واشنطن تهدد طهران بـ«أقسى عقوبات في التاريخ»

البنتاغون يدرس اتخاذ «إجراءات جديدة» ضد إيران

بومبيو بعد كلمته أمام مؤسسة التراث في واشنطن أمس (رويترز)
بومبيو بعد كلمته أمام مؤسسة التراث في واشنطن أمس (رويترز)
TT

واشنطن تهدد طهران بـ«أقسى عقوبات في التاريخ»

بومبيو بعد كلمته أمام مؤسسة التراث في واشنطن أمس (رويترز)
بومبيو بعد كلمته أمام مؤسسة التراث في واشنطن أمس (رويترز)

هدد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إيران بأقسى عقوبات اقتصادية في التاريخ، إذا رفضت الالتزام بالشروط الـ12 للتوصل إلى «اتفاق جديد» موسع بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني.
وكشف بومبيو، في خطاب ألقاه أمس أمام مركز التراث الأميركي، عن استراتيجية بلاده الجديدة تجاه إيران، التي تهدف إلى محاصرة برامج إيران الصاروخية والباليستية وتدخلاتها المخربة في المنطقة ودعمها للإرهاب.
وأعلن المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية أن بلاده ستمارس «ضغوطا مالية غير مسبوقة على النظام الإيراني» مع «أقوى العقوبات في التاريخ»، مؤكدا أن ذلك «مجرد بداية فقط». كما وعد «بملاحقة عملاء إيران ورديفهم حزب الله حول العالم لسحقهم».
وحدد بومبيو 12 شرطا للتوصل إلى «اتفاقية جديدة»، شملت انصياع إيران لمطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية وكشف كافة التفاصيل العسكرية لبرنامجها النووي، ووقف جميع أنشطة تخصيب اليورانيوم وإغلاق مفاعل المياه الثقيل، والسماح لخبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول غير المشروط إلى جميع المواقع النووية في البلاد، وإنهاء نشر الصواريخ الباليستية والصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية، وإطلاق سراح المواطنين الأميركيين المحتجزين في إيران ومواطني الدول الحليفة المعتقلين، وإنهاء دعم الجماعات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك حزب الله وحماس وحركة الجهاد الإسلامي. وطالب بومبيو أيضا إيران باحترام سيادة الحكومة العراقية ونزع سلاح الميليشيات الشيعية. كما طالب إيران بوقف دعم الميليشيات الحوثية والعمل على تحقيق تسوية سياسية في اليمن، إضافة إلى سحب جميع القوات الإيرانية من سوريا وإنهاء دعم طهران لحركة طالبان في أفغانستان، ووقف توفير ملاذات آمنة لقادة تنظيم القاعدة، وإنهاء دعم فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني للحركات والجماعات الإرهابية في العالم. وكان آخر شروط بومبيو للنظام الإيراني هو وقف تهديداته لدول المنطقة، بما في ذلك وقف التهديدات بتدمير إسرائيل ووقف إطلاق الصواريخ التي تستهدف المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ووقف تهديد الملاحة الدولية والهجمات السيبرانية المخربة.
واعتبر بومبيو، الذي استمر خطابه 23 دقيقة، أن قائمة المطالب طويلة، وقال: «لكننا لم نخترعها، فهي هي تصرفات إيران».
