برنارد لويس... «الشيطان مجسداً» أم «عبقري التاريخ»؟

لم يرتح إلا بغياب إدوارد سعيد

برنارد لويس
برنارد لويس
TT

برنارد لويس... «الشيطان مجسداً» أم «عبقري التاريخ»؟

برنارد لويس
برنارد لويس

كان برنارد لويس (1916 – 2018) ينتشي جذلاً كلما ذكره أحدهم بصورته الشديدة التناقض في المخيال العام بين من يراه «عبقري التاريخ» الذي كان مسؤولا أكثر من غيره عن رسم صورة الإسلام في العقل الغربي ومن يعتبره «الشيطان مجسداً» كما باح لسانه يوماً.
منظّر الاستقطاب الحتمي بين الغرب والشرق، وصائغ المفهوم الأخطر عن «صراع الحضارات» وإمام المستشرقين المهوّلين من «الأصوليّة الإسلاميّة» الذي رحل الأحد الماضي عن 102 عام حظي دوماً ببركات القرب من نخبة صناع القرار في الولايات المتحدة وإسرائيل وعمل كملهم روحي ومستشار استراتيجي لطاقم المحافظين الجدد في عهد الرئيس جورج دبليو بوش وعدّه البعض واحداً من ثلاثة صاغوا الاستراتيجيّة الأميركية لإدارة العالم الإسلامي – إلى جوار زيبنغو بريجنسكي والرئيس السابق جيمي كارتر -، لكنّه تعرّض كذلك إلى أعنف الهجومات من أكاديميين وسياسيين كثيرين لإنكاره المجزرة الأرمنيّة بداية القرن العشرين، ولانحيازه الأعمى لإسرائيل وازدرائه للعرب والمسلمين، وحماسته الشديدة لاستخدام موقعه المؤثر في قلب المؤسسة الأميركية من أجل الترويج للحلول الصارمة والعنيفة بشأن سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
لويس الذي ولد في لندن لأبوين يهوديين وجد نفسه مبكراً مولعاً بالتاريخ وباللغات، فدرس التاريخ في معقل الاستشراق الأكاديمي البريطاني بكليّة الدراسات الشرقيّة والأفريقيّة – جامعة لندن – على يد أساتذة مثل المستشرق هاميلتون جيب ونورمان باينيز ليتخرّج منها لاحقاً بشهادة الدكتوراه عن رسالة له في التاريخ الإسلامي. وهو درس أيضاً في جامعة باريس على يد لويس ماسينييون المستشرق الفرنسي المعروف قبل أن ينخرط في الخدمة العسكريّة بالجيش البريطاني، وينتقل منها إلى عالم الجواسيس عميلاً متجولاً للمخابرات البريطانيّة في الشرق الأوسط ليعود بعد الحرب إلى الأجواء الأكاديمية أستاذا جامعيّاً في جامعة لندن لربع قرن، ولاحقاً – بعد فضيحة نسائية طلّق على إثرها زوجته – انتقل إلى الجانب الآخر من الأطلسي مدرساً في جامعات برينستون وكورنيل.
تخصص لويس مبكراً في تاريخ الشرق الأدنى وتحديداً سوريّا، لكنه كيهودي وصديق مقرّب من النخبة الإسرائيليّة – كان الصديق الشخصي لغولدا مائير وتناول الشاي معها في مطبخ منزلها - خشي التنقل في الدّول العربيّة ليستكمل أبحاثه بعد حرب فلسطين 1948 ولذا تحوّل إلى الدراسات التركيّة حيث فُتحت له على نحو غامض أرشيفات العهد العثماني فكان أول غربي تسنح له فرصة الاطلاع عليها عن كثب. وقد عمد منذ العام 1950 إلى نشر خلاصة أبحاثه وقراءاته عن تاريخ الشرق في كتب (ما لا يقل عن ثلاثين منها قيد التداول) ومئات مقالات الصحف والمجلات عدّ بعضها مرجعياً في مجاله (صعود تركيا الحديثة - 1961) كما مقالته في تحليل جذور الغضب الإسلامي (1990) التي نحت فيها تعبير «صدام الحضارات» - قبل أن يتولى زميله في جامعة هارفارد صموئيل هانتغنتون تعميم الفكرة على نطاق واسع. لويس المؤرخ تحول إلى صانع للتاريخ متمكن بفضل علاقاته الشخصيّة والفكريّة الوثيقة بعراب المحافظين الجدد السيناتور هنري جاكسون من الالتحاق مستشاراً مقرباً من فريق تلامذة جاكسون الذين تولوا السلطة في الولايات المتحدة ونظموا غزو العراق: ديك تشيني وبول وولفويتز وريتشارد بيرل. ويقال بأنه كان أحد أعضاء الفريق الضيق الذي استدعاه الرئيس بوش إلى مخبئه المحصن غداة هجوم الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) لصياغة رد الولايات المتحدة. وقد استفاد وقتها من تعطش الأميركيين الطارئ لفهم الشرق الأوسط فأصدر كتابيه (أين الخلل؟ - 2002) و(أزمة الإسلام - 2003) فحظيا بانتشار واسع كرّس سمعته في الغرب كمرجعية أولى فيما يتعلق بشؤون الإسلام والشرق الأوسط. لكن رغم تمكنه الفائق من النثر الأدبي، وسعة اطلاعه على مصادر تاريخيّة بلغات عدّة وقربه من مطابخ صنع القرار ومصانع الحدث فإن كتبه متشربّة بروح استشراقيّة فائرة وازدراء استثنائي للعرب وللمسلمين وتحليلاته تفتقد إلى النزاهة العلميّة، وتعكس – وفق إدوارد سعيد – «ديماغوجية قاصرة موفورة الجهل وتعميميّة» وتقدّم وصفات مسمومة تركز على تبرير خطوط الانقسام في العالم العربي، وتنظّر لصعود الراديكاليّة الإسلاميّة مستدعية حتمية الصّدام العنفي بين الشرق والغرب، كما لا يخفى إعجابه الدائم بالتجربة الصهيونيّة حتى أنه كُرّم كواحد من سبعين شخصية أميركيّة قدمت خدمات لا تقدّر بأثمان للدولة العبريّة. ويطرح لويس نظريّة مثيرة للجدل يعزو فيها كل فشل في نهضة العالم العربي إلى قصور ذاتي محض مبرئاً تركة الاستعمار الغربي من أي ذنب. ولم يتورع عن وصف هويات شعوب الشرق الأوسط بالمتخيلة والمتناقضة مستثنياً الإسرائيليين - الذين هم واقعاً أكثر مجموعة في العالم تعيش وهم الهويات المصنوعة. وقد عاب عليه الراحل إدوارد سعيد تعامله السطحي مع العالم الإسلامي ككلٍ، واحدٍ مُصمت، واعتبره نموذجا كلاسيكياً للمستشرق الخادم للسياسة، وعبد اللامركزية الأوروبيّة في قراءة الشرق وفنّد كثيراً من استنتاجاته في كتبه الرئيسيّة (الاستشراق) و(تغطية الإسلام)، واعتبر أن خبرته بالشرق الأوسط والمقتصرة على رحلات التجسس في أربعينات القرن الماضي لم تعد ذات قيمة حقيقية لفهم ثقافة المنطقة بعد التحولات الهائلة التي عاشتها شعوبها عبر عقود متعاقبة.
تعرّضت سمعة لويس العلميّة إلى أزمة حقيقية بسبب نقد سعيد لأعماله، فأكثرَ من مقابلاته الصحافية للرد عليه متهماً إياه بتسييس العمل الأكاديمي، وانسحب من جمعية دراسات الشرق الأوسط في أميركا الشماليّة التي بدأ يسيطر عليها معادون للاستشراق وتلامذة سعيد ليطلق جمعية أخرى موازية بصحبة صديقه - المستشرق بدوره - فؤاد عجمي. وليس هنالك من شك أنه تنفس الصعداء عندما خطف الموت سعيد الذي كان تحوّل إلى أسطورة عالميّة في القبض على هفوات المستشرقين وانحيازاتهم وكشف تلفيق إمامهم – كما كان يسميه مريدوه. لكن لويس لم يهنأ كثيراً بغياب سعيد، إذ صوّب عليه الكثيرون سهام نقدهم لمشاركته في التخطيط والتبرير لغزو العراق الذي تسبب في خسائر بشريّة فادحة، وتالياً لإنكاره المذبحة الأرمنيّة في الطبعات اللاحقة من كتابه عن التاريخ التركي وكذلك في مقابلاته الصحافية معتبراً أنها «الرواية الأرمنيّة لأحداث ملتبسة في مرحلة قلقة من تاريخ تركيا دون وجود دلائل على حملة رسميّة منظمة لإبادة الأرمن»، وأخيراً لتهويله التهريجي من القنبلة النووية الإيرانيّة كما لو كان عرّافاً يقرأ الفلك. وقد تسببت تصريحات لويس الصحافية ومقالاته التي ضخّم فيها شخصيّة أسامة بن لادن - جاعلاً منه رمزاً مُجسّداً لتفكير العالم الإسلامي برمته - بانتقادات واسعة علّق عليها بقوله «لقد جعلني أسامة بن لادن شخصيّة مشهورة».
يترك لويس بعد غيابه تراثاً غاية في الخطورة ليس بالضرورة نصوصه المنحازة والتي أصبح من السهل نقدها وتفكيك مقولاتها بقدر ما هو في أجيال متعاقبة من تلامذته الدبلوماسيين والسياسيين والمثقفين في الغرب - والعالم العربي أيضاً - الذين قرأوا تاريخ الإسلام والمنطقة بعيني لويس وتشربوا تعميماته المنحازة دون امتلاك الأدوات الفكريّة اللازمة لنقضها، فأصبحوا كما نخبة سياسية وأكاديميّة وثقافيّة مصابة بعمى ألوان لا شفاء منه تجاه كل ما هو ليس غربيّاً. لقد تحولت المعارف التاريخيّة على يد لويس من أدوات لبناء جسور التفاهم بين الحضارات إلى متاريس حروب بين شعوب متعادية لن تتلاقى في وقت قريب.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.