إيطاليا ثمرة ناضجة تُهرس في خلاطة الفواكه

الثنائي الشعبوي المتنافر دي مايو وسالفيني يحكمان الوضع الجديد من خلف الستار

إيطاليا ثمرة ناضجة تُهرس في خلاطة الفواكه
TT

إيطاليا ثمرة ناضجة تُهرس في خلاطة الفواكه

إيطاليا ثمرة ناضجة تُهرس في خلاطة الفواكه

إيطاليا في أزمة عميقة رغم تأليف الحكومة الجديدة برئاسة البروفسور المحامي جيوسيبي كونته (54 سنة) بعد ثلاثة أشهر من الانتظار والخلاف والمماحكة والبهلوانيات والشقلبة وانقلاب عقبيها فوق رأسها.
وهذا، رغم تنفس الشعب الإيطالي الصعداء إثر تشكيل الوزارة الجديدة المؤلفة من 18 وزيرا معظمهم من «هواة» السياسة والوافدين الجدد إلى مسرحية الحكم على الطريقة الإيطالية المرحة، بعدما أعرب الناس عن مللهم وغضبهم من النزاع على المناصب مثلما كانت تفعل الأحزاب التقليدية، ولكن الحكام، في أي حال، يسمون الوضع الجديد «الجمهورية الثالثة»!
لاحظت الجماهير أن إيطاليا أصبحت حديث العالم منذ أن وصفت صحيفة «الفايننشال تايمز» البريطانية الوضع بـ«أن البرابرة اقتحموا أسوار روما» مثلما سمعنا في التاريخ عقب انهيار الإمبراطورية الرومانية. ووضعت مؤسسات الاتحاد الأوروبي يدها على قلبها حين سمعت أن وزير الاقتصاد والمالية المقترح البروفسور باولو سافونا (81 سنة) أبدى حنينه للعودة إلى الليرة الإيطالية القديمة والخروج من عملة اليورو، لأنه يعاير أن «ألمانيا سجنت إيطاليا في قفص».
حينذاك بدأ مقياس «سبريد» - أو مؤشر المجازفة بالقياس إلى الثابت المالي الألماني - في الارتفاع، أو بعبارة أخرى الفرق في العائدات المالية بين السندات الحكومية في ألمانيا وإيطاليا، الذي يجعل إيطاليا أكثر خطورة على المستثمرين. هذا يعني إعادة تصنيف الاقتصاد الإيطالي بدرجة أدنى نتيجة زيادة المخاطر في الاستثمار فيها، ما أثار الرعب لدى البنوك إزاء قدرة إيطاليا بالوفاء بديونها المتراكمة. والسبب أن الفائدة على الديون ستزيد بنسبة زيادة «سبريد» الذي تخطى 300 نقطة ثم انخفض إلى 235 نقطة بعد تأليف الحكومة وكان نصف ذلك قبل الانتخابات نتيجة التحسن البطيء للاقتصاد الإيطالي هذا العام.
- أزمة بسبب سافونا
في ظل هذا الوضع، وضع رئيس الجمهورية سيرجيو ماتاريلا (76 سنة) قدمه على مكبح السيارة، وبذل قصارى جهده لإقصاء سافونا عن هذا المنصب الحساس الذي قد يهدد البلاد بإعلان الإفلاس، فاعتذر كونته عن تشكيل الحكومة ومضى عائدا إلى جامعته في فلورنسا بالقطار السريع.
بعد ذلك، استدعى ماتاريلا خبيراً سابقاً في صندوق النقد الدولي هو كارلو كوتاريللي. كوتاريللي جاء من مدينة ميلانو والتحق بالقصر الجمهوري على عجل، ومعه حقيبة السفر لتشكيل الحكومة باعتبار رئيس الجمهورية الحارس الأمين على مبادئ الدستور، ولأن قضية الخروج من اليورو لم تبحث أثناء الحملة الانتخابية. غير أن هذا التطور أثار حنق لويجي دي مايو، زعيم رابطة «خمس نجوم» التي فازت بثلث أصوات الناخبين في 4 مارس (آذار) المنصرم، فطلب في ثورة غضبه عزل رئيس الجمهورية من منصبه.
استمرت هذه الفوضى والمسرحية الهزلية أربعة أيام، أعلن بعدها دي مايو وماتيو سالفيني زعيم حركة «الرابطة» (التي كان اسمها «رابطة الشمال» سابقا لأنها كانت تسعى للانفصال عن بقية إيطاليا) أنهما اتفقا على تبديل سافونا وإعطاء حقيبة وزارة الاقتصاد والمالية للبروفسور جيوفاني تريا (69 سنة) الذي لا يريد الخروج من منطقة اليورو، ومن ثم، إرضاء سافونا بمنصب وزير دون وزارة للشؤون الأوروبية!
وفجأة انتهت «المسرحية»... إذ رجع كوتاريللي إلى القصر الجمهوري ثم اختفى عائداً إلى منصبه السابق في ميلانو، بينما عاد كونته فورا بسيارة تاكسي إلى القصر الجمهوري، وخرج بعد بضع ساعات ليعلن التشكيل النهائي للحكومة. لقد سلم رئيس الوزراء المستقيل باولو جنتيلوني جرس الحكومة الصغير، الذي يضبط فيه رئيس الوزراء مناقشات المجلس بشكل رمزي طبعاً، وجلس كونته بجانب رئيس الجمهورية ماتاريلا إبان العرض العسكري في وسط روما احتفالا بالعيد الوطني يوم 2 يونيو (حزيران) وكأن شيئا لم يكن، وحافظ الجميع على المراسم بأكملها، لكن كان واضحاً أن اليوم التالي ليس يوماً طبيعياً عاديا في حياة إيطاليا.
- السلطة لدي مايو سالفيني
يلحظ أي مراقب محايد منصف أن سلطة الحكم الفعلي ستكون بيد دي مايو وسالفيني، فهما مَن اختار رئيس الوزراء كونته وليس العكس. ذلك أن كونته مقرب من حركة «خمس نجوم»، التي أسسها الممثل الفكاهي الشهير بيبي غريللو قبل 9 سنوات، والتي تكره الطبقة الحاكمة وتفضل ديمقراطية الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي بعد رمي الساسة القدامى العجائز الذين «نهبوا الأخضر واليابس وأصبحوا مثل الآثار الرومانية التاريخية» إلى سلة المهملات. وهذا ما ينطبق، في رأس الحركة، على سيلفيو برلوسكوني رئيس الوزراء الأسبق والحليف السابق لسالفيني الذي ما زال يأمل في العودة إلى الواجهة السياسية، وأجنحة الحزب الديمقراطي اليساري المتناحرة والمتشرذمة باستمرار.
لقد تسلّم كل من دي مايو وسالفيني منصب نائب رئيس الوزراء وسيبقيان الحاكمين الفعليين في المستقبل القريب. وما يهم دي مايو (31 سنة)، الذي لم يكمل دراسته الجامعية والمكلف بوزارة العمل ووزارة التنمية الاقتصادية، هو خلق فرص العمل والتقليل من البطالة التي تصل إلى 11 في المائة حسب الإحصائيات الرسمية، وتأمين راتب المواطنة لمن لا عمل لديهم أو ذوي الدخل المحدود ومنحهم 780 يورو (أو 905 دولارات) شهريا. هذا الوعد جلب الكثير من الأصوات في الانتخابات لحركة «خمس نجوم» حتى أن بعض المواطنين في جنوب إيطاليا كانوا يبحثون عن الاستمارة التي يتوجب إملاؤها للحصول على هذا الراتب.