وقال وزير الخارجية الأميركي، مستحضرا كلمات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إن واشنطن مستعدة وجاهزة وقادرة على التفاوض بشأن اتفاقية جديدة، لافتا إلى أن هذه الإدارة لن تكرر أخطاء الإدارة السابقة، ومشددا على أنه لا يمكن فصل تطلعات إيران النووية وسلوكها الإقليمي.
وتعهد وزير الخارجية بالعمل على ضمان منع إيران من امتلاك سلاح نووي في الوقت الحالي أو في المستقبل، وأشار إلى استمرار مشاوراته مع «الحلفاء الأوروبيين والأصدقاء في منطقة الشرق الأوسط».
وقال بومبيو إن واشنطن تريد دعم «أهم حلفائنا وشركائنا في المنطقة وعبر العالم، وذلك يشمل حلفاءنا الأوروبيين بالتأكيد». وأضاف أنه يريد كذلك دعم «الأستراليين، والبحرينيين، والمصريين، والهنود، واليابانيين، والأردنيين والكويتيين والعمانيين والقطريين والسعوديين وكوريا الجنوبية والإمارات وغيرها».
ووجه بومبيو جزءا كبيرا من حديثه إلى الشعب الإيراني، وقال إن على النظام حماية حقوق الإنسان وإن جميع الحلفاء والدول أدانت تصرفات النظام الإيراني ضد شعبه وقمعه للمظاهرات. وأشار وزير الخارجية إلى معاناة الإيرانيين تحت وطأة تراجع الاقتصاد والفساد المستشري في إيران وتوجيه السلطة الحاكمة لمئات المليارات من الدولارات لتمويل العمليات العسكرية، بينما يعاني الشعب في الداخل. وقال بومبيو إن «النظام الإيراني مرعوب من المظاهرات، ونأمل أن يعود لرشده وأن يستجيب لتطلعات شعبه». وأضاف أن «العام القادم سيشهد مرور أربعين عاما على الثورة الإيرانية، وعلينا التساؤل عما قدمته الثورة للشعب الإيراني، فالاقتصاد يعاني والشباب الإيراني يشعر بالإحباط». وأشار بومبيو إلى كوريا الشمالية، مطالبا إيران بالنظر إلى الدبلوماسية الأميركية التي قادت إلى حل التحديات مع كوريا الشمالية. كما أشار إلى أن الاستراتيجية التي تتبعها إدارة الرئيس ترمب تسعى للحصول على المساندة من الحلفاء والأصدقاء من جميع الدول التي تتفهم التحديات، وقال: «نرحب بأي دولة سئمت من تهديدات إيران، وسنرسل فريقا حول العالم لشرح سياساتنا وشرح التداعيات للحلفاء».
وفي بداية خطابه الأول للسياسة الخارجية، ذكر بومبيو أن السبب وراء قرار الرئيس ترمب بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني هو ببساطة أن الاتفاق فشل في تحقيق الأمن وفشل في تقييد قدرات إيران النووية، والحد من طموحاتها النووية وتخصيب اليورانيوم، وتقييد تجاربها الصاروخية وتهديداتها بزعزعة الاستقرار في المنطقة، وتوسيع نفوذها. كما أشار إلى أن استمرار الاتفاق كان سيقود إلى سباق تسلح نووي في المنطقة. وانتقد بومبيو بشكل كبير ما صرحت به إدارة الرئيس أوباما من قدرة الاتفاق النووي على تحقيق الأمن والاستقرار ووقف أنشطة إيران للتخصيب، معتبرا أن رهان سلفه جون كيري كان رهانا فاشلا، مذكرا بدفاع الأخير عن الاتفاق النووي بقوله: «أعرف أن الشرق الأوسط سيكون أفضل بفضل الاتفاق النووي». وأوضح بومبيو أن اتفاق إدارة أوباما جاء بنتائج عكسية، لافتا إلى تزايد النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط منذ دخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ، واستغلال طهران ما حصلت عليه من أموال بعد رفع العقوبات في تمويل الميليشيات التابعة لها. وقال إن «إدارة أوباما روجت أن الاتفاق النووي سيعيق قدرات إيران ويقلص نفوذها، واتضح أن ذلك كان وهما».
