «اغترابنا في كرتنا الأرضية»، بينما يتمثل حضور الإنسان في البحث عن وسائل للحياة مع الأرض لا فوقها، بمعنى مصالحة الطبيعة والاستفادة منها والتعايش معها بتوازن دقيق.

وفي الفصل التالي عن «العلم والتكنولوجيا»، تأتي توقعات العلم تحت عنوان «عندما يصنع العلم صانعه»؛ في إشارة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تسيطر على الكثير من المجالات ومرشحة للتغول والتمدد لمساحات أوسع، في المقابل يظهر الإنسان الهجين الحائر بين وجوده البشري وبين الابتكارات الحديثة والبدائل التكنولوجية.

وفي باب الاقتصاد تتحدث توقعات العلم عن التحول من الرأسمالية إلى الذهنوية، فنحن أمام اقتصاد جديد يعتمد على تقنيات وتكنولوجيا المعلومات بالدرجة الأولى، ليجد الإنسان نفسه أمام عمل بلا زمن وهوية بلا مكان.

وفي باب عن الهجرة يتحدث المؤلف عن التحول من غريزة الترحال التي كان يتمتع بها الإنسان في الماضي إلى الهجرة المبرمجة، ومن ثم تصبح النتيجة أننا جميعاً مهاجرون، حتى لو لم نتحرك من أماكننا.

ويخصص الكاتب باباً للسياسة والمجتمع يتوقع فيه العلم مستقبل الحرية والسلطة، ويتحول فيه الإنسان من المجتمع إلى الذات الناقدة. كما يتناول الباب السادس القيم والهوية، ويتوقع العلم الانتقال من هوية الزمان والمكان إلى «ملف البيانات»، بمعنى أن الوجود البشري سيتم تكثيفه أو تركيزه في ملفات للبيانات تحدد الهويات والقيم، لتنتهي صلاحية البوصلة القيمة لأفكار الهوية والقيم التي كان يحفظ بها الإنسان في الماضي.

ويكرس الكاتب الفصل السابع والأخير لمستقبل الإنسان، من خلال التحديات التي تواجه ومدى سيطرته على حياته وعلى مظاهر الطبيعة وانتفاء فكرة أنه مركز الكون، ثم أدوات التأقلم أو ما يسميه الكاتب «الحكمة 2.0» أو تكنولوجيا البقاء، وصولاً إلى المستقبل أو المصير المنتظر للإنسان في مواجهة تقنيات العصر الحديث، بكل ما تحمله من التباسات ذهنية وفكرية وفلسفية واغترابات روحية ونفسية قد تؤثر على مستقبل البشر بطريقة أو بأخرى إذا لم يتم فهمها بطريقة صحيحة والتعايش معها، داعياً القارئ في نهاية كتابه إلى كتابة «سيرة مستقبلية» لتوقعاته في ظل التغيرات المتواترة التي يمر بها العالم.


مايكل جيمس: «قضاء الرب» تجاوز القيود الإنتاجية بحلول بصرية جريئة

واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)
واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)
TT

مايكل جيمس: «قضاء الرب» تجاوز القيود الإنتاجية بحلول بصرية جريئة

واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)
واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)

قال المخرج الجنوب أفريقي مايكل جيمس إن فيلمه «قضاء الرب» ولد من احتكاك مباشر بعالم المهمشين، لإعادة النظر في الطريقة التي ينظر بها المجتمع لهؤلاء الأشخاص، مع رغبته في استعادة إنسانيتهم بعيون الآخرين.

وتدور أحداث الفيلم الذي حصد جائزة أفضل فيلم يتناول قضية أفريقية وعرض للمرة الأولى في مصر ضمن فعاليات مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» في شوارع مدينة ديربان بجنوب أفريقيا، حيث يجد عدد من الرجال المشردين ملاذاً هشاً داخل مبنى متهالك، يجمعهم نوع من التضامن الصامت في مواجهة عالم قاسٍ تحكمه اللامبالاة والعنف، وتتشابك حيواتهم بين الشارع والذكريات، بينما تتحول تجاربهم اليومية إلى مزيج من الواقع والخيال، في محاولة مستمرة لفهم العالم والبقاء داخله.

