كرة القدم... في مرمى الثقافة

كتّاب مصريون يرونها نصاً مفتوحاً للفرح بالفن

كرة القدم... في مرمى الثقافة
TT

كرة القدم... في مرمى الثقافة

كرة القدم... في مرمى الثقافة

بعيداً عن أجواء الحروب والصراعات في أرجاء كثيرة من المعمورة، سيعرف العالم في الرابع عشر من الشهر المقبل، حرباً أخرى، لكنها هذه المرة سلمية وشفافة و«عادلة» أيضاً، تدور رحاها داخل مستطيل أخضر. في ذلك اليوم، ستتنافس الدول المشاركة، وبينها 4 دول عربية، للفوز بكأس العالم «المونديال» 2018 الذي تستضيفه روسيا، وتنطلق منافساته في طقوس كرنفالية مبهجة، تختلف من بلد إلى آخر، في 14 يونيه المقبل.
ما الذي يجمع بين الإبداع، الذي يعتبره كثيرون نوعاً من اللعب وكرة القدم؟ بين المثقف اللاعب؟ هنا آراء عدد من الكتاب المصريين:
يقول الروائي ناصر عراق: «كرة القدم عشقي الأول: مارستها وأنا طفل وصبي وفتى، كنت أقلد أشقائي الكبار المغرمين بها، ولأني نشأت في حي شعبي (شبرا الخيمة) على أطراف القاهرة، فقد أتيح لي ممارسة اللعبة في الحواري والشوارع الخالية يومياً لمد ساعات طويلة قبل أن يتكدس البشر والحجر والمركبات في هذا الحي العتيق، فلا نجد مكاناً نزاول فيه هوايتنا المفضلة».
يتابع عراق: «كرة القدم لم تعد مجرد لعبة يمارسها هواة مفتونون بالركض خلف الساحرة المستديرة، وإنما غدت تلبي مطالب حيوية عدة للإنسان في العصر الحديث، يمكن إيجازها - بحسب عراق - في هذه النقاط:
أولاً: الحفاوة بالعمل الجماعي، فكرة القدم تعد نموذجا مثاليا للعمل الجماعي تذكّر الإنسان الحالي بماضيه البعيد جداً، وذلك عندما نجا الإنسان الأول من الانقراض بسبب العمل الجماعي من أجل الصيد لتناول الطعام، أو مواجهة عدوان الوحوش الضارية وتقلبات الطبيعة القاسية.
ثانياً: قيمة العدل في التو واللحظة، وهي قيمة مفتقدة في زمن التوحش الرأسمالي الحالي، فهذه اللعبة الجميلة يتنافس فيها فريقان متساويان في عدد اللاعبين، ومن يخطئ منهم يحاسب في الحال، ومن ينجح في إحراز الهدف يكافئ فوراً بالتصفيق والهتاف ورفع صوره.
أما السبب الثالث، فيوجزه عراق في فكرة لافتة، هي أن كرة القدم تبجل فضيلة المهارة، حيث يتلقى اللاعب الماهر مكافآت لا حصر لها من أموال طائلة وشهرة عالمية وإعجاب مثير، وأيضاً تحفيز قيمة الابتكار في أمور كثيرة تخص كرة القدم من أول ملابس اللاعبين والحكام، حتى أساليب التصوير ونقل المباريات على الهواء مباشرة، مروراً بالمعلقين والمحللين، فالكل يعمل جاهداً لتطوير ملكاته ليظل قادراً على الوجود والمنافسة، وهكذا يفاجأ المشاهدون في كل مسابقة عالمية بقفزات نوعية في هذه المجالات كافة.