واستعرض وزير الخارجية الأميركي بإسهاب الأنشطة الخبيثة التي تقوم بها إيران في سوريا، ومحاولات التدخل في العراق وتمويل الميليشيات الشيعية هناك، فضلا عن مساندة الحوثيين في اليمن وتسليحهم بالصواريخ التي تهدد أمن السعودية، وتهريب الأسلحة عبر البحر الأحمر وزعزعة الاستقرار في أفغانستان، وقيادة عمليات اغتيال في قلب أوروبا، والاستمرار في حبس مواطنين أميركيين دون حق. وقال بومبيو إن «كل هذا تمّ أثناء سريان الاتفاق النووي الإيراني، وسنعمل على إعادة كل مسجون أميركي تم القبض عليه في إيران، وهي أكبر دولة راعية للإرهاب».
واستشهد وزير الخارجية بما أعلنته الاستخبارات الإسرائيلية من سعي النظام الإيراني لامتلاك سلاح نووي، وكذبه على المجتمع الدولي. وقال إن «تصريحات النظام الإيراني أنه لا يسعى لصنع قنبلة نووية أمر يثير الضحك». وشدد بومبيو في إجابته على بعض الأسئلة بعد انتهاء خطابه، أن استراتيجية الرئيس ترمب هي الاستراتيجية الصحيحة لمواجهة إيران، مشيرا إلى أنه قضى أول أسبوعين من عمله في التشاور مع الحلفاء الأوروبيين للبحث عن سبيل لإصلاح الاتفاق النووي، لكن الجهود لم تنجح. وشدد بومبيو أن العقوبات الاقتصادية سيتم فرضها بالكامل، وقال إن «كل دولة عليها أن تفهم أننا لا يمكن أن نوفر الثروة لقاسم سليماني، وجهودنا ستركز على تقييد قدراته لإحداث أضرار في منطقة الشرق الأوسط، ولن نسمح لإيران ببناء برنامج نووي، وفي نهاية الأمر على قادة إيران القيام بالاختيار».
ومع إدراكه الصعوبات التي تواجهها الشركات الأوروبية مع عودة العقوبات الأميركية، فقد حذر بشدة الشركات التي ستستمر في القيام بأعمال تجارية في إيران في قطاعات محظورة بموجب العقوبات الأميركية من أنها «ستتحمل المسؤولية».
وبعد ساعات من خطاب بومبيو، أعلن متحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية أمس أن الوزارة تدرس اتخاذ «إجراءات جديدة» بمواجهة نفوذ إيران في الشرق الأوسط.
وقال الكولونيل روب مانينغ خلال مؤتمر صحافي: «نحن بصدد إجراء تقييم حول ما إذا كنا سنكثف إجراءاتنا الحالية أو أننا سنتخذ تدابير جديدة». وتابع أن «إيران لا تزال قوة مزعزعة للاستقرار في المنطقة وسنبذل كل ما في وسعنا لمنع ذلك».
وقبل إنهاء خطابه، قال بومبيو إنه «في مقابل القيام بتغييرات كبيرة في إيران، فإن الولايات المتحدة مستعدة» لرفع العقوبات في نهاية المطاف، و«إعادة جميع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع إيران» و«دعم» الاقتصاد الإيراني. وأوضح بومبيو أن هذا لن يحدث إلا بعد «تطورات ملموسة يمكن التثبت منها مع مرور الوقت».



