المعارك تدفن أمل النازحين في ركام مخيم اليرموك

{الشرق الأوسط} تستطلع أوضاع «عاصمة الشتات الفلسطيني» في سوريا

TT

المعارك تدفن أمل النازحين في ركام مخيم اليرموك

تراجعت آمال النازحين من جنوب دمشق بالعودة إلى بيوتهم جراء الدمار الذي لحق بها خلال الحرب الطاحنة بين قوات النظام السوري وحلفائه من جه،ة وتنظيم داعش من جهة ثانية؛ الأمر الذي سيؤدي إلى استمرار مأساتهم في التشرد، ويبقيهم تحت وطأة استغلال أهالي الأحياء الآمنة.
وفي 19 أبريل (نيسان) الماضي، كانت مناطق جنوب العاصمة الخارجة عن سيطرة النظام على موعد مع حملة عسكرية واسعة النطاق، استهدفت «داعش» و«هيئة تحرير الشام» في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين وناحية «الحجر الأسود» والقسم الشرقي من حي «القدم» والجنوبي من حي «التضامن».
جاءت هذه الحملة في إطار مساعي النظام لتأمين دمشق ومحيطها، بعد إغلاق ملف وجود المعارضة المسلحة في الغوطة الشرقية لدمشق ومنطقة القلمون الشرقي بريف العاصمة الشمالي الشرقي، وبلدات «يلدا» و«ببيلا» و«بيت سحم» في الريف الجنوبي.
المعركة في جنوب العاصمة توقع النظام في بداياتها، بأنها «لن تكون صعبة، وستستغرق أياماً معدودة فقط»، وأن تأخذ سيناريو مشابهاً لما حصل في مدن وبلدات الغوطة الشرقية لدمشق، بأن ترضخ التنظيمات المسلحة في الأيام الأولى من المعركة لاتفاقات «التسوية»، لكن الرضوخ اقتصر على عناصر «تحرير الشام» الذين كانوا يتحصنون في جيب صغير غرب اليرموك، في حين يبدي «داعش» حتى الآن استماتة في صد هجمات جيش النظام وحلفائه، وتتواصل المعارك العنيفة ويستخدم فيها النظام شتى أنواع الأسلحة من جوية وصاروخية ومدفعية ومتوسطة وخفيفة.
وأظهرت تسجيلات نشرها نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي للمناطق التي استعاد النظام السيطرة عليها هناك، دماراً كبيراً في الأحياء ومباني كثيرة سويت بالأرض. كما دلت مشاهد القصف وسحب الدخان والغبار الكثيفين المنبعثين من تلك المناطق على دمار كبير جداً يحصل في الأحياء المستهدفة من جراء عمليات القصف الجوي والصاروخي والمدفعي الكثيف والعنيف.
ويعتبر مخيم اليرموك من أبرز مناطق جنوب العاصمة الخارجة عن سيطرة النظام، ويتبع إدارياً محافظة دمشق ويشكّل بوابة العاصمة من الجهة الجنوبية، ويقع على بعد أكثر من سبعة كيلومترات جنوب دمشق، وتصل مساحته إلى نحو كيلومترين مربعين. ويحده من الجهة الجنوبية «الحجر الأسود»، ومن الجهة الغربية حي «القدم»، ومن الشرق حي «التضامن»، ومن الشمال منطقة «الزاهرة».
وأقيم مخيم اليرموك، الذي يلُقّب بـ«عاصمة الشتات الفلسطيني»، عام 1957 على بقعة زراعية صغيرة، ومع مرور الزمن تحول إلى أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في سوريا ودول الجوار، وراح اللاجئون يحسّنون مساكنهم ويشيدون الأبنية الطابقية لتتسع للعائلات الكبيرة والمتنامية، وبات منطقة حيوية تستقطب السوريين من الريف للعيش فيها، لقربها من دمشق، ووصل عدد اللاجئين الفلسطينيين فيه قبل الحرب إلى ما يقارب 200 ألف لاجئ من أصل نحو 450 ألف لاجئ في عموم سوريا، موزعين على خمسة عشر مخيماً في ست مدن.
