أفلام جديدة حول أصل الصراعات ونهاية الأرض كما نعرفها

من المستقبل إلى التاريخ

مارك وولبرغ في «ترانسفورمرز: عصر الإبادة»
دواين جونسون في «هيركوليس»
مارك وولبرغ في «ترانسفورمرز: عصر الإبادة» دواين جونسون في «هيركوليس»
TT

أفلام جديدة حول أصل الصراعات ونهاية الأرض كما نعرفها

مارك وولبرغ في «ترانسفورمرز: عصر الإبادة»
دواين جونسون في «هيركوليس»
مارك وولبرغ في «ترانسفورمرز: عصر الإبادة» دواين جونسون في «هيركوليس»

نيكولاس كايج لا يزال غاضبا في «توكاريف» الذي عُرض تجاريا في أكثر من دولة حول العالم (بينها الكويت والإمارات)، لكنه لم يعرض تجاريا بعد في الولايات المتحدة. بعد تغيير اسمه إلى «ثورة غضب» (Rage) سيطرح في شهر يوليو (تموز) ضمن أفلام الشهر الجديدة. لكن كل غضب بطله كايج الذي يتصدّى هنا لمافيا روسية ليكتشف في النهاية أنه وضع نفسه في فوهة المدفع بلا سبب، لن ينجح في استقطاب المشاهدين على النحو المأمول.
أولا لأن كايج عوّد جمهوره على تلك البطولات الفردية التي تمر كزوبعة ولا تترك أثرا على الأرض، وثانيا لأن العالم بأسره مهدد من قبل أعداء أكثر شراسة من المافيا الروسية. مستقبله تحت الخطر وحضارته تتبدد أمام العين المجرّدة. المستقبل داكن بالتأكيد. إنه مهدد من قبل القردة الضخمة التي تريد أن تستعيد مكانتها في «فجر كوكب القردة»، ومهدد من قبل وحوش الفضاء الميكانيكية في «ترانسفورمرز: عصر الإبادة» (الذي ينطلق هذا اليوم ممتدا إلى الشهر المقبل). وهو عالم مهدد بالتغيير البيولوجي في «أنا أصول» (I Origins).. فقط انتظر لترى.

