كرة القدم... في مرمى الثقافة

كتّاب مصريون يرونها نصاً مفتوحاً للفرح بالفن

كرة القدم... في مرمى الثقافة
TT

كرة القدم... في مرمى الثقافة

كرة القدم... في مرمى الثقافة

بعيداً عن أجواء الحروب والصراعات في أرجاء كثيرة من المعمورة، سيعرف العالم في الرابع عشر من الشهر المقبل، حرباً أخرى، لكنها هذه المرة سلمية وشفافة و«عادلة» أيضاً، تدور رحاها داخل مستطيل أخضر. في ذلك اليوم، ستتنافس الدول المشاركة، وبينها 4 دول عربية، للفوز بكأس العالم «المونديال» 2018 الذي تستضيفه روسيا، وتنطلق منافساته في طقوس كرنفالية مبهجة، تختلف من بلد إلى آخر، في 14 يونيه المقبل.
ما الذي يجمع بين الإبداع، الذي يعتبره كثيرون نوعاً من اللعب وكرة القدم؟ بين المثقف اللاعب؟ هنا آراء عدد من الكتاب المصريين:
يقول الروائي ناصر عراق: «كرة القدم عشقي الأول: مارستها وأنا طفل وصبي وفتى، كنت أقلد أشقائي الكبار المغرمين بها، ولأني نشأت في حي شعبي (شبرا الخيمة) على أطراف القاهرة، فقد أتيح لي ممارسة اللعبة في الحواري والشوارع الخالية يومياً لمد ساعات طويلة قبل أن يتكدس البشر والحجر والمركبات في هذا الحي العتيق، فلا نجد مكاناً نزاول فيه هوايتنا المفضلة».
يتابع عراق: «كرة القدم لم تعد مجرد لعبة يمارسها هواة مفتونون بالركض خلف الساحرة المستديرة، وإنما غدت تلبي مطالب حيوية عدة للإنسان في العصر الحديث، يمكن إيجازها - بحسب عراق - في هذه النقاط:
أولاً: الحفاوة بالعمل الجماعي، فكرة القدم تعد نموذجا مثاليا للعمل الجماعي تذكّر الإنسان الحالي بماضيه البعيد جداً، وذلك عندما نجا الإنسان الأول من الانقراض بسبب العمل الجماعي من أجل الصيد لتناول الطعام، أو مواجهة عدوان الوحوش الضارية وتقلبات الطبيعة القاسية.
ثانياً: قيمة العدل في التو واللحظة، وهي قيمة مفتقدة في زمن التوحش الرأسمالي الحالي، فهذه اللعبة الجميلة يتنافس فيها فريقان متساويان في عدد اللاعبين، ومن يخطئ منهم يحاسب في الحال، ومن ينجح في إحراز الهدف يكافئ فوراً بالتصفيق والهتاف ورفع صوره.
أما السبب الثالث، فيوجزه عراق في فكرة لافتة، هي أن كرة القدم تبجل فضيلة المهارة، حيث يتلقى اللاعب الماهر مكافآت لا حصر لها من أموال طائلة وشهرة عالمية وإعجاب مثير، وأيضاً تحفيز قيمة الابتكار في أمور كثيرة تخص كرة القدم من أول ملابس اللاعبين والحكام، حتى أساليب التصوير ونقل المباريات على الهواء مباشرة، مروراً بالمعلقين والمحللين، فالكل يعمل جاهداً لتطوير ملكاته ليظل قادراً على الوجود والمنافسة، وهكذا يفاجأ المشاهدون في كل مسابقة عالمية بقفزات نوعية في هذه المجالات كافة.
وتبقى السعادة أهم الأشياء التي تحققها كرة القدم، فالمنافسة الشريفة والإثارة الدائمة والمهارة اللافتة والتمريرة الذكية... كل ذلك يمنح المتابع قدراً من السعادة يتحرر به من أسر الرتابة اليومية والهموم الدائمة، ولا ريب في أن إنسان العصر الحديث صار أسيراً للرتابة والهموم.
أما الروائي والناقد سيد الوكيل فيقول: «أذكر في هذا السياق القصة الشهيرة للكاتب السكندري (محمد حافظ رجب) وأعني قصة (الكرة ورأس الرجل) وبطلها رجل وجد أن اللاعبين فشلوا في إحراز هدف، فأعطاهم رأسه يلعبون بها، فأحرزوا أهدافاً كثيرة. للقصة طابع (ابسيردي) عبثي وساخر، حيث أصبحت الرأس التي كانت رمزاً للحكمة والفلسفة، في خدمة الأرجل والأجساد، وكأنما الكاتب ينعي عصر العقل الذي عرف بالحداثة. القصة تندد بعملية الاستبدال التي نعيشها في عصرنا هذا، حيث أصبح للجسد وجمالياته ومهاراته في عصر الصورة حضور أكبر كثيراً من الفكر والمعرفة والثقافة. بالنسبة لي فالأمر ليست هكذا، بل هو عملية استبدال ثقافة بثقافة أخرى تناسب عصر الصورة، بعد أن قدم عصر الكتابة كل ما عنده، ثم أسلم قيادة العالم للصورة. وهكذا يجب أن نقرأ الأمر في سياق حضاري، كجزء من نقلة نوعية في التاريخ البشري».
