العريض: فرضية ترشح قيادي من «النهضة» للرئاسة ما زالت قائمة

رئيس الوزراء التونسي السابق قال إن النخب السياسية لا تلتزم قواعد الديمقراطية

العريض: فرضية ترشح قيادي من «النهضة» للرئاسة ما زالت قائمة
TT

العريض: فرضية ترشح قيادي من «النهضة» للرئاسة ما زالت قائمة

العريض: فرضية ترشح قيادي من «النهضة» للرئاسة ما زالت قائمة

قال علي العريض، رئيس الحكومة التونسية السابق، إن خروج حركة النهضة من الحكم أثبت للجميع أنها تسعى إلى ضمان التعايش السلمي بين مختلف الأطراف، وتكريس مبدأ التداول على السلطة. واعترف العريض في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» بوجود صعوبات في صفوف النخب السياسية التونسية في الالتزام بقواعد الديمقراطية، وقال: «حتى الآن ما زال يغلب على بعض تصرفاتها عدم الاعتراف بالآخر، وما زالت تفكر في الاحتكام إلى الشارع واستعمال العنف».
وبخصوص النقد الموجه لحركة النهضة طوال فترة حكمها، قال العريض، إن القيادات السياسية في حركة النهضة لم تكن على وعي كامل بمشكلات الانتقال الديمقراطي، فقد «اتضح أنها أعقد بكثير مما كنا نتصور نحن وشركاؤنا في الحكم». وأشار العريض إلى أن تعذر تدرب حركة النهضة وحلفائها في السلطة وكذلك المعارضة على الحكم هو الذي أدى إلى مأزق سياسي انتهى بتنازل حضاري عن السلطة من أجل الثورة ومحافظة على المسار الديمقراطي.
وفي معرض انتقاده لفترة حكم حركة النهضة، قال إن حزبه بعد انتخابات 2011 لم يبذل الجهد الأكبر، ولم يستمت في البحث عن صيغة ما لإشراك الجميع في تحمل أعباء الحكم، بل إن شقا كبيرا من المعارضة سعى إلى إعاقة عمل الحكومة وإفشالها، على حد قوله، اعتمادا على «ذهنية الحاكم السابق الذي يقرر ويفرض الحل بالقوة»، مشيرا إلى أن هذه الذهنية ما زالت تصطحب الكثير من القيادات السياسية. وبشأن مبادرة الرئيس التوافقي التي طرحتها حركة النهضة، كشف العريض عن وجود تفاعل إيجابي مع تلك الفكرة، ولم يستبعد إمكانية ترشح أحد قيادات حركة النهضة للمنافسة على كرسي الرئاسة، وقال إن الحركة تعتقد أنها «حزب مسؤول مثل بقية الأحزاب الكبرى على مستقبل الديمقراطية في بلادنا، وهو الذي أملى عليها التشاور من أجل رئيس توافقي يضمن الاستقرار السياسي ويبعد عنها شبح الانتكاسة».
واستبعد العريض حصول السيناريو المصري في تونس، لكنه حذر من سيناريو آخر قد يجد طريقه إلى تونس، ويدفع بالبلاد إلى التآكل الداخلي من خلال التراجع الاقتصادي وانعدام الاستقرار الأمني وتهديد مسار الانتقال الديمقراطي.
ولم ينفِ العريض إمكانية معاقبة تحالف الترويكا من قبل بعض الناخبين التونسيين خلال الانتخابات المقبلة.
وفيما يلي نص الحوار:

* غادرت قيادات حركة النهضة السجن، وتولت مسؤولية الحكم، وأصبحت أنت وزيرا للداخلية ثم رئيسا للحكومة، هل كنت تتوقع في السابق حدوث مثل هذا السيناريو؟
- كانت لدي ثقة كبيرة في تغيير الأوضاع في تونس، وأن الثورة حاصلة قريبا، ومن اليقين أنها لن تبطئ كثيرا. ولكن ما لم يكن حاصلا في ذهني هو أن تتطور الأوضاع وتتسارع الأحداث بتلك الوتيرة لتحصل الثورة سنة 2011. كنت أتابع الحراك الاجتماعي والسياسي المسجل في كثير من جهات تونس، ولكن في الحقيقة لم نكن في حركة النهضة ننتظر نجاح الثورة سنة 2011، فقط كانت الوضعية مفاجئة جدا لكل التونسيين ولكل القوى الدولية التي درجنا على اعتبار أنها سباقة في تصور ما سيحدث.