* لا يمكن قهرها
* «أنا أصول» يعد، على الأقل، بأن يكون مختلفا عن باقي الأفلام المذكورة. التهديد ناتج عن اقتناع العالِم مايكل بِت (شقيق براد الذي تتاح له هنا الفرصة الأفضل للتبلور نجما بدوره) بأنه لا يستطيع تصديق أي شيء لا تراه عيناه. فجأة هو أمام معضلة تثبت أنه كان على خطأ بعدما وقع في حب فتاة أميركية اسمها كارِن (برت مارلينغ) التي لديها عينان فريدتان. يقول لها «كل عينان في هذا العالم منفردتا الوجود مثل البصمة»، لكنه سيكتشف أن هناك في الهند من تملك ذات العينين.
مايك كاهيل يقف وراء هذا الفيلم مخرجا، وهو الذي سبق ناسا في اكتشاف وجود كوكب يحمل كل عناصر كوكب الأرض في «أرض أخرى» سنة 1911. تستطيع أن تقول إن هذا الفيلم الغرائبي يختلف في أنه يحمل قلبا بين ضلوعه. هذا لا يمكن قوله عن فيلم مايكل باي الجديد «ترانسفورمرز: عصر الإبادة» المستمد من فكرة وجود مؤامرة داخلية - كونية على العالم، ولو أن الأحداث لا تزال تقع، أساسا، في الولايات المتحدة الأميركية.
المذهل هنا، وفي بعض الأفلام المشابهة، هو أن صانعيه (المخرج والاستوديو وفناني المؤثرات) يوغلون في تقديم مخلوقات لا يمكن بأي حال قهرها من قِبل البشر (في هذا الفيلم تتكوّن من ملايين النثرات بثانية واحدة أو أقل لتصبح وحشا عملاقا يجيد الإنجليزية) ورغم ذلك لا ينتهي الفيلم إلا بعد معركة طاحنة ينتصر فيها الإنسان، متمثّلا كالعادة بأشخاص محدودين ولو بمعونة وحش ميكانيكي آخر متمرّد على أترابه.
في هذا الجزء الرابع من السلسلة التي انطلقت سنة 2007 يلتحق الممثل مارك وولبرغ بالعمل ليقود الفيلم بعد انصراف شاي لابوف عنه. هذا هو المسلسل السينمائي الثاني الذي يشترك وولبرغ فيه من بعد أن لعب دورا في «كوكب القردة» سنة 2011، وبما أنه تعاقد على العودة بالجزء المقبل من «ترانسفورمرز» فإن هذه السلسلة ستكون الأولى له التي سيتوازى وإنتاجاتها على طريقة روبرت داوني جونيور وسلسلة «آيرون مان» أو كريستيان بايل وسلسلة «باتمان».
حين قابلت المخرج مايكل باي على أعتاب إنتاجه فيلم «ناج وحيد» (Lone Survivor) الذي قاد بطولته وولبرغ أيضا وضمن «سوق الفيلم الأميركية» في مطلع هذه السنة، أخبرني بأن الاستوديو (باراماونت) أراد استبدال لابوف بفتى صغير السن مثله ليواصل الفيلم منهجه في جلب الجمهور الأصغر سنّا «لكني نصحت بعكس ذلك. قلت للاستوديو دعونا نفكّر بطريقة مختلفة هذه المرّة. نريد التجديد. لم لا نأتي بممثل معروف له حجم أكبر من النجومية ونعطيه القيادة.. في الوقت ذاته نحيطه بوجوه أصغر سنّا؟».
إذ اقتنع الاستوديو بذلك تقدّم باي إلى وولبرغ وطرح عليه الفكرة، وهذا وافق عليها بلا تردد رغبة منه في الالتحاق بسلسلة ناجحة مثل هذه السلسلة.
الشريك الأصغر سنّا هنا متجسّد بالممثلة نيكولا بَلتز التي تلعب دور ابنة وولبرغ ذات السبع عشرة سنة من العمر (وهي في التاسعة عشرة من العمر فعلا). المحاولة التي يكشف عنها الفيلم هي توطين علاقة دفع وجذب بين الرجل وابنته على نحو لم يعد جديدا، فهو المحافظ الذي لا يزال يريد إدارة حياة ابنته، وهي المتمردة ضد هذه الرغبة التي تسعى لشق طريقها بمفردها. لكن - وعلي نحو لم يعد مفاجئا أيضا - ستنبري لمساعدة أبيها في مواجهته العملاق الذي يقول له «لقد ضحينا بالكثير في سبيل امتلاك هذا الكوكب».

* الماضي متجددا
* الخطر على من تبقى من الأرض وأهلها ماثل في «فجر كوكب القردة» لمات ريفز مع أندي سركيس وجاسون كلارك وكيري راسل وغاري أولدمان. والأخير قاد خطرا مزدوجا بتصريحاته الأخيرة، حيث سارع، وبدفع من «تونتييث سنتشري فوكس»، إلى الظهور يوم أول من أمس في حلقة من «جيمي كامل لايف» على محطة «ABC» ليؤكد كم كان مخطئا. المفارقة هنا هي أن الممثل لا يستطيع أن يهدد صيت فيلمه المقبل بتصريحات معادية لأي فئة قد تنتقل لوضع مستقبل الفيلم التجاري في خطر. لا عجب إذن أن فوكس سارعت للتصرف قبل استفحال الأمر‪.‬
القردة في هذا الجزء الجديد من المسلسل مصنوعون في المختبرات وليسوا من السلالة ذاتها التي كانت تجوب الغابات أيام طرزان. لذلك هي أكثر ذكاء وعندما لا تتسع اليابسة لنوعين من الأحياء المنتشرة، هي والبشر، فإن الصدام المسلّح شر لا بد منه.
لكن السينما تذهب أيضا إلى الماضي وتطوّعه لتقنيات العصر. ها هو «هركوليس» جديدا يسعى بكل ما لديه من قوّة غير عادية لتسجيل انتصار ما على صعيد الجمهور الكبير، وقد يستطيع فعل ذلك بعدما سقطت بضعة أفلام حاولت إعادة تقديمه في السنوات القريبة الأخيرة. في البداية، هو نتاج أفلام سباغتي (غير وسترن) أنتجتها السينما الإيطالية في الستينات وأتبعتها، بسبب من نجاحه، بسلسلة أخرى لشخصية بالقوة البدنية ذاتها اسمها «ماشيستي». مع بداية السبعينات تلاشت قوى الرجلين لكن هركوليس بقي الأكثر تعرّضا لمحاولات الإعادة.
هنا يقوم برت راتنر («رجال إكس» نسخة 2006) بإعادة تقديمه بطلا إغريقيا يقول في مطلع الفيلم «كل ما أرغبه هو الاهتمام بعائلتي»، ومن هنا تدرك أن كل ما سيكون بمقدوره فعله هو الاشتراك في معارك طاحنة ومتوالية خصوصا أن الوحش الغامض الذي أرسلته الآلهة (حسب الفيلم) لقتله، فتك بامرأتيه وابنتيه. المعارك الطاحنة ليست ضد جيش من ألوف الرجال فقط، بل ضد الأسود والثعابين ذات الرؤوس المتعددة والوحوش الأخرى وجميعها أكبر حجما بعدما غذّتها التقنيات الحديثة بفيتامين الأبعاد الثلاثة.
على غراره من المعارك التاريخية سنرى «آيرونكلاد» الأكثر ارتباطا بالأحداث التاريخية الواقعية، إذ يدور حول الحصار الكبير الذي تعرضت إليه قلعة روتشستر خلال الحرب التي دارت بين الملك جون والمتمرّدين في مطلع القرن الثالث عشر. هذا الفيلم الذي لم تزد ميزانيّته على 25 مليون دولار ربما كان أجدى من «هركوليس» الذي تكلّف 150 مليونا.