وفي امتداد هذه الرحلة، يغوص الفيلم في العوالم الداخلية للشخصيات، حيث تصبح الأحلام والهواجس والذكريات جزءاً لا ينفصل عن الواقع، بل ربما أكثر تأثيراً منه، ليقدم العمل صورة مركبة عن الإنسان.

المخرج الجنوب أفريقي (الشرق الأوسط)

وأكد مايكل جيمس أن الفيلم لا يتوقف عند حدود الحكاية، بل يطرح سؤالاً أوسع حول دور السينما نفسها، وهو ما يجعله يظهر داخل العمل بشخصه مخرجاً يصنع فيلماً عن هؤلاء الرجال، قبل أن يتحول السرد إلى نوع من النقد الذاتي، ليعيد النظر في علاقته كونه صانع أفلام بموضوعه، وفي الحدود الأخلاقية والإنسانية لهذه العلاقة.

وأضاف جيمس لـ«الشرق الأوسط»: «من أبرز التحديات التي واجهتني كانت محدودية الإمكانيات الإنتاجية، فلم نمتلك الوقت الكافي لإجراء بروفات تقليدية، وهو ما دفعني إلى العمل بشكل مكثف مع الممثلين قبل التصوير، من خلال بناء علاقة إنسانية قائمة على الفهم والثقة، وهو أسلوب انعكس على الأداء، بمنح الممثلين مساحة للأداء التلقائي القائم على الصدق».

ولفت إلى أن تجربته مع الأشخاص الذين استلهم منهم الحكاية لم تكن مجرد مادة بحثية، بل تحولت إلى علاقة إنسانية معقدة، وكان حريصاً على قضاء وقت طويل معهم قبل التفكير في تحويل قصصهم إلى فيلم، موضحاً أن هذه العلاقة جعلته يعيد التفكير في موقعه كونه مخرجاً، ليس فقط باعتباره راوياً للحكاية، بل بأنه جزء منها، وهو ما انعكس على طبيعة السرد داخل «قضاء الرب»، على حد تعبيره.

وأشار إلى أن الفيلم يحاول أن يضع المشاهد في مواجهة مباشرة مع ذاته؛ لأن التحدي بالنسبة له لم يكن في عرض المعاناة بقدر ما كان في كيفية جعل الجمهور يرى نفسه في هؤلاء الأشخاص، معتبراً أن الفيلم يسعى إلى كسر المسافة بين «المشاهد» و«الموضوع»، بحيث لا يعود من الممكن النظر إلى الشخصيات من موقع التعاطف فقط، بل من موقع المشاركة الإنسانية.

وأكد مايكل جيمس أن استخدامه لأسلوب يمزج بين الروائي والتوثيقي جاء بسبب طبيعة التجربة نفسها حيث تختلط الحقيقة بالخيال في حياة الشخصيات، مشيراً إلى أن «هذا التداخل كان جزءاً من رؤية أوسع للواقع وتحركه الدائم وتغيير ماهيته، حيث يُعاد تشكيله باستمرار من خلال الذاكرة والتجربة».

حاول المخرج تقديم صورة جديدة عن حياة المشردين (الشركة المنتجة)

وأضاف أن اختياره للممثلين قام على بناء علاقة شخصية معهم قبل أي شيء، موضحاً أنه يحرص على معرفة الممثل كونه إنساناً قبل أن يكون مؤدياً، وهو ما ساعد في تطوير الشخصيات بشكل مشترك، «حيث جاءت بعض التفاصيل الدرامية نتيجة نقاشات مباشرة معهم، ما منح العمل عمقاً إضافياً»، وفق قوله.

وأشار إلى أنهم لجأوا إلى حلول مبتكرة خلال التصوير، من بينها استخدام موقع واحد وتحويله إلى عدة فضاءات داخل الفيلم، مثل المنزل المهجور والكنيسة والشارع، وهو ما ساعدهم على تجاوز ضيق الميزانية دون التأثير على الرؤية الفنية، مؤكداً أن هذه القيود دفعتهم إلى التفكير بشكل أكثر إبداعاً في بناء الصورة.

