مبادرات وتحذيرات لالتزام «هدنة الجنوب» السوري... وإبعاد إيران

واشنطن تضغط على موسكو... وخط بومبيو - بولتون يعرقل «أفكار» ساترفيلد

يتفقد منزله المدمر في بصر الحرير في درعا (رويترز)
يتفقد منزله المدمر في بصر الحرير في درعا (رويترز)
TT

مبادرات وتحذيرات لالتزام «هدنة الجنوب» السوري... وإبعاد إيران

يتفقد منزله المدمر في بصر الحرير في درعا (رويترز)
يتفقد منزله المدمر في بصر الحرير في درعا (رويترز)

التركيز حالياً على «هدنة الجنوب» السوري. هي تقع بين حافتين: أفكار أميركية - أردنية مع روسيا مرفقة بتحذيرات للحفاظ على اتفاق «خفض التصعيد» وتنفيذه بنوده بما في ذلك إبعاد «حزب الله» تنظيمات تابعة لإيران من جهة، وتشجيع طهران لدمشق للذهاب إلى الحل العسكري والتلويح بأسلوب «الأرض المحروقة» من جهة ثانية. وكان لافتاً أمس، إعلان واشنطن موقفاً تضمن مطالبة موسكو بالوفاء بالتزاماتها بموجب بيان الرئيسين دونالد ترمب وفلاديمير بوتين العام الماضي.
بعد غوطة دمشق وريف حمص، كان النقاش عن الوجهة المقبلة للمعارك والتسويات في سوريا: جنوب غرب، شمال غرب، شمال شرق. والفرق بين المناطق هو عمق الانخراط الخارجي. اتفاقات «خفض التصعيد» شرق دمشق وشمال حمص حصلت بضمانة روسية ورعاية مصرية، غير أنه في الاتفاقات الأخرى كان هناك انخراط مباشر عسكري ودبلوماسي لدول مجاورة و/ أميركا وروسيا. إذ إن اتفاق «خفض التصعيد» في جنوب غربي البلاد حصل باتفاق روسي - أميركي - أردني بعيداً عن عملية آستانة، فيما يقع اتفاق إدلب ضمن عملية آستانة التي تضم روسيا وتركيا وإيران. أما منطقة شمال شرقي البلاد، فإنها محكومة باتفاق «منع الصدام» بين الجيشين الأميركي والروسي اللذين اعتبرا نهر الفرات خط الفصل بينهما بعد معاركهما ضد «داعش».