جنيف الثالثة: بين «الاختراق» المُعلَن وواقع الهوّة

حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» تعمل في بحر العرب الأربعاء (رويترز)
حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» تعمل في بحر العرب الأربعاء (رويترز)
TT

جنيف الثالثة: بين «الاختراق» المُعلَن وواقع الهوّة

حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» تعمل في بحر العرب الأربعاء (رويترز)
حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» تعمل في بحر العرب الأربعاء (رويترز)

في الساعات التي تلت انطلاق الجولة الثالثة من المفاوضات الأميركية - الإيرانية في جنيف، بدا المشهد قابلاً لقراءتين متناقضتين في آن واحد: الأولى متفائلة تستند إلى لغة الوسيط العُماني عن «أفكار بناءة وإيجابية» و«انفتاح غير مسبوق» على حلول جديدة، والثانية متشائمة ترى أن الاستراحة الطويلة للمشاورات ليست سوى مؤشر على أن الطرفين ما زالا بعيدين عن أي تسوية حقيقية.

بين القراءتين، تتكاثر «التسريبات» والوعود و«قوائم المطالب»، حتى يغدو السؤال المركزي: ما الحقيقي في هذه المفاوضات، وما المبالغ فيه إلى حد الوهم؟ وهل نحن أمام دبلوماسية جادة، أم تفاوض يجري تحت سقف قرار حرب متخذ سلفاً؟

عملياً، دخلت المفاوضات مرحلة «الاختبار» بدل مرحلة «الإعلان». وفي الوقت نفسه، فإن وصف مسقط للأجواء بأنها «بنّاءة» ليس تفصيلاً بروتوكولياً فحسب، بل هو جزء من وظيفة الوسيط: إبقاء خيط التفاوض قائماً، ومنع الطرفين من الانزلاق إلى منطق «اللاعودة» الذي غالباً ما يسبق الضربات. لكن «اللغة» وحدها لا تصنع اتفاقاً؛ ما يصنعه هو قابلية تحويل العناوين الكبرى إلى معادلات تقنية - سياسية قابلة للتحقق.

«خط أحمر» أميركي و«حق» إيراني

العقدة التي تغذي معظم الضجيج هي التخصيب. واشنطن تصرّ، حسب مسؤوليها، على مبدأ «صفر تخصيب» داخل إيران بوصفه خطاً أحمر، بينما تعد طهران أن الاحتفاظ بقدرة تخصيب - ولو منخفضة - جزء من «الحق السيادي» في الاستخدام السلمي للطاقة النووية. هذا التناقض لا يُحل بالشعارات؛ فهو يعيد إنتاج المعضلة التي جعلت الاتفاقات السابقة عُرضة للانهيار: كيف يُمنع «المسار العسكري» نهائياً إذا كانت البنية التحتية للتخصيب قائمة؟ وكيف تُقنع إيران بالتخلي عن ورقة تعدها ضمانة ردع وبقاء في آن؟

هنا يتقاطع الخطاب العلني مع التسريبات. فقد تحدثت «وول ستريت جورنال» عن مطالب أميركية صارمة تشمل تفكيك مواقع رئيسية (نطنز، وفوردو، وأصفهان) ونقل اليورانيوم المخصب، واتفاقاً من دون سقف زمني. مثل هذه الصيغة، إن صحت كأرضية تفاوض، ترفع تكلفة التنازل الإيراني إلى مستوى يصعب تسويقه داخلياً، حتى لو كانت طهران في موقع اقتصادي وسياسي أضعف.

في المقابل، فإن تكرار إيران عبارة «الاتفاق في متناول اليد» يبدو - في أفضل الأحوال - محاولةً لإبقاء باب رفع العقوبات مفتوحاً، لا دليلاً على اقتراب صفقة نهائية. فمجرد بقاء الخلاف على «النطاق» (نووي فقط أم نووي وباليستي ودور إقليمي) يعني أن أي اختراق، إن حدث، قد يكون جزئياً ومؤقتاً، لا «تسوية شاملة».

ضغط «الأرمادا»

المبالغة الأكثر شيوعاً في التحليلات هي التعامل مع الحشد العسكري الأميركي كأنه «قرار حرب» مكتمل تلقائياً. الواقع أكثر تعقيداً. نعم، إدارة ترمب ترفع الضغط عبر مراكمة الأصول العسكرية في المنطقة، بما في ذلك تحريك حاملتي طائرات ونشر قدرات إضافية، في مناخ يذكّر بأن «التهديد» جزء من هندسة التفاوض. لكن هذا الضغط نفسه له سقف زمني ولوجيستي وسياسي: لا يمكن إبقاء «الأرمادا» إلى ما لا نهاية من دون تكلفة على الجاهزية والذخائر والرسالة الداخلية.

هذا المعنى يلتقطه الباحث في معهد واشنطن باتريك كلاوسن بوضوح في حديث مع «الشرق الأوسط»، قائلاً إن الولايات المتحدة لا تستطيع الاستمرار طويلاً في إرسال «أرمادا» إلى المنطقة، ما يخلق ضغطاً لاتخاذ قرار قريب: استخدام القوة أو إعادة ضبط المسار. ويضيف أن إحدى العقبات الكبرى أمام خيار القوة هي غموض الهدف: ماذا تريد واشنطن أن تحقق تحديداً؟ فمن دون تعريف «أهداف ضيقة قابلة للتحقق» - مثل إرجاع البرنامج النووي سنوات إلى الوراء - تصبح الضربة مخاطرة مفتوحة قد تستجلب ردوداً أوسع، وقد تنتهي إلى حملة أطول مما يُعلن.

