مذكرات شريف بسيوني الحلقة (4): لم تكن لديّ سلطة لكني كنت صاحب نفوذ

سمحت أميركا لشاه إيران بالانتقال من بنما إلى مصر بعد استشارتي.. وجيهان السادات كانت صاحبة الفكرة

صورة تجمع شريف بسيوني وأوباما أثناء زيارة قام بها الرئيس الأميركي لشيكاغو عام 2008
صورة تجمع شريف بسيوني وأوباما أثناء زيارة قام بها الرئيس الأميركي لشيكاغو عام 2008
TT

مذكرات شريف بسيوني الحلقة (4): لم تكن لديّ سلطة لكني كنت صاحب نفوذ

صورة تجمع شريف بسيوني وأوباما أثناء زيارة قام بها الرئيس الأميركي لشيكاغو عام 2008
صورة تجمع شريف بسيوني وأوباما أثناء زيارة قام بها الرئيس الأميركي لشيكاغو عام 2008

أراد البروفسور محمود شريف بسيوني أن يصل بي إلى خلاصة، حول الفرق بين صاحب السلطة الذي تبدو قراراته مباشرة وواضحة على اختلافها، سواء كانت سياسية في الأزمات الدبلوماسية أو قرارات عسكرية، وبين أصحاب النفوذ. وقد توصل بسيوني خلال حياته وما مرّ به من تجارب، إلى اعتبار نفسه، في مناسبات عدة، من أصحاب النفوذ.
ومن أهم التجارب التي تحدث عنها، دوره في أزمة الرهائن الأميركيين في إيران سنة 1978، وفي انتقال شاه إيران إلى مصر ليقيم فيها كلاجئ سياسي، واعتماد الخارجية الأميركية على استشاراته في هذه المسألة، وكذلك في قضية الرهائن واحتمال محاكمتهم آنذاك، كما عرفنا بسيوني وعبر سرد ممتع، على الفرق بين مرتبتي «الأسرار» و«الأسرار العليا» (توب سيكرتس) التي تمنحها السلطات الأميركية لمن تتعامل معهم.
لما وقع احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية في إيران، اهتم الرئيس الأميركي، جيمي كارتر بالأمر. وقد رأيته يتصرف مثل أب يحاول انقاذ أبنائه. رأيته مرات عدة، وتحدثت مع من يعملون في البيت الأبيض. كانت مشاعره العاطفية متداخلة جدا. وكان يشرف على أدق التفاصيل، ويتابع كل العمليات ويديرها بصورة شخصية، على الرغم من وجوده في البيت الأبيض.
كان هناك فريق يعمل حينها، تحت رئاسة هيرل ساندرس، الذي كان وكيل وزارة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط. وكان مفتاح إدارة العمليات. لكن كارتر كان يتدخل شخصيا في كل التفاصيل. وبدأ يفكر في القيام بعملية عسكرية، وهي تلك التي بدأت بالطيران الأميركي وفشلت؛ لأن بعض الطائرات سقطت نتيجة زوبعة رملية. وبدأت تتردد اشاعات بأن الشباب الثوري الإيراني (الحرس الثوري)، سيحاكمون الرهائن عسكريا. وأخذت الفكرة تتبلور. كان موقف الحكومة الأميركية الرسمي، قائما على أن اتفاقية فيينا لسنة 1969، تمنع أي محاكمة، لكن الشباب الإيراني كان يرد بأنه سيحاكم أولئك الدبلوماسيين وفقا للشريعة الإسلامية.
بدأ الجانب الأميركي يتجه إلى استشارة خبراء في الشريعة الإسلامية، خصوصا في المجال الجنائي. كنت قد كتبت في هذا الموضوع قبل ذلك، ودعيت إلى مكتب مدير إدارة الشؤون القانونية في وزارة الخارجية، واستشرت في الشريعة الإسلامية، ففسرت لهم أن الشريعة الإسلامية مؤيدة لفكرة الحصانة الدبلوماسية منذ أيام الرسول؛ حيث كان يوفد الكثيرين إلى دول أخرى، ويستقبل وفودا. فهذه الفكرة موجودة وصيانة الدبلوماسي موجودة. طبعا اطمأنوا إلى هذا، وقالوا إذا كانت هناك محاكمة في إيران لا بد من الاستعداد لها. في هذا الوقت، كان ثمة خلاف في الرأي بين الاستخبارات والخارجية. فكان جهاز الاستخبارات (سي آي إيه) لا يرى ضرورة التحضير لأي محاكمات، خوفا من أن يشجع ذلك الإيرانيين، ويعطيهم انطباعا بأن الأميركيين يقبلون فكرة التطبيع، بينما كانت وزارة الخارجية تفكر بشكل آخر، وترى أن الاستعداد أفضل.
