برنارد لويس... «الشيطان مجسداً» أم «عبقري التاريخ»؟

لم يرتح إلا بغياب إدوارد سعيد

برنارد لويس
برنارد لويس
TT

برنارد لويس... «الشيطان مجسداً» أم «عبقري التاريخ»؟

برنارد لويس
برنارد لويس

كان برنارد لويس (1916 – 2018) ينتشي جذلاً كلما ذكره أحدهم بصورته الشديدة التناقض في المخيال العام بين من يراه «عبقري التاريخ» الذي كان مسؤولا أكثر من غيره عن رسم صورة الإسلام في العقل الغربي ومن يعتبره «الشيطان مجسداً» كما باح لسانه يوماً.
منظّر الاستقطاب الحتمي بين الغرب والشرق، وصائغ المفهوم الأخطر عن «صراع الحضارات» وإمام المستشرقين المهوّلين من «الأصوليّة الإسلاميّة» الذي رحل الأحد الماضي عن 102 عام حظي دوماً ببركات القرب من نخبة صناع القرار في الولايات المتحدة وإسرائيل وعمل كملهم روحي ومستشار استراتيجي لطاقم المحافظين الجدد في عهد الرئيس جورج دبليو بوش وعدّه البعض واحداً من ثلاثة صاغوا الاستراتيجيّة الأميركية لإدارة العالم الإسلامي – إلى جوار زيبنغو بريجنسكي والرئيس السابق جيمي كارتر -، لكنّه تعرّض كذلك إلى أعنف الهجومات من أكاديميين وسياسيين كثيرين لإنكاره المجزرة الأرمنيّة بداية القرن العشرين، ولانحيازه الأعمى لإسرائيل وازدرائه للعرب والمسلمين، وحماسته الشديدة لاستخدام موقعه المؤثر في قلب المؤسسة الأميركية من أجل الترويج للحلول الصارمة والعنيفة بشأن سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
لويس الذي ولد في لندن لأبوين يهوديين وجد نفسه مبكراً مولعاً بالتاريخ وباللغات، فدرس التاريخ في معقل الاستشراق الأكاديمي البريطاني بكليّة الدراسات الشرقيّة والأفريقيّة – جامعة لندن – على يد أساتذة مثل المستشرق هاميلتون جيب ونورمان باينيز ليتخرّج منها لاحقاً بشهادة الدكتوراه عن رسالة له في التاريخ الإسلامي. وهو درس أيضاً في جامعة باريس على يد لويس ماسينييون المستشرق الفرنسي المعروف قبل أن ينخرط في الخدمة العسكريّة بالجيش البريطاني، وينتقل منها إلى عالم الجواسيس عميلاً متجولاً للمخابرات البريطانيّة في الشرق الأوسط ليعود بعد الحرب إلى الأجواء الأكاديمية أستاذا جامعيّاً في جامعة لندن لربع قرن، ولاحقاً – بعد فضيحة نسائية طلّق على إثرها زوجته – انتقل إلى الجانب الآخر من الأطلسي مدرساً في جامعات برينستون وكورنيل.
تخصص لويس مبكراً في تاريخ الشرق الأدنى وتحديداً سوريّا، لكنه كيهودي وصديق مقرّب من النخبة الإسرائيليّة – كان الصديق الشخصي لغولدا مائير وتناول الشاي معها في مطبخ منزلها - خشي التنقل في الدّول العربيّة ليستكمل أبحاثه بعد حرب فلسطين 1948 ولذا تحوّل إلى الدراسات التركيّة حيث فُتحت له على نحو غامض أرشيفات العهد العثماني فكان أول غربي تسنح له فرصة الاطلاع عليها عن كثب. وقد عمد منذ العام 1950 إلى نشر خلاصة أبحاثه وقراءاته عن تاريخ الشرق في كتب (ما لا يقل عن ثلاثين منها قيد التداول) ومئات مقالات الصحف والمجلات عدّ بعضها مرجعياً في مجاله (صعود تركيا الحديثة - 1961) كما مقالته في تحليل جذور الغضب الإسلامي (1990) التي نحت فيها تعبير «صدام الحضارات» - قبل أن يتولى زميله في جامعة هارفارد صموئيل هانتغنتون تعميم الفكرة على نطاق واسع. لويس المؤرخ تحول إلى صانع للتاريخ متمكن بفضل علاقاته الشخصيّة والفكريّة الوثيقة بعراب المحافظين الجدد السيناتور هنري جاكسون من الالتحاق مستشاراً مقرباً من فريق تلامذة جاكسون الذين تولوا السلطة في الولايات المتحدة ونظموا غزو العراق: ديك تشيني وبول وولفويتز وريتشارد بيرل. ويقال بأنه كان أحد أعضاء الفريق الضيق الذي استدعاه الرئيس بوش إلى مخبئه المحصن غداة هجوم الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) لصياغة رد الولايات المتحدة. وقد استفاد وقتها من تعطش الأميركيين الطارئ لفهم الشرق الأوسط فأصدر كتابيه (أين الخلل؟ - 2002) و(أزمة الإسلام - 2003) فحظيا بانتشار واسع كرّس سمعته في الغرب كمرجعية أولى فيما يتعلق بشؤون الإسلام والشرق الأوسط. لكن رغم تمكنه الفائق من النثر الأدبي، وسعة اطلاعه على مصادر تاريخيّة بلغات عدّة وقربه من مطابخ صنع القرار ومصانع الحدث فإن كتبه متشربّة بروح استشراقيّة فائرة وازدراء استثنائي للعرب وللمسلمين وتحليلاته تفتقد إلى النزاهة العلميّة، وتعكس – وفق إدوارد سعيد – «ديماغوجية قاصرة موفورة الجهل وتعميميّة» وتقدّم وصفات مسمومة تركز على تبرير خطوط الانقسام في العالم العربي، وتنظّر لصعود الراديكاليّة الإسلاميّة مستدعية حتمية الصّدام العنفي بين الشرق والغرب، كما لا يخفى إعجابه الدائم بالتجربة الصهيونيّة حتى أنه كُرّم كواحد من سبعين شخصية أميركيّة قدمت خدمات لا تقدّر بأثمان للدولة العبريّة. ويطرح لويس نظريّة مثيرة للجدل يعزو فيها كل فشل في نهضة العالم العربي إلى قصور ذاتي محض مبرئاً تركة الاستعمار الغربي من أي ذنب. ولم يتورع عن وصف هويات شعوب الشرق الأوسط بالمتخيلة والمتناقضة مستثنياً الإسرائيليين - الذين هم واقعاً أكثر مجموعة في العالم تعيش وهم الهويات المصنوعة. وقد عاب عليه الراحل إدوارد سعيد تعامله السطحي مع العالم الإسلامي ككلٍ، واحدٍ مُصمت، واعتبره نموذجا كلاسيكياً للمستشرق الخادم للسياسة، وعبد اللامركزية الأوروبيّة في قراءة الشرق وفنّد كثيراً من استنتاجاته في كتبه الرئيسيّة (الاستشراق) و(تغطية الإسلام)، واعتبر أن خبرته بالشرق الأوسط والمقتصرة على رحلات التجسس في أربعينات القرن الماضي لم تعد ذات قيمة حقيقية لفهم ثقافة المنطقة بعد التحولات الهائلة التي عاشتها شعوبها عبر عقود متعاقبة.
تعرّضت سمعة لويس العلميّة إلى أزمة حقيقية بسبب نقد سعيد لأعماله، فأكثرَ من مقابلاته الصحافية للرد عليه متهماً إياه بتسييس العمل الأكاديمي، وانسحب من جمعية دراسات الشرق الأوسط في أميركا الشماليّة التي بدأ يسيطر عليها معادون للاستشراق وتلامذة سعيد ليطلق جمعية أخرى موازية بصحبة صديقه - المستشرق بدوره - فؤاد عجمي. وليس هنالك من شك أنه تنفس الصعداء عندما خطف الموت سعيد الذي كان تحوّل إلى أسطورة عالميّة في القبض على هفوات المستشرقين وانحيازاتهم وكشف تلفيق إمامهم – كما كان يسميه مريدوه. لكن لويس لم يهنأ كثيراً بغياب سعيد، إذ صوّب عليه الكثيرون سهام نقدهم لمشاركته في التخطيط والتبرير لغزو العراق الذي تسبب في خسائر بشريّة فادحة، وتالياً لإنكاره المذبحة الأرمنيّة في الطبعات اللاحقة من كتابه عن التاريخ التركي وكذلك في مقابلاته الصحافية معتبراً أنها «الرواية الأرمنيّة لأحداث ملتبسة في مرحلة قلقة من تاريخ تركيا دون وجود دلائل على حملة رسميّة منظمة لإبادة الأرمن»، وأخيراً لتهويله التهريجي من القنبلة النووية الإيرانيّة كما لو كان عرّافاً يقرأ الفلك. وقد تسببت تصريحات لويس الصحافية ومقالاته التي ضخّم فيها شخصيّة أسامة بن لادن - جاعلاً منه رمزاً مُجسّداً لتفكير العالم الإسلامي برمته - بانتقادات واسعة علّق عليها بقوله «لقد جعلني أسامة بن لادن شخصيّة مشهورة».
يترك لويس بعد غيابه تراثاً غاية في الخطورة ليس بالضرورة نصوصه المنحازة والتي أصبح من السهل نقدها وتفكيك مقولاتها بقدر ما هو في أجيال متعاقبة من تلامذته الدبلوماسيين والسياسيين والمثقفين في الغرب - والعالم العربي أيضاً - الذين قرأوا تاريخ الإسلام والمنطقة بعيني لويس وتشربوا تعميماته المنحازة دون امتلاك الأدوات الفكريّة اللازمة لنقضها، فأصبحوا كما نخبة سياسية وأكاديميّة وثقافيّة مصابة بعمى ألوان لا شفاء منه تجاه كل ما هو ليس غربيّاً. لقد تحولت المعارف التاريخيّة على يد لويس من أدوات لبناء جسور التفاهم بين الحضارات إلى متاريس حروب بين شعوب متعادية لن تتلاقى في وقت قريب.



ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر
TT

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر

بمناسبة الذكرى الـ66 لرحيل ألبير كامو، حاورت «الشرق الأوسط» ابنته كاترين كامو (80 عاماً)، «المؤتمنة الأولى» على أرشيفه. عن علاقتها بوالدها تقول: «كان الشخصَ الوحيد في العائلة الذي كان يبدو سعيداً بوجودي».

وحول العزلة التي فرضتها النخبة الباريسية على والدها، خاصة بعد قطيعته مع جان بول سارتر، روت: «أتذكّر حين كنتُ في الثامنة من عمري، دخلتُ غرفة الاستقبال العائلية، حيث كانَ والدي جالساً بمفرده (...) أتذكر أنّني سألته: (بابا، هل أنت حزين؟)، فرفع رأسه وأجابني: (أنا وحيد)».

ورفضت انتقادات بعضِ المثقفين العرب، مثل إدوارد سعيد، لوالدها لـ«تغييبه» العربَ في سردياته، وتقول إنَّ سعيد تناسى أنَّه «كتب (بؤس منطقة القبائل)، وهي مجموعة تحقيقات كتبها حين كان يعمل في صحيفة (ألجي روبليكان) حول فقر الجزائريين في الفترة الاستعمارية». وتضيف: «لا تزال هذه النظرية تسبب أضراراً، وهو أمر يؤسفني».