* عمرو واكد وسكارليت جوهانسون
* بين المتوفر هذا الشهر أيضا «لوسي» للمخرج الفرنسي لوك بيسون: واحد من أفلامه التي تمنح البطولة الذكورية لامرأة هي سكارليت جوهانسون التي تتحول من مجرد فتاة عادية إلى مقاتلة تتصدى للذين يريدون بها سوءا ويتصدى لها الممثل المصري عمرو واكد ليوقفها عند حدودها. على عكسها تماما تحتفظ ميليسا مكارثي بأنوثتها (وبدانتها) في الفيلم الكوميدي «تامي».



«مهرجان برلين» في دورته الـ76... هل يستعيد عصره الذهبي؟

المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)
المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)
TT

«مهرجان برلين» في دورته الـ76... هل يستعيد عصره الذهبي؟

المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)
المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)

انطلق مهرجان «برلين السينمائي» في دورته الـ76 ليل الأربعاء، وسط تمنيات بأن تتفوَّق هذه الدورة على سابقاتها. ومع عرض مجموعة جديدة من الأفلام واستقبال ضيوفه من المخرجين والممثلين والمنتجين، يبرز حضورٌ ملحوظ للأفلام العربية.

خلال السنوات العشرين الأخيرة على وجه التحديد، تزايد ظهور الأفلام التي يحققها سينمائيون عرب في المهرجانات الدولية. بعض تلك المهرجانات صغير لم يسمع به كثيرون، لكن هناك أيضاً عدداً من مهرجانات الصَّفين الأول والثاني مثل «لوكارنو»، و«كارلوڤي ڤاري»، و«ڤينيسيا»، و«كان»، و«صندانس»، و«تورنتو»، وبالطبع «برلين»، الذي انطلق قبل يومين بدورة نشطة تستمر حتى 22 من الشهر الحالي.

على عكس المهرجان الفرنسي، لم يعكس مهرجان «برلين» اهتماماً كبيراً بالسينما العربية كافّة. نعم، عرض ليوسف شاهين فيلمه «باب الحديد» سنة 1958، وفي عام 1977 عرض للمخرج المغربي سهيل بن بركة فيلم «عرس الدم»، إلى جانب مختارات متباعدة. لكن في العقدين الأخيرين ارتفعت نسبة عروضه من الأفلام العربية أكثر مما كانت عليه سابقاً. شهدنا على سبيل المثال «نحبك هادي» للتونسي محمد بن عطية (2016)، و«بركة يقابل بركة» للسعودي محمود صبّاغ (2016)، و«تحقيق في الجنة» للجزائري - الفرنسي مرزاق علواش (2017).

العام الحالي، هناك ما يقارب 10 أفلام عربية تتوزع بين المسابقة (فيلم واحد) والأقسام والبرامج الرسمية الأخرى. من بين هذه الأفلام ما ينتمي إلى 4 سينمائيين بـ4 تجارب مختلفة تستحق التعليق، وهم ليلى بوزيد (تونس)، ومحمد حمَّاد (مصر)، ودانيال عربيد (لبنان)، وعبد الله الخطيب (فلسطين).