هذه النقطة تتقاطع مع ما يُقال داخل واشنطن عن «المعنى الرمزي» للضربة: أن تكون عرض قوة يتيح للرئيس إعلان «نصر» ويضغط على طهران لتنازلات، بينما يشكك آخرون في قدرة ضربة محدودة على تغيير سلوك النظام أو إنهاء التخصيب بوصفه خياراً استراتيجياً.

«الباليستي» وإسرائيل

العنصر الذي قد يحول «التقدم التكتيكي» إلى أزمة استراتيجية هو الصواريخ الباليستية. إيران تريد حصر التفاوض بالنووي ورفع العقوبات، فيما يصر مسؤولون أميركيون - يتقدمهم وزير الخارجية ماركو روبيو - على أن تجاهل الصواريخ «مشكلة كبيرة» ستظهر عاجلاً أم آجلاً.

لكن في الحسابات الإقليمية، المسألة ليست تقنية فحسب، بل بقرار أمني إسرائيلي.

ويحذر كلاوسن من أن أي اتفاق يقتصر على النووي ويهمل الباليستي يضع إسرائيل أمام «قرار خطير»: هل تضرب إيران وحدها؟ والأهم، كيف سيتعامل ترمب مع ضربة إسرائيلية منفردة؟ هذا السؤال ليس افتراضاً أكاديمياً، لأنه يلامس نقطة ضعف أي تفاهم نووي ضيق: قد يخفف خطر التخصيب مؤقتاً، لكنه يترك ملف الردع والرد (الصواريخ) قائماً، بما يزيد احتمالات استئناف المواجهة من بوابة أخرى.

هل قرار الحرب متخذ؟

هنا تحديداً يجب تفكيك «الوهم» الأكثر تداولاً بأن التفاوض مجرد تمويه وأن الحرب محسومة. وفق المعطيات المتاحة اليوم فإنها توحي بأن القرار ليس نهائياً، بل أقرب إلى «سُلَّم من الخيارات» تُختبر درجاته تباعاً: تفاوض تحت ضغط، ثم - إن فشل - ضربة محدودة لفرض شروط، ثم - إن لم تُنتج - توسيع محتمل. هذا النموذج ينسجم مع لغة ترمب العلنية: تفضيل الدبلوماسية مع التلويح بأدوات أخرى، وتحديد مهلة قصيرة للاتفاق.

غير أن تصريحات الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات جاناتان سايح لـ«الشرق الأوسط» تمثل الموقف الأكثر تشدداً في واشنطن. فالإدارة - برأيه - متفقة على «صفر تخصيب» بوصفه خطاً أحمر، فيما يكرر المرشد ومسؤولون إيرانيون تمسكهم بقدرة التخصيب لأنهم يرون التنازل «ضعفاً» ويستحضرون مصير القذافي.

ووفق تقييمه، فإن الضغط العسكري أو الضربات المحدودة لن تُجبر طهران على تغيير سلوكها بشكل مستدام؛ وعندما تُستنفد الدبلوماسية، ويثبت أن الضربة لا توقف التخصيب «إلى الأبد»، يصبح الجدل حول «مدى» استخدام القوة لا حول مبدأ استخدامها.

ويرى سايح أن «تحييد التهديد» يمر بدعم الحركة المناهضة للنظام، وأن حملة واسعة تستهدف القيادة وأدوات القمع قد تساعد، شرط اقترانها برسائل فعالة للإيرانيين.

أمام هذه الصورة، تشير المفاوضات الجارية تحت ضغط زمني وعسكري إلى أن الخلافات الجوهرية لم تُحل بعد، وأن أي اختراق - إن حصل - سيكون على الأرجح محدوداً ومشروطاً بآليات تحقق صارمة وبسقف سياسي داخلي في واشنطن وطهران. والمبالغ فيه هو الاعتقاد بأن بيانات التفاؤل العُمانية تعني اقتراب صفقة نهائية، أو أن الحشد العسكري يعني أن الحرب «غداً» حتمية.

الأقرب إلى الواقع أن جنيف الثالثة ليست «لحظة حسم»، بل لحظة فرز: هل يستطيع الطرفان ابتكار صيغة تحفظ ماء الوجه في عقدة التخصيب وتفتح مساراً للتحقق والرفع التدريجي للعقوبات؟ أم أن الفجوة بين «صفر تخصيب» و«حق التخصيب» ستجعل الاستراحة تتكرر... إلى أن تتحول من استراحة مشاورات إلى استراحة ما قبل الضربة؟


عراقجي يسعى لاستعادة دوره في صناعة اتفاق نووي

عراقجي يقدم إفادة لأعضاء لجنة الأمن القومي البرلمانية في يناير الماضي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي يقدم إفادة لأعضاء لجنة الأمن القومي البرلمانية في يناير الماضي (الخارجية الإيرانية)
TT

عراقجي يسعى لاستعادة دوره في صناعة اتفاق نووي

عراقجي يقدم إفادة لأعضاء لجنة الأمن القومي البرلمانية في يناير الماضي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي يقدم إفادة لأعضاء لجنة الأمن القومي البرلمانية في يناير الماضي (الخارجية الإيرانية)

يشبّه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وهو ابن تاجر سجاد من أصفهان، أسلوب التفاوض الذي تتبعه طهران بالمقايضة في السوق، وهو نهج يتطلب، على حد تعبيره، «الصبر والكثير من الوقت».

غير أن عامل الوقت قد لا يكون في صالحه، إذ يخوض الدبلوماسي المخضرم أهم مفاوضات في مسيرته الممتدة لعقود، سعياً للتوصل إلى اتفاق نووي يجنب بلاده عملاً عسكرياً لوّح به الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وتولى عراقجي منصبه في عام 2024، وكان قد لعب دوراً رئيسياً في المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بين إيران والقوى العالمية، الذي انسحب منه ترمب في عام 2018.

وأفادت «رويترز» عن مصادر سياسية مطلعة بأن عراقجي يحظى بثقة كاملة من المرشد علي خامنئي، وتصفه بأنه أحد أقوى وزراء خارجية الجمهورية الإسلامية حتى الآن.

ويبدو أن المؤسسة الحاكمة تراهن على قدرته على المناورة بمهارة، في وقت تعزز فيه القوات الأميركية وجودها في الشرق الأوسط، بعد 8 أشهر فقط من قصفها مواقع نووية إيرانية.

وفي كتابه «قوة التفاوض» الصادر عام 2024، أشار عراقجي إلى أن أسلوب التفاوض الإيراني يُعرف عموماً باسم «أسلوب البازار»، أي «المساومة المستمرة والدؤوبة»، وكتب في هامش الكتاب عن مهارة والدته الراحلة في المقايضة. لكنه حذّر أيضاً من الإفراط في استخدام هذا الأسلوب، وكتب : «عندما تبيع الثلج تحت أشعة الشمس، فإن المساومة أكثر من اللازم هي الخسارة بعينها».

التعزيزات العسكرية «لا يمكن أن تضغط علينا»

اكتسب عراقجي سمعة باعتباره خبيراً في المفاوضات الشاقة خلال المحادثات حول برنامج إيران النووي قبل أكثر من 10 سنوات، حين وافقت طهران بموجب اتفاق 2015 على قيود صارمة مقابل رفع العقوبات. ويصفه دبلوماسيون غربيون شاركوا في تلك المفاوضات بأنه جادّ، وملمّ بالجوانب الفنية، ومباشر في طرحه.

وقاد عراقجي الوفد الإيراني في محادثات مع الولايات المتحدة، فشلت العام الماضي قبل شنّ الغارات الأميركية. وكان قد انضم في شبابه إلى الثورة عام 1979، وقاتل في الحرب الإيرانية - العراقية في الثمانينات، قبل أن يبدأ مسيرته الدبلوماسية. ويصفه أحد المقربين منه منذ سنوات بأنه هادئ وصبور، لكنه «مقاتل وقادر على الصمود».

