الأدب الإسرائيلي مناقضاً السرديّة الرسميّة لحرب 1948

سميلانسكي كان أول من كتب عن مأساة طرد الفلسطينيين من بلادهم

النزوح الفلسطيني الكبير
النزوح الفلسطيني الكبير
TT

الأدب الإسرائيلي مناقضاً السرديّة الرسميّة لحرب 1948

النزوح الفلسطيني الكبير
النزوح الفلسطيني الكبير

لم تكُ قد مضت أعوام قليلة على نشره نصّه التأسيسي عن «دولة اليهود» عام 1896، حتى كان ثيودور هيرتزل – وقد صار حينها كما نبي جديد لبني إسرائيل في أجواء الدبلوماسيّة الأوروبيّة - يجد الوقت لينشر رواية أدبيّة تحكي قصة عودة حاج يهودي تاه عن رفاق السّفر في الرّحلة إلى الأرض المقدّسة، فيأخذه الحنين إليها مسافراً على معجزة صنعها ميعاد الإيمان مع القدر: قطعة من قماش عَبَر عليها الماء إلى أرض الآباء والأجداد. هيرتزل الذي كان صحافياً وروائياً مغموراً قبل لمعان بريقه في ساحة السياسة، والممسوس برؤية يوتوبيّة لدولة عبريّة يُرحب بها العرب بينهم، لم يكن موهوباً لا في الأدب ولا في التنظير السياسي - وإن نجح بإطلاق حركة سياسيّة استيطانيّة شوهت وجه الشّرق الأوسط لمائة عام تالية وما زالت - لكن روايته تلك على سذاجتها وهُزالها الظّاهر كانت إشارة مبكرة إلى عمق تشابك السياسي بالأدبي في المشروع الصهيوني منذ بداياته الأولى، ونموذجا أوليا بليغا لفكر العنجهيّة الذي سيطبع سياسات «الدّولة» العنصريّة، ويحتكر في الوقت ذاته سرديتها لفضاء الحكاية عن تلك السياسات بآيات ملؤها الأساطير والتلفيقات.
إسرائيل التي تحتفل الشهر الحالي بسبعينية تأسيسها، لم تَحِد ولو ليوم واحد عن تعاليم عرّافها العبراني المتنقل بين السّياسة والأدب، فاقتلعت الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين بلا رحمة، وأسكنت بدلاً منهم مهاجرين لا يُعرف أجدادهم، وأحكمت في الآن ذاته السيطرة على قصة هذا الاقتلاع عبر ترويج نسيج محكم من الأكاذيب والصور الخياليّة التي تلّمع صورة القاتل وتزيل صورة المقتول حتى كادت تسلب الألق من القصص القديم المنحول في كتبهم المقدّسة. ولعل أحداث حرب فلسطين عام 1948 تحديداً - وأكثر من غيرها من حروب إسرائيل الكثيرة - تعرضت لجهد السلطات الممنهج بغرض الاحتفاظ بسيطرة حديديّة على السرديّة التاريخيّة عنها. وغلّفت تلك الحرب المؤلمة، التي كانت الحدث المفصلي الأهم في الشرق الأوسط ربما طوال القرن العشرين كلّه وأثّرت على مصائر أنظمته وشعوبه دون استثناء، بعناية فائقة بقماشات توراتيّة ومبالغات مؤدلجة لتكرس انتصار الدولة العبريّة العسكري الحاسم احتلالاً للأذهان يُتوّج الإسرائيليين أبطالاً مؤلهين والفلسطينيين أوغاداً باهتين، مع إلقاء ظلال كثيفة على كل العنف المقّدس وسياسات التطهير الممنهج والتهجير والعزل الذي أوقعته الدولة الوليدة بأصحاب الأرض، حتى إن وزيراً للتربية (يوري تامير) كاد يفقد منصبه الحكومي عندما سمح في لحظة سهو بتضمين كتاب مدرسي عن التاريخ موجه لفلسطينيي 1948، الذين فُرضت عليهم الجنسيّة الإسرائيليّة، فقرة واحدة تذكر كلمة «النكبة» لتصف رؤية العرب لهزيمتهم القاسية في الحرب.
نجحت السلطات الإسرائيليّة بامتلاك السرديّة التاريخيّة عن حرب 1948 مستفيدة من أن الوثائق الرسميّة محميّة لثلاثين سنة مقبلة على الأقل، وأن المؤرخين والإعلاميين والمثقفين والأكاديميين الإسرائيليين عموماً انخرطوا في مؤامرة ترويج أفيون الكذب عن معجزة الانتصار والبراءة من دماء الضحايا، بينما تشظى الفلسطينيون بين المنافي والاحتلال دون قدرة فعليّة على مناهضة تاريخ المنتصرين - أقلّه على الساحة الدّوليّة -. والأهم من ذلك كلّه أن الدّول العربيّة المجاورة للكيان الجديد اعتمدت سرديّات مفتعلة محليّة لها عن مجريات تلك الحرب ألقت فيها - ودون الكشف عن وثائق أو إسنادات - بلائمة الهزيمة على العرب الآخرين، والعالم المناهض، وثمنت عالياً جهوداً مزعومة أو حقيقية لجيوشها في معارك فرعيّة مختارة، وهو الأمر الذي سهل على السلطات الإسرائيليّة مسألة طمس الوقائع وبيع الأساطير. لكن سُتر الظلام المتقاطع هذه، ما لبثت أن خُرقت من حيث لم يتوقع السياسيون المهيمنون على الكيان: بوابة الأدب الإسرائيلي تحديداً.
كانت تجربة تحققِ استقلال إسرائيل وبناء الدّولة على أنقاض فلسطين تجربة مؤلمة للضحايا كما للمجرمين أنفسهم، وهي تمكنت من مخاطبة إنسانيّة بعض الأفراد ثاقبي الرؤية فحررتهم من وهج جدار الخزعبلات الأسطوريّة التي أنتجها تلامذة العرّاف الممسوس هيرتزل، فسجّل بعضهم متسربلاً بنصوص روائيّة لوحات من ألم مخنوق شاهدوه في عيون الضحايا أو في ضمير القاتلين. ربما كان أول هؤلاء يزهار سميلانسكي (1916 - 2006) رائد الأدب الإسرائيلي في روايته القصيرة «خربة خزعة» التي سجّل فيها حادثة تهجير متعمد لأهل قرية فلسطينيّة كتبها أثناء حرب فلسطين عام 1948 (التي استمرت فعلياً لعشرين شهرا من إلغاء الانتداب إلى توقيع اتفاق لوقف النار من آخر دولة عربيّة شاركت في الحرب) وصوّر فيها تمسك الفلسطينيين بكرامتهم بينما هم يطردون من بلادهم على يد الجنود الإسرائيليين قساة القلوب. يَخفض الراوي - الإسرائيلي - في الحكاية عينيه خجلاً من حزن صارم عميق لمحه في عيون سيّدة عربيّة كانت تترك بيتها مهزومة غير مكسورة، ليغرق بعده في لجة أحزان حملها وجدان الشعب اليهودي في منافيه الأوروبيّة الكثيرة: لقد كان شعباً خبر النفي والتهجير ينقلب اليوم من ضحيّة إلى قاتل يتماثل مع من قتله وهجره. تشد خناقها الغُربة على بطل الرواية في «خربة خزعة» فيقول: «كأني لا يقبلني المكان نفسه». بعدها كتب سميلانسكي قصة قصيرة شهيرة نشرها عام 1948 بعنوان «السّجين» وفيها يخاطب جندي إسرائيلي نفسه في مونولوج داخلي عن الفظائع التي ارتكبها الإسرائيليون خلال أعمال تهجير الفلسطينيين عام 1948 فيقول: «إذا كان لا بدّ من تلك الممارسات القذرة فليقم بها الآخرون. وإذا كان لا بدّ من التلّوث بالبشاعة فليمد آخرون غيري بأيديهم؛ أنا شخصياً لا أستطيع»، ثم يتألم وهو يروي الأحداث التي عايشها: «لقد كرهت وجودي كلّه». كانت «السجين» كما حكاية عن ألم سرد الحكايا.
لحق روائيون إسرائيليون آخرون كبارٌ بسميلانسكي، وتجرأوا على البوح في فضاء الرواية حصراً. عاموس عوز وديفيد غروسمان و«إيه. بي. يوشع» وغيرهم مجالاً لعاقل لأن يصدّق أوهام المعجزة والبراءة التي كانت تروجها المؤسسة الرسميّة. كما ساهمت روايات كتبها أدباء فلسطينيون أُسْرِلُوا وكتبوا بالعبرية أو ترجمت نصوصهم لها، مثل «المتشائل» لإميل حبيبي و«أرابيسك» لأنطون شمّاس، في تصوير ملامح أخرى من عذابات الخاسرين في الحرب.
هذه الإشارات الخاطفة عن سرديّة مناقضة للديماغوجيّة الرسميّة ربما لم تصل إلى الجمهور الإسرائيلي العريض، رغم أن أعمال سميلانسكي تدرّس في المدارس العامة؛ فإنها قدّمت دائماً على أنها تجارب نفسيّة لأفراد بعيداً تماماً عن سيّاق الزمان - المكان الذي حاكته -، ومع ذلك، فإنها بتكرار حضورها خرقت جدار الوهم العازل في ذهن جيل جديد من المؤرخين الشباب الذين استفزتهم خبرة حرب لبنان 1982 والتضليل الذي وسم السردية الرسمية عنها، ودفعتهم للتجرؤ؛ ربما ليس على نقض المشروع الصهيوني برمته، لكن أقله على إعادة النظر في جزئيّات مختلفة من سّردية السلطات عن حرب 1948 وطرح تساؤلات نقديّة الطابع عن حقيقة الفظائع التي ارتكبت بحق أصحاب الأرض، والتي تندي جبين أي إنسان؛ ناهيك بشعبٍ أقام دولة من رغوة الخزعبلات بحجة الهولوكوست التي تعرض لها على أيدي الأوروبيين قبل سنين قليلة من 1948.
ليس كل الروائيين الإسرائيليين متوثبين للخروج من شرنقة المعرفة المقوننة في ذلك الصندوق الخانق المسمى إسرائيل. وليس كل المؤرخين الإسرائيليين - الجدد كما أصبحوا يعرفون – أنبياء حقيقة ليواجهوا أسس المشروع الصهيوني كلّها والتبرؤ منها، لكن الأدب أمطرنا دائما بالأمل بأن للكلمات أجنحة للتحليق في فضاء الحقيقة ولن تقبع حكراً في أقفاص تجار الأساطير.



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».