المأزق الهندي بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني

انحياز نيودلهي إلى طهران يهدد مصالحها مع واشنطن

انحياز نيودلهي إلى طهران يهدد مصالحها مع واشنطن
انحياز نيودلهي إلى طهران يهدد مصالحها مع واشنطن
TT

المأزق الهندي بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني

انحياز نيودلهي إلى طهران يهدد مصالحها مع واشنطن
انحياز نيودلهي إلى طهران يهدد مصالحها مع واشنطن

مع انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، وقعت الهند، مثل بقية دول العالم، في مرمى نيران هذه التداعيات السياسية المحتملة. إذ أصبحت المصالح الهندية في أفغانستان وغرب آسيا على المحك. إلى جانب كونها من مصادر النفط الرئيسية بالنسبة إلى الهند، فإن إيران تعتبر من الأهمية الكبيرة بالنسبة للسياسات الهندية الإقليمية، مع سعيها لتحقيق التوازن في مواجهة النفوذ الصيني المتصاعد في جنوب آسيا.
وكان الرد الرسمي الهندي عبارة عن مزيج من ردود الفعل الدبلوماسية الحذرة، وإن كان يميل نحو المحافظة على الاتفاق النووي الإيراني.
وانتهجت وزارة الخارجية الهندية مساراً دبلوماسياً شديد الحذر، إذ أصدر المتحدث الرسمي باسم الوزارة، رافيش كومار، بياناً حذراً للغاية جاء فيه: «أكدت الهند دوماً على ضرورة الوصول إلى حل سلمي للقضية النووية الإيرانية، من خلال الحوار والمساعي الدبلوماسية، ومن خلال احترام حق إيران في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، كما هو الحق الطبيعي لدى المجتمع الدولي في الطبيعة السلمية للبرنامج النووي الإيراني. وينبغي على كافة الأطراف المشاركة بصورة بناءة لمعالجة وحل تلك القضايا التي تمخضت عن خطة العمل الشاملة المشتركة».
وفقاً للصحافي الهندي شوبهاجيت روي، من صحيفة «إنديا إكسبريس»: «للهند شواغلها فيما يتعلق بتلك القضية. إذ لم تستغل إيران السنوات القليلة الماضية بصورة جيدة في بناء اقتصادها القومي بشكل فعال. وأوضاعها الاقتصادية أكثر ضعفاً اليوم مما كانت عليه في أي وقت مضى. وخلال السنوات القليلة الماضية، أنفقت إيران كثيراً من الأموال على الصراعات المشتعلة في سوريا والعراق، على حساب التضخم والبطالة الداخلية، الأمر الذي أسفر عن احتجاجات شعبية كبيرة في وقت سابق من العام الجاري. ومن المرجح تعرض حكومة حسن روحاني إلى ضغوط داخلية هائلة جراء ذلك، ولكن الأمر الأكثر إثارة، أنها قد تخلق مساحة كبيرة للمتشددين في الداخل الإيراني».