- رياح الجنوب
تشكل أجزاء من محافظات درعا والقنيطرة والسويداء جنوب سوريا إحدى مناطق خفض التصعيد باتفاق أميركي - روسي - أردني في يوليو (تموز). وحاولت قوات النظام العام الماضي مراراً التقدم إلى أحياء سيطرة الفصائل في المدينة وخاضت ضدها معارك عنيفة من دون أن تحرز تقدماً بعد صد «الجيش السوري الحر» المهاجمين.
بعد الغوطة وحمص، الواضح أن دمشق حسمت خياراتها بدفع قواتها وتنظيمات تدعمها إيران إلى الجنوب وشمل ذلك قوات العميد سهيل الحسن المعروف بـ«النمر» والفرقة الرابعة و«لواء القدس» التابع لـ«الجبهة الشعبية - القيادة العامة» بزعامة أحمد جبريل بعد الانتهاء من معارك مخيم اليرموك قبل أيام. كما ألقت مروحيات منشورات، وطبعت على أحد المنشورات صورة مقاتلين قتلى مرفقة بتعليق: «لا تكن كهؤلاء. هذه هي النهاية الحتمية لكل من يصر على الاستمرار في حمل السلاح (...) اترك سلاحك قبل فوات الأوان». وكتب على آخر: «أمامك خياران، إما الموت الحتمي أو التخلي عن السلاح، رجال الجيش قادمون، اتخذ قرارك قبل فوات الأوان».
وحضت منشورات أهالي درعا، التي انطلقت منها «شرارة الثورة» في 2011، للتعاون مع قوات الحكومة ضد «الإرهابيين»، علماً بأن دمشق تصف جميع المعارضين بأنهم «إرهابيون»، وأن مقاتلي الجنوب هم من «الجيش الحر» باستثناء عدد قليل من عناصر تابعين لتنظيمات متطرفة.
وتسيطر فصائل معارضة على سبعين في المائة من محافظة درعا، وعلى أجزاء من مركز المحافظة. وتوجد في المدينة القديمة الواقعة في القسم الجنوبي من درعا فيما تحتفظ قوات الحكومة بسيطرتها على الجزء الأكبر شمالاً، حيث الأحياء الحديثة ومقرات مؤسسات الحكومة.
وبالتزامن مع انطلاق عملية «آستانة» التي قاطعتها أميركا، انطلقت بين واشنطن وموسكو وعمان في مايو (أيار) العام الماضي، مفاوضات لإقامة منطقة «خفض تصعيد» جنوباً أسفرت في يوليو عن اتفاق بين الرئيسين ترمب وبوتين على هامش قمة هامبورغ، ثم جرى التأكيد عليه خلال قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي (أبيك)، في دانانغ في فيتنام في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
وقتذاك، توصل وزيرا الخارجية الأميركي حينها ريكس تيلرسون، والروسي سيرغي لافروف، إلى اتفاق، أُعلِن باسم الرئيسين ترمب وبوتين في 11 نوفمبر تضمّن عناصر، بينها أهمية «خفض التصعيد» في الجنوب باعتباره «خطوة مؤقتة» للحفاظ على وقف النار، وإيصال المساعدات الإنسانية بهدف «الخفض والقضاء النهائي على وجود القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب من المنطقة لضمان سلام أكثر استدامة»، في إشارة إلى عناصر الميليشيات الإيرانية و«حزب الله».
وكانت وُقعت في عمان، في 8 نوفمبر، مذكرة تفاهم لتنفيذ اتفاق، وتضمنت تأسيس مركز رقابة في عمان لتنفيذ الاتفاق الثلاثي لاحتفاظ المعارضة بسلاحها الثقيل والخفيف، وتحديد خطوط القتال، وبدء تبادل تجاري مع مناطق النظام، وتشكيل مجلس محلي معارض، واحتمال عودة اللاجئين من الأردن أو نازحين قرب الحدود.
بالنسبة إلى موسكو، فالخطة التي ضمنت تعاوناً روسيّاً - أميركيّاً، تعني القضاء نهائيّاً على «جبهة النصرة» و«جيش خالد» التابع لـ«داعش». وقدمت وقتذاك إدارة ترمب تنازلاً بأنها جمدت البرنامج السري لدعم فصائل المعارضة بتنسيق من «غرفة العمليات العسكرية» بقيادة «وكالة الاستخبارات الأميركية» (سي آي إيه) في الأردن. ونهاية العام الماضي، أوقف الدعم العسكري والمالي فعلياً لـ35 ألف مقاتل معارض في «جبهة الجنوب».
ومنذ نوفمبر الماضي جرت سلسلة لقاءات أميركية - روسية - أردنية لتنفيذ الاتفاق الثلاثي. حيث جرى تبادل الاتهامات، واشنطن تقول إن «موسكو لم تلتزم إبعاد (القوات غير السورية) بين 5 و15 كيلومتراً في المرحلة الأولى، و20 - 25 كيلومتراً بالمرحلة الثانية. وموسكو التي نشرت بعض نقاط المراقبة ضمن منطقة فصل تلف خط القتال بين النظام والمعارضة، تقول: إن واشنطن لم تلتزم محاربة (النصرة) و(جيش خالد)».
لكن الاتفاق بقي صامداً مع وقف عمليات القصف والعمليات الهجومية. وخلال معارك غوطة دمشق حاول معارضون الاستنفار لـ«نجدة الغوطة»، فجاء الجواب من السفارة الأميركية في عمان برسالة بعثت إلى قادة فصائل «الجبهة الجنوبية» في «الجيش الحر»، فيها أن الضربات من الطيران الروسي أو السوري «لا تعني بأي شكل من الأشكال نهاية اتفاق خفض التصعيد الموقع بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والأردن ولا تشير إلى أي تغيير في سياستنا العامة تجاه سوريا». وتابعت: «كدولة ضامنة لاتفاق خفض التصعيد، لا نرغب بأن نرى النظام يأخذ أراضيكم في الجنوب ونريد حفظ حقكم بالمطالبة بدولة الحرية والعدالة، لذلك نطلب منكم الحرص الكامل على عدم إعطاء النظام وحلفائه أي فرصة للانقضاض عليكم أو يقوم في درعا والقنيطرة بما قام به في الغوطة الشرقية» (قبل انتهاء المعارك). وفي إشارة تحذيرية، جاء في الرسالة: «إذا بادرتم في عمل عسكري ينتهك خفض التصعيد لن نستطيع أن ندافع عنكم، وإن بادر النظام بانتهاك الاتفاق فسنفعل أقصى ما بوسعنا لوقف الانتهاك وضمان استمرار اتفاقية خفض التصعيد».

