باموك في طهران... وليل الرقابة الطويل يفسد زيارته

دور النشر تواجه خطر الإفلاس... وتراجع الشراء في معرض إيران الدولي للكتاب

باموك في أحد مقاهي طهران التراثية
باموك في أحد مقاهي طهران التراثية
TT

باموك في طهران... وليل الرقابة الطويل يفسد زيارته

باموك في أحد مقاهي طهران التراثية
باموك في أحد مقاهي طهران التراثية

«على الصعيد الشخصي، بصفتي كاتباً إيرانياً، أشعر بالخجل من أسلوب التعامل مع أورهان باموك». هذا ما قاله مصطفى مستور الروائي الإيراني الأكثر قراءة، وهو واحد من قلائل الكتاب الإيرانيين الذين احتجوا على حظر فعاليات الروائي التركي الفائز بجائرة «نوبل» أورهان باموك على هامش معرض طهران الدولي للكتاب. الآخرون للأسف التزموا الصمت.
باموك الذي تحظى مؤلفاته باهتمام كبير من القارئ في إيران، تزامنت زيارته إلى طهران مع معرض الكتاب هذا العام لكي يشارك في عدد من الفعاليات؛ مثل توقيع كتبه في المعرض، وإلقاء خطاب في «بيت العلوم الإنسانية»، إضافة إلى توقيع كتبه في إحدى دور النشر وسط العاصمة.
لم يذكر المسؤولون في الجهات المعنية سببا لإلغاء الفعاليات، لكن الروائي مصطفى مستور في حسابه الرسمي عبر شبكة «إنستغرام» قال تعليقا على المنع: «بغض النظر عن أنه (المنع) غير أخلاقي وغير مدني، توضح هذه الحالة إلى أي درجة يجهل بعض المسؤولين في الأجهزة الثقافية مفاهيم مثل التنمية الثقافية والتعاون الثقافي»، مشيرا إلى وجود «نظرة أمنية» خلف ستار منع أنشطة باموك. بأيام قبل ذلك، قال أحد النواب المحافظين في البرلمان الإيراني إن باموك «ضد الدين وضد الثقافة والأمن»، مطالبا الأجهزة الاستخباراتية بملاحقة منظمي هذه الأنشطة. هنا نفهم كيف تتعامل السلطة مع الفعاليات الثقافية.
باموك ليس اسما مجهولا في الأوساط الثقافية والأدبية في إيران... كتبه المختلفة ترجمت إلى اللغة الفارسية وصدرت في عدة طبعات. من أجل ذلك، لم يكن مستغربا أن تحظى زيارته باهتمام كبيرة في إيران، سواء من جانب القراء أو وسائل الإعلام.
وتشير التقارير إلى أنه على الرغم من حظر أنشطة باموك في معرض الكتاب، فإن المئات من معجبيه وأهل الأدب طرقوا أبواب دار النشر التي استضافته؛ دار نشر «ققنوس». وعلى صعيد وسائل الإعلام، فإن ثلاثاً من أهم الصحف التي تمثل الجيل الجديد في إيران (صحف «اعتماد» و«شرق» و«سازندكي») خصصت صورة الصفحة الأولى والعنوان الرئيسي لزيارة باموك وأجرت حوارات مفصلة مع الروائي التركي.
باموك أظهر للقارئ الإيراني في الحوارات الثلاثة مدى اطلاعه الواسع على الفكر الإيراني. تحدث بإسهاب ووعي عميق عن آراء علي شريعتي وحسين نصر وداريوش شايغان وصادق هدايت، وانتقد بشدة سياسات الرقابة، معرباً عن أمله بأن تحترم السلطات الإيرانية حق التعبير.
وأورهان باموك هو الفائز الوحيد بجائزة «نوبل» للآداب الذي يزور طهران بعد الثورة الإيرانية في 1979. ومن هذا المنطلق، فإن حضوره ومنع فعالياته قد يعد أهم حدث في الدورة الحادية والثلاثين من المعرض، حتى أكثر أهمية من عدم حضور الرئيس الإيراني حسن روحاني مراسم الافتتاح.
وخارج هذا الحدث، فإن المعرض، الذي ينظم بعد 31 عاما في جامع، يكشف، كما يقول ناشر كبير لـ«الشرق الأوسط»، الوضع المأساوي للكتاب في إيران.
يقول الناشر، الذي يفضل عدم ذكر اسمه، إن عددا كبيرا من أصحاب دور النشر اتجهوا لأعمال أخرى، فعدد طبعات الكتب غير الدراسية لا يتجاوز عادة 300 نسخة، مما يظهر تراجعا بنسبة 90 في المائة مقارنة بالسابق، وحتى هذا العدد القليل لا يجد طريقه للبيع. فنظرة خاطفة على نسبة القراءة تبين أنها واحدة من أقل المعدلات في العالم.