* وهل كنت على يقين من وصول حركة النهضة إلى الحكم بعد أن ظلت لعقود من الزمن تبحث عمن يعترف بوجودها القانوني؟
- لأن الثورة كانت مفاجئة وسريعة فقد كان الأمر لصالح كل التونسيين ومن ضمنهم أنصار حركة النهضة، ذلك أن الثورة لم تعط فرصة لأي طرف سياسي للتدخل في شؤونها. ولهذا لم تفاجئنا نتائج انتخابات 2011 وكنا متخوفين من رد فعل التونسيين تجاه حركة النهضة التي عمل النظام السابق على تشويهها بكل الطرق.
* وكيف وجدتم الناخب التونسي في انتخابات المجلس التأسيسي (البرلمان)؟
- لا أخفي عليكم أن بعض الأطراف السياسية التونسية اعترضت على تمكين حركة النهضة من الترخيص القانوني، وركزت على المقولة القديمة التي مفادها أن الحركة ذات طابع ديني، وهذا، على حد قولها، مخالف لقانون الأحزاب. ولكن السلطات التونسية بعد الثورة قررت فتح المجال السياسي أمام الجميع.
وعملنا في بداية نشاطنا بعد الثورة على تبديد الشكوك تجاه حركة النهضة، وسعينا إلى تأهيل أبنائها، وإعادة ترتيب أولوياتها. ووجدنا للأمانة تجاوبا كبيرا من قبل الشعب التونسي بعد أن بقينا لمدة عقود ممنوعين من التواصل معه.
* هل كانت لديكم شكوك بشأن رد فعل التونسيين تجاه حركة النهضة؟
- دعني أؤكد لك أننا وجدنا الشعب التونسي أفضل بكثير من عدة أطراف سياسية. فقد كان على استعداد لسماع آرائنا وتوجهاتنا وبرامجنا مباشرة منا نحن، وليس من أطراف أخرى. وقد يكون هذا الأمر هو الذي فسح أمامنا الطريق للفوز في انتخابات 2011 بنسبة تجاوزت 44 في المائة من مقاعد المجلس التأسيسي (البرلمان).
* ولكن تجربة الحكم لم تكن إيجابية في معظم جوانبها فما الذي عطلها، وما تقييمكم للفترة التي قضتها حركة النهضة على رأس الحكومة؟
- تجربة الحكم لا يمكن تقييمها إلا في إطار علاقتها مع تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس، ودرجة وعي كل الأطراف بصعوبة المرحلة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. لذلك أمكن لنا الخروج بمجموعة من الملاحظات من بينها أن الحرية خلقت ارتباكا في صفوف التونسيين، وذلك بفعل أن كل الأطراف السياسية والاجتماعية لم تكن مهيأة لتقبل قواعد التعامل الديمقراطي. فالبلد اعتاد على أن تحل مشكلاته في ظل مناخ استبدادي وبطريقة مستبدة. كما أن المرحلة التي تلت ثورة 2011 كانت صعبة للغاية، فهي مرحلة الصراعات، سواء بين الأحزاب أو داخل الأحزاب نفسها، وقد تفاقمت الأوضاع الاجتماعية والأمنية في ظل مطالبة متواصلة بالتنمية والتشغيل. ولنا أن نشير إلى أن حجم التطلعات كان أكبر بكثير من حجم الإمكانيات المتوفرة في تونس.