وأوضح أن تجربة التمويل كانت معقدة، لكونهم اعتمدوا في البداية على دعم محلي من جهات رسمية في جنوب أفريقيا، لكنه لم يكن كافياً لاستكمال الفيلم، قبل أن ينضم منتج مشارك ويوفر التمويل اللازم لمرحلة ما بعد الإنتاج، ما أتاح لهم تنفيذ المونتاج وتصميم الصوت والموسيقى بالتعاون مع فريق دولي.

واجه المخرج صعوبات في خروج الفيلم للنور (الشركة المنتجة)

واعتبر المخرج أن التعاون مع مدير التصوير لعب دوراً كبيراً في تنفيذ رؤيته، حيث اعتمدا على تنويع الأسلوب البصري بما يعكس الحالة النفسية للشخصيات، من خلال استخدام عدسات مختلفة وتغيير نسب الصورة، لا سيما في المشاهد التي تعكس حالات الاضطراب أو التعاطي، ما أضفى بعداً بصرياً متماسكاً مع البناء الدرامي.

وشدد المخرج الجنوب أفريقي على أن فيلمه ليس مجرد عمل عن التشرد، بل محاولة لطرح أسئلة أوسع حول العدالة والإنسانية، معرباً عن أمله في أن يواصل العمل رحلته في المهرجانات الدولية، وأن ينجح في إثارة نقاش حقيقي حول هؤلاء الذين يعيشون على هامش العالم، دون أن يفقدوا إنسانيتهم.


إيرادات السينما في مصر تعيد صياغة فكرة «نجم الشباك»

فيلم «برشامة» تصدّر الإيرادات في موسم العيد (الشركة المنتجة)
فيلم «برشامة» تصدّر الإيرادات في موسم العيد (الشركة المنتجة)
TT

إيرادات السينما في مصر تعيد صياغة فكرة «نجم الشباك»

فيلم «برشامة» تصدّر الإيرادات في موسم العيد (الشركة المنتجة)
فيلم «برشامة» تصدّر الإيرادات في موسم العيد (الشركة المنتجة)

أعادت «إيرادات السينما» خلال موسم عيد الفطر المبارك في مصر صياغة فكرة «نجم الشباك»، بعد تصدّر أفلام «البطولة الجماعية» قائمة إيرادات «شباك التذاكر»، في حين تراجعت فكرة «الممثل الأوحد» التي اعتمدتها السينما المصرية لسنوات طويلة.

المنافسة التي بدأت بالتزامن مع طرح أفلام موسم «عيد الفطر» في السينمات، نتج عنها تصدّر فيلم «برشامة» قائمة «شباك التذاكر»، بإجمالي إيرادات تعدت 135 مليون جنيه (الدولار يساوي نحو 54 جنيهاً مصرياً)، وحقق فيلم «إيجي بست» أكثر من 38 مليون جنيه، في حين حصل فيلم «فاميلي بيزنس» على أكثر من 15 مليون جنيه، وبلغت إيرادات فيلم «اعترافات سفاح التجمع» 10 ملايين، وذلك منذ بداية عرضها، وحتى الأحد 5 أبريل (نيسان)، حسب بيان الموزع السينمائي المصري محمود الدفراوي.

فيلم «برشامة» بطولة هشام ماجد، وريهام عبد الغفور، ومصطفى غريب، وباسم سمرة، وحاتم صلاح، وإخراج خالد دياب، وتدور أحداثه في إطار كوميدي حول الغش في لجنة امتحانات لعدد من طلاب الثانوية العامة منازل.

وتدور أحداث فيلم «إيجي بست» حول المنصة الشهيرة التي حملت الاسم نفسه وحُجبت قبل سنوات، بعدما تحدت حقوق الملكية الفكرية، وقوانين صناعة السينما، وفق صنّاعه. الفيلم من تأليف أحمد حسني، وإخراج مروان عبد المنعم، وبطولة أحمد مالك، وسلمى أبو ضيف، ومغني الراب المصري مروان بابلو في أولى تجاربه بعالم التمثيل.

وعن رأيها في تصدّر «البطولات الجماعية» شباك التذاكر بمصر، وهل باتت تروق للجمهور أكثر من فكرة «نجم الشباك»، أكدت الكاتبة والناقدة المصرية صفاء الليثي، أن «تصدّر نجم أو أكثر هو اختيار المنتج والموزع»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد (النجم الأوحد) الذي بإمكان المنتج البيع باسمه موجوداً بالمعنى المتعارف عليه مثلما كان يحدث مع نجوم مثل عادل إمام، ونادية الجندي، ونور الشريف، وغيرهم، فقد تغيرت الفكرة تدريجياً منذ سنوات».

فيلم «إيجي بست» حقق إيرادات عالية في عيد الفطر (الشركة المنتجة)

وتستكمل صفاء: «أصبحت الموضوعات المطروحة سينمائياً في فكرتها وإخراجها وجميع عناصرها تتجه أكثر إلى البطولة الجماعية، ولم يعد النجم باستطاعته الانفراد بالعمل كله»، مؤكدة أن ما يحدث في صالح العمل، لأن الكتابة لنجم بعينه تؤدي إلى ضعف في بعض الخطوط الأخرى، بعكس إتاحة مساحة مناسبة للأبطال جميعاً حسب أدوارهم فإنها تقوي العمل وتجعل فيه خطوطاً عريضة جاذبة للجمهور.

ويأتي في المرتبة الثالثة ضمن قائمة «شباك التذاكر»، وبعد إيقاف عرضه وخوضه معركة مع جهات رقابية في مصر، فيلم «اعترافات سفاح التجمع»، والمستوحى من أحداث حقيقية، من خلال شخصية تُدعى كريم، والمعروف إعلامياً بـ«سفاح التجمع». العمل بطولة أحمد الفيشاوي، وتأليف وإخراج محمد صلاح العزب.

وحصل فيلم «فاميلي بيزنس» لمحمد سعد على المرتبة الأخيرة في قائمة «شباك التذاكر» وفقاً للإيرادات اليومية، وهو من تأليف إحدى ورشات الكتابة، وإخراج وائل إحسان، وتدور أحداثه في إطار كوميدي حول أسرة تعيش على السرقة، لكن عندما تقترب من السجن تغيّر مسارها لسرقة من نوع آخر.

من جانبه، أكد الكاتب والناقد الفني المصري محمد عبد الخالق، أن فكرة «نجم الشباك»، التي يمكن الرهان عليها في تحمل فيلم بالكامل وتحقيق إيرادات، لم تعد موجودة مثل السابق، على الرغم من وجود الكثير من الفنانين الناجحين.

وأضاف عبد الخالق لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الظاهرة بدأت مع موجة ما عُرف بـ(الأفلام الشبابية)، مثل فيلم (إسماعيلية رايح جاي)، و(صعيدي في الجامعة الأميركية)، ومن الواضح أن المنتجين والجمهور أيضاً جذبهم هذا النوع من البطولات الجماعية التي توفر للفيلم صفات عديدة في الجمع بين الكوميديا والرومانسية والأكشن».

ونوه الناقد الفني إلى أن «البطولة الجماعية» تجمع مميزات كل نجم وجماهيريته في فيلم واحد، موضحاً: «لو نظرنا في قائمة الأفلام السينمائية التي كسرت حاجز 100 مليون جنيه إيرادات، فسنجدها جميعاً بطولات جماعية، مثل أفلام (برشامة)، و(ولاد رزق 3)، و(كيرة والجن)، و(بيت الروبي)، و(الفيل الأزرق 2)، و(الحريفة)، و(سيكو سيكو)، لكن على الرغم من هذا فإن الفيلم الجيد قادر على أن يفرض نفسه بأي شكل».

Your Premium trial has ended