- الهند في حاجة إلى إيران لاعتبارات ومصالح استراتيجية
يكمن المحفز الحقيقي في العلاقات الهندية الإيرانية، في الطموحات الهندية الكبرى لبسط نفوذها في آسيا الوسطى وما وراءها. وتعمل الهند حالياً على تطوير ميناء تشابهار الإيراني، كبداية لطريق يمر عبر أفغانستان غير الساحلية التي مزقتها الصراعات الداخلية، وكبوابة تنفذ منها الهند إلى آسيا الوسطى. إنه يعتبر استثماراً مالياً واستراتيجياً على حد سواء، بالنظر إلى أن باكستان لا تسمح للهند بالوصول إلى أفغانستان وآسيا الوسطى. ولقد خصصت الهند بالفعل مبلغ 85 مليون دولار تقريباً لتطوير ميناء تشابهار، مع خطط تبلغ قيمتها الإجمالية نحو نصف مليار دولار لأجل الميناء، في حين أن خط السكك الحديدية إلى أفغانستان قد يكلف الهند نحو 1.6 مليار دولار. وتنظر الهند إلى ذلك الميناء كبديل عن ميناء غوادار الباكستاني، الذي يقع على مسافة 140 كيلومتراً إلى الشرق من ميناء تشابهار الإيراني، وتعمل الصين على تطويره في جزء من الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني المشترك. وفي فبراير (شباط) الماضي، وقعت الهند وإيران على معاهدة تمنح نيودلهي حق السيطرة التشغيلية على جزء من الميناء لمدة عام ونصف عام.
ووفقاً للصحافية الهندية سوهاسيني حيدر: «من شأن العقوبات الأميركية الجديدة أن تبطئ أو ربما توقف هذه الخطط تماماً، تبعاً لمدى دقة وصرامة تنفيذ الخطط. ولقد اعتمدت الولايات المتحدة نهجاً متساهلاً حيال شحنة القمح الهندية إلى أفغانستان، عبر ميناء تشابهار الإيراني، مع تصريح وزير الخارجية الأميركي السابق ريكس تيلرسون، بأن الولايات المتحدة ترغب في استهداف النظام الحاكم وليس الشعب في إيران. غير أن وزير الخارجية الجديد مايك بومبيو، إلى جانب جون بولتون مستشار الأمن القومي الجديد في واشنطن، يتخذان نهجاً أكثر تشدداً وصرامة إزاء إيران. ورغم ذلك، فإن أي قيود أخرى تُفرض من جانب واشنطن سوف تزيد من تكلفة خطط تطوير ميناء تشابهار الإيراني، وربما تجعل الخطط غير قابلة للتطبيق».
وأضافت الصحافية الهندية تقول: «يعتبر ميناء تشابهار حيوياً للغاية، من زاوية المصالح الهندية؛ لأن إيران تحاول عرض الميناء على دول أخرى كذلك لتطويرها، بما في ذلك الصين التي تعمل في الوقت الحالي على تطوير ميناء غوادار الباكستاني المجاور».
ولما وراء ميناء تشابهار، كانت الهند المؤسس الأول لممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، وذلك منذ التصديق عليه في عام 2002. ويبدأ الممر المذكور عند إيران، ويهدف إلى قطع الطريق عبر آسيا الوسطى وصولاً إلى روسيا، خلال شبكة متعددة الأنماط بطول 7200 كيلومتر، الأمر الذي يقلص من المدى الزمني والمسافة للنقل بواقع 30 في المائة. ومن شأن العقوبات الاقتصادية الأميركية الجديدة أن تؤثر سلبياً على هذه الخطط بصورة فورية، ولا سيما إن قررت إحدى الدول المعنية الواقعة على طول الممر المذكور، أو شركات التأمين التي تتعامل مع الممر التجاري الهندي، أن تلتزم بالقيود الأميركية المفروضة على التجارة مع إيران.

- النفط والطاقة
تعتبر إيران ثالث أكبر مورد نفطي لدى الهند. ولقد وقعت الهند ضحية الضغوط الأميركية منذ عام 2011، فيما يتعلق بالتعامل مع إيران، وتراجع الدولة الفارسية عن كونها أكبر مصدري النفط إلى الهند، لتحل محلها العراق والمملكة العربية السعودية. وخلال الجولة الأولى من المفاوضات، أقامت الهند نظاماً بديلاً للتعامل مع إيران، مع الحفاظ على نقاء العلاقات مع الولايات المتحدة، مثل استخدام المدفوعات بالروبية الهندية بدلاً من الدولار الأميركي.
وقال راما شاندران، رئيس قطاع مصافي النفط في شركة «بهارات بتروليوم كوربوريشن» النفطية المملوكة للدولة: «سوف يكون تأثير العقوبات الأميركية الجديدة ملحوظاً في الهند، ولكنه لن يكون كبيراً».
ووفقاً للصحافي الهندي أبهيجيت لاير ميترا: «ربما يكون هذا الأمر من أفضل ما حدث للهند. إذ تعتبر المصافي الهندية مناسبة بشكل كبير لتكرير النفط الإيراني الخام، ولا يمكن لإيران أن تلعب مع نيودلهي لعبة أن هناك لاعبين آخرين في انتظارها. كما يعني الأمر أيضاً أن الميزة التفاوضية أصبحت في أيدي الهند، وينبغي إعادة النظر في اتفاق المقايضة المبرم مع إيران، الذي يصب في مصلحة الهند مرة أخرى».
والأمر الفريد فيما يتعلق بالعقوبات الأميركية الأخيرة، هو أنه حتى وإن سددت الهند الأموال نقداً إلى إيران، فإن موقف التفاوض الإيراني سيئ للغاية، لدرجة أنه يتعين عليها قبول العرض الهندي بأسعار أقل من تكلفة السوق، لأجل الحصول على الأموال المطلوبة لاستمرار دوران عجلة الاقتصاد المحلي، مع وجود الخسائر التي يمكن للدولة الإيرانية استيعابها بعد كل شيء.

