50 سنة على سينما من الإبداعات الكبيرة

قوامها كوبريك وبرغمن وزيفريللي وآخرون

من فيلم زيفريللي «روميو وجولييت»
من فيلم زيفريللي «روميو وجولييت»
TT

50 سنة على سينما من الإبداعات الكبيرة

من فيلم زيفريللي «روميو وجولييت»
من فيلم زيفريللي «روميو وجولييت»

يزمع مهرجان «كان» السينمائي الذي سينطلق في الثامن من هذا الشهر في دورته الحادية والسبعين الاحتفاء بمرور خمسين سنة على أحداث سنة 1968 الثقافية. في مايو (أيار) من ذلك العام خرج الطلاب والشباب في مظاهرات حاشدة في باريس تعبيراً عن رغبتهم في تغيير واقع فني وثقافي يهدف إلى مزيد من التحرر الإبداعي. لكن مهرجان «كان» لم يكن ملماً تماماً بما يقع في العاصمة الفرنسية. كان قد انطلق بباقة من الأفلام الجميلة يعرضها لجمهوره المستمتع بشمس مشرقة وبهدوء يثير غيرة المدن الأخرى.
فجأة انتقل الصخب إلى المهرجان ذاته بوصول المخرجين جان - لوك غودار وفرنسوا تروفو داعين إلى إيقاف المهرجان. تروفو اتصل برومان بولانسكي الذي كان عضو لجنة التحكيم آنذاك وكان يحتل شقة في فندق مارتينيز مع زوجته الراحلة شارون تَيت وطلب منه الحضور إلى مؤتمر صحافي.
هب المخرج من سريره في ذلك الصباح ووصل إلى المؤتمر ليكتشف سعي تروفو وغودار إيقاف المهرجان. قال متذكراً: «تروفو كان هادئاً في دعوته، لكن غودار كان مرتفع الصوت ومحرضاً». ما طالب به غودار هو تغيير ماهية الأفلام التي يجري ترشيحها للمهرجان وإلغاء الجوائز.
فيلمان لبرغمن
1968 في السينما كان أكثر من ذلك الحدث على أهميته. كان عاماً غزير النتاجات الفنية الممهورة بأسماء كبار المخرجين حول العالم. الدورة حملت الرقم 21 وقدمت 28 فيلماً في المسابقة من بينها سبعة أفلام لسبعة مخرجين نابغين هم ميكلوش يانشو، وميلوش فورمان، وآلان رينيه، وكارلوس ساورا، وألكسندر زاركي، وكارلو ليزاني وجيري منزل. الأفلام الباقية تتلألأ عن بعد اليوم أيضاً ومنها أفلام لبيتر كولنسون وجاك كاردف ورتشارد لستر وماي زترلينغ وألبرت فيني وساندور سارا.
خارج المسابقة كان هناك أربعة أفلام واحد منها للعملاق فديريكو فيلليني والآخر للفرنسي المبدع لوي مال.
لكن الوضع لم يكن وقفاً على «كان» بأسره، بل شهد ذلك العام تحديداً أعمالاً رائعة كثيرة في موجة كانت بدأت قبل بضعة أعوام واستمرت، بعد ذلك، لبضعة أعوام أخرى. كل واحد من هذه الأعمال يمكن الاحتفاء به اليوم بمناسبة مرور 50 سنة على إنجازه. كل واحد عاش هذه المساحة الزمنية ولم يَشِخْ كما تفعل مئات الأفلام الأخرى وهي بعد في سنواتها الأولى.
كان هناك، وعلى سبيل انتقاء بعض الأفضل، تحفة ستانلي كوبريك 2001: A Space Odyssey الذي، في عرف غالبية النقاد، أهم فيلم خيال - علمي في تاريخ السينما. فكرة التقطها من سيناريو للكاتب المتخصص في ذلك النوع آرثر س. كلارك ليحكي عبرها رؤيته لتاريخ العالم ثم لمستقبله. التصاميم الفنية التي اشتغل عليها ثلاثة من كبار العاملين في هذا الجانب، كانت لا تقل إجادة عما يرد في الفيلم من مشاهد في فيلم من 149 دقيقة مذهلة بلا قصّة.
في الاتجاه المعاكس قدم السويدي إنغمار برغمن فيلمه الممتع «عار» الذي تم ترشيحه لتسعة أوسكارات لم يفز منها بشيء لكنه فاز بـ73 جائزة أخرى. ففي حين ذهب كوبريك إلى المدى الأقصى في الزمان والمكان، توجه برغمن إلى الذات البشرية وحدها كما اعتاد ليحكي عن رجل (ماكس فون سيدو) وزوجته (لِف أولمن) اللذين يجدان نفسيهما في زوبعة حرب أهلية.