وكان يعيش إلى جانب اللاجئين الفلسطينيين في المخيم نحو 400 ألف سوري من محافظات عدة، بينما يقدر مهتمون بشؤون مخيم اليرموك عدد سكانه بأكثر من 750 ألف بين لاجئ فلسطيني ومواطن سوري، نزح غالبيتهم في السنة الثانية للحرب.
سيناريو الغوطة الشرقية الذي توقعه النظام لمناطق جنوب دمشق، أنعش الأمل لدى النازحين من تلك المناطق، وخصوصاً مخيم اليرموك بالعودة إلى منازلهم وراحوا يترقبون أخبار المعارك لحظة بلحظة على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي لدرجة أن بعضهم بدأ بتجهيز حقائبه، لكن هذا الأمل راح يتلاشى مع طول أمد المعارك ومشاهد القصف والدمار التي يشاهدونها.
رجل في العقد الخامس من عمره، ونزح مع عائلته من مخيم اليرموك منذ أكثر من خمس سنوات إلى إحدى ضواحي ريف دمشق الشمالية الغربية، بدأ اليأس يتملكه بسبب ما يشاهده على شاشة التلفزة، وما يسمعه من أنباء عن عنف المعارك والقصف الذي يستهدف المنطقة، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا أظن أننا سنعود. إلى أين نرجع؟ أين نسكن؟ كيف نعيش؟».
الرجل الذي ولد في المخيم وترعرع وشب فيه، يتحسر على ما آل إليه مخيم اليرموك من جراء الحرب الطاحنة الجارية هناك بعد الأيام والسنين الجميلة التي قضاها هناك، ويوضح: «كنا نأمل أن الأمر سيتم بمجرد إجراء ترميمات بسيطة للبيوت (أبواب، نوافذ، تمديدات كهربائية وصحية)، لكن المشهد واضح جداً حتى جدران لم يبق... المخيم بات مجرد كتل من الركام والخراب».
ووفق مكتب التنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشوا)، في سوريا 7.5 مليون شخص نزحوا من مناطق إقامتهم إلى مناطق افترضوها أكثر أمناً، إضافة إلى أكثر من خمسة ملايين لاجئ خارج البلاد.
وفي محاولة من النظام وحلفاء للتقليل من حجم الكارثة التي لحقت بمخيم اليرموك بسبب الدمار الكبير الذي حصل فيه، وبث الأمل في نفوس الأهالي بالعودة إلى منازلهم، صرح عدد من قيادات الفصائل الفلسطينية التي تقاتل إلى جانب النظام، بأنها تعمل لدى النظام لإعادة الأهالي إلى منازلهم فور القضاء على تنظيم داعش هناك، في إشارة إلى الأهالي الذين يمكنهم ترميم منازلهم على نفقتهم الشخصية. لكن الكثير من الأسر تعتبر أن هذا الأمر، ربما يأخذ سنوات كثيرة، وقد يكون شبه مستحيل لما سيترتب على ذلك من تكاليف مادية كبيرة جداً لن تقدر عليها في ظل تردي الوضع المادي للغالبية العظمى من العائلات بسبب الغلاء الفاحش وبقاء دخول المواطنين الشهرية على حالها.
موظفة في إحدى الدوائر التابعة للنظام نزحت مع طفليها من المخيم وتقيم حالياً مع أخيها، ولا يتجاوز راتبها الشهري 80 دولاراً أميركياً (35 ألف ليرة سورية)، تقول: «بالكاد يكفي الراتب لتأمين الأكل، فكيف نؤمّن ملايين للترميم البيوت؟».
ومنذ بدء الحرب في البلاد قبل نحو سبع سنوات شهدت أسعار المواد الغذائية والخضراوات ومختلف الحاجات المنزلية في عموم البلاد، ارتفاعاً تدريجياً، ووصلت إلى حد غير مسبوق، بسبب انخفاض مستوى سعر صرف الليرة أمام العملات الأجنبية (الدولار الأميركي يساوي حالياً نحو 450 ليرة)، وتضاعفت غالبية الأسعار عشر مرات عما كانت عليه قبل الحرب عندما كان سعر صرف الدولار لا يتجاوز 50 ليرة.
وانعكس ذلك سلباً على الحالة المعيشية للمواطنين، مع بقاء سقف المعاشات الشهرية للموظفين على ما هو عليه، فالموظف الذي كان راتبه 30 ألف ليرة قبل الأزمة، أي ما يعادل 600 دولار، أصبح راتبه اليوم يساوي أقل من 75 دولاراً، على حين يقدر اقتصاديون حاجة الأسرة المؤلفة من خمسة أفراد حالياً إلى 800 دولار شهرياً لتستطيع مواصلة حياتها بشكل وسطي.
