حسن «مقاتل» مع حزب الله في القلمون وتاجر سلاح في بلاده

تجارة السلاح في لبنان تزدهر بسبب التطورات السورية

 السلاح ينتشر في لبنان في غياب رقابة فعلية رسمية (رويترز)
السلاح ينتشر في لبنان في غياب رقابة فعلية رسمية (رويترز)
TT

حسن «مقاتل» مع حزب الله في القلمون وتاجر سلاح في بلاده

 السلاح ينتشر في لبنان في غياب رقابة فعلية رسمية (رويترز)
السلاح ينتشر في لبنان في غياب رقابة فعلية رسمية (رويترز)

عند وصولك مدينة بعلبك في البقاع اللبناني شرق البلاد، تعتقد أنك داخل إلى منطقة آمنة، فحواجز الجيش ترابط عند مداخلها وعمليات التفتيش للسيارات عن مواد متفجرة أو ممنوعات، متأهبة للضبط والاعتقال. لكن المفاجأة الأولى تكمن عند مشاهدة موكب ذي زجاج داكن يجتاز الحاجز الأمني بسهولة بعد إبرازه بطاقة خاصة تسمح له بالمرور.
يصف علي، المشهد في مدينته العزيزة على قلبه، بالمؤسف والمخزي فـ«بعد أن كانت مساحة جغرافية تحتضن على أرضها ثروة تاريخية أصبحت اليوم مهمشة ومستغلة من قبل الأحزاب والأفراد الميليشياوية، ارتفعت فيها نسب السرقات وتجارة السلاح والممنوعات على أنواعها، كما أن موقعها المجاور لسوريا أكسبها ميزة خاصة لدى حزب الله فتحوّلت جرود بعلبك إلى جبهات للقتال».
يمسح علي نظاراته لرؤية المارة جيدا ويلقي التحية على صديقه حسن «أهلا بالمطلوب للعدالة»، ويسأله كيف خرجت من السجن؟ فيجيبه الأخير بلهجة بقاعية: «إني قوي». يختلف علي مع حسن بالسياسة، فهو معارض لقتال حزب الله في سوريا، وصديقه حسن كان من أبرز المقاتلين في معركة القصير على حد قوله: «حاولت إقناعه بالعدول عن قراره بالمشاركة إلا أن العقيدة الحزبية المترسخة في ذهنه تسيطر على حياته وهذا أمر طبيعي فهو تربّى منذ طفولته على مبدأ واحد (واجب الجهاد) حتى ولو كان بوجه الأبرياء في دمشق».
ويكمل علي قائلا: «أمضى حسن أكثر من شهرين في سوريا دون معرفة أي شيء عنه، وعند عودته اكتفى بالتعبير عن أسفه على العناصر التي قتلت في المعارك السورية واعتبار الثوار السوريين إرهابيين يستحقون الموت».
في القصير كان مقاتلا، وفي لبنان تاجر سلاح، ويتحضّر لمعركة القلمون حسب علي الذي يروي لـ«الشرق الأوسط» كيف أن عناصر حزب الله تحاصر الحدود والجبال الموازية للمناطق الحدودية مع سوريا خصوصا القلمون. ويقول: «مئات العناصر من حزب الله يتمركزون في الجبال ويتناوبون على المراقبة. نسمع بعض الأحيان أصوات القذائف والرصاص التي تحاول منع الثوار من اجتياز الحدود (إلى لبنان) وتدعم جيش الأسد بتحقيق التقدم لصالحه في الحرب». ويضيف: «حاولت مرة الذهاب إلى جرود بعلبك إلا أنني لم أشعر بالأمان أبدا خصوصا أن عددا من رجال الحزب يتربصون لكل فرد ليس منهم».
يصف علي صديقه حسن بأنه «مهووس باستخدام المسدسات الحربية». ويقول: «ساهمت التدريبات العسكرية في صفوف الحزب في تنمية حبّه للسلاح». بدأ هذا المقاتل في حزب الله، مهنة تجارة السلاح منذ عمر 23 وهو اليوم يحتفل بسنته العاشرة على ممارسة «المهنة المربحة» على حد قوله ونطاق تجارته مدينة بعلبك.
في المقابل، يقول حسن بأن عملية البيع الأولى تمت بعد أن طلب صديقه شراء مسدسه الـ14 (ملليمتر) بقيمة 500 دولار قبل بالعرض وتم بيع القطعة الأولى لتجري من بعدها صفقات تتعدى قيمتها الـ100 ألف دولار أميركي.