* هل يعني هذا أن تحالف «الترويكا» الحاكم بزعامة حركة النهضة كان من دون أخطاء؟
- أنا لم أقل إننا حكمنا دون أن نخطئ، ولكن من الضروري الإشارة إلى ارتفاع منسوب الحرية بعد الثورة، فهذا الأمر هو الذي أثر في الأمن والاستقرار، وخلق مناخا من المطالبات المجحفة التي أدت أحيانا كثيرة إلى الفوضى. ومع ذلك، أظن أن الحكومات التي أعقبت انتخابات 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011 أقدمت على مجموعة من الإصلاحات على مستوى الضرائب وسياسة صندوق دعم المواد الاستهلاكية، وكذلك الأمن، وعملية التنمية في الجهات.
* لكن الانتقادات التي وجهت إلى حركة النهضة كانت كثيرة وفي مجالات متعددة، فهل نفهم من كلامك أن فترة حكم النهضة وشريكيها (حزبي «المؤتمر» و«التكتل») كانت خالية من الأخطاء؟
- هذا غير صحيح، ففي فترة حكمنا اعترضتنا عدة مشاكل؛ أهمها على الإطلاق المحافظة على الحرية (حرية التظاهر - حرية الإعلام - التعددية السياسية، وغيرها من التحديات) من ناحية، والتمسك بمبدأ احترام القوانين والمؤسسات، من ناحية ثانية. وأظن أننا أسسنا الأرضية الكافية لهذا الكسب الكبير الذي نوه به العالم قبل أن نذكره نحن.
كما أننا واجهنا، بكثير من الحنكة السياسية والصبر، التحدي الأمني، وتساءلنا عن الطريقة المثلى للمحافظة على الاستقرار ومقاومة مظاهر الإرهاب، وفي الوقت نفسه الالتزام بمعايير حقوق الإنسان، والابتعاد عن أشكال الانتهاكات كافة. ولذلك، أصلحنا هياكل وزارة الداخلية، وغيرنا رسالة أعوان الأمن، وطبقنا برامج لتكوينهم، وعدلنا عدة قوانين حتى تتماشى مع حرية التظاهر. وما زالت تونس في حاجة إلى جهد إضافي في هذا المجال.
ولكن أصعب تحد واجهنا هو التحدي الاقتصادي والاجتماعي. فتغيير أوضاع الناس يتطلب مدة أطول مما كان متوفرا لدينا، في حين أن معدل عمر الحكومات التي تعاقبت على تونس بعد الثورة لا يزيد على السنة في معظم الحالات. ومع ذلك، سعينا إلى معالجة الأوضاع العاجلة، ولكن الإصلاحات العميقة على مستوى الاستثمار والتنمية تتطلب وقتا أكثر. ونستطيع القول إننا قطعنا خطوات في هذا المجال من خلال سن قانون جديد للاستثمار وقانون الطاقة والإصلاح المالي والبنكي، لكن هذه الإصلاحات لن تعطي مردودية ملموسة إلا بنجاح المهمة السياسية وتحقيق الاستقرار والأمن.
لقد مضت الدولة في تنفيذ استثمارات كثيرة، ولكن رأس المال الخاص ما زال مترددا تحت ضغط التجاذبات السياسية وتعذر وضوح الرؤية. كما أننا على مستوى العدالة الانتقالية سعينا إلى تسوية ملفات الماضي ومقاومة الفساد، ولم نسع طوال فترة حكمنا إلى سياسة انتقامية، بل حاولنا معالجة الملفات واستخلاص العبرة حتى لا تتكرر مآسي الماضي نفسها.
* لكنك عددت إنجازات الترويكا ولم تذكر لنا أخطاءها؟
- إذا كان هناك من نقد يمكن أن يوجه لحركة النهضة، فهو أن قياداتها لم تكن على وعي كامل بمشاكل الانتقال الديمقراطي، فقد اتضح أن المرحلة أعقد بكثير مما كنا نتصور نحن وشركاؤنا في الحكم. وذهب إلى ظننا أن إعلان نتائج انتخابات 2011 سيؤدي على الفور إلى الاستقرار السياسي والأمني والتفكير في حلول للملفات الشائكة، ومن ثم تسجيل نسبة نمو بإمكانها استيعاب جزء مهم من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية للتونسيين. وهذا الأمر يسري علينا وعلى أحزاب المعارضة، إذ إننا لم نكن مدربين على الحكم، بل إنه لمن المفارقات أن يكون الشعب التونسي أكثر قبولا والتزاما بنتائج الصندوق وعمليات الاقتراع أكثر من النخب السياسية وبعض الأحزاب المعارضة. فالكثير من التونسيين انتقدوا واحتجوا، ولكنهم تعاملوا في نطاق احترام القانون، في حين أن النخب السياسية وجدت صعوبات في الالتزام بقواعد الديمقراطية، وحتى الآن ما زال يغلب على بعض تصرفاتها رفض الاعتراف بالآخر، وما زالت تفكر في الاحتكام إلى الشارع واستعمال العنف.