لم يكن «عار» فيلم برغمن الوحيد في ذلك العام بل كان الثاني بعد «ساعة الذئب» حيث كلاهما (لِف وسيدو) زوجان يعيشان فوق جزيرة نائية. هي لا تتحمل العزلة والوحدة فقط، بل نزوع الزوج إلى هلوسات النفس ومشاعرها المكبوتة.
السينما الإيطالية كانت منقسمة بين فيلمين متناقضين في النوع والأسلوب وكل شيء آخر: «نظرية» لبيير باولو بازوليني و«ذات مرّة في الغرب» لسيرجيو ليوني. طبيعياً، كان فيلم ليوني الأكثر انتشاراً وشهرة حتى بين النقاد: فيلم وسترن عن انتقام فريد يقوده تشارلز برونسون ضد هنري فوندا. أكثر من أي فيلم آخر لليوني، كانت مشاهد الفيلم فصولاً كاملة من المواقف الأخاذة رغم أنها كانت - إلى حد كبير - مصطنعة.
مخرج إيطالي ثالث قدّم عملاً لافتاً جداً وجديراً بالإعجاب هو فرانكو زيفريللي. هذا الشاعر الموسيقي البديع وجد تمويلاً بريطانياً مكنه من نقل «روميو وجولييت» إلى الشاشة الكبيرة كما لم يستطع أحد تجسيده على النحو ذاته لا قبل زيفريللي ولا بعده.
السينما البريطانية كانت حاضرة بقوّة في ذلك الحين: لندساي أندرسن قدّم فيلمه الثوري If الذي، من دون قصد، يلتقي مع تلك الثورة الاجتماعية والثقافية التي قام بها طلاب السوربون في باريس آنذاك. كارول ريد قدم فيلماً آخر مقتبسا عن مادة أدبية هو «أوليفر!» (رواية تشارلز ديكنز الشهيرة). وأنطوني هارفي عمد إلى مسرحية جيمس غولدمان «أسد في الشتاء» وصنع منها فيلماً حصد ثلاثة أوسكارات.
في الجانب الفرنسي، وبينما قدّم روجيه فاديم لهواً بعنوان «بارباريللا» من بطولة جين فوندا، عمد فرنسوا تروفو إلى فيلمين رقيقين أحدهما «قبلات مسروقة» والثاني «العروس ارتدت السواد».
البولندي - الفرنسي رومان بولانسكي، الذي اتصل به تروفو ليحضر المؤتمر الصحافي كما تقدّم، حقق فيلماً أميركياً يدخل في نطاق الرعب عنوانه «طفل روزماري» حقق به نجاحاً كبيراً ولو داكناً.
في هذا الحين كانت هوليوود قررت تسليم القيادة للمخرجين ولو على سبيل التجربة بعد نجاحات رائعة خلال السنوات العشر السابقة.
البريطاني بيتر ياتس أذهل هوليوود والمشاهدين معاً بقدرته الفائقة على خلق مطاردات سيارات فوق شوارع سان فرانسيسكو الساحرة في «بوليت» من بطولة ستيف ماكوين. الناقد المتحوّل إلى الإخراج بيتر بوغدانوفيتش حقق «أهداف» حول قناص يصطاد ضحاياه في صالة سينما مفتوحة. وجون كازيفيتيس عمد إلى سينما المؤلف ولو بأسلوبه الخاص في «وجوه»، ثم ها هو جورج أ. روميرو يقدّم فيلم رعب أفضل من فيلم بولانسكي على أكثر من صعيد عنوانه «ليلة الموتى الأحياء».
هي سينما كبيرة في إبداعاتها وتوهجاتها كما في أسماء الواقفين وراءها. معظمهم رحلوا والباقون على الطريق.

... أما عربياً‬

> خلا استفتاء «أفضل 100 فيلم عربي» الذي أشرف عليه مهرجان دبي السينمائي سنة 2013 من ذكر أفلام عربية من إنتاج 1968 باستثناء فيلم واحد هو «البوسطجي» لحسين كمال الذي احتل المركز 36. وهي كانت بالفعل سنة قاحلة، لكن «البوسطجي» لم يكن الفيلم المصري الجيد الوحيد. ثلاثة أخرى كانت تستحق التتويج:
> «القضية 68» لصلاح أبو سيف
> «الرجل الذي فقد ظله» لكمال الشيخ
> «قنديل أم هاشم» لكمال عطية...
.... ولم يكن هناك فيلم ليوسف شاهين في ذلك العام



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز