برنارد لويس... «الشيطان مجسداً» أم «عبقري التاريخ»؟

لم يرتح إلا بغياب إدوارد سعيد

برنارد لويس
برنارد لويس
TT

برنارد لويس... «الشيطان مجسداً» أم «عبقري التاريخ»؟

برنارد لويس
برنارد لويس

كان برنارد لويس (1916 – 2018) ينتشي جذلاً كلما ذكره أحدهم بصورته الشديدة التناقض في المخيال العام بين من يراه «عبقري التاريخ» الذي كان مسؤولا أكثر من غيره عن رسم صورة الإسلام في العقل الغربي ومن يعتبره «الشيطان مجسداً» كما باح لسانه يوماً.
منظّر الاستقطاب الحتمي بين الغرب والشرق، وصائغ المفهوم الأخطر عن «صراع الحضارات» وإمام المستشرقين المهوّلين من «الأصوليّة الإسلاميّة» الذي رحل الأحد الماضي عن 102 عام حظي دوماً ببركات القرب من نخبة صناع القرار في الولايات المتحدة وإسرائيل وعمل كملهم روحي ومستشار استراتيجي لطاقم المحافظين الجدد في عهد الرئيس جورج دبليو بوش وعدّه البعض واحداً من ثلاثة صاغوا الاستراتيجيّة الأميركية لإدارة العالم الإسلامي – إلى جوار زيبنغو بريجنسكي والرئيس السابق جيمي كارتر -، لكنّه تعرّض كذلك إلى أعنف الهجومات من أكاديميين وسياسيين كثيرين لإنكاره المجزرة الأرمنيّة بداية القرن العشرين، ولانحيازه الأعمى لإسرائيل وازدرائه للعرب والمسلمين، وحماسته الشديدة لاستخدام موقعه المؤثر في قلب المؤسسة الأميركية من أجل الترويج للحلول الصارمة والعنيفة بشأن سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
لويس الذي ولد في لندن لأبوين يهوديين وجد نفسه مبكراً مولعاً بالتاريخ وباللغات، فدرس التاريخ في معقل الاستشراق الأكاديمي البريطاني بكليّة الدراسات الشرقيّة والأفريقيّة – جامعة لندن – على يد أساتذة مثل المستشرق هاميلتون جيب ونورمان باينيز ليتخرّج منها لاحقاً بشهادة الدكتوراه عن رسالة له في التاريخ الإسلامي. وهو درس أيضاً في جامعة باريس على يد لويس ماسينييون المستشرق الفرنسي المعروف قبل أن ينخرط في الخدمة العسكريّة بالجيش البريطاني، وينتقل منها إلى عالم الجواسيس عميلاً متجولاً للمخابرات البريطانيّة في الشرق الأوسط ليعود بعد الحرب إلى الأجواء الأكاديمية أستاذا جامعيّاً في جامعة لندن لربع قرن، ولاحقاً – بعد فضيحة نسائية طلّق على إثرها زوجته – انتقل إلى الجانب الآخر من الأطلسي مدرساً في جامعات برينستون وكورنيل.
تخصص لويس مبكراً في تاريخ الشرق الأدنى وتحديداً سوريّا، لكنه كيهودي وصديق مقرّب من النخبة الإسرائيليّة – كان الصديق الشخصي لغولدا مائير وتناول الشاي معها في مطبخ منزلها - خشي التنقل في الدّول العربيّة ليستكمل أبحاثه بعد حرب فلسطين 1948 ولذا تحوّل إلى الدراسات التركيّة حيث فُتحت له على نحو غامض أرشيفات العهد العثماني فكان أول غربي تسنح له فرصة الاطلاع عليها عن كثب. وقد عمد منذ العام 1950 إلى نشر خلاصة أبحاثه وقراءاته عن تاريخ الشرق في كتب (ما لا يقل عن ثلاثين منها قيد التداول) ومئات مقالات الصحف والمجلات عدّ بعضها مرجعياً في مجاله (صعود تركيا الحديثة - 1961) كما مقالته في تحليل جذور الغضب الإسلامي (1990) التي نحت فيها تعبير «صدام الحضارات» - قبل أن يتولى زميله في جامعة هارفارد صموئيل هانتغنتون تعميم الفكرة على نطاق واسع. لويس المؤرخ تحول إلى صانع للتاريخ متمكن بفضل علاقاته الشخصيّة والفكريّة الوثيقة بعراب المحافظين الجدد السيناتور هنري جاكسون من الالتحاق مستشاراً مقرباً من فريق تلامذة جاكسون الذين تولوا السلطة في الولايات المتحدة ونظموا غزو العراق: ديك تشيني وبول وولفويتز وريتشارد بيرل. ويقال بأنه كان أحد أعضاء الفريق الضيق الذي استدعاه الرئيس بوش إلى مخبئه المحصن غداة هجوم الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) لصياغة رد الولايات المتحدة. وقد استفاد وقتها من تعطش الأميركيين الطارئ لفهم الشرق الأوسط فأصدر كتابيه (أين الخلل؟ - 2002) و(أزمة الإسلام - 2003) فحظيا بانتشار واسع كرّس سمعته في الغرب كمرجعية أولى فيما يتعلق بشؤون الإسلام والشرق الأوسط. لكن رغم تمكنه الفائق من النثر الأدبي، وسعة اطلاعه على مصادر تاريخيّة بلغات عدّة وقربه من مطابخ صنع القرار ومصانع الحدث فإن كتبه متشربّة بروح استشراقيّة فائرة وازدراء استثنائي للعرب وللمسلمين وتحليلاته تفتقد إلى النزاهة العلميّة، وتعكس – وفق إدوارد سعيد – «ديماغوجية قاصرة موفورة الجهل وتعميميّة» وتقدّم وصفات مسمومة تركز على تبرير خطوط الانقسام في العالم العربي، وتنظّر لصعود الراديكاليّة الإسلاميّة مستدعية حتمية الصّدام العنفي بين الشرق والغرب، كما لا يخفى إعجابه الدائم بالتجربة الصهيونيّة حتى أنه كُرّم كواحد من سبعين شخصية أميركيّة قدمت خدمات لا تقدّر بأثمان للدولة العبريّة. ويطرح لويس نظريّة مثيرة للجدل يعزو فيها كل فشل في نهضة العالم العربي إلى قصور ذاتي محض مبرئاً تركة الاستعمار الغربي من أي ذنب. ولم يتورع عن وصف هويات شعوب الشرق الأوسط بالمتخيلة والمتناقضة مستثنياً الإسرائيليين - الذين هم واقعاً أكثر مجموعة في العالم تعيش وهم الهويات المصنوعة. وقد عاب عليه الراحل إدوارد سعيد تعامله السطحي مع العالم الإسلامي ككلٍ، واحدٍ مُصمت، واعتبره نموذجا كلاسيكياً للمستشرق الخادم للسياسة، وعبد اللامركزية الأوروبيّة في قراءة الشرق وفنّد كثيراً من استنتاجاته في كتبه الرئيسيّة (الاستشراق) و(تغطية الإسلام)، واعتبر أن خبرته بالشرق الأوسط والمقتصرة على رحلات التجسس في أربعينات القرن الماضي لم تعد ذات قيمة حقيقية لفهم ثقافة المنطقة بعد التحولات الهائلة التي عاشتها شعوبها عبر عقود متعاقبة.
تعرّضت سمعة لويس العلميّة إلى أزمة حقيقية بسبب نقد سعيد لأعماله، فأكثرَ من مقابلاته الصحافية للرد عليه متهماً إياه بتسييس العمل الأكاديمي، وانسحب من جمعية دراسات الشرق الأوسط في أميركا الشماليّة التي بدأ يسيطر عليها معادون للاستشراق وتلامذة سعيد ليطلق جمعية أخرى موازية بصحبة صديقه - المستشرق بدوره - فؤاد عجمي. وليس هنالك من شك أنه تنفس الصعداء عندما خطف الموت سعيد الذي كان تحوّل إلى أسطورة عالميّة في القبض على هفوات المستشرقين وانحيازاتهم وكشف تلفيق إمامهم – كما كان يسميه مريدوه. لكن لويس لم يهنأ كثيراً بغياب سعيد، إذ صوّب عليه الكثيرون سهام نقدهم لمشاركته في التخطيط والتبرير لغزو العراق الذي تسبب في خسائر بشريّة فادحة، وتالياً لإنكاره المذبحة الأرمنيّة في الطبعات اللاحقة من كتابه عن التاريخ التركي وكذلك في مقابلاته الصحافية معتبراً أنها «الرواية الأرمنيّة لأحداث ملتبسة في مرحلة قلقة من تاريخ تركيا دون وجود دلائل على حملة رسميّة منظمة لإبادة الأرمن»، وأخيراً لتهويله التهريجي من القنبلة النووية الإيرانيّة كما لو كان عرّافاً يقرأ الفلك. وقد تسببت تصريحات لويس الصحافية ومقالاته التي ضخّم فيها شخصيّة أسامة بن لادن - جاعلاً منه رمزاً مُجسّداً لتفكير العالم الإسلامي برمته - بانتقادات واسعة علّق عليها بقوله «لقد جعلني أسامة بن لادن شخصيّة مشهورة».
يترك لويس بعد غيابه تراثاً غاية في الخطورة ليس بالضرورة نصوصه المنحازة والتي أصبح من السهل نقدها وتفكيك مقولاتها بقدر ما هو في أجيال متعاقبة من تلامذته الدبلوماسيين والسياسيين والمثقفين في الغرب - والعالم العربي أيضاً - الذين قرأوا تاريخ الإسلام والمنطقة بعيني لويس وتشربوا تعميماته المنحازة دون امتلاك الأدوات الفكريّة اللازمة لنقضها، فأصبحوا كما نخبة سياسية وأكاديميّة وثقافيّة مصابة بعمى ألوان لا شفاء منه تجاه كل ما هو ليس غربيّاً. لقد تحولت المعارف التاريخيّة على يد لويس من أدوات لبناء جسور التفاهم بين الحضارات إلى متاريس حروب بين شعوب متعادية لن تتلاقى في وقت قريب.



مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي
TT

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

بعكس ما كانت عليه حال الرسامين في العراق من ميل للتجريد بحثاً عن هوية عالمية تكون بديلاً عن هوية محلية عمل رسامو الخمسينات على خلقها، ظهر بداية سبعينات القرن الماضي جيل جديد من النحاتين الذين وجدوا في التشخيص ضالتهم في التعبير عن رؤيتهم المعاصرة التي كانت في جزء مهم منها تجسيداً لمحاولة تجريبية يكمن أساسها في البحث عن مقاربات انفتحوا من خلالها على إنجازات النحت العالمي من غير أن يتخلوا عن شغفهم في الامتزاج بغموض اللحظة الجمالية التي عاشها النحات العراقي القديم بأساليب ومواد مختلفة، بدءاً من سومر وانتهاء بآشور مروراً ببابل. كان مكي حسين مكي (1947) الذي توفي أواخر العام الماضي في برلين واحداً من أهم أبناء ذلك الجيل.

وعلى الرغم من أن الجسد البشري كان ولا يزال محور النحت في كل أزمنته فإن نحاتي الحداثة الفنية نجحوا في إزاحة أيقونيته بعدّه رمزاً مقدساً وصولاً إلى إلحاقه برمزية جديدة عبارة عن تصوير لتجليات صلته بالحياة المباشرة بكل ما خالطها من فوضى وعبث وخواء وسواها من معاني الشقاء الوجودي.