ابنة ألبير كامو لـ«الشرق الأوسط»: إدوارد سعيد ظلم والدي

البير كامو
البير كامو
TT

ابنة ألبير كامو لـ«الشرق الأوسط»: إدوارد سعيد ظلم والدي

البير كامو
البير كامو

بمناسبة الذكرى السادسة والستين على رحيل الكاتب والفيلسوف ألبير كامو، أجرت «الشرق الأوسط» حواراً مع ابنته كاترين كامو (80 عاماً)، التي تتجاوز علاقتها بوالدها الرابطة العائلية، إذ أصبحت «المؤتمنة الأولى» على واحد من أهم الأرشيفات الأدبية في القرن العشرين. وهي تتولى منذ عقود، إدارة حقوق أعماله والإشراف على نشر المخطوطات التي لم ترَ النور في حياته. وكانت وراء النشر التاريخي لروايته غير المكتملة «الرجل الأول» في التسعينات، وهو العمل الذي غيّر الكثير من القراءات النقدية حول سيرة والدها. ورغم إطلالتها الصحافية القليلة فإن السيدة كاترين قبلت حصرياً الإجابة عن أسئلة «الشرق الأوسط» بمناسبة الذكرى السادسة والستين لوالدها. هنا نص الحوار:

> بصفتك المسؤولة عن التركة الأدبية لوالدك ألبير كامو منذ عقود، ما المبادئ التوجيهية التي تعتمدينها عند الترخيص بنشر أي عمل أو فتح أرشيفه للباحثين؟

- لقد كتب والدي الرواية والمسرح والمقال، لذا فإن تعداد المبادئ التي أطبقها عند اتخاذ أي قرار يتطلب وقتاً طويلاً. وبشكل عام، فإني أعتمد في قراراتي على «الحدس» والشعور الداخلي الذي ينتابني في ذلك الوقت. وفي كل الأحوال، فإنني أعدّ أن النتاج الأدبي لوالدي ملك لقرائه أكثر مما هو ملك لي، لذا نادراً ما أجبت بالرفض أو المعارضة.

كاترين كامو

> هل لا تزال هناك في الأرشيف الذي تحتفظين به، شذرات أو مفكرات أو رسائل تعدينها شديدة الخصوصية بحيث لا يمكن عرضها على الجمهور، أو أنك ترين أن كل ما يخص كامو بات ملكاً للتاريخ؟

- لا أرى أن كل ما يخصّ ألبير كامو صار ملكاً للتاريخ بالضرورة. علينا أن نستحضر رؤية والدي للتاريخ، حيث كان يرى أن الكائن البشري أسمى وأهم من التاريخ. وأنا أشاطره هذا الرأي تماماً.

> بعد عقود من القراءة المتأنية لكل ملاحظات والدك، هل لديك شعور بأن ما تعرفينه اليوم أكثر مما كنت تعرفين وقت وفاته، أو أن جانباً منه لا يزال مستعصياً على الإدراك؟

- أعتقد أن المرء لا يمكنه معرفة أي شخص معرفة كاملة، ولا حتى معرفة نفسه... لذا، فإن رؤيتي لوالدي تظل جزئية ونسبية، وهي رؤية قابلة للنقاش والجدل بكل تأكيد.

> كيف تصفين علاقتك بوالدك؟ وما الذكريات الشخصية التي تحبين استحضارها عند تقديم أعماله للجمهور؟

- أكتفي بالقول إن والدي كان الشخص الوحيد في العائلة الذي كان يبدو سعيداً بوجودي.

> في معظم مداخلاتك وكتاباتك غالباً ما تقدمين ألبير كامو بصفته أباً في المقام الأول. ما السّمة في شخصيته الإنسانية التي لا تزال في نظرك مجهولة لدى الجمهور أو لدى كُتّاب السيرة الذين يحللون حياته باستمرار؟

- أقول إن الجانب الذي يجهله الكثير عن والدي هو أنه كان يتمتع بروح الدعابة. هو نفسه صرح ذات مرة بأن عنصر الفكاهة في أعماله لم يحظَ بالدراسة والاهتمام الحقيقيين.

> سيدة كامو، كثيراً ما تقولين بإن والدك ظّل طوال حياته ذلك «الطفل الفقير» القادم من الجزائر العاصمة. كيف أثرت هذه الأصول المتواضعة، في تقديرك على علاقته بالآخرين؟

- والدي كان بطبعه، إنساناً يهتم بالآخرين ويستمع إليهم وأنا لا أعتقد بأن لأصوله المتواضعة صّلة بهذا الجانب من شخصيته.

> كان لنشر الرسائل التي تبادلها والدك مع عشيقته ماريا كازاريس وقع الصدمة في الأوساط الأدبية. كيف تم حسم الصراع بين احترام الخصوصية العائلية والأهمية التاريخية لإظهار كامو بوصفه رجلاً تملأه العاطفة؟

- لن أذهب للقول إنني «حسمت صراعات»، بل إنني عملت بجهد دؤوب كالثور في حرثه؛ وكلما كنت أنتهي من مراجعة جزء من هذه النصوص، بدأت في مراجعة الجزء الآخر. فبعد إصدار «الدفاتر» أو كارني (الجزء 7 و8 و9 دار نشر غاليمار) التي جمعنا فيها كل نصوص والدي التي لم تكن قد نشرت، أشرفت على نشر رواية «الرجل الأول» عام 1994. وقد اشتغلتُ على نسخ مصورة من المخطوطة، حيث كانت الصعوبة الكبرى تكمن في فك رموز خط يد والدي التي غالباً ما كانت غير مفهومة، وهو ما نجحتُ فيه في نهاية المطاف، بعدها قامت الزميلة الكاتبة بياتريس فايان بجمع الرسائل التي تبادلها والدي مع ماريا كازاريس، وفي عام 2016 بدأت أشعر بأن ذكرى ماريا قد طواها النسيان فاقترحت على أنطوان غاليمار نشر تلك المراسلات.

كان والدي الشخص الوحيد في العائلة الذي يبدو سعيداً بوجودي

كاترين كامو

> يُقال إن ألبير كامو عانى في فترة من حياته من عزلة شديدة، فرضتها عليه الدوائر النخبوية الباريسية، خاصة بعد قطيعته مع المفكر جان بول سارتر. هل شعرت بصفتك ابنته بذلك؟

- نعم، لقد استشعرتُ وحدته. أتذكر حين كنتُ في الثامنة من عمري، دخلتُ غرفة الاستقبال العائلية، حيث كان والدي جالساً بمفرده على مقعد منخفض جداً، فكنتُ أبدو أطول منه. أتذكر أنني سألته: «بابا، هل أنت حزين؟»، فرفع رأسه وأجابني: «أنا وحيد»، وقد روت ليي فلورانس مالرو (ابنة الكاتب أندريه مالرو)، التي كانت تعمل مع أبي في تلك الفترة، بأنها التقت مجموعة من الأصدقاء عند خروجهم من دار «غاليمار»، اقترحوا عليها الذهاب لتناول مشروب في مكان ما، فأجابتهم: «لا أستطيع، لدي موعد مع كامو»، فقالوا لها مندهشين: «ماذا؟ ألبير كامو، هل جننتِ؟».

> تذكرين دائماً أن منزل «لورماران» الواقع في جنوب فرنسا كان مهماً في حياة والدك فكيف ذلك؟

- بالفعل، لطالما راودته الرغبة في امتلاك منزل في جنوب فرنسا، لكن إمكانياته المادية لم تكن تسمح بذلك. وقد مكنته جائزة نوبل التي حازها في 1957من تجسيد هذا الحلم، فمنطقة «لورماران» تشبه إلى حد كبير إقليم «توسكانا» الإيطالي (كما ورد في كتابه «الوجه والقفا»).

> انتقد بعض المثقفين العرب، مثل إدوارد سعيد، «غياب» العرب في سرديات ألبير كامو. كيف تتلقين هذه الانتقادات القائمة على فكر «ما بعد الاستعمار»؟

- بالنسبة لإدوارد سعيد، فقد كتب قبل سنوات في صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» أن والدي كان «استعمارياً»، متناسياً أنه كتب «بؤس منطقة القبائل»، وهي مجموعة تحقيقات كتبها حين كان يعمل في صحيفة «ألجي روبليكان» حول فقر الجزائريين في الفترة الاستعمارية وهذا قبل رواية «الغريب» بفترة طويلة. ومع ذلك، لا تزال هذه النظرية تسبب أضراراً، وهو أمر يؤسفني.

> كيف يتم الاستعداد لتسليم مشعل هذه الذاكرة للأجيال القادمة من عائلة كامو؟

كما يقال: «من بعدي الطوفان...» أو إذا شئتم «مكتوب»! (قالتها بالعربية).


إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً
TT

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم، ومركز ثقله، ممتداً من مكان السرد إلى زمنه، وشخصياته المركزية.

ففي الرواية، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» للنشر بالقاهرة، لا تُطل مدينة الإسكندرية الساحلية بحلّتها الكوزموبوليتية مركزاً للسرد، بل تزيحها الكاتبة إلى الخلفية، فيما تنقل منطقة «غيط العنب» المهمشة إلى مركز الحكي، لتخلق بين المدينة وغيط العنب حالةً تكشف عن «عملقة» الإسكندرية في مقابل «تقزّم» غيط العنب؛ تلك المنطقة «الهجينة» التي تصفها الراوِية: «لم تكن شعبية ككرموز، ولا ريفية كالقرى التي أتينا منها، كانت بين البينين».

تختار الكاتبة أن تمنح بطلتها المركزية «ناصرة» هامشاً من التخفي في مستهل السرد، فلا تُفصح مبكراً عن تعقيد علاقتها بذاتها، وبمدينتها، وبأسرتها دفعةً واحدة، وبدلاً من ذلك، تجعلها تتوارى خلف حكايتها عن جدتها «أسما» وجدها «رجب»، اللذين كانا أول من أدخلاها إلى «غيط العنب»، وفي تتبّعها لحكاية الجدة، يبدو استدعاء الذاكرة العائلية شرطاً أصيلاً لعودة البطلة إلى ذاتها.

فصل عائلي

خلال تتبّع خُطى الجدة، ينحو السرد استرجاعاً عكسياً لا يخلو من منطق جمالي، إذ يستعيد الماضي، ويعيد تدويره داخل سيرة بطلة الرواية، فهي تستدعي ذاتها على خُطى رحلة جدتها، فتقول: «مؤكد أن شبشبها علق في التربة عدة مرات. وأنا أيضاً شبشبي علق في البوص»، يتماهى صوت البطلة مع سيرة جدتها «أسما» التي رحلت تقتفي أثر زوجها بعد أن هجرها خمس سنوات كاملة، ويبدو هذا التماهي مشحوناً بتعاطف واضح مع انكسار جدتها وتيهها، وهي تُقدم وحيدة على رحلة مجهولة: «كانت تخاف القطر، تراه دودة كبيرة وضخمة، وهي لا تريد أن تصبح لقمة في أحشائه، كيف فعلتها وحدها؟».

غير أن هذا التعاطف لا يبلغ حدّ الإعفاء من الذنب، فالبطلة تُحمّل الجدة «أسما» الثمن الذي ترتّب على هذا الرحيل: «كرهت أسما لأنها السبب في وجودي داخل غيط العنب».

لا يبدو «التمرّد» على المكان «المهمّش» الذي انتمت إليه البطلة مبكراً تمرّداً اجتماعياً أو طبقياً فحسب، بل يتبدّى، في جوهره، بوصفه انعكاساً كثيفاً لعالمها الداخلي المترع بمشاعر النقص والاغتراب، ذلك العالم الذي يجعلها تشعر بأنها «فائضة عن الحاجة»، كما تصف نفسها بلغة لا تخلو من مواجهات قاسية مع الذات. وهو توصيف لا يرد عابراً، بل يلازم استدعاءها لمواقف يومية متفرقة، سواء داخل بيت الأسرة، أو في خروجها إلى العالم، كاشفاً عن إحساس متراكم بالهشاشة، وعدم الانتماء.

ويبدو السرد، الذي يدور على لسان البطلة، أقرب إلى متاهة وعي تدخلها بعد أن بلغت الخمسين من عمرها، في لحظة قدرية ارتبطت بقرار «تطوير» غيط العنب، وتسليم شقق جديدة لسكانه، وهي لحظة لا تُستعاد فيها الذاكرة بدافع الحنين، بل بدافع السؤال المؤلم عن جدوى الاسترجاع ذاته، حين تتساءل: «لماذا أدرك كل ذلك الآن، وأنا في الخمسين من عمري وعلى مشارف ترك بيتي؟ ما الذي سأستفيده من إعادة تذكّر ما حصل لي بعد كل هذا العمر؟».