ووراء ذلك عدة أسباب؛ منها الأسعار المرتفعة للكتب، وتفاقم سعر الدولار، فالورق أغلبه مستورد. وكان وزير الثقافة الإيراني قد وعد في مراسم افتتاح المعرض بأن توفر الحكومة الورق بسعر الدولار الرسمي. قال ذلك بتفاخر. لكن الناشرين يقولون خلاف ذلك.
وفي صالة دور نشر الكتب الأجنبية، يمكن رؤية تأثير السعر على شراء الكتب بشكل أوضح. صالة تضم نحو 400 دار نشر وتعاني اليوم من تراجع الزيارات بشكل مثير للقلق. سألت البائع عن سعر رواية، فقال إنه 1.7 مليون ريال، أي ما يعادل سدس الحد الأدنى للراتب في إيران. البائع يقول سعر الكتب لم يرتفع، لكن قيمة العملة الإيرانية تراجعت.
لكن الأسعار ليست المشكلة الوحيدة. يقول ناصري، ناشر مختص بنشر كتب علم الاجتماع، إن «أصعب شيء نواجهه هو الرقابة، مما تسبب في بقاء عشرات الكتب في مخازن وزارة الثقافة لعدم حصولها على رخصة النشر لمعارضتها السياسات الرسمية».
الحكومة ورئيس الجمهورية روحاني وعدوا مرارا بحل المشكلة، لكن الوضع على ما يبدو يزداد سوءا. بحث بسيط في المطبوعات يبين أن هناك كمّاً كبيراً من الكتب لم يحصل على ترخيص بسبب قضايا فكرية مخالفة لـ«سياسة الدولة». وتكون المشكلة لافتة عندما يجاز كتاب ما، لكن السلطات تجمع الكتاب من الأسواق بعد نشره بسبب ضغوط بعض «المراكز الآيديولوجية». نموذج لهذا حدث في معرض هذا العام، فقد صادرت السلطات 35 كتابا لتعارضها مع «قوانين الجمهورية الإسلامية»؛ على الرغم من أنها كانت قد حصلت على ترخيص وزارة الثقافة والإعلام للنشر، هذا فضلا عن عشرات الكتب التي صادرتها السلطات لاستخدامها تسمية «الخليج العربي».
إلهام فتاة محجبة تعمل في إحدى دور النشر المقربة من الأجهزة الدينية، تتساءل: من يقول إن الكتاب في أزمة؟ مبيعاتنا كانت جيدة.
ولكن عندما تلقي نظرة إلى كتب دار النشر التي تعمل بها إلهام تجد أن الصبغة الطاغية هي الدينية وخاصة الطائفة الشيعية. وعندما تنظر للأسعار تجدها أسعاراً معقولة. وهي تعترف أن وزارة الثقافة لديها حصة كبيرة من مبيعات دار النشر، ما يعادل 25 في المائة. وهذا يظهر أن وزارة تدعم هذا الفريق من دور النشر وهذا النوع من الكتب.
«الكتاب يجب أن يهدي الإنسان ونقيض ذلك يكون كتابا ضالا يحرم بيعه وحيازته». هذا رأي المرجع الشيعي مكارم شيرازي، المرجع المتشدد المقرب من الحكومة والذي يملك إحدى دور النشر المشاركة في المعرض. والكتاب الضال برأيه هو الكتاب الذي لا يعكس وجهة الحكومة والمؤسسات الرسمية!
هذا الدعم من الجهاز الديني كان السبب في تزايد مبيعات الكتب الدينية مقارنة بالعام الماضي، على الأقل من حيث الأعداد، إذ كانت حصيلة المبيعات في معرض كتاب طهران هذا العام 1000 مليار ريال، وهو ما يظهر ارتفاعا بنسبة 10.5 قياسا إلى نسخة العام الماضي من المعرض. وزير الثقافة يتفاخر بذلك لكنه لا يشير إلى التضخم السنوي الذي إذا حسبناه ستكون النتيجة تراجع المبيعات مقارنة بالعام الماضي؛ التضخم في مجال الكتب كان بين 15 إلى 20 في المائة.
لكن أهل الكتاب يختلفون مع الوزير. يقول كاتب: «إنهم يبيعون الكتب الدينية إلى درجة تغطي تراجع المبيعات في الحقول الأخرى».
هذا وشارك في معرض طهران للكتاب الدولي الـ31 أكثر من 2300 دار نشر من بينها 400 دار نشر أجنبية في مصلى بطهران، وهو أكبر حدث ثقافي في بلد تحولت فيه صناعة الكتاب إلى صناعة مفلسة بسبب سياسات الحكومة. ونموذج ذلك، الاختفاء اليومي للمكتبات في شارع «انقلاب» وسط طهران، القلب النابض للكتاب في البلاد، التي تحولت إلى متاجر لبيع السلع الأخرى.



تطبيق ذكي يحسّن المزاج ويقلل القلق والاكتئاب

التطبيق يوفر تدخلاً نفسياً مبنياً على الأدلة العلمية بطريقة سهلة الوصول (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
التطبيق يوفر تدخلاً نفسياً مبنياً على الأدلة العلمية بطريقة سهلة الوصول (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
TT

تطبيق ذكي يحسّن المزاج ويقلل القلق والاكتئاب

التطبيق يوفر تدخلاً نفسياً مبنياً على الأدلة العلمية بطريقة سهلة الوصول (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
التطبيق يوفر تدخلاً نفسياً مبنياً على الأدلة العلمية بطريقة سهلة الوصول (مستشفى ماس جنرال بريغهام)

طوّر باحثون في مستشفى ماس جنرال بريغهام بالولايات المتحدة تطبيقاً هاتفياً مبتكراً يهدف إلى تحسين الصحة النفسية والمزاج وتقليل أعراض القلق والاكتئاب.

وأوضح الباحثون أن التطبيق يوفر تدخلاً نفسياً مبنياً على الأدلة العلمية بطريقة سهلة الوصول، خصوصاً للأشخاص الذين يواجهون صعوبة في الحصول على العلاج التقليدي بسبب محدودية الموارد أو التكلفة أو الوصمة الاجتماعية. ونُشرت النتائج، الخميس، بدورية «Journal of Consulting and Clinical Psychology».

والاكتئاب هو اضطراب نفسي شائع يؤثر على المزاج والتفكير والسلوك، ويسبب شعوراً مستمراً بالحزن وفقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية، وقد ترافقه أعراض جسدية مثل التعب المزمن، وتغييرات في الشهية أو النوم، وصعوبة التركيز، كما يؤثر على جودة الحياة والعلاقات الشخصية ويزيد من صعوبة التعامل مع الضغوط اليومية.

وتشمل علاجات الاكتئاب الدعم النفسي، والعلاج السلوكي المعرفي، والأدوية، إلى جانب تطوير العادات الصحية التي تعزز المزاج وتساعد على التكيف مع الضغوط.

ويحمل التطبيق الجديد اسم «HabitWorks»، ويعتمد على تمارين قصيرة يومية تشبه الألعاب، تستغرق خمس دقائق فقط، وتركز على تعديل التحيز في التفسير؛ أي الميل إلى التوصل لنتائج سلبية تلقائياً عند مواجهة مواقف غامضة أو غير مؤكَّدة.

تمارين قصيرة

ومن خلال هذه التمارين القصيرة، يتمكن المستخدمون من فهم أنماط تفكيرهم بطريقة سهلة وجاذبة، ما يسهم في تحقيق تحسن ملموس. كما يوفر التطبيق أدوات لتسجيل المزاج اليومي ومتابعة العادات، مما يعزز وعي المستخدمين بتأثير أنماط تفكيرهم على مشاعرهم واستجاباتهم اليومية.

وجرى تصميم التطبيق بحيث تعتمد التمارين على فترات قصيرة ومتكررة تتناسب مع الطريقة التي يستخدم بها الناس هواتفهم، بدلاً من محاكاة جلسات علاجية طويلة ومعقدة. كما شاركت لجنة استشارية من أشخاص لديهم خبرة مباشرة مع القلق والاكتئاب في تصميم التطبيق؛ لضمان ملاءمته وفاعليته وسهولة التزام المستخدمين به.