أما سالفيني (45 سنة)، الذي كان يؤيد الحزب الشيوعي الإيطالي في شبابه ثم انحاز إلى أقصى اليمين في السنوات الأخيرة، فهمه الأول كوزير للداخلية هو طرد المهاجرين غير الشرعيين من إيطاليا، ومنع تدفق سفن إنقاذ اللاجئين في البحر الأبيض المتوسط. وهو بالفعل، طالبهم منذ اليوم الأول بحزم حقائبهم والعودة إلى بلدانهم، ثم مفاوضة الدول الأوروبية الأخرى لتخفيض قبول عدد اللاجئين إلى إيطاليا هذا العام واتباع سياسة صارمة إزاءهم، والبحث مع دول شمال أفريقيا منع المهاجرين من ركوب السفن المتجهة إلى إيطاليا. وللعلم، يتهم البعض سالفيني بأنه يفضل غرق المهاجرين في البحر على وصولهم إلى جزيرة صقلية، كما حصل منذ أيام حين غرق 48 من التونسيين في البحر، إذ أنه لا يعتبرهم لاجئين فارين من الحروب والاضطهاد... بحجة أن تونس تعيش بسلام، وأن دوافعهم هي تحسين وضعهم الاقتصادي على حساب العاطلين الإيطاليين. كما أنه اتهم تونس بإرسال المحكومين بالسجن إلى إيطاليا... وهو ما أثار سخط السلطات التونسية ودهشتها.
بطبيعة الحال، في طليعة المعجبين بسالفيني في أوروبا قادة اليمين المتطرف من أمثال مارين لو بين، زعيمة الجبهة الوطنية في فرنسا، وفيكتور أوربان رئيس الوزراء المجري، وفي أميركا ستيف بانون المستشار العقائدي والاستراتيجي السابق للرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي وصل إلى إيطاليا بعد الانتخابات ليبشر بـ«ثورة ترمب» ويهنئ سالفيني ودي مايو كنموذج يحتذى في أوروبا والولايات المتحدة. بل، ودعا بانون إلى تعاون الحركات الشعبوية من اليمين واليسار مثل «الرابطة» و«خمس نجوم» للإطاحة بالطبقة الحاكمة في بلدانها بحجة أنها «سببت» الأزمة الاقتصادية العالمية قبل عشر سنوات، وهي الأزمة التي ما زالت إيطاليا تعاني من نتائجها ومن الركود الاقتصادي المستمر.
- برلوسكوني: غير متجانسين
سيلفيو برلوسكوني يرى أن الحكومة الجديدة «تحمل آراء متضاربة غير متجانسة لمسؤولين قليلي الخبرة سيضطرون إلى الارتجال والتعلم أثناء ممارسة العمل»، على رأسهم رئيس الوزراء كونته الذي لم يسبق له أن شغل منصبا رسميا من قبل، إلا أنه - رغم ذلك - ويلقب نفسه «محامي الشعب» (مثل روبيسبير إبان الثورة الفرنسية).
أما الحزب الديمقراطي اليساري، برئاسة موريتزيو مارتينا، فقد أعلن معارضته القوية للحكومة الشعبوية الراديكالية وأكد تمسكه بـ«الاتحاد الأوروبي» وعملة اليورو وتأييده المطلق لرئيس الجمهورية. ومن ثم، ستتألف المعارضة من حزب برلوسكوني اليميني المسمى «فورتسا إيطاليا» (إلى الأمام يا إيطاليا)، والحزب الديمقراطي وخاصة زعيمه السابق ماتيو رينزي الذي حاول إصلاح النظام لكنه مني بالفشل. وفي ظل الأمر الواقع، تجد الطبقة الحاكمة القديمة نفسه الوضع الجديد الذي لا يعرف أحد كيف سيتطور، أو كيف سينفذ وعوده الانتخابية المكلفة رغم فقر إيطاليا للموارد،... ومَن سيطعن مَن في الظهر للاستئثار بالسلطة بعد أشهر. وهنا، لا ننسى ما قاله غريللو، مؤسس الـ«خمس نجوم» خلال العام الماضي عن سالفيني «إنه خائن سياسي وأفعاله أقبح من برلوسكوني ورينزي معاً». وأيضاً ما قاله دي مايو أيضا «أنا من نابولي... من الجنوب، وسالفيني من الشمال الذي كان يأمل أن تمحو حمم بركان فيزوف مدينة نابولي. إن التحالف معه مستحيل لأنه يبحث فقط عن المناصب وكرسي الحكم». وهكذا، فحركات وتصرفات الحكام الحديثي النعمة تنبئ عن ارتباكهم وصعوبة تصديقهم أنهم تولوا الحكم، حتى رغم فوز الحكومة بالثقة في البرلمان، ثم سفر رئيسها إلى كندا لحضور «قمة الدول الصناعية السبع» (السبعة الكبار) في كندا قبل أن يتمكن من دراسة عميقة للملف بأكمله.
- تحدّيات المستقبل
نعم، تعيش إيطاليا هذه الأيام تحولاً تاريخياً يحمل عدة تحديات قد يؤثر على مستقبل أوروبا بأكملها... وقد ينتهي بفشل سريع.
يكمن التحدي الأول في تحسين الوضع الاقتصادي المأزوم، ومن يتمشّى في شوارع روما هذه الأيام سيرتاع لمدى الإهمال الكبير في صيانة هذه العاصمة الجميلة المليئة بالسائحين. فالحفر في كل مكان، من الأرصفة إلى الشوارع المعبدة، ويسخر بعض الأهالي من عمدة المدينة فيرجينيا راجي (من الـ«خمس نجوم») قائلين «إذا لم تجد المال الكافي لتنظيف الحدائق العامة من الأعشاب الضارة فنقترح عليها جلب الخرفان للرعي فيها مجاناً!
هل ستبقى إيطاليا مرتبطة باليورو وتحاول تحسين علاقاتها المتوترة مع ألمانيا وفرنسا؟ أم ستستمر في الانتقاد الذي يمهد لأزمة مالية عالمية، خاصة إذا تطوّر الوضع إلى إجراء انتخابات نيابية جديدة قبل نهاية العام الحالي مع احتمال فوز حزب «الرابطة» بمزيد من المقاعد النيابية - كما توحي الاستطلاعات الراهنة - لأن سالفيني يعبر بقوة عن فكرة التمرّد والزعامة القوية والنزعة العنصرية المكبوتة منذ أيام زوال موسوليني والحكم الفاشي؟ ولقد رد سالفيني بعنف على انتقادات الاتحاد الأوروبي التي تقول أنه يتوجب على الإيطاليين أن يفكروا بالأرقام لا بالكلمات لتأمين مستقبلهم وعليهم العمل بجهد أكبر وبفساد أقل، فتساءل: هل تقرر الأسواق المالية مستقبل البلاد أم صناديق الاقتراع؟ وماذا تبقى إذاً من الديمقراطية الليبرالية إذا قرر الأغنياء لوحدهم مصيرنا؟