في النهاية، قامت وزارة الخارجية بعملها بطريقة غير مباشرة، إذ طلبت مني النظر في كيفية الدفاع، استنادا إلى الشريعة الإسلامية، وخصوصا وفق فقه الاثنى عشرية في إيران، وبالتالي بدأت العمل لتحضير هذا الدفاع، وكانت الأمور تجرى بسرية. ومن ضمن ما تعرضت له مما لا يخلو من طرافة، أن منحتني السلطات الأميركية صلاحية مرتبة السر، وهناك السر الأعلى أي «توب سيكرت»، ولم أكن أفهم أن مرتبة السر هي أدنى مستوى؛ فحتى السكرتيرات العاملات في جهات حكومية لهن مرتبة السر. لكن كل ما كنت انتجه من أعمال كان يصنف باعتباره «سرا أعلى» (توب سيكرت). ولم أكن أفهم ذلك، بالإضافة إلى أنني لا أستطيع الحصول على عملي أو توزيعه على آخرين، وليس من حقي التحدث عنه. واستمريت، وانتهت أزمة الرهائن بالتفاوض بين كارتر، في آخر أيام رئاسته، وحكومة إيران الإسلامية. وانتهى الأمر بالإفراج عن الرهائن.
أثناء مرحلة احتجاز الرهائن، كان الشاه قد جاء إلى الولايات المتحدة للعلاج، فقد كان مصابا بالسرطان. بدأت معالجته وسط ضغوط كبيرة على أميركا، التي كانت تتخوف من تصعيد يقوم به الحرس الثوري. فاتفقت واشنطن مع بنما التي كان يحكمها وقتها الجنرال توريخوس، على نقل الشاه إلى مستشفى هناك؛ حيث توجد منطقة عسكرية أميركية ومستشفى، فنقل إليه الشاه، وبهذه الطريقة جرى تخفيف العبء عن الولايات المتحدة. كان عدد الرهائن الحقيقي 59، وكانت أميركا تكرر حينذاك انهم 76؛ لأن عددا منهم تمكنوا من الفرار، ومنهم من هرب عبر سفارة كندا واختبأ فيها. ولم ترد أميركا الكشف عن أنها علمها بالموضوع، فاقتنع الإيرانيون بأن الأميركيين لا علم لهم بالهاربين.
في هذه الفترة، كان للمستشار القانوني للبيت الأبيض، لويد كاتلر، دور في هذه العملية. فقد استدعاني ذات يوم إلى البيت الأبيض، لكي يسألني عن الحالة في مصر، وما يمكن أن يحصل فيها لو أن الشاه ذهب إليها وحصل على اللجوء السياسي، أو لبى دعوة رئاسية؟ أجبته بأنني مطمئن تماما، إلى أن الشعب المصري سيتقبل هذا. فقال إن هناك تقارير تفيد بأن الشعب المصري لن يتقبل ذلك، وأن الإخوان سيثورون وكذلك التيار الإسلامي. فأجبته بأنه لا يوجد في مصر تيار إسلامي شيعي، وبأنني لا أعتقد أن الإسلام السني سيثور على دعوة شاه إيران، فقد كانت مصر معروفة، وقتها على الأقل، بأنها منفتحة على استقبال الرؤساء الأجانب، كما حصل فخلال الحرب الثانية.
وكان منح اللجوء تقليدا. وأبديت رأيي، بأني لا أرى أنه سيسبب أزمة داخلية في مصر. فسألني: هل سيسبب مشاكل لأنور السادات؟ أجبته بأني لا أعتقد ذلك سيسبب مشاكل للسادات أيضا. ثم تحدث قائلا إن بعض الجماعات يمكن أن تستغل هذا وتربطه باتفاقية السلام. أجبته بأن النظام في مصر ثابت، وأنور السادات ثابت في النظام، ويتمتع بتأييد شعبي جيد. فطلب مدير مكتب الرئيس كارتر هاتفبا، وكان اسمه هاملتن غوردن، فقيل له إنه خارج واشنطن في مهمة سرية للرئيس. فطلب سكرتيرة الرئيس كارتر لمقابلته، فقالت إنه في اجتماع. فأعاد سؤاله لي: هل أنت متأكد؟ قلت: نعم مائة في المائة، فرفع سماعة هاتف آخر على مكتبه، وطلب من سكرتيرته أن توصله بشخص معين، وعندما خاطبه قال له: «إتس آي غو» يعني موافقة على مسألة ما.
أنا لم أفهم ما كان يحدث. فكنت أتلكأ، بينما بدا الرجل وكأنه يقول لي دورك انتهى، يمكنك أن تذهب. فأبلغته بأني أرغب في فهم ما يحدث، فقال إن أردت ذلك، فعليك البقاء في هذا المكان لساعتين. فقلت: لا مشكلة. ثم طلب إذنا من الأمن فجلست لساعتين.