وأظهرت نتائج تجربة سريرية شملت 340 بالغاً من 44 ولاية أميركية جرى توزيعهم عشوائياً لاستخدام التطبيق لمدة أربعة أسابيع أو للمجموعة الضابطة التي اكتفت بتعبئة استبيانات لتتبُّع الأعراض، أن مستخدمي التطبيق حققوا تحسناً ملحوظاً في تفسير الأحداث، والوظائف اليومية، وشدة الأعراض النفسية، مقارنة بالمجموعة الضابطة.

كما سجل التطبيق معدل التزام مرتفعاً، إذ استمر 77.8 في المائة من المشاركين في استخدامه حتى الأسبوع الرابع، وأكمل 84.4 في المائة التقييم بعد انتهاء التدخل.


المصريون في البيت... ملل وخناقات و«كوميكس»

محال مصرية مغلقة وسط القاهرة (محافظة القاهرة)
محال مصرية مغلقة وسط القاهرة (محافظة القاهرة)
TT

المصريون في البيت... ملل وخناقات و«كوميكس»

محال مصرية مغلقة وسط القاهرة (محافظة القاهرة)
محال مصرية مغلقة وسط القاهرة (محافظة القاهرة)

«إنت أكيد متجوز عليا»، اتهام وجَّهته المصرية هند إبراهيم (اسم مستعار)، ربة المنزل الثلاثينية، إلى زوجها؛ بسبب تحججه بالذهاب إلى أحد المقاهي مساءً بشكل يومي وغيابه حتى منتصف الليل، رغم قرار إغلاق المقاهي عند التاسعة.

الاتهام نتج عنه شجار محتدم بين الزوجين، ولم تهدأ الزوجة إلا بعد أن قام الزوج بتصوير مقطع فيديو لنفسه داخل المقهى «المُظلم» رفقة أصدقائه، حيث تكون جلستهم خِلسةً؛ تحايلاً على القرار الحكومي.

وتهدف الحكومة المصرية من قرار «الإغلاق المبكر»، الذي دخل حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، إلى «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وينصُّ القرار على «غلق المحال العامة كافة بما في ذلك المراكز التجارية (المولات) والمطاعم والكافيهات والبازارات، يومياً ابتداءً من الساعة التاسعة مساءً، عدا يومي الخميس والجمعة وأيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية، فيكون الغلق في العاشرة مساءً».

القرار استبشرت به هند؛ لجمع شمل الأسرة، لكن الزوج أبى الجلوس في المنزل بداعي الملل، خصوصاً أنَّه اعتاد الخروج يومياً، ما أغضب زوجته، متسائلة في غضب: «هل أنا بُعبع لكي يرفض الجلوس معي؟!»، لافتة إلى استمرار شكها في خيانته لها رغم فيديو المقهى.

في زاوية من منزله الكائن بمحافظة المنوفية (دلتا النيل)، يجلس محمد رأفت (45 عاماً)، وهو محاسب وأب لثلاثة أبناء، واضعاً يداً على خده وبالأخرى ممسكاً بـ«ريموت» التلفاز متجولاً بين قنواته.

يصف محمد حاله مثل «الأسير»، مبيناً أن «جلسة الصالة» بعد التاسعة تحوَّلت إلى مشاحنات متكررة مع أبنائه حول الأنوار المضاءة من دون فائدة، أو استهلاك الإنترنت المتزايد، أو الدخول في سجالات لا تنتهي مع زوجته.

يقول رأفت بضيق لـ«الشرق الأوسط»: «قبل الإغلاق كنت أهرب إلى المقهى من ضجيج الدروس الخصوصية وطلبات المنزل التي لا تنتهي، أما اليوم فأنا في مواجهة مباشرة مع زوجتي وأبنائي».

بعد «الريموت»، يمسك الأب بهاتفه بوصفه طوق نجاة آخر من الملل، يفرّ به من الصالون الصاخب إلى عالم «فيسبوك» الافتراضي، تتبدَّل ملامحه من الضيق إلى ابتسامة خافتة وهو يقرأ منشوراً يقول: «واضح إن الإغلاق الحكومي خلى كل واحد يقابل الحكومة الداخلية بتاعته وجهاً لوجه... البيوت داخلة على دوري أبطال العالم في الخناقات الزوجية».

بين «شكوك» الزوجة، والزوج «الأسير»، يأتي المشهدان ليسجِّلا تداعيات «الإغلاق المبكر»، الذي فتح الباب لقصص تُكتَب وراء جدران المنازل، بطلها «الملل»، وذروة أحداثها «الخناقات»، وتروي تفاصيلها «الكوميكس».