ومن ثم، يعتقد الخبراء أن إيطاليا ستحاول في نهاية المطاف الحصول على تسوية ما لأنها تدرك أنها جزء لا يتجزأ من أوروبا وأن المغامرة في المجهول ستكون مكلفة وربما كارثية. ذلك أن العودة إلى الليرة وتخفيض قيمة العملة باستمرار الذي ساعد في الماضي الفئات الصغيرة ومتوسطي الحال من المنتجين لن يتحقق مجدداً في العصر الحديث لأن التهرب من دفع الضرائب سيكون أكثر صعوبة في التقنيات الحديثة، وكذلك قوانين العمل والتشغيل البائدة والفساد المفضوح والإيحاء بأن الإصلاح يأتي بضغط خارجي. ويتكهن الكثير من المراقبين بأن الإيطاليين سيصوتون بالبقاء في منطقة اليورو إذا قامت الحكومة بإجراء استفتاء عام رغم تضرر الكثر من الالتحاق بالعملة الموحدة.
التحدي الثاني هو في كيفية معالجة مشكلة اللاجئين. لقد بدأ سالفيني عمله كوزير للداخلية فور أدائه اليمين، واستدعى إلى مكتبه في الليل قائد الشرطة وكبار المسؤولين في الوزارة. ثم سافر يوم العطلة الأسبوعية إلى جزيرة صقلية ليراقب بنفسه ما يجري هناك يومياً من تهريب للمهاجرين غير الشرعيين، وغالبيتهم من أفريقيا جاؤوا عبر الموانئ التونسية والليبية من قبل عصابات منظمة. والحق أن فرص العمل ضئيلة في إيطاليا لكنها مجبرة على قبول اللاجئين لأنها المكان الأول لنزولهم من السفن حسب قوانين الاتحاد الأوروبي وضغوط الكنيسة الكاثوليكية لدواع إنسانية.
أما التحدي الثالث، فهو في كيفية تمويل الوعود الانتخابية بينما تفتقر الخزينة إلى الأموال الكافية لتنفيذ الالتزامات الراهنة. خاصة إذا جرت الموافقة على الضريبة الثابتة للدخل بنسبة 15 في المائة لعموم الشعب و25 في المائة للأغنياء. ويكرّر مارتينا، من الحزب الديمقراطي المعارض، أن وعود حكام «الجمهورية الثالثة» ليست سوى كلام معسول لا يمكن الوفاء به. من سيموّل البرنامج الطموح للحكم الجديد؟ وهل ستكون ألمانيا والاتحاد الأوروبي «البقرة الحلوب» لإنجاح التجربة الإيطالية في حين تطبق على نفسها التقشف والميزانية الرشيدة، مع العلم، أن المستشارة الألمانية آنجيلا ميركل لا تريد أن تصبح أوروبا اتحادا للمديونين؟ ولماذا تتسم مواقف الحكومة الشعبوية الإيطالية بالغموض في المسائل المالية... فهي تنوي تخفيض الضرائب وتخفيض سن التقاعد ما يزيد من الأعباء على الخزينة... فهل سيموّل الشمال الغني في إيطاليا جنوب البلاد الموبوء بالمافيا والفقر؟ للعلم، تقدّر كلفة تنفيذ الوعود مبلغاً ضخماً يزيد على 65 مليار يورو (أو 76 مليار دولار) وربما على ضعفي ذلك المبلغ، ولا يبدو في الأفق القريب مَن يدري كيف سيجري تمويل هذه الأحلام. إذ أن الأنفاق العام المتصاعد محفوف بالمخاطر وما جرى في الأزمة المالية مع اليونان قبل سنوات أفضل مثال. ولعل حل أزمة البقاء لشركة اليطاليا للطيران أمر مستعجل وسيعطي مؤشرا عن طريقة عمل واختيارات الحكومة الجديدة.
أخيراً، التحدي الرابع، هو اتجاه السياسة الخارجية الإيطالية. وزير الخارجية الجديد إنزو موافيرو ميلانيزي (63 سنة) قانوني مستقل مخضرم، عمل سابقاً في الاتحاد الأوروبي، ثم تبوأ منصب وزير للشؤون الأوروبية قبل سبع سنوات في حكومة التقشف - آنذاك - ولا يمكنه استبعاد تأثر سالفيني باعتباره نائبا لرئيس الوزراء وهو من المطالبين دوماً برفع العقوبات الاقتصادية عن روسيا. وكان الملياردير المجري جورج سوروس، المعروف باستثماراته الدولية الضخمة، قد أبدى خلال زيارته الحالية لإيطاليا قلقاً شديداً على مستقبل البلاد نظرا للعلاقات الوطيدة بين بوتين وسالفيني، من منطلق أن روسيا لا تبغي تدمير أوروبا بل استغلالها لأن روسيا تملك المواد الخام الأولية بينما تختص أوروبا بالصناعة المتطورة. ولا يختلف دي مايو كثيرا عن مواقف سالفيني تجاه العلاقات مع روسيا بل يفضل إعادة العلاقات مع النظام الحالي في سوريا والابتعاد عن سياسة الاتحاد الأوروبي الذي يتهمه بأنه «خرّب الاقتصاد الإيطالي بسياسة الصرامة والتزمت». ومن جهة أخرى، أعلن كل من نائبي رئيس الوزراء في العقد الذي يجمعهما لتشكيل الحكومة الحالية عن السياسة الودية التقليدية تجاه الولايات المتحدة والرئيس دونالد ترمب والولاء لحلف الأطلسي (الناتو).
- الإيطاليون على مفترق طرق
> إيطاليا الآن على مفترق طرق. فالنظام الحاكم اليوم يقف ضد الطبقة الحاكمة القديمة وسياساتها المعروفة ومؤسساتها التقليدية، إلا أنه يحتاج إلى طرق عصرية غير مألوفة للنجاح. ولا أحد يعرف كيف ستخرج إيطاليا من عصارة الفواكه بعد هرس الثمرة الناضجة وأي طعم ستكون عليه. الانتخابات التي أجريت قبل 3 أشهر كانت انفجاراً غاضباً على الطرق السائدة والفساد وسوء الإدارة، وضرباً بالعصي على الحزب الديمقراطي الذي أخفق في تبديل المؤسسات وتعديل الدستور، وتوبيخاً قاسيا لبرلوسكوني على مسلكه واستهتاره وتفضيله لطبقة الأغنياء ومصالحه الخاصة.
الرسالة كانت: كفى... نريد تحطيم القديم، ولكن المشكلة تبقى في العاقبة والنتائج. والأهم هو إيجاد الحلول الاقتصادية الواقعية، وهذا أمر لا تضمنه الكلمات والوعود والقرارات الحكومية. إن إيجاد فرص العمل ليست سهلة في عالم يتطور بسرعة في تنافس مستمر وبتقنيات عالية في الذكاء الاصطناعي والإنسان الآلي.
يمتاز الإيطاليون بالذكاء والقدرة على إيجاد الحلول غير المتوقعة، لكن التحديات كبيرة هذه المرة ومن الصعب التكهن بالمستقبل إذا لم يكن الحل مناسباً لحجم إيطاليا.