يشتري حسن قطعة (السلاح) من تجار كبار في بلدة بريتال البلدة المتاخمة لمدينة بعلبك على حد قوله، عمليات وصفقات غير قانونية يتم من خلالها شراء كميات كبيرة من الذخائر والمستلزمات التي يحتاجها كل مسلّح. مثلا إحدى الصفقات التي تمت تضمنت 1000 قطعة سلاح تقدر قيمتها بنحو 100 ألف دولار أميركي تم استيرادها من روسيا، وتم إدخالها إلى لبنان عبر الحدود السورية عن طريق البلدات المجاورة بالتهريب. يتسلمها عمال سوريون ويسلمونها بدورهم للمعنيين. يتحدث حسن عن «صفقات أخرى تتم عبر الحدود السورية اللبنانية عن طريق المصنع حيث تدخل السيارات المزودة ببطاقات خاصة يمنع تفتيشها ولا أحد يعلم ما بداخلها إلا السائق والله.. حتى أن بعض الصفقات أبرمت ودخلت إلى لبنان عن طريق مرفأ بيروت بسفن محملة ببضاعة بقيمة باهظة يرشى بعض العاملين فيتم غض النظر عن تفتيشها وتمرر برعاية حزبية (أحد الأحزاب أو الميليشيات اللبنانية)».
يقاطعه علي ليعطي قضية ميشال سماحة مثالا واضحا عن الفلتان الأمني: «لقد ضبطت بحوزته كميات كبيرة من المتفجرات فكيف أدخلها إلى لبنان؟ أليس عن طريق المصنع وبمساعدة حلفائه في الداخل؟» ويضيف بسخرية: «نحن لا نستطيع إنتاج الكوكايين في البقاع ورغم ذلك تجد نسبة عالية من تجارة هذا الصنف وذلك بسبب استيراد كميات كبيرة تصل من شمال أميركا فكيف يتسلمها التجّار؟».
يبدي حسن انزعاجه من كلام علي ويكمل حديثه عن جنسية زبائنه: «قبل سنة كنت أبيع السلاح لمختلف الفئات ولا أهتم سوى للربح المادي واستمر الوضع حتى مع اندلاع الثورة السورية، إلا أنني توقفت عن بيع السوريين بعد معركة القصير أصبحت أتنبه ولا أبيع من يدعون أنهم ثوار سوريون وإنما فقط للبناني» وعند سؤاله لماذا معركة القصير تحديدا أجاب «حاربونا فكيف أساعدهم؟!!».
نشطت تجارة السلاح في لبنان إبان الحرب الأهلية اللبنانية إلا أن اتفاق الطائف استطاع إرضاء جميع الأطراف الحزبية المتنازعة وتحقيق عدد من المطالب مقابل تسليم أسلحتها إلى الدولة. فسلمت الأحزاب جزءا من أسلحتها وأبقت على الجزء الأكبر منها مخبأ لديها. وبدأت كوادر الأحزاب، بالتخلص الفعلي من الكثير من مخازن سلاحها عبر بيعها في السوق السوداء التي نشطت على نطاق واسع جدا، وبدأت صفقات بيع مخازن وكميات الأسلحة واستيراد وتصدير القطع الحربية والذخائر.
وعادت وازدهرت من جديد في الفترة الأخيرة بعد حرب يوليو (تموز) عام 2006 وخصوصا إبان اندلاع الاشتباكات المذهبية ويذكر تحديدا «7 أيار» حيث ارتفع الطلب على السلاح ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل جنوني.
تعتبر تجارة الأسلحة الخفيفة من أنشط أنواع هذه التجارة، لسهولة نقلها، وتهريبها، ورخص ثمنها. (م.م) وهو تاجر سلاح أيضا أسعار القطع الخفيفة المنتشرة في السوق السوداء: رشاش كلاشنيكوف روسي الصنع الذي يتراوح سعره بين 1000 و2500 دولار أميركي، ويزداد الطلب عليه كثيرا، وحديثا الرشاش الإيراني الصنع. سعر قذيفة الـ«ب7» (قذيفة صاروخية تطلق عن الكتف) يصل إلى 180 دولارا، والقاذف وصل سعره إلى 1100 دولار.