فمع تطبيق القرار الحكومي وجد المصريون أنفسهم أمام واقع جديد يفرض عليهم البقاء في المنازل لفترات أطول، ما انعكس مباشرة على الحياة الأسرية والاجتماعية، والحالة النفسية بتداخل مشاعر متعددة.

حظر فتح المحال في التاسعة مساء أثار انعكاسات اجتماعية على الأسر المصرية (محافظة الإسكندرية)

الدكتورة زينب أحمد نجيب، الخبيرة الاجتماعية واستشارية العلاقات الأسرية والإنسانية وتطوير الذات، توضِّح أن «قرار الإغلاق المبكر فرض واقعاً جديداً داخل البيوت المصرية، فمن ناحية أتاح للأسر فرصةً نادرةً لقضاء وقت أطول معاً؛ ما يعزِّز الروابط العائلية، لكن في المقابل كشف هذا التغيير المفاجئ عن خلافات كامنة وزاد من التوتر بين الأزواج، خصوصاً مع عدم استعدادهم للتكيُّف مع البقاء الطويل بالمنزل»، وتُبيِّن أنَّ إغلاق المقاهي والمحال مبكراً حرم كثيرين من متنفسهم اليومي، وأدى إلى ضغوط نفسية واجتماعية واضحة، حيث يشعرون بالاختناق والقلق لأنَّهم لم يألفوا التقييد، بل اعتادوا براح الليل.

تضيف لـ«الشرق الأوسط»: «الوجود الطويل داخل البيت بدأ يكشف عن صدوع مخفية في العلاقات الأسرية كانت تُغطَّى بالانشغال بالخارج، كما أنَّه لا يمكن فصل الأثر الاجتماعي عن الواقع الاقتصادي، فالوجود المستمر داخل المنزل في ظلِّ الأزمات المالية يزيد من سقف الطلبات المنزلية التي قد لا تُلبَّى، مما يولِّد عنفاً أسرياً ناتجاً عن العجز والضغط، هذا السيناريو يعيد للأذهان فترة جائحة (كورونا) وما تبعها من ارتفاع ملحوظ في معدلات الطلاق والنزاعات العائلية؛ بسبب تراجع الدخل المباشر لبعض الأسر نتيجة الإغلاق».

بدوره، قال الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، لـ«الشرق الأوسط»، إن تقارير منظمة الصحة العالمية خلال جائحة «كورونا»، أشارت إلى أنَّ الاحتباس المنزلي القسري رفع معدلات العنف الأسري بنسب مُقلقة. واليوم، يواجه المواطن المصري خطراً مماثلاً؛ ففقدان حرية الحركة ليلاً قد يؤدي إلى اعتلال الحالة المزاجية، والإصابة بحالات من الكآبة النفسية، وبالتالي تحوُّل المنزل من مكان للراحة إلى ساحة لـ«الاحتكاك».

ويتابع: «المواطن الذي اعتاد تفريغ طاقته في الفضاء العام (المقاهي والشوارع)، يجد نفسه فجأة داخل بيته لساعات طويلة، هذا الفراغ يدفع رب الأسرة أحياناً للتدخل في أدق تفاصيل المنزل، وفقاً للمثل الشعبي (الفاضي يعمل قاضي)، وهو ما يفتح أبواباً للصراعات واختلاق مشكلات أسرية غير مُبرَّرة».

قرار الإغلاق المبكر للمقاهي فرض واقعاً جديداً داخل البيوت المصرية (محافظة الدقهلية)

تأثيرات أخرى يلفت إليها هندي، قائلاً: «نحن كذلك أمام خطر اختلال الساعة البيولوجية، فالقلق الناتج عن الحرمان من الخروج، يولِّد أرقاً وصعوبات في النوم؛ ما يدفع بالجلوس الطويل أمام الشاشات بديلاً للخروج، ما قد يرفع معدلات الإدمان الإلكتروني، وزيادة الخيانة الزوجية الافتراضية، علاجاً لحالة الملل الجماعي، مع ازدياد معدلات التدخين بوصفه آليةً لتفريغ القلق».

لمواجهة الأبواب المغلقة، وتداعياتها الاجتماعية والنفسية، فتح المصريون نافذةً للتكيُّف معها على منصات التواصل الاجتماعي، عبر تدوينات ساخرة وتوظيف «الكوميكس»، المستلهمة من الدراما الكوميدية.