- تحديات السياسة الخارجية
من الناحية التاريخية، أظهرت الهند قدرات كبيرة للمحافظة على استقلالها الاستراتيجي خلال فترات من الاضطرابات الجيوسياسية المريعة. ومع ذلك، فإن التطورات الجارية في المنطقة من شأنها اختبار حدود سياسات الهند الخارجية، وتزيد من صعوبة الأمر على نيودلهي للمحافظة على الروابط الوثيقة مع كل من إيران ومنافسيها الاستراتيجيين.
تقول الصحافية الهندية ديفيروبا ميترا: «من شأن القرار الأميركي بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، أن يختبر حدود السياسة الخارجية الهندية، وتكون له تداعيات كبيرة بالنسبة إلى نيودلهي. إذ كيف سوف تحافظ الهند على التقارب الوثيق مع الولايات المتحدة، وإسرائيل، والمملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى التودد لطهران؟ إنه يعتبر من التحديات الكبيرة لحكومة ناريندرا مودي».
وأضافت الصحافية الهندية تقول: «مهما كان القرار الذي تتخذه الهند حيال إيران، فهي لا بد واقعة بين المطرقة والسندان. فإن لحقت بالركب الأميركي ونأت بنفسها تماماً عن إيران، فسوف تترك الفجوة التي تنتظرها الصين للولوج منها، وبمساعدة أكيدة من باكستان، سوف تعمل الصين بكل جهدها على ملء ذلك الفراغ. وإثر شعورها الأكيد الراهن بتنامي النفوذ الصيني في المنطقة، ولا سيما مع نيبال، وسريلانكا، وجزر المالديف، فإن الهند لن ترغب أبداً في فقدان القليل الذي تملكه، ويمكنها من تأمين التوازن الجيوسياسي الذي تحاول الحفاظ عليه في المنطقة».

- مخاطر انحياز الهند إلى إيران
التزمت الولايات المتحدة منهجاً صارماً حيال الصين وباكستان، وطلبت من الهند أن تكون أكثر نشاطاً وفعالية في منطقة المحيط الهندي والهادي، مع التركيز المستمر على الصين. ولقد انضمت الهند إلى منظمة شنغهاي للتعاون، إلى جانب باكستان في العام الماضي، وسوف يجري إعلان القبول الرسمي لكلا الدولتين في يونيو (حزيران) من العام الجاري.
وفي العام الحالي، يقول المسؤولون الصينيون إنهم سوف ينظرون في ضم إيران إلى منظمة الأمن الأوراسية، المكونة من 8 أعضاء. وإذا تم قبول الاقتراح من قبل منظمة شنغهاي للتعاون التي تقودها الصين وروسيا، فسوف تصبح الهند عضواً في المنظمة، الأمر الذي سوف يعتبر مناوئاً للولايات المتحدة، وسوف يتعارض مع بعض المبادرات الحكومية الهندية الأخرى، على سبيل المثال، رباعي المحيط الهادي الهندي مع الولايات المتحدة وأستراليا واليابان.



إسلام آباد تنتظر جولة أميركية ـ إيرانية مؤجلة

عراقجي يستقبل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران الأسبوع الماضي
عراقجي يستقبل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران الأسبوع الماضي
TT

إسلام آباد تنتظر جولة أميركية ـ إيرانية مؤجلة

عراقجي يستقبل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران الأسبوع الماضي
عراقجي يستقبل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران الأسبوع الماضي

يتوجه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى باكستان في لحظة تتداخل فيها مساعي استئناف التفاوض مع واشنطن وتصاعد التوتر حول مضيق هرمز، بعدما أمر الرئيس الأميركي دونالد ترمب البحرية باستهداف القوارب الإيرانية التي تزرع ألغاماً، فيما تقول طهران إن الحصار الأميركي ينتهك وقف إطلاق النار ويعرقل أي اتفاق.

وتأتي زيارة عراقجي، التي أكدت وكالة «إيرنا» أنها تشمل أيضاً عمان وروسيا، بينما تحاول إسلام آباد إعادة الولايات المتحدة وإيران إلى جولة ثانية من محادثات وقف إطلاق النار.

وترافق ذلك مع إجراءات أمنية واسعة في العاصمة الباكستانية، واتصالات أجراها عراقجي مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير ووزير الخارجية إسحاق دار، وسط ترقب لوصول وفود أميركية وإيرانية لم يُحسم موعد اجتماعها.

في هذا السياق، أفادت «إيرنا» بأن عراقجي يتوجه إلى باكستان لإجراء «مشاورات ثنائية ومناقشات حول التطورات الإقليمية الجارية، وآخر المستجدات المتعلقة بالحرب التي فرضتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران».

وقالت ثلاثة مصادر باكستانية لـ«رويترز» إن محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة قد تستأنف قريباً في باكستان، حيث كان متوقعاً وصول عراقجي مساء الجمعة.