أما السلاح الأميركي، فهو أغلى ثمنا: «بندقية إم 16»، يصل سعرها إلى حد 2500 دولار. وهناك بندقية «إم 4»، يصل سعرها إلى 7000 دولار أميركي، وبندقية «إم 18» ويبلغ سعرها 12 ألف دولار، وقذيفتها بسعر 100 دولار. إضافة إلى المسدسات التي يتزايد الطلب عليها، وتشهد أسعارها ارتفاعا ملحوظا، فالمسدس البلجيكي «مسدس 14» وصل سعره إلى 1500 دولار، والكندي منه 3000 دولار، حتى أن أسعار الطلقات قد ارتفعت أيضا وفُقدت من السوق.
أما أسعار طلقات الأسلحة المعروفة على أنواعها فتتراوح بين الـ1000 و1500 ليرة لبنانية (دولار) للطلقة الواحدة.
أما المواد المتفجرة فتباع أيضا في السوق السوداء، وإن كان معظمها مرخصا باعتبار أن معظم من يشترون هذه الأنواع من المتفجرات هم أصحاب المقالع الصخرية والكسارات، ويتم بيعها مع فتائلها وسعر الصندوق الذي يحتوي على 25 كلغ من المتفجرات نحو 150 دولارا.
تأثرت تجارة السلاح في الآونة الأخيرة خصوصا في منطقة بعلبك نظرا لموقعها الجغرافي المجاور للمناطق الأشد اشتباكا بالحرب السورية، ورغم حصر بعض التجار نطاق عملياتهم في الداخل اللبناني فإن تجارا آخرين ارتأوا الاستفادة من الأوضاع الإقليمية القائمة فتخلّى بعض حلفاء النظام السوري عن مبادئهم والتزاماتهم بالوفاء للأسد وفضّلوا الربح المادي فكشفت معلومات عن إقدام أحد أبناء قيادي بارز في صفوف تنظيم حزب الله وباع الثوار السوريين الأسلحة بأسعار مرتفعة جدا.
قصتي مشابهة لهذه الرواية، هكذا يكمل التاجر المعروف بـ«أبو النار»، كلامه بحذر وترقب من أن يسمعه أحد: «أبيع الزبون مهما كانت جنسيته لونه أو حتى شكله وانتماؤه، هدفي هو ربح المال فقط ومنح المواطن سلاحا ليحميه».
تبلغ خبرة «أبو النار» نحو 30 عاما وهو يعتبر من التجّار المعروفين في السوق السوداء، يستورد الأسلحة من العراق وتركيا والأردن ويصدّر كميات منها إلى سوريا دون اكتراثه لصاحب الطلب أكان مع النظام أم ضده فهو يبغي كسب المال.
ويضيف: «نحن بلد لا نصنع الأسلحة وبالتالي تحتّم علينا الضرورة إجراء صفقات مع بلدان لديها خط بالتهريب والتسليح هناك عدد قليل من كبار التجار الذين لا يصل عددهم إلى أكثر من خمسة أشخاص يديرون الصفقات ويوزعون الأسلحة على التجار الصغار ففي بعلبك يوجد نحو 40 تاجرا صغيرا إلا أن العدد الأكبر موجود في جنوب لبنان وليس في مدينتنا».
عانى هذا التاجر، حسب روايته، منذ طفولته من الحرمان، فقد توفيت والدته عن عمر مبكّر وسجن والده بتهمة الاتجار بالأبيض «المخدرات» على حد قوله، فلجأ إلى السلاح لحماية نفسه.
ازدهر عمله وأصبح يبيع بدل القطعة مئات القطع و«فتح منازل عائلات فقيرة ومستورة من عمله»، لذلك يعتبر نفسه غير مذنب ويعتبر عمله شرعيا فالدولة الغائبة ولا تكترث سوى لمطالب أهل العاصمة وتحرم الأرياف من المياه والكهرباء هي المسؤولة عن الفلتان الأمني الذي وصلت إليه المنطقة. يعاقب القانون اللبناني كل مزاول لتجارة السلاح بجرم حيازة أسلحة فردية والاتجار بها وتهريبها، استنادا إلى المادة 72 من قانون العقوبات التي تنص على منع تداول السلاح أو حمله وتعاقب اللبنانيين الذين يتسلحون ضد البعض الآخر، كما تعاقب بجرم صنع أو اقتناء أو حيازة المواد المتفجرة أو الملتهبة والمنتجات السامة أو المحرقة أو الأجزاء التي تستعمل في تركيبها أو صنعها بقصد اقتراف الجنايات المذكورة أو أي جناية ضد الدولة، وكل عمل إرهابي أو مؤامرة بقصد ارتكاب هذه الجنايات (وهذه الجرائم هي في الأساس من اختصاص المحاكم العسكرية).



