أوروبا تفعّل قانوناً يمنع شركاتها من تنفيذ العقوبات الأميركية ضد طهران

فرنسا وألمانيا وبريطانيا تطالب إيران بمواصلة الوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاق

زعماء الاتحاد الأوروبي على هامش قمة صوفيا أمس (إ.ب.أ)
زعماء الاتحاد الأوروبي على هامش قمة صوفيا أمس (إ.ب.أ)
TT

أوروبا تفعّل قانوناً يمنع شركاتها من تنفيذ العقوبات الأميركية ضد طهران

زعماء الاتحاد الأوروبي على هامش قمة صوفيا أمس (إ.ب.أ)
زعماء الاتحاد الأوروبي على هامش قمة صوفيا أمس (إ.ب.أ)

أجمع قادة الاتحاد الأوروبي، خلال قمة صوفيا أمس، على ضرورة حفظ الاتفاق النووي مع إيران. وفي مؤشر على تحدي قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانسحاب من الاتفاق، وإعادة العقوبات ضد طهران، أعلنت المفوضية الأوروبية عن قرار الاتحاد تفعيل قانون يصبح سارياً اعتباراً من اليوم، يهدف إلى منع الشركات الأوروبية من الالتزام بالعقوبات الأميركية على إيران، ولا يعترف بأي أحكام قضائية تضع تلك العقوبات موضع التنفيذ.
وقال رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر: «لدينا كمفوضية أوروبية التزام بحماية الشركات الأوروبية. نحن بحاجة الآن للتحرك، ولهذا ندشن عملية تفعيل (‬‬قانون الحجب) الذي يعود إلى عام 1996. سنقوم بذلك صباح غد في الساعة العاشرة والنصف»، بحسب ما نقلت عنه وكالة «رويترز».
كانت الدول الأوروبية قد استخدمت القانون لأول مرة في 1996 لحماية الشركات الأوروبية من العقوبات ضد كوبا. وتأتي الخطوة في سياق السيناريو الذي يهدف إلى حفظ الاتفاق النووي من دون الولايات المتحدة الأميركية. ويأتي هذا في إطار مساعي الاتحاد الأوروبي للإبقاء على الاتفاق، الذي يهدف إلى منع إيران من تطوير قنبلة نووية، بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانسحاب من الاتفاق، وإعادة فرض العقوبات على إيران وعلى الشركات التي تعمل فيها.
ويهدف القانون إلى عرقلة العقوبات الأميركية ضد الشركات الأوروبية. ومع ذلك، فإن الدول الأوروبية ستترك الخيار إلى الشركات ما إذا كانت تريد مواصلة أعمالها في إيران أو وقف الأنشطة معها. كما يسمح القانون بتوقيع عقود محددة مع إيران، تسمح لها بمواصلة العلاقات مع إيران من دون خسارة الأسواق الأميركية.
وأضاف يونكر على هامش اجتماع زعماء الاتحاد الأوروبي، أمس، في صوفيا، في مؤتمر صحافي بعد اجتماع زعماء الاتحاد الأوروبي: «قررنا أيضاً السماح لبنك الاستثمار الأوروبي بتسهيل استثمارات الشركات الأوروبية في إيران. والمفوضية نفسها ستواصل تعاونها مع إيران».
ويأمل الاتحاد الأوروبي في أن تواصل إيران الالتزام بالاتفاق، وذلك ما دام أنها تحقق ما يكفي من المصالح الاقتصادية التي تم الوعد بها مقابل التزام طهران بالاتفاق. كما ينوي الأوروبيون استثمار ذلك لفتح مفاوضات جديدة مع طهران، تشمل القضايا الإقليمية وتطوير الصواريخ الباليستية.
وقالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أمس، إن كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لا تزال تدعم الاتفاق النووي مع إيران، وستواصل محادثاتها مع واشنطن بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب سحب بلاده من الاتفاق، وأضافت: «كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لا تزال تدعم هذا الاتفاق، رغم قرار الولايات المتحدة بعدم دعمه. سنواصل محادثاتنا مع الولايات المتحدة».
وتلتقي ميركل، اليوم، في برلين، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وقالت إن اللقاء غير مرتبط بمشكلات الاتحاد الأوروبي مع ترمب.
وبدورها، قالت متحدثة باسم رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي إنها اتفقت مع زعيمي فرنسا وألمانيا، أمس، على الإبقاء على الاتفاق النووي مع إيران بعد اجتماعهم على هامش قمة صوفيا.
واجتمعت ماي مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبحث قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي بين إيران وست قوى عالمية. وفرض ترمب عقوبات جديدة على إيران منذ انسحابه.
وقالت المتحدثة: «أكد الزعماء التزامهم الصارم بضمان الإبقاء على الاتفاق، وأكدوا أهميته لأمننا المشترك»، وأضافت: «تعهدوا بالعمل مع كثير من أطراف الاتفاق من أجل تحقيق ذلك. وأكد الزعماء أنه يتعين على إيران مواصلة الوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاق».
وفي غضون ذلك، اعتبرت الرئاسة الفرنسية، أمس، خلال قمة بين الاتحاد الأوروبي ودول البلقان في صوفيا، أن تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمعاقبة الشركات الأوروبية التي تعمل مع إيران، والقرار الأميركي بفرض رسوم جمركية على الصلب والألمنيوم، تعد «اختبارات لسيادة أوروبا».
ورحبت باريس، أمس، بالموقف الموحد لدول الاتحاد الأوروبي الـ28، التي قررت مقاومة التهديدات الأميركية بالعقوبات، وأبدت أيضاً استعدادها للرد على العقوبات بالمثل، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.
ودعت الرئاسة الفرنسية إلى «يقظة أوروبية»، وأضافت في بيان أن «الأحداث الحالية تفرض على أوروبا أن تحدد ما تريد: القبول أو التحرك والبناء. إنها اختبارات لسيادتها، حتى ولو كانت إزاء صديق مثل الولايات المتحدة».
من جهتهم، أفاد مستشارون لماكرون في الإطار نفسه بأن ما يحصل «هو اختبار أيضاً لمدى قدرة الأوروبيين على البقاء موحدين أمام التحديات الخارجية. إنها ملفات سيادة اقتصادية ودبلوماسية».
وأوضحوا أن المفوضية الأوروبية درست أيضاً احتمالات الرد الممكنة على الإجراءات الأميركية، بعد أن تأكدت من الوحدة «الكبيرة جداً» للأوروبيين إزاء هذين الملفين، خلال العشاء الذي ضم قادة الاتحاد الأوروبي مساء الأربعاء.
وبشأن تفعيل قانون منع العقوبات، تقول الرئاسة الفرنسية بهذا الصدد، في بيانها: «نحن جاهزون لرد الفعل، متى أدركنا مدى العقوبات» الأميركية.
وبالنسبة لعزم واشنطن على فرض رسوم جمركية على الصلب والألمنيوم من أوروبا، قال الإليزيه: «في حال لم تقرر الولايات المتحدة في الأول من يونيو (حزيران) المقبل رفع الرسوم عن أوروبا بشكل دائم، لن يكون هناك مجال لمناقشة أي موضوع ولا أي إصلاح لمنظمة التجارة العالمية».
وعلى صعيد متصل، سعى قادة الاتحاد الأوروبي الذين يحاولون مواجهة النفوذ الروسي إلى طمأنة نظرائهم في دول البلقان، أمس، بشأن فرص انضمامهم إلى التكتل، لكنهم حذروا من أن ذلك لن يحدث في وقت قريب.
والتقى قادة الاتحاد الأوروبي مع نظرائهم في دول البلقان الست، في صوفيا، بعد عشاء جمع كبار مسؤولي التكتل. ويواجه التكتل معضلة بشأن ألبانيا والبوسنة وصربيا ومونتينيغرو ومقدونيا وكوسوفو، إذ يرغب بتقديم ما يكفي لهذه الدول لإبقائها بعيدة عن محور الكرملين، من دون التسرع بالسماح لها بالانضمام إلى الاتحاد قبل أن تجري إصلاحات مهمة.
وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنه يؤيد «ترسيخ العلاقات» بين أوروبا والبلدان الست التي يطلق عليها مجتمعة دول «غرب البلقان»، لكنه حذر من أي تحرك متسرع، وأوضح: «لست مع التحرك نحو التوسيع قبل أن نحصل على جميع التأكيدات الضرورية، وقبل القيام بإصلاحات حقيقية».
ومن جهته، قال رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك، الذي أشار إلى أن الاجتماع يجري لأول مرة منذ 15 عاماً، إن بروكسل ستستثمر في خدمات البنى التحتية في البلقان لتعزيز التطوير، وجعل دول المنطقة أكثر اتباعاً للمعايير الأوروبية.
ووجه توسك انتقادات لاذعة إلى الرئيس الأميركي الأربعاء، وقال إنه يساعد أوروبا بشكل أو بآخر لأنه «خلصها من جميع الأوهام» بأنه بإمكانها الاعتماد على واشنطن، وقال للصحافيين في صوفيا: «بالنظر إلى القرارات الأخيرة الصادرة عن الرئيس ترمب، بإمكاننا أن نقول: بوجود أصدقاء من هذا النوع، من يحتاج إلى أعداء؟».
وبعد تعليق خطط توسيع التكتل قبل 4 أعوام، كشفت المفوضية الأوروبية أخيراً استراتيجيتها الجديدة للمنطقة، التي تهدف إلى منح العضوية لبعض الدول بحلول عام 2025، حيث تبدو صربيا ومونتينيغرو في مقدمة البلدان المرشحة.
وفي المقابل، تطالب بروكسل بإصلاحات، وبشن حملة على الفساد في المنطقة، لكن صبر هذه الدول الست بدأ ينفد أمام المسار الطويل للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. فقد حذر رئيس وزراء بلغاريا أخيراً من أن التأخر قد يفسح المجال لزيادة نفوذ روسيا والصين في المنطقة.



مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.


وزير الدفاع الإسرائيلي: «قد نضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
TT

وزير الدفاع الإسرائيلي: «قد نضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)

قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الخميس، إن الدولة العبرية «قد تضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران لضمان ألا تهدد طهران بلاده.

ورأى كاتس، في بيانٍ أصدره مكتبه، أن «الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بالتنسيق مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يقود الجهود لتحقيق أهداف الحملة، لضمان أن إيران لن تُشكّل مجدداً في المستقبل تهديداً لإسرائيل والولايات المتحدة والعالم الحُر».

وتابع، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نحن نُدعم هذا الجهد ونقدم الدعم اللازم، لكن من الممكن أن نضطر قريباً للتحرك مجدداً لضمان تحقيق هذه الأهداف».