وذكر مصدران أن فريقاً أميركياً للدعم اللوجيستي والأمني موجود بالفعل في باكستان استعداداً لمحادثات محتملة. ولم تعلّق واشنطن أو طهران مباشرة على هذه المعطيات، لكن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث قال إن أمام إيران فرصة للتوصل إلى «اتفاق جيد» مع الولايات المتحدة.

وكان من المتوقع عقد الجولة الأخيرة من المحادثات، الثلاثاء، لكنها لم تنعقد. وقالت إيران إنها ليست مستعدة بعد للالتزام بحضور المحادثات، بينما لم يغادر الوفد الأميركي برئاسة نائب الرئيس جي دي فانس واشنطن. ومدّد ترمب من جانب واحد وقف إطلاق النار أسبوعين إضافيين لإتاحة وقت أوسع للمفاوضات

أجرى عراقجي محادثات منفصلة مع قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير ووزير الخارجية محمد إسحاق دار، تناولت الجهود الرامية إلى الحفاظ على الهدنة بين طهران وواشنطن. وذكرت وكالة «مهر» الإيرانية أن عراقجي ناقش مع منير ودار «التطورات الإقليمية والقضايا المتعلقة بوقف إطلاق النار».

وقال متحدث باسم الخارجية الباكستانية إن عراقجي ودار تبادلا الآراء بشأن التطورات الإقليمية ووقف إطلاق النار والجهود الدبلوماسية التي تبذلها إسلام آباد. وأضاف أن دار شدد على أهمية الحوار والتواصل المستمر لمعالجة القضايا العالقة وتعزيز السلام والاستقرار الإقليميين في أسرع وقت.

وأعرب عراقجي، وفق المتحدث الباكستاني، عن تقديره لـ«الدور التسهيلي الثابت والبنّاء» الذي تضطلع به باكستان، واتفق الجانبان على البقاء على اتصال وثيق. ولم يكشف الجيش الباكستاني تفاصيل منفصلة عن محادثة عراقجي مع المشير منير، الذي يعد الوسيط الباكستاني الرئيسي بين واشنطن وطهران في مسار التفاوض الجاري.

وكان منير قد زار طهران الأسبوع الماضي، لمدة ثلاثة أيام في محاولة لاقناع المسؤولين الإيرانيين للمشاركة في جولة ثانية من المحادثات.

جنود باكستانيون يقومون بدورية على أحد الطرق في الوقت الذي تستعد فيه باكستان لاستضافة الولايات المتحدة وإيران في الجولة الثانية من محادثات السلام في إسلام أباد(رويترز)

عاصمة تنتظر

تعيش إسلام آباد منذ نحو أسبوع على وقع الاستعداد لمحادثات لم يتأكد انعقادها. أُغلقت طرق رئيسية مؤدية إلى العاصمة، وضُرب طوق أمني حول «المنطقة الحمراء» التي تضم المقرات الحكومية والدبلوماسية، بينما تأثرت «المنطقة الزرقاء» التجارية المجاورة بنقص في الإمدادات وتراجع الحركة.

وقال مسؤولون حكوميون إن الإجراءات لن تُرفع قريباً، وإنهم مستعدون لاستقبال أعضاء الوفود في أي لحظة، بمن فيهم الرئيس الأميركي. ونقل أحد المسؤولين عبارة تلخص حالة الانتظار: «قالوا لنا إن المحادثات قد تعقد في أي يوم».

وهذا هو الإغلاق الثاني في أسبوعين. فقد أُغلقت إسلام آباد أول مرة لمحادثات بين الوفدين الأميركي والإيراني في 11 أبريل (نيسان)، انتهت من دون اتفاق، ثم أُعيد فتح المدينة لفترة وجيزة قبل إغلاقها مجدداً بانتظار جولة ثانية لم تنعقد بعد.

وتحول عدم اليقين إلى عبء يومي على السكان والمسافرين. ففي محطة حافلات بين المدن، وجدت رضوانة رايس، البالغة 35 عاماً، المحطة خالية بينما كانت تحاول العودة إلى أبوت آباد للمرة الأولى منذ أسبوعين. وقالت إن الحكومة ووسائل الإعلام تعلن أحياناً أن الوفود ستأتي، ثم تعود لتقول العكس، مضيفة أن الناس لن يصدقوا شيئاً «حتى يروا صوراً ومقاطع فيديو لهم وهم هنا بالفعل».

قاليباف ليس مهمشاً

مع عودة عراقجي إلى واجهة التحرك الدبلوماسي، برزت تساؤلات حول موقع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الجنرال السابق في «الحرس الثوري»، الذي ترأس الوفد الإيراني في الجولة السابقة وجلس في مواجهة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس. غير أن المعطيات لا تشير إلى تهميشه.

قاد قاليباف الجولة السابقة، في حين تعكس مهمة عراقجي الجديدة محاولة إعادة الحياة إلى مسار تفاوضي متوقف، لا إزاحة دور سياسي أو تفاوضي داخلي. ويأتي ذلك بعدما دعا ترمب الإيرانيين إلى تقديم «اقتراحهم»، من دون أن يتضح بعد ما إذا كانت مهمة عراقجي ستنتهي بتأكيد حضور إيران الجولة الثانية في إسلام آباد.

كما أن الخطاب الإيراني الداخلي سار في اتجاه نفي أي انقسام. فقد نشر قاليباف والرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي رسائل متقاربة تؤكد أن لا وجود لـ«متشددين» و«معتدلين» في مواجهة واشنطن، وأن المسؤولين يقفون في صف واحد.

رد إيراني موحد

انضم قادة الجيش الإيراني إلى الحكومة والبرلمان في إظهار وحدة الموقف بعد قول ترمب إن القيادة الإيرانية منقسمة بين «متشددين» و«معتدلين». وكتب القائد العام للجيش الجنرال أمير حاتمي على منصة «إكس» أن جميع فروع السلطة متحدة و«مطيعة» للمرشد، وستجعل «المعتدي المجرم يندم».

وقال حاتمي: «إله واحد، قائد واحد، أمة واحدة، طريق واحد، وهذا هو الطريق إلى انتصار إيران العزيزة التي هي أغلى من الحياة».

وكتب بزشكيان على «إكس»: «في إيران لا يوجد متشددون أو معتدلون. نحن جميعاً إيرانيون وثوريون. وبوحدة راسخة بين الأمة والدولة، وطاعة المرشد، سنجعل المعتدي يندم».

مصلون إيرانيون يؤدون صلاة الجمعة تحت صور المرشد السابق علي خامنئي وكبار المسؤولين العسكريين الذين قُتلوا خلال الحملة الأميركية - الإسرائيلية في حرم جامعة طهران (أ.ب)

وفي بيان منفصل، أصدر قادة الوحدتين البحرية والصاروخية في «الحرس الثوري» ما وصفت بأنها «رسالة وحدة»، وجاء فيها أن «الأهداف واضحة، والأيدي على الزناد، وسندنا وحدة الشارع وتماسك المسؤولين». وكتب إسماعيل قاآني، قائد «فيلق القدس» المكلف بالعمليات الخارجية لـ«الحرس الثوري»، على منصة «إكس» أن «سند جبهة المقاومة والمقاتلين بلا حدود في الحرب مع العدو الأميركي - الصهيوني هو وحدة الشارع وتماسك المسؤولين».

ونشر محسن رضايي، مستشار المرشد الإيراني والقيادي في «الحرس الثوري»، الرسالة نفسها، فيما كتب علي أكبر أحمديان، ممثل المرشد في مجلس الدفاع، أن «سند الدفاع عن البلاد اليوم هو وحدة الشعب واقتدار المسؤولين الذين يحملون رسالة صريحة واحدة».

وفي السياق نفسه، أعاد حساب منسوب إلى مجتبى خامنئي، في منشور على منصة «إكس»، نشر عبارات من رسالة سابقة رداً على تصريحات ترمب. وقال إن ما وصفه بـ«الوحدة غير العادية» بين الإيرانيين أدى إلى «إضعاف خصومهم»، داعياً إلى تعزيز هذا التماسك. وحذر من أن «العمليات الإعلامية التي تستهدف عقول الناس ونفسياتهم تهدف إلى المساس بالوحدة والأمن القومي»، داعياً إلى عدم السماح بتحقق هذا الهدف عبر «الإهمال».

نبرة حازمة

في المقابل، تمسك ترمب بنبرة حازمة. ورداً على منتقدي تعليقه غير المحدد للعمل العسكري في إيران، قال إنه «ربما يكون أقل شخص تعرضاً للضغط على الإطلاق في هذا الموقع»، وإن لديه «كل الوقت في العالم» لإبرام سلام دائم.

وكتب على «تروث سوشيال»: «الوقت ليس في صالحهم! لن يُبرم اتفاق إلا عندما يكون مناسباً وجيداً للولايات المتحدة الأميركية وحلفائنا، وفي الواقع لبقية العالم». وكانت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت قالت إنه لا توجد «مهلة نهائية ثابتة» أمام إيران لتقديم مقترح سلام.