ولكن بالمقارنة مع بقية دول الربيع العربي، فإن النخبة السياسية في تونس كانت متقدمة ومكنت من نجاح تجربة الانتقال الديمقراطي في أصعب الظروف.
* لكن الطرف الذي يحكم هو الذي تقع عليه المسؤولية كاملة، ولا يمكن توجيه اللوم إلى النخب السياسية التي ظلت تراقب عملية الانتقال الديمقراطي بحذر كبير وشكوك أكبر؟
- هذا عين العقل، ونحن في حركة النهضة نرى أننا بعد انتخابات 2011 لم نبذل الجهد الأكبر، ولم نستمت في البحث عن صيغة ما لإشراك الجميع في تحمل أعباء الحكم، بل إن شقا كبيرا من المعارضة سعى إلى إعاقة عمل الحكومة وإفشالها.
وأود الإشارة إلى تواصل العقلية القديمة في التعاطي مع السلطة، إذ ذهب إلى ظن الجميع أن من يجلس على كرسي السلطة يطلب منه إنجاز كل شيء، وهذا يعني أن ذهنية الحاكم السابق الذي يقرر ويفرض الحل بالقوة ما زالت تصطحب الكثير من القيادات السياسية، بينما التفكير الأسلم أن البناء الديمقراطي يعتمد بالأساس على مؤسسات الدولة المتعددة، وأن القرار ليس بيد السلطة نفسها، بل تتقاسمه مع عدة أطراف أخرى؛ من بينها الإعلام وهياكل المجتمع المدني والرأي العام والأطراف الاجتماعية والقضاء.
لذلك، وأنت في مركز السلطة لا تفكر وحدك في قرارات وتنفذها، بل يجب أن تفكر في أن جزءا من القرار بيد أطراف أخرى، ولذلك تكون على قناعة أكثر من أي وقت مضى بأن دور الحكومة هو البحث عن تسويات بين مصالح متعارضة ومتناقضة.
* وهل هذه محاولة منكم للتنصل من المسؤولية في ظل سيل الانتقادات التي أدت إلى خروج الترويكا بزعامة حركة النهضة من السلطة؟
- أقر بأن الوعي بتعقد الأوضاع الاجتماعية قد ازداد حاليا، وأن أمر إخراج البلاد من واقعها المتردي يتطلب جهدا جماعيا. وقد اقتنعت قيادات حركة النهضة بتلك الصعوبات منذ البداية بعد احتكاكها بالملفات الشائكة الكثيرة، وقررت في نهاية المطاف إجراء تغيير حضاري على الحكومة بعد ترسيخ مبدأ التعايش بين الجميع والتداول السلمي على السلطة.
* لكن الكثير من متابعي الثورة التونسية اعتقدوا أن حركة النهضة اتخذت الحل الأسوأ، من خلال خروجها من الحكم في ظل شبح السيناريو المصري وإمكانية انتقاله إلى تونس.
- من الغريب أنه يوجد بيننا في تونس من ما زال ينوه بالسيناريو المصري ويود لو يحصل. ومع ذلك، نقول إن سيناريو آخر قد يجد طريقه إلى تونس ويدفع البلاد إلى التآكل الداخلي، من خلال التراجع الاقتصادي وانعدام الاستقرار الأمني وتهديد مسار الانتقال الديمقراطي. لقد كان لدينا خياران: إما التمسك بالشرعية ونتائج الانتخابات، وإما إتمام مسار الانتقال الديمقراطي، ففضلنا خيار الخروج من الحكم عوض التضحية بالثورة التي تعبنا من أجلها.