وقال عراقجي، يوم الأحد، إنه يرى فرصة جيدة لـ«حلّ دبلوماسي» قائم على تفاوض يلبي مطالب مختلف الأطراف. وأضاف، في مقابلة مع قناة «سي بي إس نيوز»: «لذا لا داعي لأي تعزيزات عسكرية»، مشيراً إلى أن هذه التعزيزات «لا يمكن أن تضغط علينا».

بعيد عن «الصراعات الداخلية»

أعرب ترمب عن استيائه من عدم التوصل إلى اتفاق، وقال في خطاب حالة الاتحاد، الثلاثاء: «يريدون إبرام اتفاق، لكننا لم نسمع تلك الكلمات السرية، وهي أننا لن نمتلك سلاحاً نووياً أبداً». وتنفي إيران مراراً سعيها لامتلاك قنبلة ذرية.

وكان عراقجي الشخصية المحورية في جهود لم تنجح لإحياء اتفاق 2015 خلال فترة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن (2021 - 2025)، قبل أن يحلّ محله مفاوض أكثر تشدداً.

وبعد ذلك بوقت قصير، عُيّن أميناً عاماً للجنة الاستراتيجية العليا للعلاقات الخارجية، الخاضعة لمكتب المرشد الإيراني، ما عزّز موقعه داخل الدائرة المقربة من صاحب القرار النهائي في البلاد.

وُلد عراقجي في طهران عام 1962 لأسرة ثرية متدينة تمتهن التجارة. واختار مساراً مختلفاً عن أفراد عائلته، وكان في السابعة عشرة عندما اندلعت الثورة. وبعد الإطاحة بنظام الشاه ، انضم إلى «الحرس الثوري» وشارك في الحرب مع العراق بين عامي 1980 و1988.

وتزوج للمرة الأولى من ابنة التاجر علي عبد اللهيان، المحسوب على حزب «مؤتلفة الإسلامي»، أبرز التشكيلات السياسية في بازار طهران.

انضم عراقجي إلى «الحرس الثوري» مع تأسيسه في 1979 بعد الثورة التي أطاحت بنظام الشاه. خدم في المكتب السياسي لـ«الحرس» خلال الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينات القرن الماضي، قبل أن ينضم إلى وزارة الخارجية خبيراً في الشؤون الدولية.

وكان عراقجي من بين ضباط كبار في المكتب السياسي لـ«الحرس الثوري» التحقوا بوزارة الخارجية عام 1989، وانضم حينها إلى كلية العلاقات الدولية في وزارة الخارجية، كغيره من أبناء الأسر المتنفِّذة، وحصل على شهادة الماجستير في العلوم السياسية من جامعة آزاد الإسلامية، قبل أن ينتقل للمملكة المتحدة؛ حيث حصل على درجة الدكتوراه في الفكر السياسي من جامعة «كنت» منتصف التسعينات.

وعُيّن سفيراً لدى فنلندا بين 1999 و2003، ثم لدى اليابان بين 2007 و2011، قبل أن يصبح متحدثاً باسم وزارة الخارجية عام 2013. كما شغل لفترة قصيرة منصب رئيس بعثة الجمهورية الإسلامية إلى «منظمة المؤتمر الإسلامي» بجدة.

ويُعرف عراقجي بإيمانه بمبادئ الثورة، وقد شغل مناصب في عهود رؤساء اتبعوا نهجاً واقعياً وآخرين من التيار المحافظ المتشدد.

وقال مسؤول إيراني كبير إن عراقجي «نأى بنفسه عن الخلافات السياسية والصراعات الداخلية» بين الفصائل، رغم كونه شخصية سياسية بارزة تربطه علاقات وثيقة بخامنئي. وأضاف المسؤول: «يتمتع عراقجي بعلاقات جيدة مع المرشد و(الحرس الثوري) وكل الفصائل السياسية في إيران».

في يونيو (حزيران) 2016، نقلت مجلة «رمز عبور» التابعة للأجهزة الأمنية، عن قائد «الحرس الثوري» الأسبق، جواد منصوري، قوله إن عراقجي «دخل السلك الدبلوماسي بمهام من (الحرس الثوري)»، مشدداً عن أن عراقجي «ينتمي إلى (فيلق القدس)» في إشارة إلى الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري».