واستبعد ترمب استخدام سلاح نووي ضد إيران. وعندما سُئل عما إذا كان سيلجأ إلى ذلك، وصف السؤال بأنه «غبي»، وقال: «لسنا بحاجة إليه. لماذا أستخدم سلاحاً نووياً بينما دمّرناهم تماماً بطريقة تقليدية جداً من دونه؟ لا، لن أستخدمه. لا ينبغي السماح لأي طرف باستخدام سلاح نووي إطلاقاً».

وقال أيضاً إن على إيران وقف تمويل «حزب الله» ضمن أي اتفاق مع الولايات المتحدة. وأضاف خلال فعالية في المكتب البيضاوي، عقدت للإعلان عن تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان ثلاثة أسابيع، أن ذلك «أمر لا بد منه».

بلغ التوتر حول مضيق هرمز مستوى أعلى بعدما كتب ترمب أنه أمر البحرية الأميركية بالتحرك ضد أي قوارب إيرانية تزرع ألغاماً في المضيق. وقال: «لقد أمرت بحرية الولايات المتحدة بإطلاق النار وقتل أي قارب، حتى لو كان من القوارب الصغيرة، يضع ألغاماً في مياه مضيق هرمز. لا تردد في ذلك»، مضيفاً أن السفن البحرية الإيرانية «كلها، وعددها 159، في قعر البحر».

وأضاف أن كاسحات الألغام الأميركية تعمل على تطهير المضيق «في هذه اللحظة»، وأن الجهود ستُكثف «بمستوى مضاعف ثلاث مرات». وقال مسؤولون أميركيون قبل شهر إن إيران وضعت، على الأرجح، ما لا يقل عن 12 لغماً بحرياً في المضيق باستخدام قوارب صغيرة يمكن لكل منها حمل جهازين إلى ثلاثة أجهزة.

وقال مراسل «أكسيوس» باراك رافيد إن إيران ألقت مزيداً من الألغام في المضيق في وقت سابق من الأسبوع، بعد وقت قصير من قول هيغسيث إن أي محاولة لوضع ألغام إضافية ستعد انتهاكاً لوقف إطلاق النار.

خطط أميركية لهرمز

ونقلت «سي إن إن» عن مصادر متعددة مطلعة أن مسؤولين عسكريين أميركيين يطورون خططاً جديدة لاستهداف قدرات إيران في مضيق هرمز، في حال انهار وقف إطلاق النار الحالي. وتشمل الخيارات المطروحة ضربات تركز على ما يسمى «الاستهداف الديناميكي» لقدرات إيران حول المضيق وجنوب الخليج العربي وخليج عمان.

وبحسب المصادر، فإن الأهداف المحتملة تشمل القوارب السريعة الصغيرة، وسفن زرع الألغام، وأصولاً أخرى غير متماثلة استخدمتها طهران لإغلاق الممرات المائية الرئيسية فعلياً، وتحويلها إلى ورقة ضغط على الولايات المتحدة. وأشارت الشبكة إلى أن إغلاق المضيق أحدث اضطرابات واسعة في الاقتصاد العالمي، وهدد جهود ترمب لخفض التضخم داخل الولايات المتحدة.

ورغم أن الجيش الأميركي استهدف البحرية الإيرانية، فإن جانباً كبيراً من الشهر الأول من القصف ركز على أهداف بعيدة من المضيق تتيح توجيه ضربات أعمق داخل إيران. أما الخطط الجديدة فتدعو إلى حملة قصف أكثر تركيزاً حول الممرات المائية الاستراتيجية.

وذكّرت «سي إن إن» بأن نسبة كبيرة من صواريخ الدفاع الساحلي الإيرانية لا تزال سليمة، وأن لدى إيران عدداً كبيراً من القوارب الصغيرة التي يمكن استخدامها منصات لشن هجمات على السفن، بما يعقّد أي محاولة أميركية لإعادة فتح المضيق.

ونقلت الشبكة عن مصادر، أن الضربات العسكرية حول المضيق لن تكون كافية وحدها لإعادة فتحه فوراً. وقال مصدر مطلع على التخطيط العسكري إن القرار سيتوقف على مدى استعداد ترمب لقبول المخاطر ودفع السفن للعبور، ما لم تثبت واشنطن أنها دمرت قدرات إيران بالكامل أو تستطيع الحد من الخطر بدرجة شبه مؤكدة.