«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.


هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
TT

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية، صباح الأحد، لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر، شعر بها عدد من المواطنين، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وجاءت هذه الهزة بعد يومين فقط من زلزال أقوى ضرب شمال مرسى مطروح بقوة 5.77 درجة صباح الجمعة، ما أثار تساؤلات حول أسباب وقوع هزتين أرضيتين في منطقتين مختلفتين داخل مصر.

وأوضح «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر»، في بيان، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد 77.9 كلم من سانت كاترين، عند الساعة 3:13 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.1 كلم ،من دون ورود بلاغات عن خسائر.

كانت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت، الجمعة، هزة أرضية على بُعد نحو 412 كلم شمال مرسى مطروح في الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي وعلى عمق 26.85 كلم، وشعر بها بعض المواطنين بشكل خفيف دون تسجيل أي أضرار.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان، حيث حُدد مركزه على بُعد نحو 23 كلم جنوب غربي مدينة لاسيثي وعلى عمق 9.7 كلم، من دون تقارير عن وقوع خسائر.

تفاصيل وموقع الهزة الأرضية الأخيرة بجنوب سيناء (المعهد القومي للبحوث الفلكية)

يقول الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية»، إن مركز الهزة التي سجلت في جنوب سيناء، يقع في منطقة أبو زنيمة، وهي منطقة غير مأهولة نسبياً، لكن شعر بها بعض سكان المدن القريبة منها مثل رأس غارب وسانت كاترين.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الهزة تُصنَّف ضمن الزلازل الأقل من المتوسطة، حيث يكون الإحساس بها محدوداً»، موضحاً أن الزلازل الضعيفة تقل قوتها عن 3 درجات، بينما تبدأ الزلازل المتوسطة من 5 درجات فأكثر.

وبيّن أن مصدر هذه الهزة يعود إلى النشاط الزلزالي في خليج السويس، وهي منطقة معروفة بتسجيل هزات خفيفة إلى متوسطة على فترات متباعدة.

ولفت إلى أن هذا النشاط يختلف تماماً عن زلزال مطروح الأخير، الذي ارتبط بتأثر منطقة شرق البحر المتوسط بنشاط زلزالي مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأكد الهادي، أن الطبيعة التكتونية لخليج السويس تختلف جذرياً عن منطقة شرق المتوسط، التي تقع ضمن حزام زلزالي نشط، ما يفسر تكرار الهزات فيها، خصوصاً ما يقع في جزيرة كريت، كما شدّد على أن تزامن وقوع الهزتين خلال يومين جاء بـ«محض الصدفة، ولا يعد مؤشراً على زيادة النشاط الزلزالي في مصر، بل يأتي في إطار النشاط الطبيعي المعتاد».

وأضاف أن منطقة خليج السويس شهدت هدوءاً سريعاً عقب الهزة، مع تسجيل توابع ضعيفة لم تتجاوز 1.5 درجة، وهو ما يشير إلى استقرار الوضع، وأرجع النشاط الزلزالي المحدود في هذه المنطقة، إلى الطبيعة الجيولوجية للصخور وتاريخها الجيولوجي الطويل الذي يسمح بحدوث هزات خفيفة من حين لآخر.

وأوضح محمد عز العرب، الأستاذ المساعد في الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة لـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، أن ما شهدته منطقة جنوب سيناء يختلف كلياً عن زلزال مرسى مطروح، نظراً لاختلاف البيئة التكتونية بين المنطقتين.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مطروح تقع جيولوجياً على كتلة مستقرة نسبياً ضمن اللوح الأفريقي، وأن ما يشعر به السكان من هزات هناك لا يعود إلى وجود صدوع نشطة داخل المدينة، بل إلى تأثرها بالموجات الزلزالية المقبلة من مناطق النشاط التكتوني على حدود التقاء اللوح الأفريقي مع اللوح الأوراسي الذي يضم قارتي أوروبا وآسيا، في شرق البحر المتوسط، خصوصاً قرب جزيرة كريت وقبرص. وفي هذه المنطقة، تنشط آلية الاندساس، حيث ينغمس جزء من اللوح الأفريقي أسفل الأوراسي، ما يولد زلازل قد تمتد تأثيراتها إلى السواحل المصرية، بوصفها صدى للطاقة المنبعثة من نطاق التصادم.

وأشار عز العرب، إلى أن منطقة كريت تشهد نشاطاً زلزالياً مرتفعاً وبوتيرة أكبر بكثير مقارنة بمنطقة خليج السويس، التي تسجل هزات أقل تكراراً.