مقالات ذات صلة

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

حصاد الأسبوع ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

فتح تنامي الدور الأميركي في جنوب لبنان، بالتوازي مع الترتيبات التي أعقبت الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، نقاشاً سياسياً وقانونياً حول الجهة التي تتولى إدارة هذا الملف في المرحلة المقبلة. وبينما تتمسك قراءات قانونية بأن الأمم المتحدة لا تزال المرجعية التي تستند إليها قرارات مجلس الأمن واتفاقية الهدنة، يرى آخرون أن واشنطن تحوّلت عملياً إلى المرجعية الفعلية بعد انتقالها من موقع الوسيط إلى موقع المشرف على آليات التنفيذ والضمان.

صبحي أمهز (بيروت)
حصاد الأسبوع كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري، 51 عاماً، ستصبح الرئيسة التاسعة للبيرو في أقل من عشر سنوات، وستتولى مهامها يوم الاحتفال بالعيد الوطني، في 28 يوليو (تموز) الحالي. ويأتي توليها الحكم بعدما أعلنت الهيئة الانتخابية النتائج الرسمية النهائية للجولة الثانية من الاقتراع والتي أجريت في السابع يونيو (حزيران) الفائت بين فوجيموري والمرشح اليساري روبرتو سانشيز. وحصلت فوجيموري على 50.135 في المائة من أصوات الناخبين في جولة الإعادة، مقابل 49.865 في المائة لسانشيز، وهو فارق يقل عن 50 ألف صوت، وفق الأرقام التي صدّقت عليها المحكمة الانتخابية في البيرو.

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)

فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

لا شيء يحصل في الخفاء عند عائلة فوجيموري؛ فقد تعوّد أهل البيرو على حروب هذه الأسرة، لا بل يبدو أحياناً أنهم يتابعون فصولها بما يشبه الشغف بالأفلام السينمائية.

حصاد الأسبوع آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (أ.ب)

لبنان يدخل مرحلة «إدارة الصراع» بدل إنهائه

تثير المفاوضات الجارية حول تثبيت وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، وما يرافقها من نقاشات بشأن مستقبل الجنوب ودور الجيش اللبناني والضمانات الدولية،

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية

صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية

حلّق صدام خليفة حفتر على مستويات مرتفعة، قبل أن يهبط، في أول قفزة مظلية استعراضية، بدت في أعين العديد من الليبيين بمثابة باب يدلف منه إلى ما هو آتٍ.

جمال جوهر (القاهرة)

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
TT

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)

فتح تنامي الدور الأميركي في جنوب لبنان، بالتوازي مع الترتيبات التي أعقبت الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، نقاشاً سياسياً وقانونياً حول الجهة التي تتولى إدارة هذا الملف في المرحلة المقبلة. وبينما تتمسك قراءات قانونية بأن الأمم المتحدة لا تزال المرجعية التي تستند إليها قرارات مجلس الأمن واتفاقية الهدنة، يرى آخرون أن واشنطن تحوّلت عملياً إلى المرجعية الفعلية بعد انتقالها من موقع الوسيط إلى موقع المشرف على آليات التنفيذ والضمان.

يكتسب هذا الجدل أهمية خاصة مع استمرار البحث في تطوير «الميكانيزم» الذي أُنشئ بعد حرب عام 2024، والحديث عن صيغ جديدة لتعزيز الحضور الدولي في الجنوب، سواء عبر توسيع الدور الأميركي أو إدخال شركاء دوليين إضافيين لدعم تنفيذ التفاهمات الأمنية ومواكبة انتشار الجيش اللبناني. ويعيد ذلك إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز الترتيبات الأمنية إلى طبيعة المرجعية التي تدير الجنوب اللبناني، وما إذا كانت التطورات الأخيرة تمثل تحولاً في الأساس القانوني الذي يحكم النزاع، أم أنها تقتصر على تطوير أدوات تنفيذ القرارات الدولية.

وتعود المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي إلى اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949، التي أرست الإطار القانوني للعلاقة بين الطرفين، قبل أن يتعزز الدور الأممي مع صدور القرار 425 عام 1978 الذي أنشأ قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، ثم القرار 1701 بعد حرب يوليو (تموز) 2006، الذي رسّخ دور الأمم المتحدة في مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وإنشاء لجنة ثلاثية لمعالجة الخروقات. إلا أن محدودية تنفيذ هذه القرارات خلال السنوات الماضية، واستمرار الانتهاكات الإسرائيلية، دفعا إلى استحداث آليات تنفيذية جديدة، كان أبرزها «الميكانيزم»، لتسهيل تطبيق التفاهمات الأمنية، وهو ما أعاد طرح السؤال حول ما إذا كانت المرجعية الدولية بقيت على حالها أم أن إدارة الملف انتقلت عملياً إلى الولايات المتحدة.

المرجعية القانونية لا تزال أممية

في هذا السياق، يرفض الوزير السابق رشيد درباس اعتبار أن تنامي الدور الأميركي يعني انتقال المرجعية القانونية والسياسية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة، مؤكداً أن ما تغير هو أدوات التنفيذ، فيما بقي الأساس القانوني الذي يحكم النزاع على حاله.

وقال درباس لـ«الشرق الأوسط»: «من حيث المبدأ، المرجعية لا تزال واضحة، وهي قرارات مجلس الأمن الدولي. وإذا اضطلعت الولايات المتحدة بدور، سواء عبر آلية المراقبة (الميكانيزم) أو أي إطار آخر، فإن هذا الدور يستند إلى هذه المرجعية الدولية، لأن لبنان لا يملك مرجعية أخرى يستند إليها سوى القرارات الصادرة عن مجلس الأمن».

وأوضح أن وجود الأمم المتحدة لم يتغير من الناحية القانونية، مضيفاً: «قد يكون دور قوات الأمم المتحدة خلال المراحل السابقة محدود التأثير، لكن هذا لا يعني أن الأمم المتحدة خرجت من المشهد. فالمرجعية القانونية والسياسية لا تزال قائمة، وأي خلاف بين لبنان وإسرائيل حول تنفيذ الاتفاقات يبقى مرجعه قرارات الأمم المتحدة، بغض النظر عن الجهة التي تتولى التنفيذ أو المساعدة في تطبيقها».