وفيما كنت أتحدث مع لويد كاتلر، لم يكن أي منا يعلم أن هاملتن غوردن، مدير مكتب الرئيس، كان في بنما في مهمة سرية للتفاوض مع الجنرال توريخوس على بقاء الشاه في المستشفى العسكري الأميركي، لأن طائرة آتية من إسبانيا إلى بنما تحمل محاميا فرنسيا يمثل حكومة إيران، ومعه أوراق تطالب بالقبض على الشاه لتسليمه كمجرم مطلوب للمحاكمة في إيران.
اتضح أنه في الوقت الذي كنت أتحدث فيه مع لويد كاتلر، لم أكن أي منا هعلى علم بأن هاملتن غوردن، مدير مكتب الرئيس، كان في بنما، في مهمة سرية للتفاوض مع الجنرال توريخوس، على بقاء شاه إيران في المستشفى العسكري الأميركي، لأن طائرة آتية من إسبانيا إلى بنما، على متنها محام فرنسي يمثل حكومة إيران، ومعه أوراق تطالب بالقبض على الشاه لتسليمه كمجرم مطلوب للمحاكمة في إيران. يبدو أن المخابرات الأميركية كانت على علم بهذا، وربما علمت لأن المحامي الفرنسي أبلغ المخابرات الفرنسية، التي بدورها أبلغت المخابرات الأميركية. المهم أنهم علموا، وكان أمام الطائرة التي تنقل المحامي ساعتين، وكان يجب أن يتخذ قرار خلال هذه الفترة الزمنية، ما إذا كان ينبغي القبض عليه حقيقة في بنما، أم يبقى في المستشفى العسكري الأميركي، أو يرحل إلى مصر. حين كنت مع فلويد كارتلر صباحا، لم يكن يعلى علم بان غوردن كان في بنما يتفاوض حول الموضوع. فقد كان يتصرف وفق تعليمات سابقة من الرئيس كارتر، ولم يبلغ بأن الرئيس أعطى تعليمات أخرى لهاملتن غوردن. وقتولّت شركة طيران من فلوريدا، يبدو أنها مملوكة للمخابرات الأميركية، بنقل الشاه وعائلته تحت حماية جوية أميركية رافقتها حتى ازورس إلى إسبانيا إلى البحر الأبيض المتوسط، ثم جاء دور الطيران المصري فتولى الأمر.
أنا لم أعلم بقية التفاصيل إلا بعد ثمانية أشهر. في البيت الأبيض، لم أكن أعلم أكثر من أن اللورد أعطى التعليمات. وكان هناك برنامج لبيير سالغر، الذي كان يعمل صحافيا في حكومة كيندي، وقد وصف مواقف الرئيس كارتر بالتخبط؛ ففي حين أمر هاملتن غوردن بالتوجه إلى بنما، أمر لويد كابلر بتصرف آخر.. وقتها فهمت.
ومع مضي الوقت، أردت أن أفهم كيف أتت دعوة الشاه إلى مصر. ففي إحدى زياراتي إلى مصر بفيما بعد، دعتني السيدة جيهان السادات إلى منزلها لتناول الشاي وكان الرئيس السادات نائما. استيقظ وحضر للجلوس معنا لتناول الشاي، وكنت قد سمعت من قبل أن دعوة الشاه لمصر كانت من جيهان فأردت التأكد. سألت السادات عن حكاية الشاه كيف تمت؛ هل كان بطلب أميركي أم أن الدعوة أتت من طرفك؟ فأجاب: لا من الأميركان ولا مني.. قال: «بالبلدي كده من عندها»، مشيرا إلى السيدة جيهان. وقال: هي كانت تتكلم مع زوجة الشاه التي قالت لها إنه مريض جدا. فقالت لم لا يأت إلى مصر، فأجابت زوجته بأن الأمر ليس بيديهما، لكن يمكن أن يكون الكلام بين زوجيهما. وأضاف أنها قالت لا مشكلة، وأعطتني سماعة التليفون، فقلت ما هذا؟ فقالت إنه الشاه. وتحدثت مع الشاه ووجهت له دعوة لمصر، وأخذها بتلقائية وشهامة من دون التفكير في أي عواقب سياسية وكأنه فلاح مصري يدعو صديقا.
النقطة التي تهم القارئ العربي المتعود على أن المجتمع العربي مبني على السلطة، هي ان المجتمع الأميركي والمجتمعات الغربية ليست مبنية فقط على السلطة ولكن على النفوذ أيضا. فهناك شخصيات لها نفوذ من دون أن تكون لها سلطة. ومن الصعب تقييم ذلك، وكيف يتجري. ما شرحته يعبر عن نفوذ أو ظروف هيأت لي أن أكون في مكان ملائم في وقت ملائم لأنتج.