ولفت في المقابل، إلى أن الهزات في خليج السويس تكون غالباً خفيفة أو متوسطة القوة وغير منتظمة الحدوث، إذ قد تُسجَّل عدة مرات خلال سنوات متفرقة، وقد تمر فترات دون نشاط يُذكر.

وبيّن عز العرب أن سبب وقوع زلازل في خليج السويس من الناحية الجيولوجية يعود إلى أن هذه المنطقة ترتبط بحركة الفوالق المكونة لخليج السويس، وبالتباعد التكتوني بين اللوحين الأفريقي والعربي، ويُعد الخليج جزءاً من امتداد نظام الأخدود الأفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي واسع في القشرة الأرضية بدأ تشكله منذ ملايين السنين، ويتسبب في تباعد كتل اليابسة تدريجياً، ما يجعل المنطقة نشطة تكتونياً.


موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
TT

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)

بعد أيام من محاكمة رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» في موريتانيا وعضو مجلس الشيوخ السابق، محمد ولد غده، في قضية «تشهير» إثر كشفه عن وثائق زعم أنها تثبت حدوث «فساد» في صفقة شراء مختبر للشرطة، تصدر الحديث عن «ملفات الفساد» الساحة السياسية بالبلاد.

وتزامن الجدل مع هدم السلطات منازل في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، بسبب عمليات فساد شابت الحصول على قطع الأراضي التي بُنيت عليها، مما ألقى الضوء على مزاعم الفساد في قطاع العقارات.

وفي هذا السياق، نظم حزب «الإصلاح» الداعم للحكومة، السبت، جلسة نقاش تحت عنوان «الإصلاح في مواجهة الفساد»، ودعا لها عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والمجتمع المدني.

وخلال الجلسة، قال رئيس الحزب، محمد ولد طالبن، إن الفساد من منظور حزبه «لا يقتصر على الفساد المالي، ولا على سوء التسيير، وإنما الفساد بالمفهوم الشامل».

كما وصف محمد السالك ولد إبراهيم، وهو مستشار سابق في رئاسة الجمهورية، الفساد بأنه «ظاهرة» تؤثر بشكل عميق على الدولة والمجتمع، وقال: «ظاهرة الفساد بمختلف أبعادها تمثل تحدياً كبيراً أمام أي جهود للتحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار، وبناء دولة قوية».

مصدر التربح الأول

وفي سياق متصل، نظم «الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد» جلسة نقاش، يوم الجمعة، طرح فيها موضوع «الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته».

وقال الوالي السابق، صيدو حسن صال، إن الفساد العقاري «يشكل نحو 80 في المائة من مصادر الثراء في موريتانيا»، كما أكد أن ما يقارب 70 في المائة من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة بالفساد العقاري.

وخلال النقاش، قال الصحافي، الهيبة الشيخ سيداتي، إن الفساد العقاري «يرتبط بشبكة واسعة ومتجذرة في الدولة والمجتمع»، ولكنه شدّد على أن «المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة».

وأكد سيداتي في مداخلته أن «تفشي الفساد في موريتانيا لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها، وغياب الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية».

تفشٍ «غير مسبوق»

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا عام 2019، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحرب على الفساد.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وفتح ولد الغزواني ملفات الفساد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي أودع السجن منذ خمس سنوات بتهم تتعلق بالفساد، بعد صدور حكم عليه بالحبس 15 عاماً.

ومع ذلك تقول أطراف معارضة إن الفساد تفشى بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ولد الغزواني، رغم ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات وأدوات لمحاربة الفساد في الصفقات العمومية والتعيينات.

وأسس ولد غده منذ سنوات «منظمة الشفافية الشاملة» التي أعلنت حينها أن هدفها هو مساعدة الحكومة في الكشف عن الفساد، وكشفت من وقتها عن عدة ملفات انتهى أغلبها في أروقة القضاء.

وتعرض ولد غده للسجن أكثر من مرة. وكان قد خرج لتوه من السجن في أبريل (نيسان) الحالي، بعد أن اتهمته النيابة العامة بالتشهير ونشر معلومات مغلوطة على الإنترنت، خلال حديثه عن شبهات فساد في صفقة لاقتناء مختبر للشرطة الوطنية.

ومَثُل ولد غده الأسبوع الماضي أمام محكمة الاستئناف، التي أكدت براءته من ثلاث تهم، هي إعاقة سير العدالة، وإهانة موظفي وأعوان القوة العمومية، ونشر معلومات كاذبة عبر شبكة الإنترنت، فيما أدانته بتهمة التقليل من أهمية القرارات القضائية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.