ورأى أن الحديث عن إمكان مشاركة قوات من دول حلف شمال الأطلسي أو دول أوروبية يجب أن يُفهم في إطار تعزيز قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ مهامه، وليس بوصفه بديلاً عن المرجعية الدولية، قائلاً: «إذا جاءت قوى إضافية لمساندة الجيش اللبناني، فإن ذلك يهدف إلى ضبط الوضع بصورة أفضل، لكنه لا يغيّر المرجعية التي تبقى أممية».

الدور الأميركي... تنفيذ وضغط لا استبدال

ويربط درباس اتساع الحضور الأميركي في الجنوب بالسياق الإقليمي الأوسع، معتبراً أن واشنطن تتولى اليوم أدواراً متشابكة في ملفات المنطقة، ما يجعل انخراطها في الملف اللبناني جزءاً من مقاربة أشمل لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي.

وقال: «الولايات المتحدة منخرطة اليوم في ملفات المنطقة كلها، من غزة إلى إيران وصولاً إلى لبنان، وهي تعمل ضمن رؤية لإعادة رسم المشهد الإقليمي. لذلك من الطبيعي أن يكون لها حضور أكبر في الملف اللبناني أيضاً».

وأضاف: «النفوذ الأميركي في لبنان ليس جديداً، بل هو نفوذ متجذر منذ عقود، إلا أن ما نشهده اليوم يتميز بحضور أكثر وضوحاً، وبعلاقة مباشرة وصريحة مع الدولة اللبنانية».

واعتبر أن هذا النفوذ قد يصب في مصلحة لبنان، موضحاً: «قد يكون من مصلحة اللبنانيين أن يكون للولايات المتحدة هذا الدور، لأنها الجهة الوحيدة القادرة، إذا أرادت، على ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل وكبح اندفاعها».

وربط مستقبل الوضع في الجنوب بعاملين أساسيين، هما «مدى جدية الولايات المتحدة في وضع حد للتجاوزات الإسرائيلية، ومدى قدرة الجيش اللبناني على تثبيت سيطرته الكاملة على المناطق التي ينتشر فيها ومنع أي خروق أو تسلل، بما يسقط أي ذرائع قد تستخدمها إسرائيل للاستمرار في عملياتها».

وأكد أن أي حضور أميركي مباشر يمكن أن يشكل ضمانة إضافية لتنفيذ التفاهمات، قائلاً: «وجود الولايات المتحدة يمنح لبنان جهة تستطيع أن تسأل إسرائيل: ماذا تفعلون؟ وما الذي تسمحون به أو تمنعونه؟ وهذا بحد ذاته عنصر ضغط».

بين المرجعية القانونية وآليات التنفيذ

ويجد هذا الطرح ما يدعمه لدى متخصصين في القانون الدولي، الذين يميزون بين المرجعية القانونية التي تحكم النزاع، والآليات التنفيذية التي تُستحدث لتسهيل تطبيقها. وبحسب هذه المقاربة، فإن اتساع الدور الأميركي لا يعني نسخ المرجعية الأممية، بل يعكس محاولة لتفعيل تنفيذ قرارات بقيت لعقود تصطدم بالاعتبارات السياسية والميدانية، سواء نتيجة ضعف الدولة اللبنانية أو استمرار الخروقات الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، يقدم أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس الدكتور محيي الدين الشحيمي قراءة قانونية تنطلق من اتفاقية الهدنة وقرارات مجلس الأمن، وتخلص إلى أن المرجعية الدولية ما زالت قائمة، وأن ما تغير هو أدوات التنفيذ والضمان، لا الإطار القانوني الذي يحكم النزاع.

وقال الشحيمي لـ«الشرق الأوسط»: إن «المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي تبدأ باتفاقية الهدنة لعام 1949، مروراً بسلسلة القرارات الدولية التي صدرت تباعاً مع تطور طبيعة النزاع والاعتداءات الإسرائيلية، وصولاً إلى القرار 1701 وما أعقبه من تعزيز دور قوات (اليونيفيل)، فضلاً عن القرارات المرتبطة باستعادة لبنان سيادته الكاملة على أراضيه. وهذه المنظومة القانونية والدولية لا تزال هي المرجع الصالح والأساس الذي يحكم الوضع في الجنوب».

وأوضح أن «الوساطة الأميركية والمفاوضات الجارية اليوم ليست بديلاً عن هذه المرجعية، بل هي جزء من الآليات التنفيذية التي تساعد على استكمال أهداف القرارات الدولية والوصول إلى مرحلة الاستقرار التي نصّت عليها تلك القرارات»، مضيفاً أن «ما يجري اليوم هو (ميكانيزم) مستقل وجزئي لإدارة الأزمة اللبنانية، لكنه لا يبتلع القضية بكاملها ولا يلغي الإطار الأممي الذي يحكمها».

وأشار إلى أن «الورقة الحالية ليست اتفاقية دولية ولا معاهدة، بل هي أقرب إلى وثيقة نيات أو إطار لربط النزاع واستكمال مراحل الحل، وبالتالي فهي أدنى مرتبة من الاتفاقيات الدولية ولا ترتقي إلى مستوى المعاهدات الملزمة».

ورأى الشحيمي أن «لبنان لم يتمكن خلال العقود الماضية من تنفيذ أي من القرارات الدولية بصورة كاملة، بما فيها القرار 1701، سواء بسبب ضعف الدولة وأزماتها الداخلية أو بسبب رفض إسرائيل الالتزام الكامل بتلك القرارات»، معتبراً أن «هذا الواقع استدعى إنشاء آليات تنفيذية خاصة ووساطات دولية لدفع عملية التطبيق قدماً».

وكشف أن «النقاش الدائر حالياً لا يتعلق بإلغاء دور الأمم المتحدة، بل بإعادة صياغة نموذج جديد للشراكة الدولية في الجنوب اللبناني، قد يشمل تمديد مهمة (اليونيفيل) مع إدخال قوات أوروبية إضافية، وربما مشاركة عربية، مع تنسيق أكبر مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في إطار دعم الاستقرار وتنفيذ القرارات الدولية».

وشدد على أن «أي وجود أميركي لن يكون وجوداً عسكرياً قتالياً على غرار قوات (المارينز) في الثمانينات، وإنما سيقتصر على التدريب والدعم اللوجستي وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، وهو أمر يندرج أساساً ضمن اتفاقيات التعاون العسكري القائمة بين بيروت وواشنطن». مؤكداً أنّ «المرجعية الأممية ستبقى المرجعية القانونية الصالحة والصريحة والمستدامة لإدارة النزاع اللبناني، أما المرجعية الأميركية فهي مرجعية سياسية وتنفيذية وجزئية، هدفها ضمان حسن تنفيذ الآليات المتفق عليها وتوفير الضمانات اللازمة لإنجاحها».