وتبقى السعادة أهم الأشياء التي تحققها كرة القدم، فالمنافسة الشريفة والإثارة الدائمة والمهارة اللافتة والتمريرة الذكية... كل ذلك يمنح المتابع قدراً من السعادة يتحرر به من أسر الرتابة اليومية والهموم الدائمة، ولا ريب في أن إنسان العصر الحديث صار أسيراً للرتابة والهموم.
أما الروائي والناقد سيد الوكيل فيقول: «أذكر في هذا السياق القصة الشهيرة للكاتب السكندري (محمد حافظ رجب) وأعني قصة (الكرة ورأس الرجل) وبطلها رجل وجد أن اللاعبين فشلوا في إحراز هدف، فأعطاهم رأسه يلعبون بها، فأحرزوا أهدافاً كثيرة. للقصة طابع (ابسيردي) عبثي وساخر، حيث أصبحت الرأس التي كانت رمزاً للحكمة والفلسفة، في خدمة الأرجل والأجساد، وكأنما الكاتب ينعي عصر العقل الذي عرف بالحداثة. القصة تندد بعملية الاستبدال التي نعيشها في عصرنا هذا، حيث أصبح للجسد وجمالياته ومهاراته في عصر الصورة حضور أكبر كثيراً من الفكر والمعرفة والثقافة. بالنسبة لي فالأمر ليست هكذا، بل هو عملية استبدال ثقافة بثقافة أخرى تناسب عصر الصورة، بعد أن قدم عصر الكتابة كل ما عنده، ثم أسلم قيادة العالم للصورة. وهكذا يجب أن نقرأ الأمر في سياق حضاري، كجزء من نقلة نوعية في التاريخ البشري».
ويخلص الوكيل بقوله: «أصبحت كرة القدم ثقافة تنتج أغانيها وشعاراتها، ورموزها من اللاعبين، وفي عالم القرية الواحدة، تجاوزت كرة القدم حدود الجماهيريات المحلية والانحيازات الوطنية والقومية، لتصبح تمثيلاً بازغاً لثقافة العولمة، يمكنك مثلاً ملاحظة أن الأجيال الشابة من جماهير كرة القدم، في بلد كبير مثل مصر، أكثر اهتماماً بالأندية العالمية من اهتمامها بأندية بلدها، ولا تندهش أن تجد روابط لمشجعي برشلونة وريال مدريد في مصر، على القدر نفسه من الحماس والتنافس كالذي كان بين الأهلي والزمالك في الماضي.. الأهم من ذلك أن كرة القدم نموذج لاقتصاد العولمة أيضاً، الإعلانات وصفقات النجوم، والأدوات والأحذية والملابس المرتبطة بهم، إنه اقتصاد عابر للقارات تتهافت عليه الدول الكبرى، وتعتقد بعض الأنظمة أن امتلاكها، أو حتى تنظيم أحد المونديالات سيضعها على رأس العالم. لكن المشكلة، أن ثقافة الصورة هي ثقافة هنا والآن، فكل هذه الشهرة والجماهيرية تنتهي مع صافرة الحكم، وتعاود من جديد بشروط ولاعبين جدد وربما جماهير جديدة، فهي ثقافة لا تمنح الخلود الذي منحته الكتابة لنجومها عبر التاريخ. ربما من أجل هذا يتأسى محمد حافظ رجب لرأس الرجل».