* بعد إزاحة إخوان مصر من الحكم، ألا ترون أن المهمة المقبلة مهما طالت الفترة ستكون موجهة إلى حركة النهضة؟
- حركة النهضة تونسية بالأساس، وهي تزداد تجذرا في أرضيتها، وتعتني بتدبير الشأن العام، وهي بذلك تختلف مع إخوان مصر على مستوى التجديد الفكري. فاهتمامنا موجه إلى العناية بالمشاكل الاجتماعية للتونسيين. ولا يمكن المقارنة بين الحركتين على الأقل، من ناحية موقع الدين والأسرة في تفكير كلا التنظيمين.
* وهل تعود حركة النهضة، في رأيكم، إلى الحكم من جديد بعد تجربة أولى لم يكتب لها النجاح الكامل؟
- لا شك في أن الخريطة السياسية ستتغير خلال الانتخابات المقبلة، وستتخلص أعداد كبيرة من الناخبين من الأحكام المسبقة الصادرة عن الأحزاب والمنظمات. وأعتقد أن الشعب التونسي خبر أهم الأحزاب والشخصيات، وتعرف على حقيقة وإمكانيات كل طرف، وصار واضحا لديه من يعمل ويجتهد حتى وإن أخطأ، ومن كانت مواقفه متذبذبة بين العمل من أجل الديمقراطية، من ناحية، وسرعة الانتكاس عليها، من ناحية أخرى، ولا يمكن عمليا مواصلة مغالطة التونسيين ببعض الشعارات الآيديولوجية القديمة.
* ألا تعتقد أن جزءا من الناخبين التونسيين سيعاقبون «الترويكا» نفسها، أم أن العقوبة ستوجه هذه المرة إلى أحزاب المعارضة؟
- لا شك أن بعض التونسيين سيعاقبون تحالف «الترويكا»، إذ يعتبرونه مسؤولا عن عدم تحقيق جزء من أحلامهم. ونحن نعلم أن الكثير من الأحزاب في العالم التي حكمت خلال المراحل الانتقالية غالبا لا يقع التجديد لها في أول انتخابات حقيقية. لكن التونسيين سيختارون أفضل القيادات السياسية الموجودة بعد أن خبروا مدى جدية كل الأحزاب. ونحن نعتقد أن البعض قد يتراجع عن دعم حركة النهضة، ولكن تعويضهم ممكن من بين من تبددت شكوكهم تجاه الحركة.
لقد استهدف الكثير من التونسيين حركة النهضة قبل الثورة وبعدها، وشككوا في إيمانها بالديمقراطية، واستهدفت إعلاميا بكونها ضد الحرية، وستفرض نمط عيش معينا بالقوة على التونسيين، لكن كل هذه الظنون والشبهات ذهب الجزء الأكبر منها. وكان حرصنا أثناء حكمنا على ضمان الحرية، وأثبتنا أن الدولة لا تتدخل في دين الناس، وسعينا إلى ترشيد الخطاب الديني وضمان مكتسبات التونسيين.
* بشأن مبادرة الرئيس التوافقي التي طرحتها حركة النهضة، ألا تعتقدون أنها ضرب مباشر للديمقراطية وحرية الترشح والاختيار بين المرشحين؟
- نعتقد داخل حركة النهضة أن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة شأن سياسي كبير سيطبع حياة التونسيين لمدة خمس سنوات مقبلة، وربما لسنوات أخرى بفعل ما ستتمخض عنه تجربة الحكم في فترة الاستقرار السياسي. ولدينا معلومات أن عدد المرشحين سيكون أكثر من عشرة مرشحين، وهذا حسب تقديرنا يشتت الأصوات، لذلك فكرنا في التشاور الذي نعده ولاّد أفكار وحلول، والخروج بشخصية توافقية تحظى بدعم أكبر وبشرعية كبرى مما يمكنها من العمل في أجواء توافقية. ولمنتقدينا نقول إن حركة النهضة لم تقدم مرشحا، وأجرينا اتصالات، ولا نمارس وصاية على أحد. ولعلمكم حركة النهضة لم تقدم مرشحا من داخلها أو من خارجها حتى الآن. وغاية هذه المبادرة هي الابتعاد عن الاستقطاب الحاد وجعله ينتهي بالإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
وخلال الفترة الماضية وجدنا تفاعلا إيجابيا من عدة أطراف سياسية، وأجرينا اتصالات هدفها الذهاب بقلب مفتوح إلى الانتخابات المقبلة، ونريد الرفق بتجربتنا الديمقراطية الناشئة حتى نجنبها كل أشكال الانتكاس وعودة الاستبداد. ومع ذلك فإن فرضية ترشح أحد قيادات حركة النهضة في الانتخابات الرئاسية المقبلة ما زالت قائمة الذات ولم نستبعدها تماما.