- عرض ـ تحذير أميركي
مع اقتراب التعزيزات إلى درعا وإجراء ميلشيات إيرانية عمليات إعادة انتشار وبث حملات دعائية، بدأ حلفاء المعارضة البحث في الخيارات. وبحسب المعلومات المتوفرة لـ«الشرق الأوسط»، فإن مساعد نائب وزير الخارجية ديفيد ساترفيلد عكف في الأسبوع الماضي على صوغ مقترح استمزجه مع دول إقليمية. وتضمن العرض الذي كان مقررا بحثه مع الجانب الروسي: انسحاب جميع الميليشيات السورية وغير السورية إلى عمق 20 - 25 كيلومتراً من الحدود الأردنية (علماً بأن الاتفاق الثلاثي نص فقط على انسحاب المقاتلين غير السوريين فقط، في إشارة إلى ميلشيات إيران) للاعتقاد أن إيران جنّدت ميليشيات سورية، نقل مقاتلي المعارضة وأسرهم إلى إدلب شمال سوريا (التقديرات بأنهم نحو 12 ألفاً)، عودة الجيش النظامي إلى الحدود وعودة مؤسسات الدولة إلى درعا، إعادة فتح معبر نصيب بين سوريا والأردن، إضافة إلى تشكيل آلية أميركية - روسية للرقابة على تنفيذ هذه البنود.
والأهم، أن أفكار ساترفيلد، الذي عُيِّن الباحث في مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ديفيد شنكر بدلاً منها، تضمنت احتمال تفكيك معسكر التنف الأميركي في زاوية الحدود السورية - الأردنية - العراقية، الذي تعرض لانتقادات علنية من موسكو. وربط دبلوماسيون بين هذا «العرض» والوجود الأميركي شمال شرق سوريا بعد هزيمة «داعش».
كما حاول مسؤولون أردنيون التواصل مع الجانب الروسي للحصول على «ضمانات» بتأمين الحدود وعدم قدوم لاجئين جدد إلى الأردن، وفتح المجال لعودة لاجئين سوريين إلى بلادهم، في وقت بحث معارضون من الجنوب تداول اقتراحاً تضمن تدمير المعارضة للسلاح الثقيل أو تسليمه إلى دمشق ونشر عناصر من الشرطة الروسية بين حدود الأردن ودرعا بعمق 18 كيلومتراً، إضافة إلى عمل آلاف من مقاتلين معارضين كشرطة محلية وعودة مؤسسات الدولة إلى الجنوب.
لكن مفاوضات داخل إدارة ترمب، رجحت خط وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الجديدين مايك بومبيو وجون بولتن، خصوصاً أن ساترفيلد على وشك ترك منصبه، وربما كي يصبح سفيراً في أنقرة، إذ أعلنت الخارجية الأميركية أمس بياناً تضمن تحذيراً من أنها ستتخذ «إجراءات حازمة ومناسبة»، ردّاً على انتهاكات وقف إطلاق النار، قائلة إنها تشعر بقلق بشأن تقارير أفادت بقرب وقوع عملية عسكرية.
وقالت هيذر ناورت الناطقة باسم الوزارة في بيان: «تشعر الولايات المتحدة بالقلق من التقارير التي أشارت إلى عملية وشيكة لنظام الأسد في جنوب غربي سوريا، ضمن حدود منطقة تخفيف التصعيد التي تم التفاوض عليها بين الولايات المتحدة والأردن والاتحاد الروسي في العام الماضي، وتم التأكيد عليها بين الرئيسين ترمب وبوتين في دا نانغ في فيتنام في نوفمبر. لا تزال الولايات المتحدة ملتزمة بالحفاظ على استقرار منطقة تخفيف التصعيد في جنوب غربي البلاد، ووقف إطلاق النار الذي تقوم عليه. ونحذر أيضاً النظام السوري من أي أعمال قد تشكل خطر توسيع دائرة الصراع أو تعريض وقف إطلاق النار للخطر. ستتخذ الولايات المتحدة إجراءات صارمة ومناسبة رداً على انتهاكات نظام الأسد بصفتها ضامناً لمنطقة خفض التصعيد مع روسيا والأردن». وتابعت: «روسيا مسؤولة على النحو الواجب كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي لاستخدام تأثيرها الدبلوماسي والعسكري على نظام الأسد لوقف الهجمات وإجباره على وضع حد لأي هجمات عسكرية مستقبلية. يجب على روسيا أن تفي بالتزاماتها المعلنة وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2254 ووقف إطلاق النار في جنوب غربي سوريا بحسب ما هو محدد في بيان دا نانغ بين الرئيسين ترمب وبوتين».

- انسحابات وتفاهمات
تزامن تجديد الحديث عن سحب الميلشيات المدعومة من إيران من جنوب سوريا والضغط لالتزام «هدنة الجنوب» مع عنصرين: أولاً، استمرار الغارات الإسرائيلية على مواقع إيرانية وأخرى تابعة لـ«حزب الله» في سوريا، ثانياً، حديث الرئيس بوتين بعد لقائه الرئيس بشار الأسد الأسبوع الماضي عن ضرورة انسحاب جميع القوات الأجنبية من سوريا.
ولاحظ مسؤول غربي أن القصف الإسرائيلي على المواقع الإيرانية في سوريا تزامن مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى موسكو «ما يعني موافقة سياسية روسية وميدانية لأنها الجيش الروسي لم يشغل منظومة صواريخ إس - 400 الموجودة غرب سوريا». وأضاف: «كان لافتاً أن روسيا لم تتحرك دبلوماسيّاً بعد الغارات الروسية ولم تنتقد الغارات كما فعلت بعد الغارات الثلاثية الأميركية - البريطانية - الفرنسية على مواقع تابعة للحكومة في أبريل (نيسان) الماضي ردّاً على هجوم كيماوي في دوما عندما نقلت الملف إلى الأمم المتحدة وسط انتقادات إعلامية وسياسية».
أما بالنسبة إلى البند الثاني، يتعلق بكلام بوتين عن «انسحاب جميع القوات الأجنبية» من سوريا، بل إن مبعوث الرئيس الروسي ألكسندر لافرينييف حدد المقصود بجميع القوات ذاكراً بالاسم إيران و«حزب الله» وتركيا وأميركا، الأمر الذي رد عليه ناطق باسم الخارجية الإيرانية بان وجود إيران بناء على طلب «الحكومة الشرعية»، الأمر الذي كرره بمعنى ما نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد.
واعتبر دبلوماسيون ذلك أنه إشارة إلى شقوق إضافية بين روسيا التي تملك اتفاقات رسمية مع دمشق تشرعن وجود قاعدتي طرطوس وحميميم من طرف وإيران التي سعت ولم تنجح للحصول على صك قانوني يشرعن وجود قواتها في سوريا من طرف آخر، وأن دمشق تحاول الموازنة بين «الحليفين، لكن ذلك يزداد صعوبة مع اقتراب المعارك من مناطق تفاهمت موسكو مع دول خارجية حولها، ما بدا أن دمشق باتت أقرب إلى الخيار الإيراني فيما يتعلق بمعركة الجنوب».
وقال أحد الدبلوماسيين إن الأيام الماضية شهدت «إعادة انتشار» لقوات تنظيمات تابعة لإيران وفق الآتي: «عادت الميليشيات و(حزب الله) بضعة كيلومترات بعيداً من الحدود الأردنية، لكن بقيت أقرب إلى الجولان. إذ إن (حزب الله) تحرك في مواقعه في معسكر البعث وهضبة تل أيوب 4 - 5 كيلومترات إلى بلدتي حمريت ونبع الفوار، كما أن عناصر الحرس الثوري انتقلت من درعا المدينة إلى ازرع لكنها بقيت على جبهات القتال الشمالية، إضافة إلى انتقال لواء القدس الفلسطيني من مخيم اليرموك إلى درعا».
في موازاة ذلك، بعثت دمشق مقترحاً عبر وسطاء إلى دول إقليمية تضمّن: انسحاب «حزب الله» وميلشيات إيران 25 كيلومتراً بعيدا من خط فك الاشتباك من هضبة الجولان المحتلة، وفق ترتيبات تسمح بوجود مجالس محلية في بيت جن وقرى في الجولان المحرر والبحث عن إمكانية إحياء اتفاق فك الاشتباك بين سوريا وإسرائيل لعام 1974 الذي يتضمن منطقة محايدة ومنطقة منزوعة السلاح وأخرى محدودة السلاح يراقبها نحو 1200 عنصر من «قوات الأمم المتحدة لفك الاشتباك» (اندوف).
لكن في الوقت نفسه تواصل دمشق مدفوعة من إيران تعزيز قواتها وآلياتها إلى الجنوب، حيث تطرح سيناريوهات مشابهة لغوطة دمشق، وقبل ذلك شرق حلب، بحيث تتقدم القوات من درعا إلى معبر نصيب مع الأردن ليتم فصل شرق منطقة اتفاق «خفض التصعيد» عن غربها مع السيطرة على تلال استراتيجية وتكثيف الغارات و«قضم المناطق واحدة بعد الأخرى تحت التهديد بالنار والتسويات». عمليّاً يعني ذلك دفع المعارضة للاختيار بين ثلاثة نماذج: «نموذج دوما» الذي طبق شمال غوطة دمشق، و«نموذج حمورية» في الغوطة التي تعرضت لنهج «الأرض المحروقة»، و«نموذج سقبا» الذي يقع في الوسط بين النهجين.
وتحاول دمشق وضع ذلك تحت غطاء محاربة «جبهة النصرة» أو «جيش خالد» التابع لـ«داعش»، وأن كان اتفاق خفض التصعيد الثلاثي نص على أن ذلك من مسؤولية ضامني الاتفاق، أي أميركا وروسيا، الأمر الذي أكدت عليه واشنطن أمس من خلال بيان الخارجية.



الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

تبنّى الحوثيون هجوماً باتجاه إسرائيل، الأربعاء، هو الثالث منذ إعلان انخراطهم في الحرب إلى جانب إيران، في تطور يعكس تزايد التنسيق بين أطراف ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران، ويشمل إلى جانب «حزب الله» اللبناني فصائل عراقية مسلحة بالإضافة إلى الحوثيين في اليمن.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي تصدّت، فجر الأربعاء، لصاروخ أُطلق من اليمن باتجاه الأراضي الإسرائيلية، مؤكداً أنه جرى اعتراضه دون تسجيل إصابات أو أضرار. وأوضح، في بيان، أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد، قبل أن يُسمح لاحقاً للسكان بمغادرة المناطق المحمية.

وتزامن ذلك مع إعلان الحوثيين تنفيذ عملية صاروخية جديدة، قالوا إنها استهدفت «أهدافاً حساسة» في جنوب إسرائيل، ضمن ما وصفوه بـ«معركة الجهاد المقدس»، مؤكدين أن الهجوم جاء بالتنسيق مع إيران و«حزب الله» اللبناني.

مسيرة حوثية أُطلقت من مكان مجهول باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

الهجوم الأخير يأتي عقب هجومَين السبت الماضي، تبنّت الجماعة خلالهما إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، في أول انخراط مباشر لها في مسار الحرب، في حين تحدثت إسرائيل عن اعتراض صاروخَين وطائرتَين مسيرتَين فقط.

وعلى الرغم من هذا التصعيد، يرى مراقبون أن التأثير العسكري لهذه الهجمات سيظل محدوداً، بالنظر إلى عدم قدرة الجماعة على إطلاق أعداد كبيرة ومتزامنة من الصواريخ.

وتشير تقديرات المراقبين إلى أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه العمليات هو استنزاف جزئي لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة التعامل مع هجمات متعددة المصادر، بما في ذلك الصواريخ الإيرانية وهجمات «حزب الله».

تنسيق مشترك

إعلان الحوثيين أن عملياتهم نُفّذت «بالاشتراك» مع إيران و«حزب الله» يعكس مستوى متقدماً من التنسيق داخل المحور الداعم لطهران، وهو ما عزّزته تصريحات قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، إسماعيل قاآني، الذي أشاد بما وصفه «الحضور في الوقت المناسب» لليمن في هذه المواجهة.

وفي رسالة موجّهة إلى الحوثيين، عدّ قاآني هذا الانخراط يعكس «تشخيصاً صائباً لتحولات المنطقة»، ويرتبط بمسار أوسع لما سمّاه «جبهة المقاومة الإسلامية» في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. كما أشار إلى أن الدعم الإيراني سيستمر في مختلف ساحات المواجهة، في تأكيد إضافي على وحدة الموقف بين أطراف هذا المحور.

عناصر من الحوثيين يستعرضون في مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر (أرشيفية - رويترز)

هذه التصريحات، التي حملت نبرة تصعيدية واضحة، تعكس سعي طهران إلى إظهار تماسك حلفائها، وإرسال رسائل ردع في مواجهة التحركات العسكرية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.

في المقابل، قدّمت الجماعة الحوثية مبررات لتدخلها العسكري، عبر رسائل بعث بها نائب وزير خارجيتها في حكومة الانقلاب، عبد الواحد أبو راس، إلى الأمم المتحدة، وعدد من الهيئات الدولية، أكد فيها أن هذا التدخل يأتي رداً على ما وصفه بـ«العدوان الأميركي-الإسرائيلي» على إيران ودول المنطقة.

وأشار المسؤول الحوثي إلى أن قرار التدخل، الذي دخل حيز التنفيذ في 28 مارس (آذار) الماضي، يستند -حسب وصفه- إلى «المسؤولية الدينية والأخلاقية»، وإلى قواعد القانون الدولي، لافتاً إلى أن الهدف منه هو الضغط لوقف العمليات العسكرية في المنطقة، وليس توسيع نطاق التصعيد.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


القوات اليمنية ترفع جاهزيتها القتالية في باب المندب

جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)
جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)
TT

القوات اليمنية ترفع جاهزيتها القتالية في باب المندب

جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)
جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)

رفعت القوات الحكومية اليمنية مستوى الجاهزية القتالية في جزيرة ميون الاستراتيجية التي تقسم مضيق باب المندب إلى جزأين، في خطوة تعكس تصاعد المخاوف من تهديدات محتملة لحركة الملاحة الدولية في أحد أهم الممرات البحرية بالعالم، بالتزامن مع إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمراقبة وقف إطلاق النار في ميناء الحديدة مهامها بشكل نهائي بعد سنوات من العمل دون تحقيق اختراقات ملموسة.

ويأتي هذا التطور في وقت تتسع فيه رقعة المواجهة بالمنطقة، مع انخراط جماعة الحوثيين في الصراع إلى جانب إيران، وتبنيها إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل؛ مما يثير مخاوف متصاعدة من انعكاسات ذلك على أمن البحر الأحمر وباب المندب، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.

وأكدت مصادر عسكرية يمنية لـ«الشرق الأوسط» أن القوات المرابطة في جزيرة ميون تلقت توجيهات برفع الجاهزية القتالية إلى أعلى مستوياتها، ضمن إجراءات احترازية لمواجهة أي تهديدات محتملة قد تستهدف المضيق الحيوي. وأوضحت المصادر أن هذه التوجيهات جاءت عقب رصد تحركات مريبة، من بينها محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة في مدرج الجزيرة.