وأضاف أن «الوساطة الأميركية تخلق ضغطاً عملياً على الأرض وتوفر الضمانات التي لا تستطيع الدول الأوروبية أو غيرها توفيرها، خصوصاً أن إسرائيل تستجيب عملياً للضغط الأميركي أكثر من استجابتها لأي وسيط آخر».

وأكد أن «الولايات المتحدة تؤدي اليوم دور الضامن لتنفيذ القرارات الدولية، لأن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى تفاهمات، بل في ضمان تنفيذها. ومن هنا تأتي أهمية الدور الأميركي في تعزيز إجراءات بناء الثقة وحسن النيات بين الأطراف، وصولاً إلى تثبيت الاستقرار».

انتقال تدريجي للمرجعية

وفي مقابل هذه القراءة القانونية، يطرح اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي مقاربة مختلفة تنطلق من الوقائع السياسية والميدانية أكثر مما تنطلق من النصوص القانونية، معتبراً أن الجهة التي تدير الملف عملياً هي التي تحدد المرجعية الفعلية، بصرف النظر عن استمرار قرارات مجلس الأمن كإطار قانوني للنزاع.

ويستند شحيتلي في قراءته إلى التطور الذي شهدته آليات إدارة الجنوب خلال السنوات الماضية، معتبراً أن الانتقال من اللجنة الثلاثية برئاسة «اليونيفيل» إلى «الميكانيزم»، ثم الحديث عن ترتيبات جديدة بقيادة أميركية، يعكس تحولاً تدريجياً في مركز إدارة الملف.

وقال شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» إن ما يجري اليوم في جنوب لبنان يتجاوز مجرد ترتيبات أمنية أو اتفاقات ميدانية، معتبراً أن لبنان يشهد «تحولاً في المرجعية التي تدير ملفه، ولا سيما في الجنوب».

وقال إن لبنان، «منذ عام 1860، كان يُدار دائماً ضمن توازنات إقليمية تحظى بغطاء دولي، موضحاً أن النفوذ على لبنان تعاقبت عليه قوى مختلفة وفق مراحل تاريخية، بدءاً من الدولة العثمانية، ثم فرنسا، مروراً بمصر وسوريا وإسرائيل، وصولاً إلى تفاهمات دولية وإقليمية شاركت فيها الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها». وأضاف: «كان هناك دائماً توافق إقليمي يمتلك امتداداً دولياً لإدارة هذا البلد، فيما بقيت فرنسا، بعد عام 1920، محوراً أساسياً في هذه التفاهمات، مع تبدل القوى الإقليمية الشريكة بحسب موازين القوى في المنطقة».

واعتبر أن التحول الأخطر يتمثل في انتقال الولايات المتحدة إلى موقع المرجعية المباشرة، قائلاً: «منذ صدور القرار 425 عام 1978 أصبحت الأمم المتحدة، عبر قوات اليونيفيل وهيئة مراقبة الهدنة، المرجعية الأساسية في جنوب لبنان. أما اليوم، فإن الولايات المتحدة ألغت عملياً دور الأمم المتحدة، كما همّشت الأدوار الفرنسية والعربية والمصرية، وانفردت بإدارة هذا الملف».

وأضاف أن واشنطن «لم تعد تؤدي دور الوسيط بين لبنان وإسرائيل، بل باتت تفرض بنفسها آليات العمل على الطرفين، ما يعني عملياً انتقال المرجعية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة». معتبراً أن هذا التطور لا يقتصر على إنهاء النفوذ الإيراني في جنوب لبنان، بل يشمل أيضاً تقليص أدوار جميع القوى التي كانت تاريخياً شريكة في إدارة الملف اللبناني، سواء فرنسا أو الدول العربية أو الأمم المتحدة.

ورداً على سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة أصبحت المرجعية بدلاً من المرجعية الدولية، قال شحيتلي: «الولايات المتحدة أصبحت المرجعية الفعلية، حتى وإن لم يكن هذا الأمر يحظى بموافقة فرنسا أو الدول العربية أو لبنان، إلا أنه الواقع الذي يجري تكريسه».

ورأى أن هذا المسار لم يبدأ مع تشكيل «الميكانيزم» بعد حرب 2024، بل جاء نتيجة تطور تدريجي، موضحاً أن القرار 1701 نصّ على لجنة برئاسة قائد قوات «اليونيفيل» لمعالجة الخروقات بصورة دائمة، «ثم جرى استبدال هذه اللجنة وجاءت بدلاً منها آلية الميكانيزم، واليوم يجري استبدال الميكانيزم لتحل محلها لجنة ثلاثية برئاسة أميركية تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، بما يؤكد انتقال إدارة الملف تدريجياً من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة».


كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو
TT

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري، 51 عاماً، ستصبح الرئيسة التاسعة للبيرو في أقل من عشر سنوات، وستتولى مهامها يوم الاحتفال بالعيد الوطني، في 28 يوليو (تموز) الحالي. ويأتي توليها الحكم بعدما أعلنت الهيئة الانتخابية النتائج الرسمية النهائية للجولة الثانية من الاقتراع والتي أجريت في السابع يونيو (حزيران) الفائت بين فوجيموري والمرشح اليساري روبرتو سانشيز. وحصلت فوجيموري على 50.135 في المائة من أصوات الناخبين في جولة الإعادة، مقابل 49.865 في المائة لسانشيز، وهو فارق يقل عن 50 ألف صوت، وفق الأرقام التي صدّقت عليها المحكمة الانتخابية في البيرو.

كانت هذه المرة الرابعة التي تترشح فيها فوجيموري للرئاسة تحت راية إرث والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، الشخصية التي دمغت المشهد السياسي في البيرو بالاستقطاب الحاد والعنف وفضائح الفساد خلال العقود الأربعة المنصرمة. وهي سترأس بلداً مشطوراً بشكل حاد إلى معسكرين متناحرين سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، ويعاني من ضعف في المؤسسات، ومن انعدام الاستقرار بعد الاضطرابات والصدمات السياسية التي مر بها. لكن في رصيدها صمودها الطويل في وجه التيّار المناهض لتركة والدها الثقيلة التي رفضت النأي عنها.

وقد لعبت أصوات المهاجرين في الخارج دوراً حاسماً في فوزها، خاصة أولئك الذين يعيشون في الولايات المتحدة حيث توجد أكبر جالية من البيروفيين. ولم تنفع الطعون التي تقدم بها منافسها روبرتو سانشيز في نتائج فرز أقلام المهجر، علماً بأنه هدد برفض الاعتراف بها والدعوة إلى تحركات شعبية. لكن المحكمة الانتخابية رفضت طعونه، وارتفعت أصوات كثيرة منددة بموقفه الذي يشبه الموقف الذي اتخذته فوجيموري عندما انهزمت في انتخابات عام 2021 ضد اليساري بيدرو كاستيّو الموجود حالياً في السجن بعد إدانته بالقيام بمحاولة انقلاب ذاتي قال إن بعض مساعديه نصبوها فخاً له.

