مهرجان دبي السينمائي 2 : سمير فريد: نقاد اليوم أكثر حظا لأن كل سينما العالم متوفرة لديهم

الناقد المحتفى به قال إن النقد تبلور عنده خلال تعريف سارتر وإليوت له

سمير فريد (إلى اليمين) مع المخرجين داود عبد السيد، الراحل عاطف الطيب، المخرج البحريني بسام الذوادي والمخرج محمد خان
سمير فريد (إلى اليمين) مع المخرجين داود عبد السيد، الراحل عاطف الطيب، المخرج البحريني بسام الذوادي والمخرج محمد خان
TT

مهرجان دبي السينمائي 2 : سمير فريد: نقاد اليوم أكثر حظا لأن كل سينما العالم متوفرة لديهم

سمير فريد (إلى اليمين) مع المخرجين داود عبد السيد، الراحل عاطف الطيب، المخرج البحريني بسام الذوادي والمخرج محمد خان
سمير فريد (إلى اليمين) مع المخرجين داود عبد السيد، الراحل عاطف الطيب، المخرج البحريني بسام الذوادي والمخرج محمد خان

هناك كتابان أصدرهما مهرجان دبي السينمائي الدولي هذا العام أحدهما لافت للنظر كونه نتيجة إحصاء شمل 475 سينمائيا من النقاد والمخرجين العرب (في غالبيـتهم) والأجانب حول أفضل الأفلام العربية في التاريخ وعنوانه «سينما الشغف».
الثاني، وعنوانه «صنع في أرابيا: السينما العربية بين الفرص الضائعة والحاضر الصعب»، هو مراجعة لتاريخ السينما العربية صناعيا وإنتاجيا. بكلمات أخرى هو ليس عملا لتسجيل تاريخ السينما العربية، بل للبحث في شؤون صناعاتها من مصر إلى الدول المغربية ومنطقة الخليج مرورا بدول الوسط الجغرافي مثل لبنان وسوريا والأردن.
كل من هذين الكتابين يؤدي وظيفة مختلفة والتقارب بينهما هو في أنهما يبحثان في سينما عويصة الشأن هي السينما العربية. لكن الأول هو الذي كان مجال الحديث الأكثر انتشارا كون الإحصاء سابقة بحد ذاته والنتائج لا تقل أهمية عن الفكرة ذاتها.
الأفلام العشرة التي نالت إعجاب السينمائيين أكثر من سواها تبدأ من «المومياء» للراحل شادي عبد السلام الذي تم إنتاجه في مصر عام 1969 ونال ما مجموعه 225 صوتا. الفيلم الثاني هو أيضا من مصر وعنوانه «باب الحديد»، ذلك الذي حققه يوسف شاهين سنة 1958 وجمع 180 صوتا.
الفيلم الجزائري «وقائع سنوات الجمر» لمحمد لخضر حامينا (1975) وجلب 152 وفي المركز الرابع فيلم آخر ليوسف شاهين هو «الأرض» (1969) ثم على التوالي: «أحلام المدينة» لمحمد ملص (سوريا - 1983)، «يد إلهية» لإيليا سليمان (فلسطين- فرنسا - 2001) و«كيت كات» لداود عبد السيد (مصر - 1991). في المركز التاسع «بيروت الغربية» لزياد الدويري (لبنان - 1998) وفي العاشر «المخدوعون» لتوفيق صالح (سوريا - 1972) وجمع 77 صوتا.
والقائمة تمتد حتى تشمل مائة فيلم لكن بعد العشرة الأولى يدرك المرء أن المسألة ظرفية وأن أسباب وصولها إلى النتيجة التي وصلت إليها من حيث توزع الاهتمام وما هي الأفلام التي انتمت إلى هذه الفئة أو تلك أو إلى هذا المركز أو ذاك.
والواقع هو أن الاختيارات في نهاية الأمر قد تكون نسبية. فالفيلم الأفضل لدى هذا الناقد قد يكون مختلفا عن الفيلم الأفضل لدى الآخر أو الآخرين جميعا. يعود ذلك إلى مفهوم الواحد لماهية الفيلم الجيد ومزاياه وعناصره. فمثلا في حين يأتي «المومياء» في المركز الأول، ولأسباب موضوعية مقبولة، فإن أحد أفضل الأفلام العربية في التاريخ من الناحية الجمالية كما السينمائية هو «طوق الحمامة المفقود» للتونسي الناصر خمير. ربما كان سيدخل قائمة العشرة الأولى (في قائمة العشرة الثانية) لو أنه شوهد على نطاق واسع.
كذلك ما يجعل «باب الحديد» أفضل من «المومياء» بالنسبة للبعض كونه عن القاهرة في حينه بالإضافة إلى بحث المخرج عن الوضعين النفسي والاقتصادي بين شخصياته في أسلوب واقعي لم ينجز مثله لاحقا.

* حوار الناقد

* ويتداول السينمائيون هذا الحديث وسواه في جلساتهم. على عكس مهرجانات أخرى، يبرز مهرجان دبي قيمة اللقاءات المتقاربة بين الحاضرين، وقلما تجد شخصا منفردا بنفسه أو لديه من الوقت ما يمضيه بعيدا عن الآخرين. حين يأتي الأمر إلى تبادل الآراء حول الأفلام المعروضة فإن الحديث لا ينقطع. لكن هناك أحاديث أخرى منها ما يتناول المهرجانات العربية ومنها ما يتناول وضعها السينمائي الحالي، وهو ما يصب في صلب الكتاب الثاني «صـنع في أرابيا». لكنك لن تجد من هو راغب في الحديث عن الأوضاع السياسية المحيطة كما لو أن هناك إجماعا حول نبذ السياسة من العمل الفني ومن أجواء اللقاءات لأنها تقف على الطرف النقيض مما تدعو إليه مجمل الأفلام.
بطبيعة الحال، فإن عددا كبيرا من المخرجين والنقاد متواجدون هنا. بعض المخرجين، على سبيل المثال، من بين الذين دخلت أفلامهم القائمة وبعضهم جاء مع أفلامه المعروضة هنا كما أن هناك من تمت دعوته إما للاحتفاء به أو لمجرد الرغبة في حضوره.
من بين السينمائيين المحتفى بهم ناقد معروف صبغ العقود الأربعة الماضية بحضوره الدائم وهو الزميل سمير فريد. ليس فقط أن الاحتفاء به هو احتفاء بالنقد السينمائي العربي بل هو أيضا تقدير لمكانة الناقد الخاصـة في الثقافة السينمائية. وفي حديثه تلمس جوانب من تواضعه ومداركه معا.
* ما الذي يعنيه لك شخصيا ومهنيا هذا الاحتفاء الخاص بك؟
- يعني الكثير. عندما أبلغتني إدارة مهرجان دبي السينمائي الدولي بقرارها الكريم منحي جائزة إنجاز العمر منذ عدة شهور، لم تكن تعلم أن عيد ميلادي السبعين يوم أول ديسمبر (كانون الأول)، وهذه أجمل هدية عيد ميلاد أحصل عليها يوم 6 ديسمبر (كانون الأول) في افتتاح المهرجان.
ومن ناحية أخرى هذا أول تكريم لناقد سينمائي في كل مهرجانات السينما الدولية في العالم فالجائزة تكريم حقيقي للمهنة ممثلة في شخصي. وثالثا أن يأتي التكريم من دبي، فهي قاطرة الحداثة في الخليج حيث يحقق الأبناء أحلام الآباء والأجداد للدخول إلى العصر الحديث.
* بدأت مسيرتك في نهاية الستينات وكنت منذ ذلك الحين قلما فاعلا أكثر من معظم من صاحبك منذ ذلك الحين. كيف تم هذا التأثير؟ إلى أي شيء تعزوه؟
- لا يستطيع الإنسان أن يقوم بتقييم عمله، ولماذا كان فاعلا أكثر من غيره إذا كان ذلك صحيحا. ولكني أظن أن خلفيتي الأدبية والمسرحية كان لها دور أساسي، وكان حظي سعيدا في الأساتذة منذ المرحلة الثانوية. كان أستاذ الأدب العربي في الثانوية أنور المعداوي أحد كبار نقاد الأدب العرب في القرن العشرين، وكان أستاذ التاريخ يونان لبيب رزق، وهو بدوره من كبار المؤرخين في القرن الماضي.
* يـقال: إنه لا تعريف للنقد السينمائي؟ هل هذا صحيح أم أن هناك تعريفا محددا التزمت به؟
- النقد السينمائي مستمد من نقد المسرح.. أرسطو في القرن الخامس قبل الميلاد وضع كل الأسس. تذكر أن السيناريو بالإنجليزية يعني سكرين بلاي، أي مسرحية للشاشة. تعريف النقد عند كل ناقد يتبلور عبر الممارسة، وقد تبلور عندي من خلال تعريف سارتر وتعريف إليوت.. عند سارتر أن النقد علاقة بين ثلاث حريات: حرية المبدع وحرية الناقد وحرية المتلقي. والناقد عند إليوت هو من يستطيع إلقاء أضواء على العمل الفني (قد) لا يراها المتلقي الذي لا يمارس هذه المهنة. ولا تنس القوسين حول قد. النقد عبارة أقوم بتحليل مفرداتها في مقال النقد. مثلا نقول الفيلم الأميركي الروائي الطويل «ماش» إخراج روبرت التمان عام 1970. هذه العبارة تعني أولا تحليل إلى أي مدى هو فيلم، وإلى أي مدى هو أميركي، وموقعه بين الأفلام الروائية الطويلة، وموضوعه وأسلوب التعبير عن هذا الموضوع، أو مدى التلاحم العضوي بين الشكل والمضمون، ثم موقعه بين أفلام مبدعه، ثم موقعه في زمانه. ما معنى أنه إنتاج 1970.
* ما هي سمات النقد السينمائي المصري وهل يختلف - إذا اختلف - عن ذلك اللبناني أو الإماراتي أو المغربي؟
- هناك سمات للنقد السينمائي أو المسرحي في كل بلد يرتبط بثقافته ومشاكله وتاريخه.
* هل تعتقد أن النقد يمكن أن يكون بناء أو هداما أم هذان التعريفان مختلقان أساسا؟
- لا يوجد نقد بناء ولا نقد هدام، يوجد نقد أو شيء آخر.
* من هم من بين نقاد اليوم والأمس تعتبرهم تركوا أثرا فعليا في مسار النقد السينمائي والثقافة السينمائية بشكل عام؟
- كثيرون منذ خمسينات القرن الميلادي الماضي، منذ جيل يحيى حقي وأحمد الحضري وهاشم النحاس وأحمد راشد وفتحي فرج وصبحي شفيق في مصر، إلى جيلي في الستينات ثم في العقود التالية. نقاد اليوم أكثر حظا فكل سينما العالم في الماضي والحاضر متوفرة لديهم بكل سهولة، على النقيض من الأجيال السابقة.
* في السنوات الأخيرة، ربما خصوصا من بعد 2001 زاد اهتمامك بالكتابة السياسية. كيف تفسر ذلك؟
- أهتم بالسياسة منذ البداية، وليس فقط بعد 2001..، فالسياسة لا تنفصل عن السينما ولا عن أي شيء.. ولكن بعد سنة 2001 أصبح هناك عالم جديد بعد 11 سبتمبر (أيلول)، وبعد 2011 أصبح هناك عالم عربي جديد.. ثم هناك العمود اليومي في «المصري اليوم» منذ عشر سنوات تقريبا.. إنه يفرض المزيد من الاهتمام بالسياسة بحكم طبيعته.
* هل من الأفضل توسيع إطار الكتابة بالنسبة للناقد أو أن الالتزام بالنقد السينمائي والتوصـل من خلاله إلى تنوير المتلقي سياسيا أو اجتماعيا أو ثقافيا هو السبيل الأصح؟
- هذا يتوقف على الناقد نفسه، ولكل كاتب اختياراته ومنهجه.
* ما الهاجس الذي سيشغلك خلال فترة تحضيرك لمهرجان القاهرة المقبل؟ ومتى قد تجد أنه من الصعب عليك الاستمرار في العمل؟
- بالنسبة لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي يشغلني أن يصبح «مؤسسة»، وليس في «جيب» رئيس المهرجان، وهذا ما كان، وما أعمل على تغييره. ولذلك شكلت مجلس إدارة من رؤساء كل المؤسسات الحكومية والشعبية المعنية بالسينما في مصر، بالإضافة إلى سبعة مخرجين على صلة قوية وعميقة بالمهرجانات الدولية، وهم يسري نصر الله وتهاني راشد وأحمد عبد الله السيد وسعد هنداوي وماجي مرجان وهالة جلال وأحمد ماهر.. وهذا المجلس يتخذ كل القرارات.. وإذا فشلت في تحويل المهرجان إلى مؤسسة لن أستطيع الاستمرار..
* هل أنت راض عن انتشار النقد والإخراج كسلعتين رائجتين هذه الأيام؟ بكلمات أخرى: ما رأيك في الكثرة العشوائية التي باتت تتصدر كلا المهنتين؟
- لا توجد مشكلة فيما تطلق عليه انتشار الإخراج.. الكاميرا الآن مثل القلم كما قال أستروك، والفيلم مثل الكتاب كما حلم جريفث عندما سألوه عام 1916 كيف ستصبح السينما عام 2016.. ولا توجد مشكلة فيما تطلق عليه انتشار النقد أيضا.. الزمن وحده كفيل بالحكم على الإبداع والنقد معا.. ما الذي يؤثر ويبقى وما الذي يتلاشى.. كلنا في مسابقة الزمن الكبرى.. ولهذا استبعدت من لائحة مهرجان القاهرة الجديدة تعبير «خارج المسابقة» واستبدلته بتعبير «عروض خاصة».. أكرر كلنا في مسابقة الزمن الكبرى..



دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
TT

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، الذي تشارك فيه بلاده ضيفةَ شرف.

وتمثّل هذه الدورة من المعرض، محطة إشعاع ثقافي مهمة، تعيد الاعتبار للكتاب بوصفه حاملاً للمعنى ومساحة للحوار.

وخلال زيارته الرسمية، التقى وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، وقدَّم له التهنئة بمناسبة إقامة المعرض.

ودشّن الوزير السعودي جناح بلاده في المعرض، بحضور نظيريه السوري والقطري الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني. وتستمر فعاليات المعرض حتى 16 فبراير (شباط) الحالي، في حضور ثقافي عربي يعكس دور السعودية الريادي في المشهد الثقافي العربي والدولي.


«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
TT

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

يغوص الفنان التشكيلي جوزيف أفرام في الذات، كاشفاً مشاعر وأحاسيس تكتنفها لعبة الحياة. ومن هذا المنطلق، يُتيح معرضه «القوى الدافعة» في غاليري «آرت ديستريكت» للزائر أن يُسقط قراءته الخاصة على الأعمال. وبين لعبة الحياة ولعبة الدول، يستكشف تركيبات السياسات الدولية المؤثرة في العالم، ويزيح الأقنعة التي تُخفى خلفها حالات الإحباط.

صاحب الغاليري ماهر عطّار يصف أفرام بأنه من المواهب اللبنانية اللافتة، وفنان ذو رؤية مختلفة وأفكار عميقة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يخرج في أعماله عن المألوف، ويأخذ الزائر إلى مساحات فنية مفتوحة على احتمالات لا حدود لها.

يرسم أفرام الثبات والإحباط، كما الصمود والثورة، في لوحات تقوم على التناقض، مستخدماً الأبيض والأسود كلغتين بصريتين أساسيتين. ويرتكز في أعماله على «الأكريليك» والحبر الصيني، المتوَّجين بتقنية الـ«جيسو»، لتتراكم الطبقات وتُسلّط الضوء على موضوعاته. بهذا تتحوّل اللوحات إلى ما يشبه لآلئ لامعة، صاغها الفنان بالفرشاة والمجحاف والإسفنج.

من «القوى الدافعة» لجوزيف أفرام في غاليري «أرت ديستريكت» (الشرق الأوسط)

يشير أفرام إلى أن أعماله تبدأ برسوم تحضيرية تتطوّر لاحقاً إلى لوحات كبيرة. ويقول: «أعتمد هذا الأسلوب انطلاقاً من دراستي الجامعية في الهندسة الداخلية. لكن عندما أقف أمام المساحة البيضاء، حتى أغوص في عالم آخر يجرّني إلى تفاصيل لم أُحضِّر لها مسبقاً».

عناوين اللوحات المعروضة تحمل دلالات نفسية وإنسانية واضحة، وتعكس حالات نمرُّ بها في الحياة. في لوحة «المتأمِّل» تحلِّق في رحلة علاج داخلي، وفي «خيبة أمل في اللعبة» تدرك أن الحياة لا تستحق هذا القدر من التعقيد. أما في «الثوري» و«لا بأس بأن تكون معصوب العينين» فيدفعان المتلقي إلى التوقّف وإعادة النظر.