من جانبه، قال الروائي محمد بركة: «إن ما يخطر ببالي حين أفكر لماذا أشجع فريقاً محلياً مثل نادي الزمالك، ومنتخب الفراعنة، أو فريقاً مثل ريال مدريد ومنتخب السامبا على المستوى العالمي، أتأكد أن ما يجعلني أهتم بهذه الأجواء هي فكرة العدالة الفورية... المطلقة. فداخل المستطيل الأخضر تتم ترجمة الجهد والإصرار واللعب الجماعي، وأيضاً المهارات الفردية إلى أهداف رائعة تسكن الشباك وسط هتافات مدوية آتية من حناجر المشجعين».
ويضيف: «في هذا الحيز لا توجد فرصة للرشوة أو التلاعب بالأدلة أو الضغط على شهود العيان، وغيرها من الممارسات التي تهدد بقاء فكرة العدالة في واقعنا. أيضاً يهيئ لي أن حماس وحرارة كرة القدم تقدم بديلاً حضارياً مقبولاً لبقايا العدوانية والرغبة في سحق الآخر. حيث ما زال ظل كل ذلك الماضي كامناً في أعماقنا وورثناه عن إنسان ما قبل التاريخ وعصر الغابات والكهوف.
ويتابع بركة: «إن الرغبة في الفوز وانفعالنا بالفرص الضائعة تذيب كل الحواجز وتصنع رابطاً إنسانياً مدهشاً بيننا وبين أشخاص لم نرهم قبل الآن، وربما لن نراهم مرة أخرى مدى الحياة. في هذه الأجواء تسقط النظريات الفكرية وتتوارى الآيديولوجيات فلا صوت يعلو فوق صياح الجماهير وصخب فرحتها».
أما الكاتبة والروائية سهى زكي، وهي من عشاق الساحرة المستديرة فتقول: «لا ينفصل واقع الكاتب المصري عما يدور حوله من أحداث وفعاليات مهمة كرة القدم أحد الأنشطة الرياضية التي فرضها الواقع، فالمثقف المصري غالباً ليس من ذلك النوع المنفصل عما يدور حوله وكثير من المثقفين والكتاب لديهم ميول كروية، بل إن بعضهم ينسي موضوعيته ويتحيز لفريق كرة معين ويتابع بشغف ما يجري ويفرح ويحزن. كرة القدم تحديداً هي نوع استثنائي من الرياضة، حيث استحقت عن جدارة ذلك اللقب القديم الذي منح لها (الساحرة المستديرة)، فهي على الرغم من أنها تقسم المشجعين حسب فرقهم فهي أيضاً تجمع الكل وقتما يلعب المنتخب، وكأنها طقس مقدس يجتمع علي احترامه الجميع بلا استثناء، فعندما يكون المنتخب أمام فريق آخر فتجد كل الفرق المتناحرة قد أصبحوا على قلب رجل واحد.
تتابع زكي، واصلة الخيوط بين الفن واللعب: الأحداث المصاحبة لمباريات كرة القدم وشخصيات اللاعبين الاستثنائية، هم في الواقع أشخاص ملهمون وربما آخر الملهمين في واقعنا المصري ذلك الشاب الشهير «مو»، محمد صلاح... ما فعله صلاح ابن البيئة الريفية البسيطة لم يستطع فعله ساسة أو إعلاميون... لذلك يعتبر محمد صلاح سفيراً حقيقياً لمصر.