فنار إرشاد السفن في جزيرة ميون اليمنية وسط باب المندب (إعلام محلي)

ووفق هذه المصادر، فإن الطائرة، التي يُرجح أنها من طراز نقل عسكري، حاولت تنفيذ عملية هبوط مفاجئة، غير أن القوات الحكومية تصدت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب. ولم تُعرف هوية الطائرة حتى الآن، إلا إن التقديرات تشير إلى احتمال أنها كانت تقل عناصر بهدف تنفيذ عملية إنزال؛ مما يعكس حساسية الموقع الاستراتيجي للجزيرة.

وتحظى جزيرة ميون بأهمية استثنائية؛ نظراً إلى إشرافها المباشر على مضيق باب المندب؛ مما يجعل أي محاولة للسيطرة عليها أو اختراقها تهديداً مباشراً لأمن الملاحة الدولية، ويمنح الطرف المسيطر عليها قدرة على التأثير في حركة السفن العابرة.

مخاوف متصاعدة

تزامناً مع هذه التطورات، تتصاعد التحذيرات من احتمال استهداف الحوثيين حركة الملاحة في البحر الأحمر، خصوصاً في ظل سجلهم السابق في مهاجمة السفن خلال العامين الماضيين، في أثناء الحرب على قطاع غزة، عندما تعرضت سفن تجارية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

ويُعدّ مضيق باب المندب أحد أهم الشرايين البحرية في العالم؛ إذ يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن، وتمر عبره يومياً كميات ضخمة من النفط والبضائع. وأي اضطراب في هذا الممر الحيوي ينعكس بشكل مباشر على سلاسل الإمداد العالمية، ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري، فضلاً عن تهديد أمن الطاقة العالمي.

حشد في صنعاء دعا إليه زعيم الحوثيين لمساندة إيران (إ.ب.أ)

وتشير تقديرات ملاحية إلى أن استمرار التهديدات في هذه المنطقة قد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها نحو طرق أطول وأعلى تكلفة، مثل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح؛ مما يزيد من الضغوط الاقتصادية على الأسواق العالمية.

إنهاء «بعثة الحديدة»

في موازاة ذلك، أعلنت بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة، المعروفة باسم «أونمها»، إنهاء عملياتها رسمياً، بعد استكمال نقل مهامها إلى مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، بموجب قرار مجلس الأمن الدولي.

وأوضحت البعثة أن فريقاً مشتركاً منها ومن مكتب المبعوث الأممي، برئاسة القائمة بأعمال رئيسها ماري ياماشيتا، عقد مشاورات مع ممثلي الحكومة اليمنية، ركزت على استعراض ما جرى تحقيقه من مهام، وترتيبات المرحلة الانتقالية؛ لضمان استمرار التنسيق بين الأطراف المعنية.

مغادرة بعثة الأمم المتحدة الحديدة بعد إنهاء مهمتها المتعثرة (إعلام محلي)

وكانت البعثة قد أُنشئت عقب الهجوم الذي شنته القوات الحكومية في عام 2018، ووصولها إلى مشارف مدينة الحديدة؛ بهدف مراقبة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وإعادة الانتشار في المدينة وموانئها، غير أن أداءها ظل محل انتقادات واسعة.

وتنظر الحكومة اليمنية إلى إنهاء مهمة البعثة بوصفه نتيجة طبيعية لفشلها في تنفيذ بنود الاتفاق، مشيرة إلى أن البعثة خضعت لقيود فرضتها جماعة الحوثيين؛ مما حدّ من قدرتها على التحرك والمراقبة الميدانية.

وكانت الحكومة قد سحبت ممثليها من لجان المراقبة في أبريل (نيسان) 2020، عقب مقتل أحد ضباطها المشاركين في فرق التنسيق برصاص الحوثيين داخل مدينة الحديدة، في حادثة زادت من تعقيد مهمة البعثة وأضعفت ثقة الحكومة بجدواها.

كما طالبت السلطات اليمنية مراراً بنقل مقر البعثة إلى خارج مناطق سيطرة الحوثيين؛ لضمان حرية حركتها، إلا إن الأمم المتحدة لم تستجب لهذه المطالب؛ مما أدى، وفقاً للمصادر الحكومية، إلى تقليص فاعلية البعثة وتحويلها إطاراً شكلياً أكثر منه عملياً.


كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.