زورق تابع لـ«الحرس الثوري «يشارك في عملية لاعتراض السفن التي تحاول عبور مضيق هرمز» (أ.ف.ب)

أفادت القيادة المركزية الأميركية بأن الحصار الأميركي المفروض على مضيق هرمز أدى إلى تحويل مسار 33 سفينة حتى الآن، بعدما كان آخر تحديث قد تحدث عن 31 سفينة منذ بدء الحصار. وتصف إيران الحصار بأنه انتهاك لوقف إطلاق النار، بينما تقول واشنطن إنه سيبقى قائماً شرطاً للمفاوضات.

وتقول طهران إنها لن تعيد فتح المضيق حتى يرفع ترمب الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية. وأظهرت بيانات شحن أن خمس سفن فقط عبرت المضيق خلال 24 ساعة، مقارنة بنحو 130 سفينة يومياً قبل الحرب، بينها ناقلة منتجات نفطية إيرانية واحدة، ومن دون مرور ناقلات النفط الخام العملاقة التي تغذي عادة أسواق الطاقة العالمية.

وقالت شركة «هاباغ لويد» إن إحدى سفنها عبرت المضيق، من دون تقديم تفاصيل إضافية. كما ذكرت وكالة «مهر» أن ناقلة النفط العملاقة «كوبا»، الخاضعة لعقوبات أميركية وترفع علم كوراساو، عبرت مضيق هرمز ورست شرق جزيرة لاراك. وأضافت أن السفينة مدرجة على قائمة العقوبات الأميركية منذ 2024 لنقلها شحنات نفط إيرانية إلى الصين.

في موسكو، قال السفير الإيراني كاظم جلالي، في تصريحات أوردتها وسائل إعلام حكومية إيرانية نقلاً عن وكالة روسية، إن روسيا مستثناة من دفع رسوم العبور عبر مضيق هرمز. وأضاف: «بخصوص دفع الرسوم في مضيق هرمز، أقررنا بعض الاستثناءات، ونسعى إلى استخدام هذا الاستثناء للدول الصديقة مثل روسيا».

وتحدث جلالي أيضاً عن التعاون مع روسيا في محطة بوشهر النووية، قائلاً إن إيران «تتفاعل» مع موسكو بشأن أعمال البناء، معرباً عن أمله في توافر الظروف التي تتيح لموظفي «روساتوم» استئناف عملهم. وكانت الشركة النووية الروسية قد أوقفت أعمال البناء في بوشهر أوائل مارس (آذار)، بالتزامن مع الهجمات الأميركية والإسرائيلية، وبدأت سحب موظفيها من الموقع.

تحذير أوروبي

في الأثناء، حذرت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، من أن مفاوضات السلام بين واشنطن وطهران قد تنتهي إلى اتفاق «أضعف» من الاتفاق النووي لعام 2015، إذا اقتصرت على الملف النووي ولم تضم خبراء نوويين.

وقالت كالاس في قبرص: «إذا كانت المحادثات تدور فقط حول البرنامج النووي ولم يكن هناك خبراء نوويون حول الطاولة، فسننتهي باتفاق أضعف من خطة العمل الشاملة المشتركة». وأضافت أن عدم طرح برامج الصواريخ الإيرانية، ودعم طهران للوكلاء، والأنشطة الهجينة والسيبرانية في أوروبا، قد يؤديان إلى «إيران أكثر خطورة».

ويضع هذا التحذير الأوروبي سقفاً آخر للمفاوضات المحتملة في إسلام آباد. وتضغط واشنطن بشروط تتعلق بهرمز و«حزب الله» والبرنامج النووي، وطهران تتمسك برفض الحصار وتعرض مساراً تفاوضياً لا يعني التراجع الكامل، بينما تحاول باكستان إبقاء باب الحوار مفتوحاً قبل أن يتحول انسداد المضيق إلى انسداد سياسي أوسع.


تقطع السبل ببحارة في الخليج بسبب حرب إيران

بحار يراقب ناقلة بترول شمال الخليج العربي بالقرب من الشواطئ العراقية (رويترز)
بحار يراقب ناقلة بترول شمال الخليج العربي بالقرب من الشواطئ العراقية (رويترز)
TT

تقطع السبل ببحارة في الخليج بسبب حرب إيران

بحار يراقب ناقلة بترول شمال الخليج العربي بالقرب من الشواطئ العراقية (رويترز)
بحار يراقب ناقلة بترول شمال الخليج العربي بالقرب من الشواطئ العراقية (رويترز)

يكافح أنكيت ياداف، وهو بحار هندي تقطعت به السبل على متن سفينة ترسو في ميناء إيراني داخلي منذ نحو أسبوعين ونصف، وزملاؤه الثلاثة من البحارة للبقاء على قيد الحياة باستخدام كميات محدودة من الطماطم والبطاطا.