34 سنة على أزمة رهائن السفارة الأميركية في طهران
قبل 34 عاما، وتحديدا في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1979، شهدت العلاقات الأميركية - الإيرانية أشهر أزمة سياسية في العصر الحديث، حينما احتل طلاب من الثوار الإيرانيين السفارة الأميركية في طهران، واحتجزوا 52 أميركيا كرهائن على مدى 444 يوما، احتجاجا على سماح الرئيس الأميركي جيمي كارتر لشاه إيران السابق، محمد رضا بهلوي، بالعلاج من مرض السرطان، في مستشفى بالولايات المتحدة.
تسببت الأزمة، التي جاءت بعد أشهر عدة فقط، على إطاحة نظام الشاه وقيام الثورة الإسلامية في إيران، في قطع العلاقات بين البلدين طوال هذه الفترة، وما تزال العلاقات مقطوعة حتى اليوم.
وقد أيد المرشد الأعلى للثورة الإمام الخميني، عملية الاحتجاز في حينها، ونادى بأن يظل الرهائن محتجزين. وكانت الدوافع وراء احتجاز الرهائن، المطالبة بعودة الشاه لمحاكمته في إيران. لكن الشاه توفى في يوليو (تموز) 1980، واستمر احتجاز الرهائن بعد وفاته لأشهر، إلى أن أفرج عنهم في يناير (كانون الثاني) 1981. ويقول مقربون إن الخميني لم يكن يعلم مسبقا بخطوة الطلبة للاستيلاء على السفارة الأميركية، فالطلبة لم يفاتحوا أحدا في الأمر سوى موسوي خوئيني، أحد مستشاري الخميني.
بعد أيام من الاحتجاز، نجح ستة من الدبلوماسيين الأميركيين في الفرار، واللجوء إلى منزل الدبلوماسي الكندي جون شيردوان، المسؤول السابق عن القنصلية الكندية في إيران، الذي تواصل، في سرية غير عادية، مع وزيرة الدولة الكندية للشؤون الخارجية فلورا ماكدونالد، ومع رئيس الوزراء الكندي جو كلارك، للمساعدة. وفي الحال، أعربا عن دعمهما للجهود، وتقرر تهريب الستة أميركيين في رحلة جوية دولية باستخدام جوازات سفر كندية.
وبالفعل أمر رئيس الوزراء الكندي بإصدار جوازات سفر كندية للدبلوماسيين الأميركيين. فقام شيردوان بمغامرة دبلوماسية خطيرة بإصدار جوازات السفر، وفيها مجموعة من التأشيرات الإيرانية المزورة، أعدتها وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، كما قامت بإعداد ملابس مناسبة ومواد تغير مظهر الأميركيين.
وبعد ترتيبات سرية ومعقدة، تمكن الدبلوماسيون الستة من مغادرة إيران في يناير 1980، بفضل جوازات سفر كندية.
خلال تلك الفترة، قامت الولايات المتحدة بعملية عسكرية لإنقاذ رهائنها بعد شهور من التدريب، حيث انتقلت القوات الأميركية مدعومة بطائرات ومروحيات عدة إلی صحراء «طبس» شرق إيران، علی حين غفلة من الحكومة الإيرانية، لكن عاصفة عاتية تسببت في اصطدام الطائرات الأميركية فيما بينها، فقتل جمیع أفراد القوة، وافتضح أمرهم في اليوم التالي. وقد اعتبر الإمام الخمیني هذه الحادثة، من «المعجزات الإلهية» لتأييد الثورة الإسلامية في إيران.
أفرج عن باقي الرهائن الأميركيين في 20 يناير 1981 بعد اتفاق بين واشنطن وطهران بوساطة جزائرية، في آخر يوم للرئيس كارتر في البيت الأبيض، وأول يوم في حكم الرئيس رونالد ريغان.

مذكرات شريف بسيوني الحلقة (3)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (2)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (1)



العليمي يقدم ملف اليمن في ميونيخ باعتباره قضية أمن دولي

العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)
العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)
TT

العليمي يقدم ملف اليمن في ميونيخ باعتباره قضية أمن دولي

العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)
العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)

سعى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، عبر سلسلة لقاءات مكثفة على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، إلى إعادة تعريف الأزمة اليمنية باعتبارها تحدياً مباشراً للأمن الدولي، ترتبط مباشرة بأمن الملاحة العالمية واستقرار الطاقة ومكافحة الإرهاب، وليست مجرد نزاع داخلي.

وخلال اجتماعاته مع مسؤولين أوروبيين وأميركيين وقادة دول، ركّز العليمي على فكرة مركزية مفادها أن دعم الدولة اليمنية لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية لحماية الاستقرار الإقليمي والعالمي.

في هذا السياق، شدد العليمي خلال لقائه مع الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، على ضرورة انتقال المجتمع الدولي من مرحلة «إدارة الأزمة» في اليمن إلى مرحلة «إنهائها».

وفي حين رأى أن استمرار الوضع الحالي يمنح الجماعة الحوثية مساحة لإعادة إنتاج التهديدات الأمنية، أكد أن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي باتت ذات بعد استراتيجي؛ نظراً لتقاطعها مع أمن الملاحة الدولية واستقرار سلاسل الطاقة والتجارة العالمية.

العليمي مجتمعاً مع رئيس فنلندا على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن التهديد الحوثي لم يعد شأناً داخلياً، بل تحول إلى أداة ضغط إقليمية تستخدم البحر الأحمر كورقة ابتزاز سياسي وأمني، محذراً من أن أي تراخٍ دولي قد يؤدي إلى تمدد المخاطر نحو بحر العرب وممرات مائية أخرى. وفي هذا السياق، أشاد بالدور الأوروبي في حماية الملاحة، معتبراً أن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من الاحتواء إلى إنهاء التهديد بشكل كامل.

كما ربط العليمي بين استقرار اليمن وتقليص نفوذ إيران في المنطقة، مؤكداً أن الأذرع المسلحة المدعومة من طهران تمثل التهديد المركزي للأمن الإقليمي، وأن مواجهة هذا التحدي تتطلب دعماً مؤسسياً للدولة اليمنية وليس التعامل مع كيانات موازية.

دعم الدولة

في لقاءاته مع المسؤولين الأميركيين وعدد من القادة الدوليين، قدم العليمي سردية سياسية تقوم على أن نجاح الدولة اليمنية يمثل أفضل استثمار طويل الأمد لأمن الخليج والبحر الأحمر والسلام العالمي.

وأكد أن التحولات الأخيرة داخل اليمن، بدعم سعودي، شملت توحيد القيادة الأمنية والعسكرية، وتشكيل حكومة جديدة، وإطلاق برنامج إصلاحي يركز على الانضباط المالي وتحسين الخدمات واستعادة الثقة المحلية والدولية.

اجتماع العليمي مع مسؤول أميركي رفيع لبحث دعم استقرار اليمن ومكافحة الإرهاب (سبأ)

وأشار العليمي إلى أن إنهاء تعدد مراكز القرار الأمني أسهم في دحض مزاعم وجود فراغ أمني، موضحاً أن الخطر الحقيقي ينشأ عندما تتنازع جهات متعددة سلطات الدولة. وقال إن توحيد القرار الأمني لا يعزز فقط مكافحة الإرهاب، بل يسهم أيضاً في تجفيف بيئة التطرف وتحسين أوضاع حقوق الإنسان، بما في ذلك إغلاق السجون السرية.

وخلال لقائه بكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، شدد العليمي على أهمية استمرار الدعم الأميركي سياسياً واقتصادياً وتنموياً، خصوصاً في ما يتعلق بتعزيز قدرات البنك المركزي واستقرار العملة وتأمين الخدمات الأساسية، التي وصفها بأنها «خط الدفاع الأول» ضد التجنيد الميليشياوي والتطرف.

الضغط على إيران

كما طرح رئيس مجلس القيادة اليمني رؤية أوسع للمرحلة الحالية باعتبارها لحظة إعادة تشكل استراتيجية في المنطقة، في ظل الضغوط الدولية المتزايدة على إيران، معتبراً أن إضعاف أذرعها الإقليمية يخلق فرصة تاريخية لإنهاء نفوذها في اليمن.

وفي لقائه مع رئيس الوزراء الهولندي، ديك سخوف، دعا العليمي إلى موقف أكثر صرامة تجاه «الحرس الثوري» الإيراني، والدفع باتجاه إدراجه على قوائم الإرهاب الأوروبية، مؤكداً أن الميليشيات الحوثية في اليمن تمثل إحدى أخطر أذرع إيران الإقليمية، وأن التساهل معها يطيل الحرب، ويُبقي التهديد مفتوحاً على أمن المنطقة والاقتصاد العالمي.

اجتماع العليمي مع رئيس وزراء هولندا لاستجلاب الدعم الأوروبي (سبأ)

ودعا العليمي هولندا للاضطلاع بالدور نفسه أوروبياً تجاه الحوثيين عبر توسيع إجراءات الضغط والعقوبات على شبكات التمويل والتهريب، ودعم آليات الملاحقة القانونية والمالية للشبكات العابرة للحدود المرتبطة بالميليشيات.

أما لقاؤه مع الرئيس الفنلندي، فقد حمل بعداً مختلفاً؛ إذ ركز على الاستفادة من التجربة الفنلندية في الحوكمة الرشيدة والتعليم وإصلاح القطاع العام، باعتبارها أدوات طويلة المدى لإعادة بناء الدولة والهوية الوطنية.