1- ليلى بوزيد

ليلى بوزيد هي ابنة المخرج التونسي نوري بوزيد، وتختلف عنه في أنها توجّهت في معظم أفلامها إلى الموضوعات العاطفية، في حين أن والدها كان أكثر اهتماماً بالقضايا الشائكة، شخصية كانت (مثل «ريح السد»، 1985) أو اجتماعية عامة (مثل «آخر فيلم»، 2006).

فيلمها الجديد «بصوت منخفض» (À voix basse)، يدور حول الفتاة الشابة (آية بوترعة) التي كانت تعيش حياتها الباريسية كما تريد، لكن مع عودتها إلى تونس لحضور جنازة عمها تجد نفسها محاطة بالتقاليد وبكثير من الأسئلة عن حياتها في العاصمة الفرنسية. بطلات أفلام بوزيد عادة ما يطلبن لأنفسهن ما لا ترضاه لهن التقاليد. هذا هو منوال «على حلّة عيني» (2015) و«مجنون فرح» (2021)، وهذا ما سنشاهده في هذا الفيلم.

2- محمد حمّاد

قبل 10 أعوام تعرَّفنا على المخرج المصري محمد حمّاد عبر فيلمه الممتاز «أخضر يابس» (Withered Green). حكاية شقيقتين تعيشان معاً. اختار المخرج الحديث أساساً عن الشقيقة الكبرى: امرأة فاتها سنّ الشباب وما زالت عزباء، تعمل في محل حلويات. يعبر المخرج عن وحدتها في مشاهد حانية وحزينة، سواء في القطار أو وهي تمشي وحدها فوق الجسر صوب الحي حيث تسكن. تدرك أنها لن تجد لنفسها مستقبلاً آخر، لكن ذلك لا يمنعها من محاولة تأمين زفاف شقيقتها الصغيرة ممن تحب. المشكلة أنهما وحيدتان، ولا يوجد سوى عمّين يمكن أن يمثلا «أهل العروس» إذا وافقا أو استطاعا ذلك.

من «خروج آمن» لمحمد حمّاد (نوماديس إيماجز)

بعد تلك السنوات العشر يُقدّم حمّاد فيلمه الثاني «خروج آمن» (Safe Exit). الموضوع مختلف، إذ يدور حول جريمة قتل وظروفها، ويتشعّب التحقيق إلى نقاط تجمع بين الشأنين الخاص والعام، حيث يحاول البطل معرفة السبب الذي دعا القاتل إلى فعلته، وما إذا كانت الدوافع اجتماعية أم دينية.

4 سينمائيين عرب و4 تجارب مختلفة تستحق التعليق

3- دانيال عربيد

إحدى الممثلات المشاركات في دور رئيس في فيلم «بصوت منخفض» لليلى بوزيد هي الفلسطينية هيام عباس، التي سنراها أيضاً في فيلم دانيال عربيد المعروض في قسم «بانوراما» بعنوان «لمن يجرؤ» (Only Rebels Win)، يعرض جديد المخرجة اللبنانية حكاية حب بين أرملة وحيدة (هيام عباس) وشاب سوداني (محمد أمين بن رشيد). تجد في الشاب، الذي يبحث عن عمل ويعيش في لبنان بلا إقامة شرعية، إشباعاً عاطفياً، في حين يجد هو في علاقتهما نوعاً من الاحتواء والملجأ من الفقر والخوف.

هيام عبَّاس في «بصوت منخفض» (أبوت بردكشنز)

اختارت دانيال منذ فيلمها الأول «معارك حب» (In the Battlefields) (2004)، موضوعات الهوية والعلاقات العاطفية المأزومة نفسياً. بطلاتها، عادة، بين علاقتين وهويّتين وبحثين في الحياة، كما نرى ذلك في «بيزوت أويل» (2011) و«باريسية» (2015) من بين أفلام أخرى. كما نرى ذلك في «بيروت أوتيل» (2011)، و«باريسية» (2015)، من بين أفلام أخرى.

4- عبد الله الخطيب

يأتي هذا الفيلم الفلسطيني في الوقت المناسب كونه يتحدث عن القضية الفلسطينية خلال حرب غزة، وبذلك يشكّل إضافة إلى أفلام حققتها مواهب عربية مثل كوثر بن هنية («صوت هند رجب»)، آن ماري جاسر («فلسطين 36»)، وعرب وطرزان ناصر («حدث ذات مرة في غزة»).