وتوقَّع كثير من المتفاعلين «اشتعالاً» في العلاقات الزوجية نتيجة وضع «البنزين» بجوار «النار»، وأن تنتهي المشاحنات في مراكز الشرطة، في تعبير ساخر عن حالة الضيق التي خلَّفها القرار.

السخرية من الرجل المطرود من مقهاه، والزوجة التي فقدت هدوء المنزل، دارت حولها كثير من المنشورات، وبمسحة سياسية أشار آخرون إلى أنَّ الأمن الاجتماعي داخل البيت لا يقل أهمية عن الأمن الخارجي.

كما تضررت الكثيرات من أعباء إضافية بعودة الأزواج في التاسعة، ونقل طلبات المقهى إلى داخل المنزل، أو بتدخل الزوج في أدق أمور المنزل.

وللنجاة من هذا الفخِّ النفسي والاجتماعي، يوضِّح استشاري الصحة النفسية أنه يجب على المصريين إعادة هندسة وقتهم ومجهودهم داخل المنزل، من خلال إدارة ذكية للعقل عبر تبني سلوكيات تفاؤلية، وتنظيم أنشطة منزلية تعوض الفقد الاجتماعي، حتى لا يتحوَّل قرار بسيط إلى أزمة اكتئاب جماعي.

بينما توضِّح خبيرة العلاقات الأسرية أن «التحدي الحقيقي أن تتحوَّل الفترة الحالية إلى فرصة لتعزيز الروابط الأسرية، عبر تنظيم أنشطة جماعية داخل المنزل، ومشاركة الأبناء في أنشطة بسيطة، واحترام المساحة الشخصية لكل فرد، فالأزمة قد تكون اختباراً صعباً، لكنها أيضاً فرصة لإعادة اكتشاف التواصل الأسري وتقوية الروابط الضعيفة».


«هوليوود للفيلم العربي» لإطلاق دورته الخامسة بإضافات جديدة

أحمد السعدني ومايان السيد في مشهد من فيلم افتتاح المهرجان (الشركة المنتجة)
أحمد السعدني ومايان السيد في مشهد من فيلم افتتاح المهرجان (الشركة المنتجة)
TT

«هوليوود للفيلم العربي» لإطلاق دورته الخامسة بإضافات جديدة

أحمد السعدني ومايان السيد في مشهد من فيلم افتتاح المهرجان (الشركة المنتجة)
أحمد السعدني ومايان السيد في مشهد من فيلم افتتاح المهرجان (الشركة المنتجة)

يستعد مهرجان «هوليوود للفيلم العربي» لإطلاق دورته الخامسة المقررة خلال الفترة من 17 إلى 20 أبريل (نيسان) الجاري في مدينة لوس أنجليس الأميركية بفعاليات جديدة تتضمن عرض أفلام وثائقية للمرة الأولى، بالإضافة إلى التوسع في برنامج «أصوات من لوس أنجليس» الذي يقام للعام الثاني على التوالي.

ويفتتح المهرجان بالفيلم المصري «ولنا في الخيال حب» الذي يجمع بين أحمد السعدني ومايان السيد وعمر رزيق، فيما سيتم تكريم الممثلة المصرية ريهام عبد الغفور بجائزة عزيزة أمير في حفل الافتتاح؛ تقديراً لمشوارها الفني، على أن تشارك في ندوة حوارية بجانب عرض فيلمها الأحدث «برشامة» في حفل الختام الذي سيتضمن أيضاً تكريم الممثل المصري هشام ماجد.

وتتضمن المسابقة الرسمية عرض 6 أفلام سينمائية منها فيلم الافتتاح «ولنا في الخيال حب»، إلى جانب الفيلم السعودي «هجرة» للمخرجة شهد أمين، الذي بدأ عروضه العالمية في النسخة الماضية من مهرجان «البندقية السينمائي» وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم بالأمل.

كما تضم المسابقة الفيلم التونسي «صوت هند رجب» للمخرجة كوثر بن هنية، الذي وصل إلى التصفيات النهائية لجوائز الأوسكار العام الحالي، ويوجد المخرج اللبناني سيريل عريس بفيلمه «نجوم الأمل والألم» الذي يحكي قصة «نينو» و«ياسمينة»، اللذين يولدان في نهاية الثمانيات، ومنذ الطفولة تتشكل بينهما علاقة قوية مبنية على فهم مشترك لمعاناة الطفولة في ظل الحرب، وحين تقترح «ياسمينة» على «نينو» الهرب من بيروت، تفشل خطتهما في الانفصال عن واقع المدينة، ليفترقا، ويجمعهما القدر مجدداً بعد 24 عاماً.

من كواليس تصوير فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

ويوجد الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعيبس في المسابقة الرسمية، وهو الفيلم الذي ينتمي للدراما العائلية الممتدة عبر 3 أجيال من الفلسطينيين، من عام 1948 حتى 2022، إلى جانب الفيلم المصري «كولونيا» للمخرج محمد صيام، الذي تدور أحداثه في ليلة واحدة بمواجهة بين الأب وابنه.

وللمرة الأولى سيعرض المهرجان أفلاماً وثائقية عربية، حيث جرى اختيار الفيلم الليبي «بابا والقذافي» للمخرجة جيهان الكيخيا، الذي توثق من خلاله حياة والدها منصور رشيد الكيخيا السياسي الليبي البارز ووزير الخارجية الأسبق، وأحد أهم رموز المعارضة السلمية لنظام معمر القذافي.

كما سيعرض المهرجان الفيلم الوثائقي المصري - الفرنسي «الحياة بعد سهام» للمخرج نمير عبد المسيح، الذي يتناول موضوعات الهوية والانتماء عبر معالجة إنسانية عميقة لأزمة الفقد، من خلال رواية وفاة والدته إثر إصابتها بمرض السرطان مستعيداً جوانب من حياتها ومشاهد لها، كما يصور جنازتها وحالة الفقد التي عاشت تفاصيلها الأسرة بعد رحيل سهام، وسؤال أطفال الأسرة أين ذهبت الجدة؟

ويعرض المهرجان 13 فيلماً ضمن 3 مسابقات مختلفة هي «أفلام الطلبة» التي تضم 5 أفلام و«أصوات من لوس أنجليس» التي تتضمن عرض 6 أفلام جديدة قدمها مخرجون وصناع أفلام عرب يقيمون بالولايات المتحدة، بينما تضم مسابقة الأفلام القصيرة 7 أفلام من عدة دول عربية.

مدير المهرجان مايكل باخوم (الشرق الأوسط)

وقال رئيس مهرجان «هوليوود للفيلم العربي» مايكل باخوم لـ«الشرق الأوسط» إن اختيار الأفلام لا يعتمد على مشاركاتها في المهرجانات أو الجوائز التي حصلت عليها، بقدر ما يعتمد على قيمتها الفنية، لافتاً إلى أن بعض الأفلام المشاركة هذا العام سبق عرضها ضمن فعاليات مرتبطة بسباق «الأوسكار» من خلالهم في المهرجان قبل الحفل السنوي بعدة أسابيع، إلا أن تميزها الفني جعل من الضروري وجودها ضمن البرنامج الرسمي للمهرجان.

وأوضح أنهم حريصون على إتاحة الأفلام العربية التي لا يتوافر عرضها في المدينة أو تتاح عبر المنصات ليكون عرضها الأول بالمهرجان، مشيراً إلى أن قسم «أصوات من لوس أنجليس»، يشهد تطوراً ملحوظاً هذا العام بعد النجاح الكبير الذي حققه في الدورة الماضية، حيث تم توسيع عدد الأفلام وتنوعها، خصوصاً مع مشاركة أعمال من طلاب وصناع أفلام من مؤسسات سينمائية كبرى داخل الولايات المتحدة، وهو ما انعكس على حجم الإقبال الجماهيري.

ويؤكد باخوم أن المهرجان يعمل على عدة مستويات لجذب الجمهور، تشمل حضور النجوم، وتقديم أفلام ذات طابع تجاري، إلى جانب الأعمال الحاصلة على جوائز، وكذلك أفلام الطلبة، ما يخلق حالة من التنوع تلبي اهتمامات فئات مختلفة، سواء من الجمهور العربي أو غير العربي.

وفيما يخص الإقبال الجماهيري، أشار إلى أن المهرجان يعتمد على عدة عوامل، منها تنوع البرنامج، وحضور النجوم، بالإضافة إلى التعاون مع جامعات سينمائية كبرى في الولايات المتحدة، التي تحرص على إرسال طلابها لمتابعة العروض، في إطار التعرف على تجارب سينمائية وثقافية مختلفة.