تحسن مفاجئ للريال اليمني يختبر ثقة السوق ويثير التساؤلات

حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)
حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)
TT

تحسن مفاجئ للريال اليمني يختبر ثقة السوق ويثير التساؤلات

حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)
حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)

تراجعت أسعار صرف العملات الأجنبية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية بشكل مفاجئ أمام العملة المحلية (الريال اليمني) خلال الأيام الماضية، دون مقدمات اقتصادية واضحة أو تطورات تبرر هذا التحول؛ حيث لا زيادة في الصادرات، ولا عودة لتصدير النفط والغاز، ولا إعلان عن تدفقات مالية استثنائية، دون أن ينعكس أثر ذلك على أسعار السلع والخدمات الأساسية.

وانخفض سعر الدولار والريال السعودي، وهما أكثر العملات الأجنبية تداولاً في الأسواق اليمنية، بصورة لافتة، في مشهد أربك سوق التداول، وأثار تساؤلات عن أسرار هذا التحول غير المتوقع، ومخاوف من أن تكون حركة سعرية بلا أساس اقتصادي صلب.

وبينما أكد البنك المركزي اليمني في عدن أنه يتابع سوق العملات بصرامة، ويعمل على الحد من المضاربات التي تضغط على العملة الوطنية، وصل سعر صرف الدولار إلى نحو 1558 ريالاً للشراء و1573 ريالاً للبيع، بعد أن كان مستقرّاً عند مستويات أعلى بما يقارب 100 ريال خلال الأشهر الماضية.

وأظهرت مؤشرات من تطبيقات مصرفية على الهواتف المحمولة تراجعاً ملحوظاً في أسعار مختلف العملات.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

ويُعدّ هذا التغير في أسعار الصرف هو الأول منذ أواخر يوليو (تموز) وبداية أغسطس (آب) الماضيين، حين شهدت العملة المحلية تحسناً يقارب 50 في المائة، بإجراءات وسياسات اتبعها البنك المركزي والحكومية، بعد أشهر من انهيار تاريخي.

وجاء هذا التراجع بعد اجتماع للبنك المركزي، الخميس الماضي، ناقش فيه استمرار مراقبة حركة السوق المحلية، والمحافظة على استقرار العملة والأسعار لأطول فترة ممكنة.

تدخل غير معلن

لم يكشف البيان الصادر عن البنك، عقب الاجتماع، عن قرارات بتحديد أسعار العملات الأجنبية، ما أثار المخاوف في أوساط السكان من عودة المضاربة ودفعهم إلى بيع ما بحوزتهم من العملات.

إلا أن مصدراً في البنك المركزي تحدّث عن وجود قرار غير معلن لتحسين سعر العملة المحلية والمحافظة على الأسعار الجديدة لأطول وقت ممكن، بانتظار أن تُحقق المصادر الإيرادية الحكومية دعماً ثابتاً يؤدي إلى مزيد من الاستقرار.

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

وذكر المصدر -الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته- أن البنك لا يستطيع حالياً إعلان أسعار صرف العملات الأجنبية أو إلزام السوق المصرفية بها بشكل رسمي، لالتزامه باتفاقيات مع مؤسسات دولية بعدم التدخل، وترك الأسعار تخضع لحركة الأسواق.

ويرجع الباحث الاقتصادي اليمني رشيد الآنسي التحسن الجديد في أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الريال اليمني بالتدفق النقدي الخارجي، خلال الأسابيع الماضية، ومن ذلك صرف رواتب الموظفين والعسكريين بالريال السعودي، ضمن تدخلات السعودية لمساندة الحكومة اليمنية.

ويُضيف الآنسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هناك اتفاقاً بين البنك المركزي و«صندوق النقد الدولي» حول التحسن التدريجي للعملة المحلية للوصول إلى مستويات يمكن السيطرة عليها، وخلال الأسابيع الماضية، حدثت زيادة كبيرة في العملات الأجنبية لدى كثير من الأفراد، في حين البنوك وشركات الصرافة تحتفظ بالعملة المحلية لاستخدامها عند تقديم طلبات الاستيراد من اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الاستيراد.

ويعود ذلك لقرار البنك المركزي بحظر تحويل أي عملات أجنبية إلى خارج البلاد ما لم يكن قد جرى تغييرها بالعملة المحلية، في إطار إجراءاته التي اتبعها العام الماضي لوقف المضاربة بالعملة.

الأسواق اليمنية تشهد عزوفاً عن التسوق بسبب عدم موازاة أسعار السلع لأسعار العملات الأجنبية (غيتي)

ويؤكد الآنسي أن البنك المركزي لا يزال يملك القدرة على التحكم بأسعار الصرف وتحسين وضع العملة المحلية بشكل أكبر، لكنه يسعى إلى المباعدة بين فترات التحسين لضمان حدوث تحسن موازٍ في أسعار السلع، منوهاً بأن الفترة المقبلة قد تشهد مزيداً من تدفق النقد الأجنبي مع استمرار احتفاظ البنوك بالعملة المحلية.

وتقول مصادر محلية إن البنك المركزي وجه، شفهياً، الشركات والبنوك بشراء وبيع العملات الأجنبية بالأسعار الجديدة، على ألا تتجاوز أكبر عملية بيع واحدة مبلغ 600 دولار أو 2000 ريال سعودي، أو ما يعادلها من العملات لكل عميل.

اتساع الفجوة المعيشية

وتشكو العديد من العائلات التي تلقت حوالات خارجية من رفض الشركات والبنوك الشراء منها، بحجة محدودية ما لديها من أوراق نقدية من العملة المحلية، وتتزايد مخاوف العديد من السكان من فقدان قيمة ما يمتلكون أو يدخرون من العملات خلال الأسابيع المقبلة.

من جهته، يُحذر وحيد الفودعي، الباحث الاقتصادي والخبير المصرفي اليمني، من أن يكون هذا التحسن قسرياً وغير مستدام، وناتجاً عن أزمة السيولة المحلية التي يرجح أنها مفتعلة، ويشدد على أن معالجتها ينبغي ألا تتم عبر تخفيض سعر صرف العملات الأجنبية؛ بل من خلال معالجة جذورها النقدية والهيكلية.

عدد من الأنشطة المحلية توقف أو تراجع بسبب عدم موازاة أسعار السلع لأسعار العملات الأجنبية (أ.ب)

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يصف الفودعي تراجع سعر الصرف في الأيام الأخيرة بـ«وهم الانخفاض»؛ حيث تتسع الفجوة بين سعر العملات في السوق والأسعار الفعلية للسلع والخدمات، في ظل غياب انتقال حقيقي للأثر إلى المستهلك، في حين لا يلمس السكان أي تراجع لتكاليف المعيشة، في ظل هيكل سوق شبه احتكاري، وضعف في الرقابة وغياب آليات التسعير العادلة.

وينوه بأنه ومع استمرار الغلاء وتآكل الدخول، يتعمق الإحباط الشعبي، إذ لا ينعكس انخفاض سعر الصرف على واقع المعيشة، في حين تحتاج السوق إلى وقت طويل للتفاعل مع أي تغير، إن حدث ذلك أصلاً، ما يجعل خفض الصرف لا يعني بالضرورة خفض الأسعار.

وعلى الرغم من اقتراب شهر رمضان، تشهد الأسواق اليمنية حركة محدودة لشراء المواد والسلع الاستهلاكية، في ظل صعوبات معيشية تواجه السكان بسبب الحرب والتطورات العسكرية والأمنية واعتداءات الجماعة الحوثية على المنشآت الحيوية.

ويلفت حلمي الحمادي، الخبير المالي اليمني، إلى أنه ومع اقتراب شهر رمضان ترتفع معدلات تحويلات المغتربين لأهاليهم في اليمن، لمواجهة تكاليف متطلبات رمضان والعيد، إلى جانب أن كثيراً من رجال الأعمال والتجار المستثمرين خارج البلاد يقدمون مبالغ كبيرة لأعمال الخير والزكاة، وهو ما يؤدي إلى انخفاض سعر صرف العملة المحلية، وهذا يحدث بشكل سنوي تقريباً.

الجماعة الحوثية تسببت بانقسام نقدي وترفض تداول العملة الصادرة عن الحكومة اليمنية (رويترز)

وأبدى الحمادي قلقه في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من أن يكون هذا التحسن بسبب تدخل سياسي لتطمين السكان بوجود مؤشرات جيدة للتحسن الاقتصادي والمعيشي بعد التطورات الأخيرة وتشكيل الحكومة الجديدة، من دون وجود أسباب حقيقية ومستدامة لتحسن العملة المحلية.

ويشهد اليمن انقساماً اقتصادياً ونقدياً بسبب سيطرة الجماعة الحوثية على أجزاء واسعة من البلاد وعدد كبير من مؤسسات الدولة، بينها جهات إيرادية ضخمة، وفرضها، بالقوة، أسعاراً ثابتة وغير عادلة للعملات الأجنبية، ومنعها لتداول العملات الصادرة عن الحكومة في مناطق سيطرتها.


آليات إغاثية لمواجهة الفراغ الأممي في مناطق سيطرة الحوثيين

المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
TT

آليات إغاثية لمواجهة الفراغ الأممي في مناطق سيطرة الحوثيين

المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)

تتجَّه الاستجابة الإنسانية في اليمن إلى مرحلة جديدة ومعقَّدة، بعد اضطرار الأمم المتحدة إلى اعتماد آليات بديلة لتوزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحوثيين، عقب إغلاق مكاتبها هناك ومصادَرة أصولها، في خطوة أعادت رسم خريطة العمل الإغاثي في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ويأتي ذلك بالتزامن مع استعداد العاصمة الأردنية لاستضافة مؤتمر دولي للمانحين؛ يهدف إلى احتواء التدهور المتسارع في الأمن الغذائي، وسط تحذيرات من توسُّع دائرة الجوع لتشمل ملايين إضافية خلال العام الحالي.