لا يبدو فعل التذكّر هنا مجرد استدعاء متتابع لفصول من حياة متفرقة، إذ تتبدى حياة البطلة كلها كأنها فصل واحد ممتد، يعاد داخله تدوير مشاعر قديمة مُختزنة داخل ألوان، وروائح، ومشحونة بحيرة مستمرة إزاء هُوية ظلت مهمَّشة، سواء على مستوى المكان، أو في علاقتها بجسدها، أو في محاولتها تعريف الأنوثة خارج شروط النقص، والوصم.

هنا تتجاور البنية المكانية للنص مع البنية النفسية، والعائلية للبطلة بوصفهما منظومة مرايا مزدوجة، تعكس الذات بقدر ما تنفّرها من صورتها، فالمكان لا يعمل خلفية محايدة، بل إنه وسيط كاشف، يضع البطلة في مواجهة مباشرة مع تاريخها الشخصي والطبقي معاً. أما الزمن الذي تتساءل عن جدواه، فليس زمناً مفقوداً فحسب، بل حياة كاملة لم يعد ممكناً استعادتها، أو إعادة ترتيبها، وهو ما يتكثف في تساؤلاتها الموجعة: «لماذا تأخر ردم الترعة حتى كبرت؟ لماذا لم يحدث وأنا أصغر، أو قبل أن أولد؟ الترعة التي طاردتني كلما حاولت الصعود لمصادقة أحد من الإسكندرانية. ما إحنا لسنا إسكندرانية لأننا نعيش جانب الترعة».

في هذا المقطع، لا تُقدَّم «الترعة» على أنها عنصر مكاني صامت، بل باعتبار أنها حدّ فاصل يُبرر الإقصاء الاجتماعي، ويحوّل الانتماء إلى معادلة مشروطة بمعادلات الجغرافيا والسُلطة، فتنحت الأزمة الطبقية لغة السرد بشيء من الغضب المكتوم، حيث تتحول اللغة إلى أثر مباشر للإهمال، والتفاوت. وهو ما يفتح سؤالاً روائياً أعمق عن «التطوير» و«الإهمال» لا بوصفهما سياسات عمرانية فحسب، بل باعتبارهما آليتين لإعادة توزيع القيمة الإنسانية، وتحديد من يُسمَح له بالانتماء، ومن يُترك عالقاً على الهامش.

لا يظلّ المكان الهجين في الرواية مجرّد خلفية اجتماعية أو معطى مكاني محايد، بل يتقدّم بوصفه انعكاساً لذاتٍ هجينة بدورها، تتأرجح بين تعريفات غير مستقرة للجسد والهوية. فكما يقع «غيط العنب» في منطقة لا هي مدينة مكتملة ولا ريف خالص، تعيش البطلة حالة مماثلة من الالتباس النفسي والجندري، تفقد تدريجياً قدرتها على تعريف ذاتها داخل ثنائية المرأة/ الرجل، لتظل عالقة في بحثٍ قَلِق عن تفسير طبي لتشوّه مُحتمل أصاب جسدها، غير أن هذا التشوّه يتجاور في البنية الفنية للرواية مع تشوّهات إنسانية أعمق.

ويبدو الهروب من الواقع، عبر استعانة البطلة بالكثير من الخيال، محاولةً لمقاومة واقعها الوجودي المثير للغثيان؛ فتُعيد، على سبيل المثال، تخيّل الأب الذي تمرّس على القسوة، لا كما كان، بل في صورة فانتازية هشّة: «أحب أن أتخيّل بابا طاير بالفيزبا... ويبكي»، وبهذا المنطق، تتجاوز «غيط العنب» حدود الهامش، لتصبح فضاءً تتشكّل داخله الخسارات والخيالات معاً.