وفي الحوار نفسه، سلَّط منصوري الضوء على دور «الحرس الثوري» في تسمية السفراء الإيرانيين لدى الدول العربية، وذكر في حواره أن السفراء لدى العراق ولبنان وسوريا هم من منتسبي «فيلق القدس». ونفى كل من عراقجي والخارجية الإيرانية هذه التصريحات.

ورغم أن عراقجي لديه خبرة واسعة في المفاوضات النووية، فإن دوره التفاوضي لا يعني امتلاكه صلاحياته في اتخاذ القرار النووي، الذي يخضع للمجلس الأعلى للأمن القومي، ويصادق على قراراته المرشد علي خامنئي.


جامعة طهران تعلّق عضوية ثلاثة من طلابها أحرقوا العلم الإيراني

لقطة من فيديو تظهر مظاهرات لطلاب إيرانيين في جامعة أمير كبير للتكنولوجيا بطهران يهتفون ضد القيادة الإيرانية (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو تظهر مظاهرات لطلاب إيرانيين في جامعة أمير كبير للتكنولوجيا بطهران يهتفون ضد القيادة الإيرانية (أ.ف.ب)
TT

جامعة طهران تعلّق عضوية ثلاثة من طلابها أحرقوا العلم الإيراني

لقطة من فيديو تظهر مظاهرات لطلاب إيرانيين في جامعة أمير كبير للتكنولوجيا بطهران يهتفون ضد القيادة الإيرانية (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو تظهر مظاهرات لطلاب إيرانيين في جامعة أمير كبير للتكنولوجيا بطهران يهتفون ضد القيادة الإيرانية (أ.ف.ب)

علّقت جامعة طهران عضوية ثلاثة من طلابها بسبب حرقهم العلم الإيراني خلال تظاهرات مناهضة للحكومة شهدتها إيران في الآونة الأخيرة، بحسب ما أفادت وسائل إعلام محلية، الخميس.

وأشارت الجامعة، في بيان أوردته وكالة «فارس» للأنباء، إلى «التعرف على ثلاثة طلاب أساؤوا إلى رمز وطني إيراني، وبأمر من رئيس الجامعة تمّ تعليق (عضويتهم) مؤقتاً في انتظار جلسة استماع أمام المجلس التأديبي»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت جامعات إيرانية عدة وخصوصاً في العاصمة، تجمعات مؤيدة للحكومة وأخرى مناوئة لها منذ معاودة الدراسة، السبت.

وعرضت بعض وسائل الإعلام صوراً لطلاب يحرقون العلم الإيراني الذي اعتُمِد رسمياً بعد ثورة عام 1979 التي أطاحت بالنظام الملكي. وأقرّت الحكومة للطلاب بـ«حق التظاهر» لكنها حذّرتهم من تجاوز «الخطوط الحمر».

وتأتي هذه الاحتجاجات في سياق حركة واسعة بدأت في ديسمبر (كانون الأول) بمطالب اقتصادية في الأساس، لكنها اتخذت في مطلع يناير (كانون الثاني) منحىً غير مسبوق في معارضتها للسلطة.

وعدّ رئيس السلطة القضائية في إيران غلام حسين محسني إجئي، الأربعاء، أن سلوك بعض الطلاب «لم يكن مناسباً»، لا سيما «حرق العلم الوطني أو ترديد شعارات مهينة».

ونقلت عنه وكالة «مهر» للأنباء تحذيره من أن «أي شخص يرتكب مخالفة تأديبية داخل إحدى الجامعات سيعرّض نفسه لملاحقات قضائية».

وأفاد وزير العلوم والبحث والتكنولوجيا الإيراني حسين سيمايي بأن الدروس لا تزال مستمرة حتى الآن في الحرم الجامعي.

غير أن جامعة خوارزمي الحكومية، وعدداً من فروع جامعة آزاد الخاصة، أعلنت أنها ستوفّر دروسها ابتداء من الآن عبر الإنترنت، متذرّعة بفترة شهر رمضان.