يتحدث فيلم الخطيب، وعنوانه «وقائع زمن الحصار»، عن شخصيات تعيش الوضع السائد في غزة عندما كانت الطائرات تدكّ المواطنين الآمنين بوحشية، وما يرافق ذلك من مخاوف وتحديات.

العنوان لافت، إذ إن المخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب كان قد أخرج سنة 2021 فيلماً تسجيلياً بعنوان مشابه هو «فلسطين الصغرى: يوميات حصار» عن مخيم اليرموك في دمشق والعزلة المفروضة عليه أيام الرئيس السابق بشار الأسد. لم يكن الفيلم جيداً، إذ اكتفى بالعرض مع نفحات من الدعاية الذاتية لشخص المخرج وما يستطيع أن يكشفه لمشاهديه. ليس لأن الموضوع لم يكن مهماً، بل لأن المعالجة بدت استغلالاً لغايات أخرى.


شاشة الناقد: فيلمان… ورؤيتان متناقضتان للإنسان والنجاح

«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬
«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬
TT

شاشة الناقد: فيلمان… ورؤيتان متناقضتان للإنسان والنجاح

«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬
«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬

THE LAST ‪RESORT‬ ★★★

• إخراج:‫ ماريا سودال‬

• الدنمارك | نال ذهبية مهرجان غوتنبيرغ الأخير

تطرح المخرجة سودال في فيلمها الثاني تساؤلاً حول ما إذا كان التواصل ممكناً بين الأوروبيين الذين يعيشون حياة رغيدة ويتمتعون بالمكتسبات الثقافية والاجتماعية، والمهاجرين القادمين من مناطق تعاني الفقر والحروب، وكيف يمكن لهذا التواصل أن يتحقق.

تصل عائلة مكوّنة من 4 أفراد (زوجان وابنتاهما) إلى جزيرة غران كناريا الإسبانية لقضاء عطلة، لا أكثر. لكن عندما يصدم الزوج بسيارته، في ليلة مظلمة، رجلاً أفغانياً، تقع المواجهة الأولى بين من يملك ومن لا يملك شيئاً، وكذلك بين ثقافتين يصعب أن تلتقيا. دنماركيون يعيشون، كسائر الإسكندنافيين، كما يُقدِّمهم الفيلم، في رخاء وابتعاد عن المشكلات الإنسانية، في مقابل فقراء يحاولون البقاء على قيد الحياة وسط ظروف صعبة.

مايكل زوج طيب ومتسامح، ينقل الجريح إلى المستشفى، ويكتشف لاحقاً أن المستشفى اكتفى بتنظيف جروحه ظاهرياً ثم تركه دون معالجة الالتهاب. يدافع عن الأفغاني في وجه موظفي الفندق الذين لا يريدون رجلاً فقيراً غير أبيض البشرة الدخول إلى الفندق. تنمو صداقة محدودة بين مايكل وأحمد، لكنها لا تستمر طويلاً؛ إذ يبدأ الأخير بإزعاج مايكل وعائلته بطلباته المادية. تقع مشاجرة، ثم نهاية مأساوية، وسؤال كبير: هل أخطأ مايكل حين تعاطف مع أحمد بوصفه إنساناً يحتاج إلى رعاية، أم أن أحمد استغل سذاجته وطمع في ماله؟

الأزمة هنا مزدوجة: واحدة بين العائلة وأحمد، وأخرى بين الزوجين. لكن الفيلم لا يتعامل مع هذا الطرح بشكل تقليدي أو نمطي، ومخرجته تدير الأحداث جيداً، باستثناء أنه لا يجيب عن السؤال الأهم الذي يطرحه ضمنياً. وفي النهاية يُلقي باللوم على الإسبان، مقابل تصوير الدنماركيين بوصفهم أكثر تفهّماً للحاجات الإنسانية.

MARTY SUPREME ★

• إخراج:‫ جوش صفدي

• الولايات المتحدة | أحد الأفلام المتنافسة على الأوسكار

«مارتي سوبريم» هو أسوأ فيلم بين كل ما يُعرض في مسابقات الأوسكار. يتناول قصة لاعب بينغ بونغ يُدعى مارتي (يؤدي دوره تيموثي شالاميه) يحقق انتصارات متتالية في هذه الرياضة، وكلَّما فاز ببطولة تضخَّمت نرجسيته وازداد غروره.