* لكن مقترح الرئيس التوافقي ترك تساؤلات عدة حول نوايا حركة النهضة وسعيها إلى الهيمنة من جديد على القرار السياسي؟
- نحن في حركة النهضة نعتقد أننا حزب مسؤول مثل بقية الأحزاب الكبرى على مستقبل الديمقراطية في بلادنا، ونحن بعيدون كل البعد عن الشك والريبة لأننا لم نقدم مرشحا من داخلنا، ولم نقدم شخصية سياسية وندعو إلى دعمها على حساب بقية المرشحين. ولكن دعني أشر إلى أن الشخصية التي ستدعمها حركة النهضة باعتبارها من أكبر الأحزاب السياسية على الساحة هي التي ستكون لها حظوظ كبيرة في النجاح في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية وتجد نفسها في الدور الثاني، وربما هذا هو مربط الفرس كما يقال.
* لكن هذا المقترح لم يجد الدعم الكامل وعارضه بعض المرشحين للرئاسة.. هل هناك أسباب، حسب رأيكم، للرفض أو القبول؟
- ننتظر أن يقبل بعض المرشحين برؤية أنفسهم خارج موقع الرئاسة، وربما يجد البعض الآخر صعوبات في قبول التخلي عن الترشح سواء في الدور الأول أو الثاني. ولكن طرح الفكرة أهم بكثير من مجرد التفكير في نتائجها.
* وماذا عن الاستقطاب الثنائي بين حركة النهضة وحرة نداء تونس.. وهل هناك نوايا خفية لاقتسام السلطة بعد الانتخابات كما اتهمكم جزء من المعارضة؟
- يبدو أن استطلاعات الرأي التي جعلت الحركتين في مراتب أولى في أكثر من مناسبة، هي التي أدت إلى هذا الاستنتاج الذي هو ليس في صالح بقية الأحزاب السياسية. نحن نريد أن تتوحد بقية الأحزاب وأن تشكل تحالفات ذات وزن، فهذا في صالح حياة سياسية سليمة، ونود أن تتوزع الساحة إلى أكثر من قطب سياسي، ونريد مجموعة من الأحزاب السياسية التي تطمئننا على مستقبل الديمقراطية في تونس.
* وكيف تقرأون الخريطة السياسية المقبلة، وهل من تغييرات جوهرية؟
- أنتظر شخصيا تشكل ثلاثة أقطاب سياسية كبرى وليس استقطابا ثنائيا حادا كما صورته بعض القيادات السياسية، فحركة النهضة وحركة نداء تونس والجبهة الشعبية يمكن أن تمثل هذه الأقطاب السياسية.
* لكن البناء الديمقراطي في تونس مهدد بآفة الإرهاب، فكيف تعاملتم مع هذا الملف، وما هي استراتيجية الدولة في هذا المجال؟
- من الضروري الإشارة إلى أن ملف الإرهاب متشابك ومعقد ويتجاوز الحدود الوطنية من حيث تداخل وتعدد عناصره. نحن نختلف تمام الاختلاف مع الأفكار التي تتبنى العنف وتحمل الأسلحة في وجه الدولة، ولدينا مشروع مجتمعي على اختلاف جوهري مع التيارات المتطرفة، إذ سعينا إلى احترام الإسلام وتوطينه وترسيخ المكتسبات الإنسانية من خلال حماية حرية المرأة ودعم المناخ الديمقراطي، لذلك لا نعد أن الإسلام في صراع مع العصر، بل علينا أن نستنبت في تربة الإسلام كل نبتة طيبة تخدم مقاصد الإسلام.