شخصية مثيرة للجدل... كوالدها

وعلى غرار والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، تتمتع كيكو بشخصية مثيرة للجدل في الأوساط السياسية والاجتماعية، علماً بأنها قامت خلال سنوات حكمه مقام السيدة الأولى بعد خلافات عميقة بين رئيس البلاد وزوجته انتهت بالطلاق.

وكيكو فوجيموري متخرجة بتفوق من أرقى الجامعات الأميركية، وانتُخبت عضواً في البرلمان للمرة الأولى عام 2006 حيث حصدت أعلى عدد من الأصوات في تاريخ الانتخابات الاشتراعية في البيرو، قبل أن تترشح للانتخابات الرئاسية عام 2011، ثم في عامي 2016 و2021 حيث كانت تُهزم دائماً في الدورة الثانية. إلى جانب ذلك، تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد وغسل الأموال، وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر. ورغم ذلك، يعتبرها أنصارها ضمانة للاستقرار الاقتصادي والأمني في البلاد، بينما يرى فيها خصومها استمراراً لإرث والدها الذي حكم البيرو عشر سنوات حافلة بالفساد المالي والتجاوزات.

في تصريحاتها الأولى بعد ضمان فوزها، قالت فوجيموري: «أدرك جيداً أن البلاد في حال من الانقسام العميق، لذلك سأحرص على نيل ثقة الذين لم يصوتوا لي في هذه الانتخابات، وستكون حكومتي ممثلة لجميع مكونات المشهد السياسي، تعتمد على الكفاءة والنزاهة».

وبفوزها تنضمّ كيكو فوجيموري إلى قافلة الزعماء اليمينيين الذين يجاهرون بولائهم لخط الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أميركا اللاتينية. وكان من أوائل مهنئيها البرازيلي فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جاير بولسونارو الذي يقضي عقوبة بالسجن حالياً بعد إدانته بمحاولة انقلاب عسكري ضد الرئيس الحالي إيغناسيو لولا. وقال فلافيو بولسونارو الذي سينافس لولا في الانتخابات الرئاسية مطلع الخريف المقبل، إن فوز فوجيموري يؤكد صعود القوى اليمينية «القادرة وحدها على مكافحة الإرهاب العابر للوطن الذي يتغذّى من أموال الاتجار بالمخدرات». كما سارع إلى تهنئتها أيضاً الرئيس الكولومبي الجديد اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا أسبريلّا الذي عرض عليها إقامة تحالف إقليمي ضد القوى والأحزاب اليسارية.

الشعار الذي رفعته فوجيموري عنواناً لحملتها الانتخابية الرئاسية «عادت كيكو ليعود النظام»، أرادت من خلاله تسليط الضوء على الشاغل الأكبر للمواطنين ومصدر قلقهم الأساسي منذ سنوات، حيث ازدادت أعمال الاغتيال بشكل ملحوظ، وتفشّى العنف والابتزاز الذي يتعرّض له صغار التجار في المدن الكبرى.

وتعهدت فوجيموري في برنامجها بتنظيم دوريات تشارك فيها القوات المسلحة لمكافحة العنف، وبطرد المهاجرين الذين يرتكبون جرائم، وإجبار المسجونين على العمل مقابل حصولهم على الطعام، بعد الاضطرابات العنيفة التي شهدتها السجون في الفترة الأخيرة على يد أفراد عصابات الاتجار بالمخدرات. وقد حرصت خلال حملتها الانتخابية على تشبيه الحملة الواسعة التي قام بها والدها لمكافحة الإرهاب في تسعينات القرن الماضي، بخطتها التي تهدف من خلالها إلى مكافحة الجريمة. لكنها رفضت دائماً انتقاد التجاوزات التي قام بها والدها، والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي وصلت إلى حد وضع خطة، بالتنسيق والتعاون مع القوات المسلحة وأجهزة المخابرات، لتعقيم السكان الأصليين منعاً لتناسلهم.

ويقول محللون إن الخطاب المتشدد الذي تميزت به حملة فوجيموري الانتخابية، كان له كبير الأثر في حشد التأييد الذي أوصلها إلى الرئاسة، وساعد على اجتذاب أصوات كثيرة بين الناخبين المترددين أو الذين لا يشاركون عادة في الانتخابات، ويعانون من تردي الأوضاع الأمنية.

لكن فوز فوجيموري وعودة سلالة والدها إلى السلطة، من شأنه أن يزيد الشرخ الاجتماعي والسياسي حدة، ليس فحسب بسبب عدم تمكن الرؤساء من إكمال ولاياتهم خلال السنوات الأخيرة، بل أيضاً بسبب الاستقطاب العميق الذي تثيره الرئيسة الجديدة التي كانت تتمتع بسلطة واسعة في البرلمان خلال السنوات الماضية، حيث كانت المحرّض الرئيسي على الأزمات التي زعزعت الاستقرار السياسي في البيرو بعد فشلها ثلاث مرات متتالية في الوصول إلى الرئاسة، وسيطرتها على أكبر كتلة نيابية في البرلمان. لكن رغم أن الحزب الذي تقوده، حزب «القوة الشعبية»، ما زال يشكّل الكتلة الأكبر في مجلس النواب، فإنها ستجد نفسها مضطرة للتوصل إلى اتفاقات مع الكتل الأخرى للموافقة على الإصلاحات التي وعدت بها في برنامجها، ولن يكون ذلك سهلاً في الأجواء المتوترة السائدة، خاصة في الأرياف الفقيرة التي تشكّل معقل اليساريين ومركز الثقل للتيار المعارض الذي كان مناهضاً لوالدها، ويهدد اليوم بالتمرد إذا أصرّت على السير في خطاه.

صعود الأحزاب اليمينية

الأضواء الإقليمية مسلّطة على فوز فوجيموري، ليس من باب قراءة هذا الفوز ضمن إطار المعادلات والتطورات الداخلية، بل في سياق التحول العميق والواسع الذي تشهده المنطقة لصعود نسخة جديدة من الأحزاب اليمينية التي لا ترى في الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجرد حليفاً سياسياً فحسب، بل تنظر إليه باعتباره مرجعية فكرية يقتدى بها، وأسلوباً يحتذى. فالبيرو، على غرار العديد من الدول الأخرى في المنطقة، تجرّ منذ سنوات أذيال أوضاع أمنية متردية، وركود اقتصادي مديد، واستقطاب سياسي عقيم عطّل المؤسسات وأبعد المواطنين عن السياسة.