كان النحات السويسري ألبرتو جياكومتي هو عنوان ذلك التحول. ذلك التحول الذي وجد صداه في تجربة مكي حسين بطريقة فتحت أمامه الأبواب للولوج إلى مسألة الجسد السياسي جمالياً. ولأن السياسة لا تحمل إلى الفن صفات حميدة، فقد كان الفنان العراقي الذي عاش مطروداً من وطنه منذ عام 1979 حتى وفاته سعى إلى التعامل مع الجسد بعدّه خلاصة جمالية وليس مجرد وثيقة يمكن ربطها بزمن محدد.

صحيح أن النحات حسين كان قد عاش حياة قلقة، بالأخص في المرحلة التي تلت هروبه من بغداد وانضمامه إلى المجموعات المقاتلة مع الأكراد شمال العراق ومن ثم الشتات، غير أن الصحيح أيضاً أنه كان يفكر بطريقة عميقة في الوضع البشري بصورته المطلقة. وهو ما حرره من عبء اللحظة الراهنة ووهب منحوتاته طابعاً زمنياً يقع خارج زمن إلهامها. إنه زمن الفن.

خيال الأسئلة الوجودية

«صرخة من عمق الجبال» ذلك هو عنوان المعرض الذي أقامه في لاهاي الهولندية. كان ذلك هو آخر معارضه ويمكن عدّه تحية وداع وخلاصة حياة.

غير أن ذلك ليس كل شيء. فالسنوات التي عاشها النحات في الغربة نجحت في ترويض ذاكرته السياسية انتصاراً للفن. تلك فكرة استمدها الفنان من خبرة أصابعه الجمالية وخيالها.

إلى جانب الجسد كانت لدى الفنان مفرداته التي يمكن النظر إليها بطريقتين من جهة المعنى. الإطار المربع والكرة. وهما مفردتان مركزيتان في لغته التشكيلية.

هل كانت الذاكرة السياسية ضرورية بالنسبة لمكي حسين الذي عُثر عليه ميتاً في شقته بعد أربعة أيام من وفاته؟ لقد اكتشف النحات في وقت مبكر من حياته أن أزمة الإنسان تكمن في مسعاه الوجودي من أجل التعرف على معنى مصيره وما ينطوي عليه ذلك المصير من اقتراحات خلاقة. معرضه الأخير كان شهادة، ولكنها شهادة لا تقع فيما هو متعارف عليه في عالم السياسة. كان صرخة احتجاج لم تضع كل شيء في سلة النهايات. لقد أراح الفنان ضميره حين قدم جردة حساب شاملة من غير أن يستثني المسكوت عنه لأسباب حزبية غير مقنعة.

ولأن مكي حسين واحد من أكثر تلاميذ جياكومتي العراقيين كفاءة في تجريد الجسد من مؤهلات غوايته الخارجية وتقشيره وصولاً إلى جوهره فقد نجح في استخراج مفهوم الجسد السياسي من حيزه الضيق ليحرره من الأفكار الجاهزة أو المتاحة. لذلك لم يلجأ إلى تصويره، مقاوماً لظرف تاريخي جائر أو ضحية لتبدل في مزاج مقهور. وكان في ذلك ذكياً في التعبير عن انحيازه للفن، بوصفه ناقداً لا يخطئ طريقه في محاولة الوصول إلى مواقع الجمال الكامنة في التجربة الإنسانية.

كائنات على وشك التحليق

كل الكائنات التي نحتها مكي حسين تبدو في وضع قلق غير متوازن، كما لو أنها مهددة بالسقوط في أي لحظة. وهو ما يعكس شعور الفنان باكتظاظ التجربة الإنسانية التي عاشها بالأسئلة العائمة التي ظلت من غير جواب.