ويؤكد أفرام أن أكثر ما يشغله في أثناء تنفيذه أي لوحة هو وضوح الرسالة. ويقول: «أضيف تفاصيل صغيرة لتكشف عن نفسها بنفسها. أشكّل لوحتي من مجموعة رسومات يسكنها التجدد. أتناول أعماق الإنسان بصور تُكمل بعضها بعضاً؛ فتأتي أحياناً واضحة، وأحياناً أخرى مخفيَّة تحت وطأة لعبة الحياة التي تتطلّب منّا غضّ النظر».

في لوحة «الثوري»، يحرِّر أفرام مشاعر مدفونة تراكمت مع الزمن. وفي «المقاومة» يظهر وحيد القرن في مواجهة العواصف، رمزاً للثبات والقوة. ويعلّق: «اخترت هذا الحيوان لما يجسِّده من قدرة على التحمُّل والمواجهة».

لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» (الشرق الأوسط)

أما «الرجل الجنين» فيستحضر الحاجة إلى الأمان؛ يقول: «مرحلة وجود الجنين في رحم أمّه قد تكون الوحيدة التي تعيدنا إلى الأمان المطلق». وفي اللوحة الثنائية «الفائض بالروح» يقف كل قسم منها في مواجهة الآخر، مستحضراً مرحلة الغوص في الذات.

بعض الأعمال يدخل إليها اللونان البرتقالي والأزرق إلى جانب الأبيض والأسود. ويوضح: «في الحياة لا نكشف دائماً عن مشاعرنا الحقيقية، كما تترك السياسات آثارها السلبية علينا. استخدمت البرتقالي لتقديم الإحباط ضمن مساحة مضيئة، والأزرق للدلالة على حقائق زائفة تحتاج إلى مواجهة هادئة».

ويلاحظ أفرام أن المتلقي اليوم يميل إلى مشاهدة العمل الفني بوصفه مساحة تحليل، لا مجرد صورة عابرة. ويقول: «مع تسارع العصر وحضور الذكاء الاصطناعي، تزداد حاجتنا إلى التأمل للحفاظ على تواصلنا مع ذواتنا، لذلك اعتمدت لغة جسد مرنة تمنح الشكل بُعداً إنسانياً».

في لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» يقدِّم رسالة مباشرة: «أحياناً يكون غضّ الطرف ضرورة». ويختم: «المهم أن نبدأ من جديد وألا نستسلم للعتمة، بل نبحث عن الضوء الذي يسمح بالاستمرار».


مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
TT

مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)

فشلت عزة حمدي، وهي موظفة في الأربعين من عمرها تعيش في محافظة بني سويف (120 كم جنوب القاهرة)، في شراء سبيكة ذهبية صغيرة، بعدما سحبت جزءاً من مدخراتها المالية لشراء سبيكتين يزن كل منهما غراماً واحداً، مستفيدة من التراجع الجزئي في سعر الذهب. واضطرت في النهاية إلى دفع أموالها والانتظار نحو أسبوعين لتتسلم السبائك الخاصة بها.

طافت عزة محلات الصاغة في مدينتها، لكنها بعد جولة شملت أكثر من 10 محلات لم تجد ما تريد، وعادت إلى منزلها بعدما أخبرها عاملون بعدم وجود سبائك أو جنيهات ذهبية، وأن المتاح يقتصر على أوزان كبيرة من السبائك الذهبية فقط، يتراوح وزنها بين 20 غراماً و100 غرام، وهو ما يفوق قدرتها المالية.

تقول عزة لـ«الشرق الأوسط» إن بعض زميلاتها اشترين الذهب الشهر الماضي بعد انتهاء شهادات بنكية ذات عائد مرتفع، وحققن أرباحاً عند إعادة البيع عقب الارتفاع الكبير في الأسعار. وتشير إلى أنها قررت شراء سبائك صغيرة بجزء من مدخراتها، لكنها لم تتمكن من العثور عليها، ما اضطرها إلى الموافقة على دفع المبلغ والانتظار مدة تصل إلى أسبوعين، وفق ما أبلغها الصائغ، لتتسلم ما طلبته، بغضّ النظر عن ارتفاع سعر الذهب أو انخفاضه.