ويخلص الوكيل بقوله: «أصبحت كرة القدم ثقافة تنتج أغانيها وشعاراتها، ورموزها من اللاعبين، وفي عالم القرية الواحدة، تجاوزت كرة القدم حدود الجماهيريات المحلية والانحيازات الوطنية والقومية، لتصبح تمثيلاً بازغاً لثقافة العولمة، يمكنك مثلاً ملاحظة أن الأجيال الشابة من جماهير كرة القدم، في بلد كبير مثل مصر، أكثر اهتماماً بالأندية العالمية من اهتمامها بأندية بلدها، ولا تندهش أن تجد روابط لمشجعي برشلونة وريال مدريد في مصر، على القدر نفسه من الحماس والتنافس كالذي كان بين الأهلي والزمالك في الماضي.. الأهم من ذلك أن كرة القدم نموذج لاقتصاد العولمة أيضاً، الإعلانات وصفقات النجوم، والأدوات والأحذية والملابس المرتبطة بهم، إنه اقتصاد عابر للقارات تتهافت عليه الدول الكبرى، وتعتقد بعض الأنظمة أن امتلاكها، أو حتى تنظيم أحد المونديالات سيضعها على رأس العالم. لكن المشكلة، أن ثقافة الصورة هي ثقافة هنا والآن، فكل هذه الشهرة والجماهيرية تنتهي مع صافرة الحكم، وتعاود من جديد بشروط ولاعبين جدد وربما جماهير جديدة، فهي ثقافة لا تمنح الخلود الذي منحته الكتابة لنجومها عبر التاريخ. ربما من أجل هذا يتأسى محمد حافظ رجب لرأس الرجل».
من جانبه، قال الروائي محمد بركة: «إن ما يخطر ببالي حين أفكر لماذا أشجع فريقاً محلياً مثل نادي الزمالك، ومنتخب الفراعنة، أو فريقاً مثل ريال مدريد ومنتخب السامبا على المستوى العالمي، أتأكد أن ما يجعلني أهتم بهذه الأجواء هي فكرة العدالة الفورية... المطلقة. فداخل المستطيل الأخضر تتم ترجمة الجهد والإصرار واللعب الجماعي، وأيضاً المهارات الفردية إلى أهداف رائعة تسكن الشباك وسط هتافات مدوية آتية من حناجر المشجعين».
ويضيف: «في هذا الحيز لا توجد فرصة للرشوة أو التلاعب بالأدلة أو الضغط على شهود العيان، وغيرها من الممارسات التي تهدد بقاء فكرة العدالة في واقعنا. أيضاً يهيئ لي أن حماس وحرارة كرة القدم تقدم بديلاً حضارياً مقبولاً لبقايا العدوانية والرغبة في سحق الآخر. حيث ما زال ظل كل ذلك الماضي كامناً في أعماقنا وورثناه عن إنسان ما قبل التاريخ وعصر الغابات والكهوف.
ويتابع بركة: «إن الرغبة في الفوز وانفعالنا بالفرص الضائعة تذيب كل الحواجز وتصنع رابطاً إنسانياً مدهشاً بيننا وبين أشخاص لم نرهم قبل الآن، وربما لن نراهم مرة أخرى مدى الحياة. في هذه الأجواء تسقط النظريات الفكرية وتتوارى الآيديولوجيات فلا صوت يعلو فوق صياح الجماهير وصخب فرحتها».
أما الكاتبة والروائية سهى زكي، وهي من عشاق الساحرة المستديرة فتقول: «لا ينفصل واقع الكاتب المصري عما يدور حوله من أحداث وفعاليات مهمة كرة القدم أحد الأنشطة الرياضية التي فرضها الواقع، فالمثقف المصري غالباً ليس من ذلك النوع المنفصل عما يدور حوله وكثير من المثقفين والكتاب لديهم ميول كروية، بل إن بعضهم ينسي موضوعيته ويتحيز لفريق كرة معين ويتابع بشغف ما يجري ويفرح ويحزن. كرة القدم تحديداً هي نوع استثنائي من الرياضة، حيث استحقت عن جدارة ذلك اللقب القديم الذي منح لها (الساحرة المستديرة)، فهي على الرغم من أنها تقسم المشجعين حسب فرقهم فهي أيضاً تجمع الكل وقتما يلعب المنتخب، وكأنها طقس مقدس يجتمع علي احترامه الجميع بلا استثناء، فعندما يكون المنتخب أمام فريق آخر فتجد كل الفرق المتناحرة قد أصبحوا على قلب رجل واحد.
تتابع زكي، واصلة الخيوط بين الفن واللعب: الأحداث المصاحبة لمباريات كرة القدم وشخصيات اللاعبين الاستثنائية، هم في الواقع أشخاص ملهمون وربما آخر الملهمين في واقعنا المصري ذلك الشاب الشهير «مو»، محمد صلاح... ما فعله صلاح ابن البيئة الريفية البسيطة لم يستطع فعله ساسة أو إعلاميون... لذلك يعتبر محمد صلاح سفيراً حقيقياً لمصر.



في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.


نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.