والأخطر في هذا التماهي مع الموجة الترمبية، أنه فيما تبقى المؤسسات حصناً منيعاً أمام تجاوزات الحكومة في الولايات المتحدة، تعاني معظم بلدان أميركا اللاتينية من ضعف مؤسساتها، خاصة الرقابية منها، وانعدام ثقة المواطنين بفاعليتها. ولذلك لجأت القوى اليمينية والشعبوية المتطرفة إلى شعارات تعد باستعادة النظام وفرض هيبة الدولة عن طريق تعزيز صلاحيات الحكومة، وعدم الاكتراث بالضوابط المؤسسية أو التباهي بتجاوزها. كما تلجأ هذه الأحزاب إلى استخدام المعارك الثقافية كأدوات للعمل السياسي، وإعادة النظر في الحقوق الاجتماعية والمدنية التي اكتسبتها الأقليات والطبقات الفقيرة في العقود المنصرمة، أو إلغاء بعضها، وبناء خطاب سياسي يقوم على اعتبار أي معارضة حاجزاً أمام تنفيذ الإرادة الشعبية. والأنظار، كل الأنظار، تتجه الآن إلى البرازيل حيث سيحاول فلافيو بولسونارو في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل استعادة السلطة لعائلته ولليمين المتطرف.

ولا شك أن هذا الانعطاف الواسع نحو اليمين ليس مجرد تحوّل آيديولوجي، بقدر ما هو نمط جديد لممارسة السلطة. فالديمقراطية لم تعد توازناً بين القوى السياسية الفائزة في الانتخابات، والمؤسسات، والحقوق المكرّسة في الدساتير، بل أصبحت مصدراً لشرعية بلا حدود لمن يصل إلى الحكم. وهذه الشرعية المفترضة تعتبر القضاء والصحافة المستقلة وأجهزة الرقابة ومنظمات المجتمع المدني مجرد خصوم أو أعداء، عوض أن تكون ركائز أساسية في النظام الديمقراطي، بحسب ما يقول منتقدون لليمين المتطرف أو الشعبوي. ويتساءل هؤلاء: كيف أن زعماء اليمين المتطرف والأحزاب القومية الذين يرفعون شعارات السيادة الوطنية فوق أي اعتبار، يذهبون إلى بناء شرعيتهم على التماهي مع أولويات الإدارة الأميركية وتبنيها، بل المزايدة في الدفاع عنها؟ تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد

وغسل الأموال وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر


فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
TT

فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)

لا شيء يحصل في الخفاء عند عائلة فوجيموري؛ فقد تعوّد أهل البيرو على حروب هذه الأسرة، لا بل يبدو أحياناً أنهم يتابعون فصولها بما يشبه الشغف بالأفلام السينمائية أو المسلسلات التلفزيونية.

ونادراً ما تخلو وسائل الإعلام في البيرو من أخبار الصراعات التي تدور بين أفراد هذه العائلة التي تُعتبر من بين الأغنى والأوسع نفوذاً في البلاد. كانت البداية مع «الأب المؤسس» ألبرتو، المولود من أبوين يابانيين هاجرا إلى البيرو سعياً وراء الرزق إبان سنوات الفقر التي كانت تعيشها اليابان بعد هزيمتها القاسية في الحرب العالمية الثانية. كان ألبرتو تلميذاً ناجحاً أنهى دراسته الجامعية متخرجاً بتفوق مهندساً زراعياً من جامعة ليما، ثم أصبح عميداً لكلية العلوم، ورئيساً للجامعة، ومقدماً لبرنامج تلفزيوني علمي شهير.

أواخر ثمانينات القرن الفائت، وضعت القوات المسلحة في البيرو برنامجاً سرياً بعنوان «الخطة الخضراء» يهدف إلى تعقيم الفقراء والسكان الأصليين، ومراقبة الصحافة الوطنية، وإقامة منظومة اقتصادية نيوليبرالية موازية تحت سيطرة الزمرة العسكرية الحاكمة. عندما أسس ألبرتو فوجيموري حزب «التغيير» في عام 1989 كان سياسياً مغموراً، لكنه عندما ترشّح للانتخابات الرئاسية في العام التالي، نال تأييداً واسعاً في أوساط رجال الأعمال وبعض الكنائس الإنجيلية، وأيضاً الدعم من حكومة آلن غارسيا الذي كان يتمتع بشعبية واسعة ونفوذ كبير. وتجاوز فوجيموري الدورة الأولى ليتنافس في الدورة الثانية مع الكاتب المعروف ماريو فارغاس يوسا. وكان للدعم الذي قدمته الحكومة وأجهزة المخابرات التابعة لها، كبير الأثر في الفوز الذي حققه بنسبة تجاوزت 62 في المائة من الأصوات.

لكن ألبرتو فوجيموري سارع بُعيد فوزه إلى التخلي عن برنامجه الانتخابي ونهج سياسة اقتصادية تجاوزت بليبراليتها تلك التي كان منافسه يدعو إليها، وراح يتقرّب من القوات المسلحة التي كان يخشى انقلابها عليه، ويتبنّى بنود «الخطة الخضراء» مخصصاً لبعض كبار الضباط مناصب عليا في الدولة.

وخلال ولايته الرئاسية الأولى شهدت البيرو ما كان يعرف بالمعجزة الاقتصادية التي فتحت أبواب الاستثمارات الخارجية، وتدفقت القروض من المؤسسات المالية الدولية بعد خصخصة معظم المؤسسات العامة وتقييد النشاط النقابي، وتراجعت نسبة التضخم إلى أن حققت البيرو نمواً اقتصادياً بلغ 13 في المائة في عام 1994.

في ولايته الثانية، جنح فوجيموري نحو ممارسة أسلوب استبدادي فيما كانت تحوم حوله شبهات بفضائح فساد مالي ضخمة، وكانت بدأت تحاصره ملاحقات الأجهزة القضائية والبرلمان الذي لم يعد يسيطر على أغلبية أعضائه. في تلك الفترة ظهر إلى العلن خلاف عميق مع زوجته التي اتهمته بالمشاركة في أعمال الفساد وتغطيتها وهددت بمقاضاته، فانفصل عنها بعد أن دبّر تهمة ضدها بمساعدة أجهزة المخابرات. وفيما وقف معظم أبنائه بجانب والدتهم، كانت كيكو الوحيدة التي دعمت والدها وبقيت إلى جانبه حتى النهاية.

في عام 1992 قامت مجموعة من الضباط بمحاولة انقلابية ضد فوجيموري الذي كان بدوره يحاول حل البرلمان وتعطيل السلطة القضائية، فلجأ إلى السفارة اليابانية في ليما إلى أن فشل الانقلاب واستعاد مقاليد السلطة، قبل أن يُحال لاحقاً أمام القضاء بتهم الفساد المالي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وعند صدور الحكم بسجنه، فرّ إلى اليابان التي رفضت التجاوب مع طلب سلطات البيرو بتسليمه. وبعد أن انتقل سراً إلى سانتياغو (تشيلي)، تم القبض عليه هناك واقتيد إلى البيرو حيث أودع السجن حتى وفاته في عام 2024.