«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية
TT

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام العالمية بالنمو التكنولوجي الهائل للعملاق الصيني ومعدلات نموه القياسية، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» للصيني «هو أنيان» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية. الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية لعامل بسيط قضى عقدين من الزمن، وهو في صراع من أجل لقمة العيش، بل هو صرخة الأيادي العاملة الصغيرة ضد قسوة النظام العالمي.

يستعرض الكاتب بأسلوب واقعي، يمزج بين الدقة السردية والعمق الفلسفي، تجربته كعامل توصيل للطرود، عانى من ظروف عمل قاسية، قبل أن يصبح كاتباً مشهوراً بعد نشر كتاباته على منصّات صينية، حيث وصل حجم مبيعات الكتاب في الصين إلى 3 ملايين نسخة، وهو ما يفسر وصوله إلى أرفف المكتبات العالمية، حيث طُرحت الترجمة الفرنسية للكتاب في الأسواق الفرنسية في 7 يناير (كانون الثاني) الحالي عن دار «أوترومون» في 320 صفحة، وكانت مسبوقة بالنسخة الإنجليزية التي نشرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، كما تم الإعلان عن صدور قريب للنسخة الألمانية.

«حياتي كعامل توصيل في بكين» توثّق بدقة ظروف العمل القاسية التي مّر بها هو أنيان كعامل توصيل للطرود، واصفاً تلك الفترة بأنها «استنزاف للروح قبل الجسد»، حيث يجد الإنسان نفسه مجرداً من هويته، لا ينظر إليه إلا كـ«رقم تتبع» في تطبيق إلكتروني. الكاتب وصف الدوام الذي يمتد لـ12 ساعة متتالية، والفترات التجريبية بلا أجر، والبرد القارس والحرارة الخانقة والضغط المتواصل لإتمام مهام توصيل الطرود، كما وصف أيضاً كيف يعيش عمال التوصيل في غرف مقسمة إلى حجرات بلا نوافذ، أو في «بيوت القواقع»، وهي وحدات محمولة لا تتجاوز حجم السرير. الكتاب قُسم لفصول قدمت كـ«يوميات معركة»، ففي الفصل الأول «سباق ضد الزمن» يستعرض هو أنيان الضغط النفسي الهائل الذي تفرضه الشركات لتوصيل الطرود في مدة زمنية مستحيلة، وكيف تتحول الشوارع إلى حلبة صراع للبقاء. ثم يتعرض في الفصل الثاني «المدينة غير المرئية» إلى علاقة العامل بالمدينة، كيف يراها خلف الأبواب المغلقة وفي الممرات الخلفية، وكيف يشعر بالغربة رغم كونه المحرك الأساسي لحياة سكانها. وفي الفصل الثالث الذي يحمل عنوان «فلسفة الطرود»، ينتقل الكاتب من الرصد الواقعي إلى التأمل الفلسفي، متسائلاً عن قيمة العمل والكرامة الإنسانية في عصر يتم فيه تشييء البشر.

في واحد من أكثر المقاطع تأثيراً، يكتب أنيان ما يلي: «لم أكن أقود دراجتي، كنت أقود قدري المترنح بين زحام السيارات. في عيون الزبائن، أنا لست بشراً، أنا مجرد مهمة يجب أن تنتهي بسرعة. ولكن في أعماقي، كنت أخزّن كل نظرة ازدراء لأصنع منها درعاً من الكلمات». وفي مقطع آخر، يحلّل الكاتب علاقته بالخوارزمية التي تتحكم في جهده وفي أنفاسه. فيكتب: «الخوارزمية لا تعرف التعب، ولا تعرف أنني أب أو أنني مريض. إنها تطلب مزيداً من السرعة مقابل سنتات قليلة. لقد اكتشفت أن الحرية في بكين هي المسافة القصيرة بين طردين».

يتجاوز الكتاب حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً ضد توحش اقتصاد العمل الحر

صحيفة «لوموند»

حظي الكتاب بترحيب نقدي واسع في الدوائر الإعلامية الأنجلوسكسونية والفرنسية، حيث وُصف «هو أنيان» بأنه أحد أبرز المواهب الأدبية الصينية الجديدة من قبل صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية. وقد اختار ثلاث من أبرز المنابر الثقافية: «الغارديان»، و«صنداي تايمز»، و«الإيكونوميست»، «حياتي كعامل توصيل في بكين» ضمن أفضل كتب عام 2025. في صحيفة «الغارديان» أشارت الناقدة ريبيكا ليو إلى أن الكتاب يتناول موضوع الطبقة الاجتماعية، وتحديداً القوة العاملة منخفضة الأجر التي لا تحظى بالاعتراف، والتي تتعرض للاستغلال، والتي كانت وقود الطفرة الاقتصادية في الصين، بل العالم أجمع، في ظل العولمة. وفي مراجعتها بصحيفة «نيويورك تايمز»، اعتبرت الناقدة ليا غرينبلات أن الكتاب يقدم شهادة حية من خطوط المواجهة الأمامية لاقتصاد العمل الحر، وأن رحلة الكاتب من عامل متنقل بين الوظائف منخفضة الأجر إلى مؤلف مشهور عالمياً تحمل طابعاً استثنائياً.