* ومع ذلك اتهمت حركة النهضة بدعم الجماعات المتطرفة وغض الطرف عن أنشطتها خاصة خلال الفترة الأولى التي تلت الثورة..
- لقد طرحنا الموضوع بجدية وتساءلنا عن طريقة سلمية للتعامل مع الأفكار المتشددة، ودعوناهم إلى الالتزام بقوانين البلاد، ولكن جزء صغيرا من تلك التنظيمات ذات التفكير المنغلق فكر في حمل السلاح ضد أجهزة الدولة، ورفض نمط التدين في تونس، ونعني بتلك التنظيمات أنصار الشريعة، على وجه الخصوص. وحاولنا التفرقة بين من يدعو إلى الدين بطريقة سلمية ومن يحاول فرض تفكير معين على التونسيين. ولنقل إن قيادات حركة النهضة هي التي خلصت إلى تأكيد وجود جناح مسلح داخل تنظيم أنصار الشريعة، وأن بعض الساسة لم يكن على علم بذلك. ومنذ فترة أصبح التونسيون يدركون الفرق بين حركة النهضة والتنظيمات السلفية التي لم تظهر إلى الوجود بأفكارها المتطرفة بعد الثورة كما يذهب إلى ظن الكثير من التونسيين.
* لكن الوقوف على خطورة الإرهاب كانت فاتورته ثقيلة، إذ عرفت البلاد اغتيالين سياسيين، وسالت دماء كثيرة خاصة بين قوات الأمن والجيش..
- الدولة لاحقت وستلاحق وتجرم ممارسات الأشخاص الخارجين عن القانون، ولا شك أننا في تونس سجلنا نقاطا حاسمة ضد الإرهابيين، فهم محل محاصرة وملاحقة، كما أننا نجحنا في تفكيك تنظيم أنصار الشريعة وتعرفنا على خلاياه وطرق تمويله، وخلصنا إلى حظر أنشطته. ومع ذلك نقول إننا لسنا في مأمن من حصول عمليات إرهابية جديدة ضد الأفراد أو المؤسسات، لكننا تقدمنا في ضبط أمننا الداخلي، ونرى أن موضوع مقاومة الإرهاب طويل ومتواصل، كما أن مخاطره قد لا تأتينا بالضرورة من تونس. ونطلب من كل الأطراف أن تبذل جهدا أكبر على المستوى التربوي وفي المساجد وداخل العائلات، من أجل محاصرة الأفكار الهدامة.
* هل سنرى حركة النهضة من جديد في الحكم، وما هي النسبة المئوية التي تنشدها في الانتخابات البرلمانية المقبلة؟
- من المغامرة تقدير حجم الأحزاب السياسية خلال هذه المرحلة. فحالة الحراك السياسي متواصلة، وهي قد تفرز الكثير من التحالفات السياسية خلال الأشهر المقبلة. وأعتقد أن استطلاعات الرأي فيها الكثير من الصحة، فلحركة النهضة وأحزاب أخرى قاعدة انتخابية مستقرة وقارة. لكن التخوف اليوم يأتي من إمكانية إحجام التونسيين عن المشاركة في الانتخابات، وهذا هو الخطر بالنسبة لنا، إذ إن التوقعات تشير إلى أن قرابة 40 في المائة من التونسيين لم يحددوا بعد لمن سيصوتون.
وترجيحي الشخصي أن المشاركة في الانتخابات المقبلة ستكون مهمة، وأن التونسيين سيتجاوزون مناداة بعض الأحزاب، على غرار حزب التحرير، لمقاطعة الانتخابات، والتي يقولون إنها مقاطعة نشطة. فأغلب الأحزاب تدعم المشاركة بقطع النظر عن الفائز، وهذا شيء إيجابي للغاية. ننتظر تحمسا جماعيا لإنجاح الانتخابات، ومشاركة فعالة، وتوجيه أصوات الناخبين لمن يستحقونها فعلا.



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.