كان يمكن للفيلم أن يكون شيئاً مختلفاً. المشكلة ليست في تقنية التنفيذ من مشهد إلى آخر، بل في المفهوم الذي يحمله ويسعى إلى فرضه على المشاهد. المخرج جوش صفدي يقدِّم فيلماً أقرب إلى الاستعراض الذاتي، ومعالجته للحكاية تقوم على مبدأ: «انظروا إليَّ. أنا مخرج بارع».

«مارتي سوبريم» (A24)

في الوقت نفسه يُطبِّق المفهوم نفسه في رسم شخصية بطله: لاعب بينغ بونغ خارق المهارة يؤدي ضربات استعراضية غير منطقية، فيضرب الكرة بقدمه أو من أوضاع غريبة. لم يكن ينقصه سوى أن يضربها برأسه، أو وهو يقرأ كتاباً بعنوان: «كيف تكون نرجسياً لا يحبك أحد وتنجح».

المبدأ نفسه حاضر هنا؛ إذ لا يريد صفدي الاكتفاء بالتباهي بقدراته التي لا تدخل في قاموس الفن (ولا ننسى الإشادات التي أطلقها عليه معظم النقاد)، بل يعالج شخصيته الرئيسية على أساس أنها شخصية فظّة وأنانية، تعمل لمصلحتها وحدها، وتعامل الآخرين كما لو كانوا حشرات. هنا يكمن نصف المشكلة. أمّا النصف الآخر فيتمثل في أنه يطلب من المشاهدين أن يحبّوا هذه الشخصية رغم مساوئها، بل وبسببها أحياناً.

يبدأ الفيلم بمارتي صغيراً يملك صفات مميّزة عن أقرانه، ثم ينتقل من عام 1952 إلى السنوات اللاحقة. يعمل في متجر أحذية، ويقيم علاقة عاطفية مع صديقته في غرفة الأحذية داخل المتجر. لاحقاً يسافر إلى لندن ويرفض الإقامة في فندق صغير، مطالباً بالنزول في فندق «ريتز». يتحقق طلبه لأن السيناريو يريد ذلك، لفتح خط درامي بينه وبين ممثلة خفت بريقها (غوينيث بالترو). ترفض في البداية، ثم تلين عندما تراه يستخدم حذاءه في اللعب. ومن هنا يتوزع الفيلم بين نجاحه في كسبها ونجاحه في المباريات التي لا بد أن يفوز بها، لأنه «مختلف» عن الجميع.

شقيق جوش صفدي هو المخرج بيني صفدي الذي قدّم فيلماً أفضل بعنوان «الآلة الساحقة» (The Smashing Machine)، يؤدي فيه دواين جونسون دور مصارع لا يُشق له غبار. كلا الفيلمين مبني على شخصيات حقيقية، لكن فيلم بيني صفدي يخلو من الإفراط في تمجيد شخصية مغرورة، ويركّز على انحدار بطله، بينما يقدّم فيلم جوش شخصية سيئة، ويطلب من الجمهور التعاطف معها.

الفيلم مستوحى من شخصية حقيقية تُدعى مارتي رايزمان، لكنه يكتفي بحدٍّ أدنى من سرد سيرته؛ لذلك لا يقدّم سيرة ذاتية متكاملة، بل يكتفي باستعارتها وتوظيفها ضمن أحداث خيالية. وهذا مقبول من حيث المبدأ، لأن الفيلم لا يدّعي الالتزام بسيرة شخص بعينه، لكن المعالجة المعتمدة هنا لا تطمح إلا إلى تقديم حكاية ذات غايات دخيلة.

وبما أن الفترة التي تجري فيها الأحداث (الخمسينات) قريبة زمنياً من حقبة زُجّ فيها اليهود في المعسكرات ثم أُرسلوا إلى الأفران، كان يمكن، مثلاً، بناء معالجة تلامس تجربة بعض الناجين وهم يروون ما مرّوا به. وبما أن مارتي يهودي، فلم لا نحشد له كل مقوّمات الفرادة رغم تحميله الصفات الأنانية كلها؟!

في المحصلة، كلما حاول المخرج تلميع شخصيته الرئيسية، زاد نفور المشاهد منها، وكلما سعى إلى صنع فيلم أخلاقي ظاهرياً، قدّم صورة كاريكاتيرية لشخص ربما كانت حياته الحقيقية أكثر قيمة مما ظهر على الشاشة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.