أما صحيفة «لوموند» فقد خصّصت لمراجعة هذا العمل مساحة مطوّلة، واصفة إياه بأنه «مرآة كاشفة للاغتراب المعاصر»، حيث رأى نقّادها أن قوة «هو أنيان» لا تكمن في كونه ضحية لنظام اقتصادي جائر فقط، بل في امتلاكه تلك «النظرة السوسيولوجية» الثاقبة التي تحلل الطبقة الاجتماعية الصينية الجديدة. واعتبرت الصحيفة أن الكتاب يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً أو «مانيفستو» ضد توحش اقتصاد العمل الحر، مشيدةً بقدرة الكاتب على وصف «استنزاف الروح» الذي يسبق انهيار الجسد، وكيف يتحول الفرد في شوارع بكين إلى مجرد «رقم» في عالم افتراضي لا يعترف بالبشر. أما صحيفة «لفيغارو»، فقد ركّزت في قراءتها على الجانب الجمالي والأخلاقي للنصّ، واصفة أسلوب «أنيان» بـ«الواقعية العارية» التي لا تهدف إلى استدرار العطف، بل إلى إثارة التأمل الفلسفي حول قيمة الكرامة الإنسانية. وأشارت الصحيفة إلى أن الرحلة الاستثنائية للكاتب، من العيش في «بيوت القواقع» ووحدات الحاويات الضيقة إلى منصات التوقيع في كبرى دور النشر العالمية، تمثل انتصاراً للوعي على المادة. وذهبت «لفيغارو» إلى أن «أنيان» نجح في فضح زيف «الحرية» في المدن الكبرى، تلك الحرية التي اختزلها الكاتب ببراعة في «المسافة القصيرة بين طردين».


نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد
TT

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي، ثم ظهرت إلى جانبه محاولات نقدية مشكلة وإياه نواة منظورة لحركة النقد الأدبي العراقي متمثلة بتجارب الأستاذ الناقد الموسوعي باسم حمودي وعبد الجبار البصري، لكن الطاهر كان الأبرز تمثيلاً لها والأوضح تحفيزاً لفرسان النقد العراقي الذين بدأت مشاريعهم النقدية أواخر ستينات القرن الماضي؛ عبد الجبار عباس، وشجاع مسلم العاني، وفاضل ثامر، وياسين النصير الذين شيّدوا متناً نقدياً عراقياً نهض كل منهم في صياغة جانب منه؛ لتنطلق حركة نقدية جادة قوية التأثير في العمل الإبداعي العراقي؛ شعرياً وسردياً، آتت أكلها في إغنائه بكشوفات نقدية تنهل من حركة النقد عربياً وعالمياً بالانفتاح على مناهج ومدارس وتجارب نقدية وفكرية فيها... موضوعات ومفاهيم ومصطلحات. ولن تفوتنا إسهامات عبد الرحمن طهمازي لكن صوته الشعري كان الأطغى والأعلى نبرة في مسيرته الإبداعية.

وخلال عقد السبعينات ظهرت أسماء جديدة لشبان واعدين مثل محمد جبير وعبد الرحمن عناد ومؤيد الطلال وعبد الكاظم عيسى وسليم عبد القادر.

خلال الثمانينات ولدت تجربتان نقديتان مهمتان مثلتهما كتابات الدكتورين مالك المطلبي وحاتم الصكر؛ الأولى اقتفت أثر المدرسة الفرنسية في تمظهراتها البنيوية. أما الثانية، أي تجربة الصكر النقدية، فبرعت في النهل من المنهج القرائي وتعدد مستويات قراءاته، وإلى جوار هاتين التجربتين المهمتين اللتين أثرتا تأثيراً كبيراً في فحص الإبداع العراقي وأضافتا لبنات واضحة في مدماك النقد التطبيقي وفي ظلهما بدأت تجارب لافتة للنظر تتلفع بالأكاديمية التي كانوا يدشنونها آنذاك؛ صالح هويدي وعبد الله إبراهيم وباقر جاسم ومحمد صابر عبيد.