يقف أحد تلك الكائنات بقدم واحدة على مكعب فيما تُركت القدم الأخرى في الهواء كما لو أنه مشهد راقص أراد الفنان من خلاله أن يكسر واحدة من أهم قواعد النحت، وفي عمل آخر يحاول الكائن أن يتسلق سلماً تُركت نهايته سائبة في الفضاء. وهو ما يهب الفراغ قوة هي ليست منه. في الحالين تبدو المحاولة كما لو أنها صُممت من غير هدف إلا المجازفة في القيام بفعل بطولي خارق ومدهش بغض النظر عما ينطوي عليه من عبث.

لا يخلو ذلك العبث من فكرة ثورية، عرف الفنان كيف يجسدها من خلال عمله الذي صور من خلاله ذلك الكائن الذي يحمل صخرة على هيئة كرة ثقيلة كما لو أنه يحتضن مصيره ليذهب به إلى مكان آمن. وكما أرى فإن النحات الذي عاش حياته مُقتلَعاً كان مضطراً إلى حمل ذاكرته بمحتوياتها التي لا تسرعلى الرغم من شعوره بعبثية ما يفعل.

ليس من الصعب القول إن النحات كان يقاوم غربته بمفردات معجمه الثوري الذي يهب الإنسان قدرة استثنائية على مقاومة الظرف التاريخي. تلك فكرة ملهمة تساعد على العيش على الحافات. كما أنها بالنسبة له فناناً تشكل منجماً لتحديات، هي في حقيقتها المنقذ من رتابة العيش الذي يمر من غير معنى. في أكثر حالاته انغماساً في التقاط مسراته السابقة لم يكن مكي حسين إنساناً سعيداً.

النحات السياسي مقاوماً

وبسبب تربيته اليسارية، كان مكي حسين يفكر في المآل الرمزي لكائناته المشدودة مثل حبل قلق بين آمالها المخيبة وهزيمتها. إنه يدرك أن المحتوى الحكائي سيتم استهلاكه عبر مرويات قد تخون الحقيقة؛ لذلك انتقل بكائناته إلى المجال الرمزي الذي تبدو من خلاله تلك الكائنات كما لو أنها قُدّت من مادة أثيرية. في منحوتته «عبير في حلم زيارتها لأهلها» استلهم حسين حادثة واقعية، جريمة ارتكبها الجنود الأميركان في الفلوجة عام 2004 يوم اغتصبوا الطفلة عبير وقتلوها. وها هي عبير تعود إلى أهلها من خلال منحوتة الفنان بعدّها رمزاً للمقاومة.

لم تكن الطفلة عبير جسداً سياسياً بقدر ما كانت وطناً لأسئلة المصير الوجودية التي كان النحات مصراً على مواجهتها. من خلال أكثر من عشرين عملاً نحتياً صغيراً لخص فيها موقفه من الاحتلال الأميركي، استعاد مكي حسين انسجامه الروحي مع الجسد بوصفه موطن حكايات ومنجم أسئلة. ولكن الصعوبة تكمن في أن فناناً بنى تجربته على التفكير في الخلاصات لا يمكنه أن يكون حكائياً. هنا بالضبط تكمن أهمية فن مكي حسين الذي يمكن عدّه حدثاً مهماً في تاريخ النحت في العراق. من خلال ذلك الفن لن نعثر على حكايات تم اختزالها في جملة واحدة. هي تلك الجملة يتناغم فيها الجسد مع مصيره وهو جسد لم يخن أبجدياته حين ملك القدرة على إخفائها.

كان مكي حسين دائماً نحاتاً سياسياً لكن برؤية جمالية أنقذت الوقائع اليومية من بنيتها الهشة لتهبها قوة الإلهام ورهافته.


رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو
TT

رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو

«سأغادر أوروبا. هواء البحر سوف يحرق رئتي، والمناخات البعيدة الضائعة سوف تسمر بشرتي. السباحة، هرس العشب، الصيد والقنص، التدخين بشكل خاص. سوف أشرب سوائل كالمعادن التي تغلي كما كان يفعل أسلافي الأعزاء حول مواقد النيران».

«سأعود بأعضاء من حديد، الوجه أسمر، والعين حانقة. ومن خلال قناعي سوف يقولون إني أنتمي إلى عرق قوي. سوف أمتلك الذهب».

«كان ذلك في البداية دراسة. كنت أكتب الصمت، الليالي، كنت أعبّر عمّا لا يُعبَّر عنه، كنت أثبت الدوخان».

«لم يبقَ شكل من أشكال الجنون إلا وعرفته». «الصراع مع الذات لا يقل خطورة عن معارك الرجال».

«لكن لماذا نتحسر على شمس أبدية إذا كنا منخرطين في البحث عن النور الإلهي - بعيداً عن البشر الذين يموتون على الفصول».

«آه لو الأزمنة تجيء... حيث تشتعل القلوب».

(مقاطع متفرقة من فصل في الجحيم)

والآن دعونا ندخل في صلب الموضوع. ماذا يقول المشاهير عن أزعر فرنسا الأكبر: آرثر رامبو؟ ماذا يقولون عن هذا المتمرد الأفاق الثائر على كل الأعراف والتقاليد؟ ماذا يقولون عن هذا العبقري المتوهج أو المتأجج الذي فجَّر الشعر في كل الاتجاهات؟ الجميع يستغربون كيف يمكن أن ينهي كاتب ما حياته الأدبية وهو في سن العشرين فقط. كيف يمكن أن يختتمها في مثل هذه السن المبكرة؟ ثم يتساءلون: هل يعقل أن يحدث هذا الشخص ثورةً شعريةً كبرى وهو لا يزال طفلاً في الـ15 أو الـ16؟ لا يوجد تفسير مقنع لهذه الظاهرة التي حيَّرت البشرية. يمكن القول إن العبقرية هي انفجار جنوني أو إعصار بركاني يهب فجأة، ثم ينطفئ، ولا تفسير له غير ذاته. هل هناك من تفسير لهبوب الرياح أو تفجر الينابيع أو تدفق الشلالات؟ رجاء تفهموا الوضع: العبقريات استثنائية، وجنونها خارق واستثنائي أيضاً. لا تحاولوا تفسير الظواهر الخارقة. لا تقيسوها بمقاييسكم الضيقة.

يعترف لويس أراغون بأن رامبو كان الأب الروحي لقادة «الحركة السريالية»؛ من أمثال أندريه بريتون وسواه. يقول ما معناه: لقد كنا أول مَن رأى العالم على ضوء الشمس الساطعة لرامبو. ثم يضيف قائلاً: «في أحد الصباحات فتحت بالصدفة ديوان (الإشراقات)، وفوراً اختفت من أمامي كل الوجوه الكالحة والخائبة للحياة. فجأة شعرت بتدفق الحياة والحيوية في شراييني وعروقي بعد أن كنت يائساً شبه ميت... فجأة راحت البحار تزمجر، والأمواج تتصاعد فوق البيوت. فجأة راح طوفان نوح يغمر البشرية. ما هذا الشعر؟ ما هذا الجنون؟ يا إلهي ما أجمل الوجود في حضرة رامبو! فجأة راحت أزهار خارقة جديدة، لم أشهدها قط من قبل، تتفتح وتبتسم لي، وأكاد أقول تغازلني. فجأة راح عالم جديد بكر ينبثق أمامي ويتلألأ. رامبو يبدد الظلمات».

وأما ذلك المجنون الآخر تريستان تزارا، الذي أسَّس الدادائية أم السريالية، فيقول لنا هذه العبارة المدهشة: «بمعنى من المعاني يمكن القول إن شعر رامبو كان يحتوي منذ البداية على جرثومة تدميره أو بذرة تدميره. ولهذا السبب سكت نهائياً بعد العشرين. والشعر إن لم يكن تدميراً للشعر فما قيمته وما جدواه؟».

وأما موريس بلانشو، الذي بلغ بالنقد الأدبي الفرنسي ذروة العبقرية الخلاقة، فيقول لنا ما فحواه: لقد اتخذت فضيحة رامبو أشكالاً وأنواعاً عدة. فهو أولاً أتحفنا ببعض الروائع الأدبية والقصائد العبقرية التي لا يجود بها الزمان إلا قليلاً. وهو ثانياً سكت نهائياً وصمت صمت القبور، في حين إنه كان قادراً على إبداع قصائد أخرى جديدة لا تقل عبقريةً عمّا سبق. وقد أحبطنا ودمَّرنا بفعلته تلك. لقد أوصلنا إلى منتصف البئر وقطع الحبلة فينا. وهذه فضيحة كبرى. هذا ما لن نغفره له أبداً. ما فعله رامبو انتحار حقيقي، بل أفظع من الانتحار وأخطر من الجنون. إنه انتحار جماعي ضمن مقياس أنه نحرنا معه أيضاً. يا أخي لماذا تسكت عن الإبداع الشعري الأعظم في مثل هذه السن المبكرة؟ يا أخي لماذا تحرمنا من القصيدة وأنت قادر عليها؟ إنه الكفر المحض. لإيضاح كل ذلك اسمحوا لنا نحن العرب أن نقول ما يلي: هل تعتقدون أن المتنبي كان سيحرمنا من أعظم القصائد لو أنه عاش عشر سنوات إضافية فقط: أي حتى الستين؟ كان حتماً قد أتحفنا بديوان جديد آخر أهم من السابق. ولكنه قُتل في الخمسين وسقط مضرجاً بدمائه. وهذه أكبر كارثة حلَّت بتراثنا الأدبي والشعري على مدار 2000 سنة من تاريخه. لقد سقط المتنبي شاباً في عز العمر وأوج العبقرية: خمسون سنة فقط. ولا نزال ندفع ثمن هذه الجريمة منذ عام 965 ميلادية وحتى اللحظة. كنا نتمنى فقط لو أنهم اغتالوه في السبعين أو الثمانين بعد أن يكون قد نضب بركانه الشعري المتأجج وليس في الخمسين. أما رامبو فقد عاش 17 سنة إضافية دون أن يكتب حرفاً واحداً، دون أن ينبس ببنت شفة، دون أن يتحفنا بقطرة واحدة تروي الغليل. عيب عليك يا رامبو. اخجل على حالك.

وأما إيف بونفوا، فيقول لنا ما فحواه: إن عظمة رامبو تكمن في أنه رفض هامش الحرية الصغيرة الضيقة التي كان يؤمنها له عصره وبيئته وقريته. معظم الناس كانت تكفيهم تلك الحرية الضيقة الصغيرة ولكن ليس هو. ولذلك فضَّل أن يخوض تلك المعركة التراجيدية مع المطلق الأعظم حتى ولو تهشَّم رأسه على صخرته. وقد تهشم في نهاية المطاف في بلاد العرب، في حرار أو عدن أو اليمن... بمعنى آخر: لنا الصدر دون العالمين أو القبر. لا يوجد حل وسط في قاموس رامبو. ولكن هذا القرار الجنوني الذي اتخذه في غفلة من الزمن هو الذي جعل من أشعاره القصائد الأكثر راديكالية، وبالتالي الأكثر تحريراً وحريةً في تاريخ الآداب الفرنسية.

وأخيراً، لقد أتحفنا رينيه شار، رامبو القرن العشرين، بمقالة رائعة مطلعها: «حسناً فعلت إذ رحلت آرثر رامبو».


سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية
TT

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

في روايته الجديدة «معزوفة اليوم السابع» الصادرة في القاهرة عن دار «الشروق»، يكشف الروائي الأردني جلال برجس أنه استلهم فكرة العمل من لقاء واقعي بشاب غجري عام 2012؛ حيث نشأت بينهما «صداقة صامتة» انتهت بموقف إنساني حين دثره الكاتب بمعطفه، ليكتشف لاحقاً نبل أخلاق الشاب رغم الفقر والتشرد.