اختفت السبائك الذهبية ذات الأوزان الصغيرة من الأسواق (شركة بي تي سي)

بلغت مشتريات المصريين من الذهب 45.1 طن في عام 2025، متراجعة بنحو 10 في المائة مقارنة بعام 2024، مع تسجيل زيادة في الربع الأخير من 2025 بنسبة 4 في المائة عن الفترة نفسها من العام السابق. وهي الفترة التي شهدت قفزة قوية في مشتريات السبائك والعملات الذهبية بنسبة 27 في المائة، وفق تقرير صادر عن مؤسسة «جولد بيليون» الشهر الماضي.

وعلى عكس المشغولات الذهبية التي انخفضت مشترياتها بنسبة 18 في المائة في 2025 مقارنة بعام 2024، سجلت مشتريات السبائك والعملات الذهبية خلال الفترة نفسها تراجعاً بنحو 2 في المائة فقط.

يقول مجدي موريس، أحد العاملين في محلات الذهب، لـ«الشرق الأوسط» إن «السبائك اختفت بسبب زيادة الطلب عليها بشكل كبير في الأسابيع الماضية، مع دخول الشهر الثالث على التوالي من تركيز المواطنين على شرائها؛ نظراً لإمكانية إعادة بيعها دون خصم أي نسبة، على عكس المشغولات التي تتراوح نسبة الخصم عند إعادة بيعها بين 1 و3 في المائة، حسب المحل وحالة المشغولات نفسها».

وأضاف أن «السبائك الصغيرة هي الأكثر إقبالاً عليها، وأصبح من الصعب الحصول عليها مع تأخر الشركات في التوريد، مما دفع بعض التجار إلى الاتفاق على تنفيذ عمليات بيع بأسعار اليوم، على أن يجري التسليم في وقت لاحق»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر قد يؤدي إلى مشكلات عند تغيّر السعر في ظل حالة الاضطراب صعوداً وهبوطاً بشكل يومي، وقد حدثت بسببه خلافات بين بعض التجار والزبائن».

ولفت موريس إلى أنهم، على مدى 3 أيام تقريباً، لم يستقبلوا شخصاً واحداً يرغب في إعادة بيع سبيكة يملكها، مقابل مئات الاستفسارات اليومية عن الشراء، في حين لم تسلِّمهم الشركة التي يتعاملون معها أي سبائك جديدة منذ 5 أيام تقريباً. وأشار إلى وجود فارق سعري بين البيع والشراء للسبائك يصل إلى 300 جنيه (الدولار يعادل 46.9 جنيه في البنوك)، في إطار سعي التجار إلى تجنب الخسارة بسبب تذبذب الأسعار.

وسجلت أسعار الذهب تذبذباً عالمياً في الأسابيع الماضية، مع تسجيل أرقام قياسية لسعر «أونصة الذهب» التي اقتربت من حاجز 5600 دولار، قبل أن تتراجع بأكثر من ألف دولار. كما تشهد الأسواق العالمية تبايناً في السعر اليومي يصل أحياناً إلى 300 دولار، ما يجعل التسعير في محلات الذهب المصرية يتغير مرات عدّة خلال اليوم الواحد.

تعاني السوق المصرية من نقص في توافر السبائك (شركة بي تي سي)

أرجع رئيس «شعبة الذهب بالاتحاد العام للغرف التجارية» هاني ميلاد، نقص المعروض من السبائك في الأسواق إلى الزيادة الكبيرة في الطلب على الشراء، بما يتجاوز القدرات الإنتاجية والطاقة التشغيلية للمصانع. وأوضح أن هذا النقص ظهر بوضوح خلال الأيام الأخيرة، لا سيما في السبائك صغيرة الحجم والجنيهات الذهبية؛ نظراً لكونها الأكثر جذباً للمشترين.

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الذهب يُعد في الأساس أداة استثمارية طويلة الأجل، لكن موجة الصعود الأخيرة في الأسعار دفعت بعض المتعاملين إلى الشراء بغرض المضاربة قصيرة الأجل، مع تركيز واضح على السبائك والجنيهات الذهبية باعتبارها الأقل من حيث تكلفة «المصنعية»، مع إمكانية استرداد جزء منها عند إعادة البيع.

ونفى ميلاد وجود توجّه لإيقاف أو تعليق التعاملات في محلات الذهب بسبب التذبذب في الأسعار العالمية، مؤكداً أن عمليات البيع والشراء تسير بصورة اعتيادية في معظم الأوقات، رغم التقلبات السعرية.