وكشفت دراسة أعدها في مايو (أيار) 2016 «مركز الرأي السوري للاستطلاع والدراسات»، وهو مركز موال للحكومة، عن أن نسبة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر تصل إلى 87 في المائة، وفقاً لمعيار البنك الدولي. ويقدر أخصائيون، أن عمليات ترميم بسيطة لمنزل مساحتها نحو 100 متر مربع وتقتصر على إعادة تركيب أبواب ونوافذ وتمديدات كهربائية وصحية تصل تكلفتها إلى أكثر من خمسة آلاف دولار أميركي.
ومنذ بدء الحرب تقوم قوات النظام وميليشيات تابعة، بنهب مقتنيات وأثاث المنازل في المناطق والمدن والبلدات والقرى التي تستعيد السيطرة عليها؛ ما أدى إلى ظهور ما يطلق عليه موالو النظام «أسواق الغنائم» التي تباع فيها المسروقات.
وفي المناطق التي سمح النظام للأهالي بالعودة إلى منازلهم فيها بعد أن استعاد السيطرة عليها، فوجئ هؤلاء الأهالي بخلو المنازل والمحال التجارية من أي أثاث ومقتنيات، حتى إن بعض المنازل بدت كأنها قيد الإنشاء وتحتاج إلى عملية إكساء شاملة، إثر سرقة الأبواب والنوافذ وخلاطات المياه والمفاتيح والأسلاك الكهربائية، وحتى «المراحيض الإفرنجية».
بعض الأهالي، يعتبر أن التدمير الذي يجري في المخيم هو بمثابة نكبة ثانية للاجئين الفلسطينيين بعد نكبة عام 1948 عندما هُجّر الفلسطينيون من قراهم وبيوتهم في فلسطين على يد سلطات الاحتلال الإسرائيلي، ويقول عجوز في العقد السابع من العمر: «لا مهرب. مكتوب علينا التشرد والنزوح»، في حين تتحسر ابنة له كانت تجلس إلى جانبه لأن الذي حصل «سيبقينا تحت وطأة استغلال المؤجرين، وتهديداتهم برمينا في الطريق إذا لم ندفع (بدل الإيجار)».
وخلال سنوات الحرب التي تشهدها البلاد، ارتفعت بشكل تدريجي بدلات إيجار الشقق السكنية أضعافاً مضاعفة، وتصل في بعض المناطق إلى 20 ضعفاً عما كانت عليه قبل الحرب، ذلك أن بدل إيجار شقة مؤلفة من غرفتين ومنافع في محيط دمشق يصل إلى ما بين 150 – 200 ألف ليرة سورية، بينما يصل في وسط العاصمة إلى أكثر من 300 ألف، وأحياناً إلى نصف مليون ليرة. وتتم عملية إيجار الشقق بموجب قانون سنّه النظام منذ زمن بعيد، وهو عبارة عن عقد بين المؤجر والمستأجر، يتضمن شروط التعاقد من مدة زمنية وبدل الإيجار.
وبات أصحاب الشقق السكنية في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، يشترطون ألا تتجاوز المدة الزمنية للعقد ثلاثة أشهر، من أجل رفع قيمة بدل الإيجار الشهرية كلما تم تنظيم عقد جديد، كما باتوا يشترطون دفع بدلات الإيجار عن الأشهر الثلاثة دفعة واحدة سلفاً بمجرد تنظيم العقد.
وبما أن العقد يعتبر منتهياً بمجرد انقضاء مدته الزمنية، يعمد الكثير من أصحاب الشقق السكنية إلى الطلب من المستأجر الإخلاء إذا لم يتوفر معه مبلغ بدل الإيجار عن ثلاثة أشهر جديدة.
ويستبعد عدد من التجار الذين كانوا في المخيم عودة الوضع فيه إلى ما كان عليه قبل الحرب، بعد كل هذا القصف والمعارك الجارية هناك، ويرجحون أن تتم إعادة بنائه بناءً على قوانين تتعلق بالأعمار أصدرها النظام خلال سنوات الحرب.



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.