وتشير أحدث التقديرات الإنسانية إلى أن نحو 22.3 مليون يمني، أي نحو نصف السكان، سيحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدات الإنسانية هذا العام، بزيادة 2.8 مليون شخص مقارنة بالعام الماضي، وهو مؤشر يعكس عمق التدهور الاقتصادي واستمرار القيود المفروضة على العمل الإنساني في مناطق النزاع.

انضمام 2.8 مليون يمني هذا العام إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (الأمم المتحدة)

وبحسب مصادر إغاثية، تعمل الأمم المتحدة على إعادة تنظيم عملياتها عبر نقل مهام توزيع المساعدات المنقذة للحياة إلى شبكة من الشركاء، تشمل المنظمات غير الحكومية الدولية والوطنية، إضافة إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي لا تزال قادرةً على العمل ميدانياً داخل تلك المناطق.

تحول اضطراري

يهدف هذا التحوُّل الأممي إلى ضمان استمرار وصول الغذاء والدواء إلى الفئات الأكثر ضعفاً رغم غياب الوجود الأممي المباشر، الذي تعرَّض لانتكاسة واسعة جراء قيود الحوثيين وانتهاكاتهم.

ويعكس هذا التوجه تحولاً اضطرارياً في آليات العمل الإنساني، إذ باتت الوكالات الدولية تعتمد نموذج «الإدارة عن بُعد» لتقليل المخاطر على موظفيها والحفاظ على تدفق المساعدات.

غير أن خبراء الإغاثة يحذرون من أن هذا النموذج يواجه تحديات كبيرة، أبرزها ضعف القدرة على الرقابة الميدانية، وصعوبة ضمان وصول المساعدات إلى المستفيدين دون تدخلات أو قيود.

وتؤكد تقارير إغاثية أن القيود المفروضة على العمليات الإنسانية أسهمت في حرمان ملايين اليمنيين من المساعدات الأساسية، في وقت يشهد فيه البلد مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، حيث يعاني أكثر من 18 مليون شخص من الجوع الحاد، بينهم ملايين يعيشون في مستويات طارئة وفق التصنيفات الدولية للأمن الغذائي.

الحوثيون حرموا ملايين اليمنيين من المساعدات المنقذة للحياة (إعلام محلي)

ويمثل مؤتمر المانحين المرتقب في الأردن محطةً مفصليةً لإعادة حشد الدعم الدولي، إذ تسعى وكالات الإغاثة إلى سدِّ فجوة تمويلية متزايدة تهدِّد بتقليص البرامج الإنسانية الحيوية.

ومن المتوقع أن يناقش المشاركون آليات جديدة لضمان وصول المساعدات في ظل القيود الأمنية والإدارية، إضافة إلى تعزيز دور الشركاء المحليين بوصفهم الحلقة الأكثر قدرة على الوصول إلى المجتمعات المتضررة.

أزمات متعددة

لا تقتصر الأزمة في اليمن على الغذاء فقط، بل تمتد إلى القطاع الصحي الذي يواجه ضغوطاً غير مسبوقة، حيث تشير البيانات إلى أن نحو 40 في المائة من المرافق الصحية متوقفة أو مُهدَّدة بالإغلاق؛ بسبب نقص التمويل. ويؤثر ذلك بشكل خاص على النساء والفتيات، مع تراجع خدمات الصحة الإنجابية وارتفاع المخاطر الصحية المرتبطة بالحمل والولادة.

وتحذِّر منظمة الصحة العالمية من أن تدهور الوضع الصحي في اليمن أسهم في انتشار الأمراض التي يمكن الوقاية منها، في ظل انخفاض معدلات التحصين، إذ لم يحصل سوى أقل من ثُلثي الأطفال على اللقاحات الأساسية.

وقد سُجِّلت أكثر من 18600 إصابة بالحصبة و188 وفاة خلال العام الماضي، إضافة إلى تسجيل اليمن ثالث أعلى معدل إصابات بالكوليرا عالمياً بين مارس (آذار) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025، مع نحو 350 ألف حالة مشتبه بها، وأكثر من 1100 وفاة.

ويرتبط تفشي الأمراض بشكل مباشر بتفاقم سوء التغذية، حيث يعاني أكثر من 2.2 مليون طفل يمني دون سنِّ الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينهم 570 ألف حالة شديدة الخطورة، بينما يواجه نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مخاطر صحية جسيمة؛ نتيجة نقص الغذاء والرعاية الصحية.

وتؤكد المنظمات الإنسانية أن نجاح مؤتمر المانحين لن يُقاس فقط بحجم التعهدات المالية، بل بقدرة المجتمع الدولي على إيجاد آليات مستدامة لضمان وصول المساعدات دون عوائق، ومنع تحوُّل الأزمة الإنسانية في اليمن إلى كارثة طويلة الأمد يصعب احتواؤها مستقبلاً.