يروي برجس، فيما يشبه مقدمة للنص، كيف أنه في أحد الصباحات الربيعية من عام 2012 وبينما ينتظر حافلة تقله إلى عمله شاهد شاباً غجرياً يكنس الشارع على أنغام موسيقى تصدر من هاتف نقال معلق في خاصرته، كان يقفز بحركات رشيقة والمكنسة بين يديه طيعة كأنها امرأة يراقصها، وفي لحظة تقمص متقنة تتحول إلى بندقية يصوبها نحو أعداء مفترضين.

اعتاد رؤية الغجري ونشأت بينهما صداقة صامتة لا يتخللها سوى تحيات خاطفة، وفي أحد صباحات الشتاء الباردة لم يجد ذلك الشاب، لكنه سمع أنينه وهو يتوارى وراء جدار. وقبل أن يغادر خلع معطفه ودثره، عند المساء وجده بانتظاره يضع معطفه على يده ليعيده له قائلاً: «لست مجنوناً وليس بالضرورة أن يكون الغجري لصاً كما يُشاع».

في تلك اللحظة وهو يتأمل خيام الغجر على طرف المدينة ولدت فكرة هذه الرواية التي تحكي سيرة المصير الإنساني وكيف يمكن للآدمي أن يكون وحشاً وفي الآن نفسه حملاً وديعاً في مدينة مكونة من سبعة أحياء: جنوبها مخيم كبير لغجر مطرودين منها وغربها جبل على قمته قبر جده الأول، مدينة يصاب سكانها بوباء غريب.

تستعرض الرواية الصراع بين الجانب «الوحشي» والجانب «الوديع» في النفس البشرية، عبر نص يُعد استبطاناً للهم الإنساني وتناقضات العالم، وكيف نقع جميعاً ضحايا للانطباعات المسبقة الخاطئة والتحيزات النمطية، مع سرد يتحرك صعوداً وهبوطاً بين الماضي والحاضر والمستقبل ليسلط الضوء على تراجع القيم الإنسانية. من أجواء الرواية:

«لم يخبر الرجل أحداً بنيته إلا الفتاة اليتيمة التي لا أهل لها، قبل طلوع الفجر كان قد تجاوز حدود القرية حين فوجئ بتلك الفتاة تلحق به وتقرن مصيرها بمصيره لما في قلبها من حب عارم له وسأم من تلك القرية. مضيا في طريقهما وتواريا عن الأنظار وليس في جعبتيهما شيء سوى ناي ورثه الرجل عن أبيه ولا يعرف عنه شيئاً غير أنه قُدّ من شجرة نادرة ونُذر لزمن قادم ليصد البلاء ولا مهمة له إلا الحفاظ عليه.

سارا لأيام يعبران سهولاً وجبالاً وودياناً، لا يأكلان غير قليل مما يجدانه في طريقهما من طيور وأرانب وبعض الثمار، إلى أن وصلا ذلك السهل مع شروق الشمس، حيث بدا كل شيء حولهما بكراً كأنه يولد للتو: الأشجار باخضرارها الناصع وحفيف أغصانها يتهادى إلى مسمعيهما واضحاً ونقياً، خرير الماء وهو يتدفق من شق صخري ويرسم له مجرى يروح إلى البعيد باعثاً في الهواء رائحة تلاقيه بالتراب. كل شيء كان على نحوٍ بدائي: نقيق الضفادع، زقزقة العصافير وتغريدها، ضغيب الأرانب، ضباح الثعالب، عواء الذئاب، ثغاء الماعز، سليل الغزلان. كل شيء حولهما بدا لهما على ذلك النحو، حتى الهواء وهو يلفح جسديهما بخفة، وهما غارقان في الحيرة والخوف والتيه».