خلال العقدين المنصرمين بزغ في المشهد النقدي العراقي اسم نسوي لا ذكوري. إنه اسم الناقدة الدكتورة نادية هناوي؛ اسم اعتلى عتبات النقد الأدبي وطرق أبوابه بقوة وجرأة واضحتين لفتتا انتباه المبدعين الكبار عراقياً وعربياً؛ بجهدها المثابر واجتهادها الفريد؛ ليشغل عطاؤها مساحات واسعة من الصحف من خلال مقالات وكتب قيمة أصدرتها دور نشر محترمة، فاستقبل مشروعها النقدي بالإعجاب والثناء والتقدير. وكان أول المرحبين والمبشرين به الناقد الكبير فاضل ثامر الذي وصفها براهبة النقد، وتتبع عطاءها بالبحث المعمق وبانبهار وخلص إلى القول «يحق لنا أن نحتفي بولادة منظرة أدب عربية». ووصفها الناقد شجاع مسلم العاني بكونها ناقدة «قادرة على خرق المسلمات النقدية العراقية والإتيان بما هو جديد ومختلف... إنها ناقدة كبيرة وموهبة نقدية كبيرة».

ومن خارج دائرة النقد العراقي، عربياً، تواتر الإقرار بمشروعها النقدي.

ومرد ذلك متانة ورصانة مشروعها النقدي وأهميته وفاعليته النظرية والإجرائية. ومن التوصيفات الدقيقة لهذا المشروع، ما أكدته الباحثتان الدكتورة رواء الخزاعي ومها فاروق الهنداوي والدكتور عزيز الموسوي في الندوة التي عقدها اتحاد الأدباء تحت عنوان «استراتيجيات القراءة لدى الناقدة نادية هناوي»، إذ أكدوا، وهم باحثون أكاديميون وأساتذة متخصصون في السرديات بكبرى الجامعات العراقية، أن «الناقدة الكبيرة نادية هناوي ذات مشروع ريادي ليس بمعزل عما بعد الحداثة، وأنه مشروع بنيوي معرفي شهد تحولات مهمة وشكَّل مرحلة مفصلية في النقدية العراقية والعربية، بالأخص في كتاباتها عن السرد والتاريخ»؛ ولاحظوا أن التحول من نصاني إلى معرفي فلسفي والنفس للحداثة واضح فيه، إذ لم تتعامل هناوي بالمصطلح كما هو قار في المدونة الغربية، بل تحاوره وتسائله وتنتزع مصطلحاً ينتمي إلى فضائها، كما هو الحال في اجتراحها مصطلح «رواية التاريخ» بعد مساءلة فكرية فلسفية مفندة مصطلح المتخيل التاريخي الذي ذهب إليه بعض النقاد. فالتاريخ لديها ليس استحضاراً، بل استدعاء للمساءلة، والاستدعاء كسر لسلطة التاريخ.

لقد أجمعت بحوث الندوة أن «هناوي امتلكت أدوات الناقد النظرية والإجرائية والملكة النقدية، وأن مشروعها الكبير شكلته عدة روافد، منها المدونات الغربية غير أنها لم تكن ناقلة لها، بل فاحصة ومحاورة ومجترحة داخلة نظرية المعرفة بشجاعة عالية ولم تكن بمعزل عن الموروث العربي، لكنها لم تستدعه للمباهاة أو المباهلة، بل لإثبات التلاقح الفكري والإبداعي، وأنها تُغني قارئها بقراءاتها الموسوعية الاستقصائية، وقد تجاوزت الكتابة في التخصص الدقيق مخاطرة عن وعي منتقلة من النظرية السردية إلى علم السرد والسرد ما بعد الكلاسيكي».

ويأتي الكتاب الأربعون «أقلمة سرديات الرحلة عربياً وأجنبياً»، الصادر مؤخراً عن دار «أبجد»، في الوقت الذي تصارع فيه ناقدتنا الكبيرة وحشية المرض اللعين.

والكتاب ضمن سلسلة أبحاثها التي محورها أقلمة السرد العربي مستندة على أصول ومتون في مصادر ومظان ترود فيها بفرادتها وغزارتها منذ سنوات عدة.

ويتمحور الكتاب على السرد (الرحلي) من ناحيتي التأصيل النظري والنمذجة الإجرائية عبر فصوله الثمانية؛ إذ يهتم الفصل الأول باستقصاء القاعدة التي قامت عليها الأصول وتمخضت التقاليد الأدبية فتشكلت الأجناس، وبذلك تأصلت الرحلة كنوع سردي.

بينما يركز الفصل الثاني على دور رحلة غلغامش في نشأة التقاليد موضوعياً وفنياً كونها - أي الرحلة الغلغامشية - مصدراً أصلياً ساهم في البناء الشعري الملحمي، أولاً، والتدوين والنسخ، ثانياً، في ترسيخ أصالة هذا المصدر الذي تمظهرت أقلمته بأشكال مختلفة لا في مرويات الرحلات العربية فقط بل قبل ذلك في المرويات الصينية ذات التاريخ العريق - إلى عصور ما قبل الميلاد - وفيها شكلت الرحلة موضوعاً رئيسياً.

وتنتقل د. هناوي في الفصل الثالث إلى أقلمة الرحلة العربية والأجنبية في ضوء علم السرد غير الطبيعي باحثة في دور المؤلف وأهمية المكان في السرد الرحلي عبر ضمير المتكلم على مستويي الإنشاء النصي وموثوقية التوصيل القرائي، ثم تعرج على مركزية الهوية في تأليف الرحلة العربية التي تراها الأكثر تمثيلاً لموضوعة الذات والآخر والهوية من خلال المحاور التالية: 1- موقع المؤلف هامشاً في الثقافات الأجنبية، 2 - موقع المؤلف مركزاً في الثقافات الأحادية، 3 - أساليب أقلمة السرد الرحلي عامة ورحلة ابن فضلان خاصة (أقلمة كتاب الرحالة الحسن بن محمد الوزان؛ وصف أفريقيا).

يذكر أن هذه الرحلة كانت مدار رواية الكاتب أمين المعلوف «ليون الأفريقي»، وكتاب «وصف أفريقيا» الذي تراه هناوي نصاً مصدراً تمت أقلمته تاريخياً، وقد تمت أقلمة الكتاب نقدياً أيضاً من قبل محمد مهدي الحجوي بعنوان «حياة الوزان الفاسي وآثاره»، ودراسة أخرى بعنوان «ليون الأفريقي» للمستشرق كراتشوفسكي في مؤلفه «تاريخ الأدب الجغرافي العربي». وفي دراسة أساليب النصوص الرحلية المؤقلمة تقف عند رحلة الوزان عبر النص الروائي لأمين معلوف.

ولا يفوتها إجراء مفاضلة بين الأنا والآخر في الرحلة المتخيلة روائياً، أسلوباً ونمذجةً، ومدى درجة تقاربها والرحلة الفعلية، وآفاق بناء المتخيل السردي وتغيراتها تاريخياً متخذة من روايتي «الخميائي» لباولو كويلو ورحلة «ابن فطومة» لنجيب محفوظ مثالاً. وفي الفصل الأخير تعرج الباحثة على دراسة إقلمة سردية الرحلة الأجنبية من وجهة نظر الدراسات الثقافية على قلة ما يتعلق منها بأدب الرحلات ومؤلفة حديثاً ككتاب «نظرات إمبريالية: كتابة الرحلة والعبور الثقافي» و«مفردات مفتاحية في دراسة أدب الرحلات... مسرد نقدي».


بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»
TT

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

«لدى التصدي لتحقيق مخطوطات تنتمي لعالم الثقافة الشعبية المتسع والمراوغ، يكون الاختلاف المنهجي ضرورة يضطر إليها المحقق اضطراراً، فنحن في واقع الحال نكون أمام ثقافة موازية لما تعلمناه في قاعات الدرس، وهي ثقافة مختلفة إلى حد بعيد، كما أن هذه المخطوطات دائماً ما تثير قضايا خلافية وتدفع إلى بلورة أفكار جديدة، سواء على مستوى الموضوعات أو القضايا المنهجية. فاختلاف طبيعة المخطوط ومضمونه يحتّمان بلا شك طبيعة الإجراءات والأدوات الناجعة في التعامل معه».

بهذه النبذة يقدم د. هشام عبد العزيز كتابه «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي... حدود المصطلح والإجراءات المنهجية»، الذي جاء في مقدمة وأربعة فصول، والذي يستعرض مفهوم علم التحقيق وحدود المنهجية، وتحقيق التراث الشعبي بشكل خاص، كما يتعرض في أحد الفصول للاختلاف في بنية المفاهيم والمصطلحات في علم التحقيق بين النص الرسمي والنص الشعبي. لكن من أهم الفصول الذي أفرد له المؤلف مساحة وافية هو الفصل الأخير الذي يتناول النماذج التطبيقية التي تحدث فيها عن تجاربه في تحقيق مخطوطات التراث الشعبي. يرى عبد العزيز أن تحقيق التراث الشعبي يختلف بشكل يكاد يكون كلياً عن تحقيق التراث المعروف، ليس من حيث مادته فحسب، بل من حيث فلسفة العمل ومنهجه وبنية المفاهيم الحاكمة لعمل المحقق.

وفي هذا الإطار، يؤكد المؤلف حاجة تحقيق مخطوطات التراث الشعبي إلى ما يسميه «المحقق المتخصص»، فمثل هذا المحقق وحده الذي يستطيع استنطاق المخطوط «الشعبي» بمعارف حقيقية وآمنة، ومن دونه سيكون العمل أشبه بفوضى لا تقدم جديداً. وقد ضرب المؤلف، في هذا السياق، أمثلة كثيرة لأعمال محققة بالفعل، من بينها أعمال حصلت على جوائز، لكنها في حقيقة الحال لا تقدم شيئاً، بل إنها تحتوي على «تدليس علمي»، حسب ما يقول. ويرى أن «كل مخطوط جديد يحمل خبرة جديدة وتجربة علمية وتعليمية تعزّ عن الوصف... بعد هذا المشوار الطويل الذي أكمل ثلاثة عقود، أستطيع أن أقول بكل ثقة إن تحقيق التراث بشكل عام أكثر من مجرد علم وأوسع بكثير من قاعات الدرس». إنه، كما يضيف، «عملية تعليمية فيها جانب يشبه إلى حد بعيد تعليم الحرف الشعبية التي تقتضي المعايشة اليومية والمشكلات المتجددة مع كل عمل جديد... وكذلك كل مخطوط جديد يحتاج خبرة جديدة بهذا المخطوط تحديداً، وبمؤلفه، وبزمن تأليفه، وبزمن نسخه. ثم وهو الأهم: بالمجال المعرفي الذي ينتمي إليه هذا المخطوط. وكل عنصر مما سبق يحتاج إلى خبرات محددة وعميقة للتعامل معه بالكيفية التي تنتج معرفة حقيقية نافعة».

وسبق للمؤلف أن أصدر في مجال تحقيق مخطوطات التراث الشعبي خاصة عدة كتب، منها: «ألف ليلة وليلة... حكايات أخرى»، و«معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية»، و«المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب»، كما صدرت له عدة مؤلفات في مجال الثقافة الشعبية، منها: «فضل الخرافة»، و«معجم النيل»، و«السيرة الشعبية... جدل النوع وجغرافيا التداول».