وأنكيت واحد من بين آلاف البحارة من الهند ودول أخرى تقطعت بهم السبل في مضيق هرمز وحوله بعدما عطلت حرب إيران حركة الملاحة في أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاما في العالم.

وكان أنكيت، وهو في أوائل الثلاثينيات من عمره، على متن سفينة صغيرة تحمل الصلب وتبحر بين إيران والكويت وعمان. وقال إنه كان بإمكانه مغادرة منطقة الحرب لو حصلت السفينة على إذن بالإبحار إلى عمان ثم إعادته إلى الهند، إلا أن ذلك لم يحدث بسبب الحصار الذي تفرضه البحرية الأميركية.

وقال لرويترز عبر الهاتف «شركة الشحن التي أعمل بها ليست مستعدة لمنحنا الإذن بالمغادرة لأنها لا تريد دفع أسعار أعلى لتذاكر الطيران، ونحن لا نستطيع تحمل تكلفتها بأنفسنا. المخرج الوحيد هو مساعدة الحكومة».

وفي ميناء إيراني آخر، علق بحار هندي ثان يدعى سلمان صديقي على متن سفينة شحن ترفع علم جزر القمر، وكانت في طريقها من إيران إلى عمان.

وقال صديقي لرويترز من السفينة التي ترسو حاليا في خرمشهر «الشيء الوحيد الذي نفعله هنا هو التخطيط لكيفية قضاء الليل والدعاء ألا نصاب خلال أي هجوم». وأضاف «هناك قدر من الارتياح أن وقف إطلاق النار لا يزال ساريا، وإننا لا نسمع نفس عدد الانفجارات التي كنا نراها ونسمعها في السابق».

فزع

الهند من بين أكبر ثلاث دول من حيث عدد البحارة العاملين في القطاع البحري في العالم، إذ يبلغ عددهم أكثر من 300 ألف بحار. وتثير الهجمات على السفن مخاوف أمنية لدى البحارة الذين قرر الكثير منهم عدم العودة إلى البحار.

وقال صديقي «سمعنا دوى أكثر من 100 انفجار. من المفزع رؤية المقذوفات تتطاير وتنفجر بالقرب من سفينتك». وسوريندرا كومار تشوراسيا من بين المحظوظين الذين تسنت إعادتهم إلى الهند. وكان على متن سفينة قريبة من ميناء الشارقة برفقة 20 آخرين من أفراد الطاقم بانتظار الموافقة على تحميل شحنات اليوريا عندما اندلعت الحرب.

وقال تشوراسيا «تقطعت بنا السبل في الخليج لنحو أربعة أيام، ثم تمكنت شركة الشحن التابعة لنا من التفاوض مع إيران من أجل المرور الآمن. وخلال تلك الفترة، رأينا سفنا تتعرض لهجمات من طائرات مسيرة، وسمعنا أيضا رسائل تحذيرية من الحرس الثوري الإيراني عبر أجهزة الراديو اللاسلكي، وتحليق طائرات مقاتلة وغير ذلك».

وأضاف أن «الحرس الثوري» الإيراني حدد لربان السفينة التي كان على متنها مسارا، وأبحروا بالقرب من المياه الإيرانية والعمانية بسبب وجود ألغام بحرية على الجانب الآخر.

وتدخلت وزارة الموانئ والشحن والممرات المائية في الهند لتسهيل عودة نحو 2680 بحارا هنديا إلى بلادهم منذ اندلاع الحرب. ولقي ثلاثة بحارة هنود حتفهم جراء الحرب الدائرة. وفي 18 أبريل (نيسان)، أطلق «الحرس الثوري» النار على سفينتين ترفعان علم الهند لدى محاولتهما عبور مضيق هرمز.


عراقجي يبدأ اليوم جولة إلى إسلام آباد ومسقط وموسكو

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ)
TT

عراقجي يبدأ اليوم جولة إلى إسلام آباد ومسقط وموسكو

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ)

أفادت وسائل ​إعلام إيرانية رسمية إن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ‌سيبدأ ‌اليوم ​(الجمعة)، ‌جولة تشمل ⁠زيارات ​إلى إسلام ⁠اباد ومسقط وموسكو، وفق ما نشرت «رويترز».

وذكرت وكالة الأنباء ‌الإیرانیة (إرنا) أن «هذه الزيارة تهدف ‌إلى ​إجراء ‌مشاورات ‌ثنائية، ومناقشة التطورات الراهنة في المنطقة، ‌بالإضافة إلى آخر المستجدات في ⁠الحرب ⁠التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران».