حسن «مقاتل» مع حزب الله في القلمون وتاجر سلاح في بلاده

تجارة السلاح في لبنان تزدهر بسبب التطورات السورية

 السلاح ينتشر في لبنان في غياب رقابة فعلية رسمية (رويترز)
السلاح ينتشر في لبنان في غياب رقابة فعلية رسمية (رويترز)
TT

حسن «مقاتل» مع حزب الله في القلمون وتاجر سلاح في بلاده

 السلاح ينتشر في لبنان في غياب رقابة فعلية رسمية (رويترز)
السلاح ينتشر في لبنان في غياب رقابة فعلية رسمية (رويترز)

عند وصولك مدينة بعلبك في البقاع اللبناني شرق البلاد، تعتقد أنك داخل إلى منطقة آمنة، فحواجز الجيش ترابط عند مداخلها وعمليات التفتيش للسيارات عن مواد متفجرة أو ممنوعات، متأهبة للضبط والاعتقال. لكن المفاجأة الأولى تكمن عند مشاهدة موكب ذي زجاج داكن يجتاز الحاجز الأمني بسهولة بعد إبرازه بطاقة خاصة تسمح له بالمرور.
يصف علي، المشهد في مدينته العزيزة على قلبه، بالمؤسف والمخزي فـ«بعد أن كانت مساحة جغرافية تحتضن على أرضها ثروة تاريخية أصبحت اليوم مهمشة ومستغلة من قبل الأحزاب والأفراد الميليشياوية، ارتفعت فيها نسب السرقات وتجارة السلاح والممنوعات على أنواعها، كما أن موقعها المجاور لسوريا أكسبها ميزة خاصة لدى حزب الله فتحوّلت جرود بعلبك إلى جبهات للقتال».
يمسح علي نظاراته لرؤية المارة جيدا ويلقي التحية على صديقه حسن «أهلا بالمطلوب للعدالة»، ويسأله كيف خرجت من السجن؟ فيجيبه الأخير بلهجة بقاعية: «إني قوي». يختلف علي مع حسن بالسياسة، فهو معارض لقتال حزب الله في سوريا، وصديقه حسن كان من أبرز المقاتلين في معركة القصير على حد قوله: «حاولت إقناعه بالعدول عن قراره بالمشاركة إلا أن العقيدة الحزبية المترسخة في ذهنه تسيطر على حياته وهذا أمر طبيعي فهو تربّى منذ طفولته على مبدأ واحد (واجب الجهاد) حتى ولو كان بوجه الأبرياء في دمشق».
ويكمل علي قائلا: «أمضى حسن أكثر من شهرين في سوريا دون معرفة أي شيء عنه، وعند عودته اكتفى بالتعبير عن أسفه على العناصر التي قتلت في المعارك السورية واعتبار الثوار السوريين إرهابيين يستحقون الموت».
في القصير كان مقاتلا، وفي لبنان تاجر سلاح، ويتحضّر لمعركة القلمون حسب علي الذي يروي لـ«الشرق الأوسط» كيف أن عناصر حزب الله تحاصر الحدود والجبال الموازية للمناطق الحدودية مع سوريا خصوصا القلمون. ويقول: «مئات العناصر من حزب الله يتمركزون في الجبال ويتناوبون على المراقبة. نسمع بعض الأحيان أصوات القذائف والرصاص التي تحاول منع الثوار من اجتياز الحدود (إلى لبنان) وتدعم جيش الأسد بتحقيق التقدم لصالحه في الحرب». ويضيف: «حاولت مرة الذهاب إلى جرود بعلبك إلا أنني لم أشعر بالأمان أبدا خصوصا أن عددا من رجال الحزب يتربصون لكل فرد ليس منهم».
يصف علي صديقه حسن بأنه «مهووس باستخدام المسدسات الحربية». ويقول: «ساهمت التدريبات العسكرية في صفوف الحزب في تنمية حبّه للسلاح». بدأ هذا المقاتل في حزب الله، مهنة تجارة السلاح منذ عمر 23 وهو اليوم يحتفل بسنته العاشرة على ممارسة «المهنة المربحة» على حد قوله ونطاق تجارته مدينة بعلبك.
في المقابل، يقول حسن بأن عملية البيع الأولى تمت بعد أن طلب صديقه شراء مسدسه الـ14 (ملليمتر) بقيمة 500 دولار قبل بالعرض وتم بيع القطعة الأولى لتجري من بعدها صفقات تتعدى قيمتها الـ100 ألف دولار أميركي.
يشتري حسن قطعة (السلاح) من تجار كبار في بلدة بريتال البلدة المتاخمة لمدينة بعلبك على حد قوله، عمليات وصفقات غير قانونية يتم من خلالها شراء كميات كبيرة من الذخائر والمستلزمات التي يحتاجها كل مسلّح. مثلا إحدى الصفقات التي تمت تضمنت 1000 قطعة سلاح تقدر قيمتها بنحو 100 ألف دولار أميركي تم استيرادها من روسيا، وتم إدخالها إلى لبنان عبر الحدود السورية عن طريق البلدات المجاورة بالتهريب. يتسلمها عمال سوريون ويسلمونها بدورهم للمعنيين. يتحدث حسن عن «صفقات أخرى تتم عبر الحدود السورية اللبنانية عن طريق المصنع حيث تدخل السيارات المزودة ببطاقات خاصة يمنع تفتيشها ولا أحد يعلم ما بداخلها إلا السائق والله.. حتى أن بعض الصفقات أبرمت ودخلت إلى لبنان عن طريق مرفأ بيروت بسفن محملة ببضاعة بقيمة باهظة يرشى بعض العاملين فيتم غض النظر عن تفتيشها وتمرر برعاية حزبية (أحد الأحزاب أو الميليشيات اللبنانية)».
يقاطعه علي ليعطي قضية ميشال سماحة مثالا واضحا عن الفلتان الأمني: «لقد ضبطت بحوزته كميات كبيرة من المتفجرات فكيف أدخلها إلى لبنان؟ أليس عن طريق المصنع وبمساعدة حلفائه في الداخل؟» ويضيف بسخرية: «نحن لا نستطيع إنتاج الكوكايين في البقاع ورغم ذلك تجد نسبة عالية من تجارة هذا الصنف وذلك بسبب استيراد كميات كبيرة تصل من شمال أميركا فكيف يتسلمها التجّار؟».
يبدي حسن انزعاجه من كلام علي ويكمل حديثه عن جنسية زبائنه: «قبل سنة كنت أبيع السلاح لمختلف الفئات ولا أهتم سوى للربح المادي واستمر الوضع حتى مع اندلاع الثورة السورية، إلا أنني توقفت عن بيع السوريين بعد معركة القصير أصبحت أتنبه ولا أبيع من يدعون أنهم ثوار سوريون وإنما فقط للبناني» وعند سؤاله لماذا معركة القصير تحديدا أجاب «حاربونا فكيف أساعدهم؟!!».
نشطت تجارة السلاح في لبنان إبان الحرب الأهلية اللبنانية إلا أن اتفاق الطائف استطاع إرضاء جميع الأطراف الحزبية المتنازعة وتحقيق عدد من المطالب مقابل تسليم أسلحتها إلى الدولة. فسلمت الأحزاب جزءا من أسلحتها وأبقت على الجزء الأكبر منها مخبأ لديها. وبدأت كوادر الأحزاب، بالتخلص الفعلي من الكثير من مخازن سلاحها عبر بيعها في السوق السوداء التي نشطت على نطاق واسع جدا، وبدأت صفقات بيع مخازن وكميات الأسلحة واستيراد وتصدير القطع الحربية والذخائر.
وعادت وازدهرت من جديد في الفترة الأخيرة بعد حرب يوليو (تموز) عام 2006 وخصوصا إبان اندلاع الاشتباكات المذهبية ويذكر تحديدا «7 أيار» حيث ارتفع الطلب على السلاح ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل جنوني.
تعتبر تجارة الأسلحة الخفيفة من أنشط أنواع هذه التجارة، لسهولة نقلها، وتهريبها، ورخص ثمنها. (م.م) وهو تاجر سلاح أيضا أسعار القطع الخفيفة المنتشرة في السوق السوداء: رشاش كلاشنيكوف روسي الصنع الذي يتراوح سعره بين 1000 و2500 دولار أميركي، ويزداد الطلب عليه كثيرا، وحديثا الرشاش الإيراني الصنع. سعر قذيفة الـ«ب7» (قذيفة صاروخية تطلق عن الكتف) يصل إلى 180 دولارا، والقاذف وصل سعره إلى 1100 دولار.
أما السلاح الأميركي، فهو أغلى ثمنا: «بندقية إم 16»، يصل سعرها إلى حد 2500 دولار. وهناك بندقية «إم 4»، يصل سعرها إلى 7000 دولار أميركي، وبندقية «إم 18» ويبلغ سعرها 12 ألف دولار، وقذيفتها بسعر 100 دولار. إضافة إلى المسدسات التي يتزايد الطلب عليها، وتشهد أسعارها ارتفاعا ملحوظا، فالمسدس البلجيكي «مسدس 14» وصل سعره إلى 1500 دولار، والكندي منه 3000 دولار، حتى أن أسعار الطلقات قد ارتفعت أيضا وفُقدت من السوق.
أما أسعار طلقات الأسلحة المعروفة على أنواعها فتتراوح بين الـ1000 و1500 ليرة لبنانية (دولار) للطلقة الواحدة.
أما المواد المتفجرة فتباع أيضا في السوق السوداء، وإن كان معظمها مرخصا باعتبار أن معظم من يشترون هذه الأنواع من المتفجرات هم أصحاب المقالع الصخرية والكسارات، ويتم بيعها مع فتائلها وسعر الصندوق الذي يحتوي على 25 كلغ من المتفجرات نحو 150 دولارا.
تأثرت تجارة السلاح في الآونة الأخيرة خصوصا في منطقة بعلبك نظرا لموقعها الجغرافي المجاور للمناطق الأشد اشتباكا بالحرب السورية، ورغم حصر بعض التجار نطاق عملياتهم في الداخل اللبناني فإن تجارا آخرين ارتأوا الاستفادة من الأوضاع الإقليمية القائمة فتخلّى بعض حلفاء النظام السوري عن مبادئهم والتزاماتهم بالوفاء للأسد وفضّلوا الربح المادي فكشفت معلومات عن إقدام أحد أبناء قيادي بارز في صفوف تنظيم حزب الله وباع الثوار السوريين الأسلحة بأسعار مرتفعة جدا.
قصتي مشابهة لهذه الرواية، هكذا يكمل التاجر المعروف بـ«أبو النار»، كلامه بحذر وترقب من أن يسمعه أحد: «أبيع الزبون مهما كانت جنسيته لونه أو حتى شكله وانتماؤه، هدفي هو ربح المال فقط ومنح المواطن سلاحا ليحميه».
تبلغ خبرة «أبو النار» نحو 30 عاما وهو يعتبر من التجّار المعروفين في السوق السوداء، يستورد الأسلحة من العراق وتركيا والأردن ويصدّر كميات منها إلى سوريا دون اكتراثه لصاحب الطلب أكان مع النظام أم ضده فهو يبغي كسب المال.
ويضيف: «نحن بلد لا نصنع الأسلحة وبالتالي تحتّم علينا الضرورة إجراء صفقات مع بلدان لديها خط بالتهريب والتسليح هناك عدد قليل من كبار التجار الذين لا يصل عددهم إلى أكثر من خمسة أشخاص يديرون الصفقات ويوزعون الأسلحة على التجار الصغار ففي بعلبك يوجد نحو 40 تاجرا صغيرا إلا أن العدد الأكبر موجود في جنوب لبنان وليس في مدينتنا».
عانى هذا التاجر، حسب روايته، منذ طفولته من الحرمان، فقد توفيت والدته عن عمر مبكّر وسجن والده بتهمة الاتجار بالأبيض «المخدرات» على حد قوله، فلجأ إلى السلاح لحماية نفسه.
ازدهر عمله وأصبح يبيع بدل القطعة مئات القطع و«فتح منازل عائلات فقيرة ومستورة من عمله»، لذلك يعتبر نفسه غير مذنب ويعتبر عمله شرعيا فالدولة الغائبة ولا تكترث سوى لمطالب أهل العاصمة وتحرم الأرياف من المياه والكهرباء هي المسؤولة عن الفلتان الأمني الذي وصلت إليه المنطقة. يعاقب القانون اللبناني كل مزاول لتجارة السلاح بجرم حيازة أسلحة فردية والاتجار بها وتهريبها، استنادا إلى المادة 72 من قانون العقوبات التي تنص على منع تداول السلاح أو حمله وتعاقب اللبنانيين الذين يتسلحون ضد البعض الآخر، كما تعاقب بجرم صنع أو اقتناء أو حيازة المواد المتفجرة أو الملتهبة والمنتجات السامة أو المحرقة أو الأجزاء التي تستعمل في تركيبها أو صنعها بقصد اقتراف الجنايات المذكورة أو أي جناية ضد الدولة، وكل عمل إرهابي أو مؤامرة بقصد ارتكاب هذه الجنايات (وهذه الجرائم هي في الأساس من اختصاص المحاكم العسكرية).



رسائل حب ومساندة مصرية للسعودية تحظى بتفاعل واسع

العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
TT

رسائل حب ومساندة مصرية للسعودية تحظى بتفاعل واسع

العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)

في مشهد يعكس عمق العلاقات الشعبية بين مصر والمملكة العربية السعودية، شهدت منصات التواصل الاجتماعي في مصر خلال الأيام الماضية موجة من الرسائل والتعليقات على خلفية الاعتداءات الحوثية الأخيرة على المطارات السعودية، عبّر خلالها مصريون عن تضامنهم الكامل مع المملكة، ودعمهم لها قيادةً وشعباً وجيشاً وحكومة، مؤكدين متانة الروابط التاريخية التي تجمع البلدين.

جاء هذا التفاعل متوافقاً مع الموقف الرسمي المصري المعلَن تجاه المملكة، حيث نشر مستخدمون آلاف التدوينات وصوراً تجمع قادة البلدين، عبر عدة «هاشتاغات» داعمة للمملكة على مختلف المنصات، حظيت بتفاعل واسع، جاء أبرزها: «#كلنا_مع_السعودية»، «#مصر_والسعودية_ايد_واحدة»، #لن_ترونا_إلا_معا»، «#مصر_السعودية_أشقاء».

وتركَّز الجانب الأكبر من التعليقات المصرية على إبداء التأييد والتضامن مع المملكة فيما تواجهه من هجمات استهدفت بنيتها التحتية ومواطنيها، مع إدانة للممارسات الحوثية وتصنيفها أعمالاً إرهابية وجرائم تخالف الأعراف الإنسانية والدينية، مع إعلان الدعم الكامل للمملكة في إجراءاتها للدفاع عن نفسها.

كما أبرزت تعليقات أخرى المكانة الوجدانية للمملكة لدى الشعب المصري، مستخدمين لغة صادقة تعكس الشعور بالألم المشترك والمساندة النفسية في أوقات الأزمات، مؤكدين أن ما يجمع البلدين «علاقة دم ومصير واحد وليس تحالفاً مؤقتاً».

وأكد قطاع واسع من رواد المنصات أن العلاقات الثنائية تستند إلى عمق تاريخي وجغرافي لا يتأثر بمحاولات الوقيعة الرقمية بين البلدين، مشددين على أنها «علاقة أقوى من تأثير الذباب الإلكتروني».

كما استعاد مغردون مواقف تاريخية متبادلة بين البلدين في أوقات الأزمات والتحديات، مؤكدين أن التضامن المتبادل يظل إحدى أبرز سمات هذه العلاقة، مستحضرين محطات طويلة من التعاون والتنسيق بين القاهرة والرياض.

وركز آخرون على أن استقرار المملكة مسؤولية تهم كل عربي ومسلم، كونها أرض الحرمين الشريفين، لافتين إلى أن السعودية وطن ثانٍ للمصريين، وتجمع الشعبين روابط اجتماعية وإنسانية وثقافية متجذرة عبر عقود.

الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل الأمير محمد بن سلمان في القاهرة الشهر الماضي (الرئاسة المصرية)

بينما جاءت أبرز رسائل المحبة والمساندة المصرية للسعودية مع نشر السفارة السعودية بالقاهرة بياناً لمواطنيها بشأن مساعدة المتضررين منهم من إلغاء الرحلات الجوية مع اضطراب حركة الطيران في السعودية، حيث دعت السفارة المواطنين السعوديين الذين تأثرت رحلاتهم الجوية أو تعذر وصولهم إلى وجهاتهم بسبب الإلغاء أو التأخير، إلى التواصل معها لطلب المساعدة، وهو ما أثار ردود فعل واسعة من المصريين.

وأظهرت التفاعلات رفض الشارع المصري التعامل مع المواطن السعودي على أنه «غريب»، مع إطلاق دعوات ترحيب بمن يوجدون على الأراضي المصرية، لافتين إلى أن «بيوتنا مفتوحة... والدار داركم».

وأشار مغردون على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن للمملكة محبّة راسخة في قلوب المصريين، مؤكدين أن «السعودي في مصر بين أهله».

وأشار الإعلامي والبرلماني مصطفى بكري، في تغريدة على «إكس»، إلى تلقيّ سفير خادم الحرمين الشريفين بالقاهرة، صالح بن عيد الحصيني، عقب نشر بيان السفارة، اتصالات وبرقيات عديدة من المصريين يعلنون فيها التضامن مع أشقائهم في المملكة في مواجهة العدوان الحوثي ضد المدنيين.

في المقابل، تفاعل مدونون سعوديون مع تلك الدعوات والتعليقات المصرية، لافتين إلى عدم شكهم في حب المصريين للسعودية وأهلها، بينما أكد آخرون المحبة والأخوّة بين الشعبين.

كما تفاعل الأمير عبد الرحمن بن مساعد، على تعليقات المصريين على بيان السفارة، معلقاً عبر حسابه الرسمي في منصة «إكس»: «ردود المصريين على ما نشرته السفارة السعودية في القاهرة تثلج الصدر، أُشهد الله على حبك يا مصر وحب أهلك».


ضربات جوية وكمائن دامية تنهك حشود الحوثيين في تعز

ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)
ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)
TT

ضربات جوية وكمائن دامية تنهك حشود الحوثيين في تعز

ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)
ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها الثامن، الاثنين، مع اتساع المواجهات في جبهات محافظة تعز، وتكثيف الضربات الجوية على مواقع الحوثيين وتحركاتهم العسكرية، بالتزامن مع معارك كرّ وفرّ في الريف الجنوبي والغربي للمدينة، حيث تسعى القوات الحكومية إلى استعادة مواقع فقدتها خلال الساعات الماضية، ومنع الجماعة المدعومة من إيران من توسيع اختراقاتها.

وفي موازاة القتال في تعز (جنوب غرب) تواصل القوات الحكومية عملياتها النوعية في جبهات مأرب والجوف، وسط إعلان الجيش تنفيذ آلاف الاستهدافات الجوية والمدفعية والمسيّرة منذ بدء التحركات الهجومية، ومقتل وإصابة أعداد كبيرة من الحوثيين، وفق بيانات عسكرية يمنية.

وعلى الساحل الغربي، تسعى القوات الحكومية إلى تثبيت مكاسبها في ذوباب ومحيط باب المندب، مع استمرار المواجهات حول مواقع وتحصينات لا تزال الجماعة تتحصن فيها، مستفيدةً من الألغام والتضاريس.

وأعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 1732 عملية استهداف دقيقة ومباشرة ضد مواقع عسكرية حوثية، باستخدام الطيران الحربي والمسيّر والمدفعية والراجمات، بالتزامن مع تقدم الوحدات المقاتلة على محاور العملية، خلال 24 ساعة.

القوات الحكومية اليمنية تثبت مكاسب الساحل في ثامن أيام بدء عملية «فجر اليمن» (أ.ب)

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات شملت تحصينات ومراكز قيادة وسيطرة ونقاط مراقبة واستطلاع ومرابض مدفعية ومناطق حشد وتعزيز، إضافة إلى مخازن أسلحة وذخائر وآليات ووسائط إمداد وأهداف عسكرية في العمق.

وأضاف النزيلي أن الاستهدافات أسفرت عن تحييد أكثر من 900 عنصر من الحوثيين، وتدمير أو إعطاب أكثر من 287 آلية ومعدة ووسيلة عسكرية، فضلاً عن إسكات مصادر نيران وإرباك منظومة القيادة والسيطرة وتعطيل حركة التعزيزات والإمداد. وأكد استمرار اختراق المواقع الدفاعية للجماعة وتوسيع نطاق التقدم وفق الخطة العملياتية.

تأتي هذه الحصيلة المعلنة في وقت تتوزع فيه المواجهات على جبهات متعددة، من أرياف تعز إلى جنوب مأرب وغربها، بينما تتركز المعارك الأكثر حساسية على خطوط الاقتراب من المدينة والطرق التي تربط مركز المحافظة بمديرياتها الريفية.

معارك استنزاف في تعز

شهدت تعز، خلال الساعات الماضية، ضربات جوية ومواجهات عنيفة على امتداد محاور القتال، شملت غرب المدينة وشمالها وشرقها، إلى جانب المسراخ والأقروض والضباب. وأعلن محور تعز تنفيذ غارات جوية استهدفت مواقع وآليات وتعزيزات حوثية في مناطق ميلات والمزارع وأطراف الصياحي غرباً، وشارع الستين شمالاً، وتلال سوفتيل والسلال شرقاً.

ضربات جوية مكثفة تستهدف زحف الحوثيين حول مدينة تعز (إعلام محلي)

كما أفادت تقارير عسكرية بأن الطيران الحربي استهدف تجمعات ومواقع للجماعة في الحوبان وتبة سوفتيل والمقرمي والجعشة، فضلاً عن مواقع أخرى شمال المدينة وغربها. وقالت مصادر عسكرية إن الضربات أوقعت خسائر بشرية ودمرت عدداً من الآليات.

وفي ريف تعز الجنوبي، احتدمت المواجهات في مديرية المسراخ، خصوصاً في منطقتي طالوق وسائلة طالوق، عقب محاولات تسلل حوثية من اتجاه نجد قسيم. وأفادت مصادر ميدانية بأن القوات الحكومية والمقاومة نفذت كمائن ضد المهاجمين، أوقعت قتلى وجرحى في صفوفهم وأجبرت بعضهم على الانسحاب.

وتزامنت هذه الاشتباكات مع معارك في منطقة الأقروض، حيث أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع كانت الجماعة قد سيطرت عليها خلال الساعات السابقة، إلى جانب استعادة تلَّتَي مهيوب ثابت ووثيب، ومدرسة الفرقان في قرية الذنيب، وفق المعلومات العسكرية الواردة من الجبهة.

الحكومة اليمنية تعهدت باستمرار العمليات العسكرية حتى إنهاء التهديد الحوثي (إعلام محلي)

وتكتسب هذه المناطق أهمية ميدانية بسبب اتصالها بشبكة الطرق التي تربط مدينة تعز بريفها الجنوبي، فيما يزيد تقدم الحوثيين في منطقة نجد قسيم من حساسية المعركة، نظراً إلى موقعها على طريق رئيسي يخدم عدداً من مديريات المحافظة.

وفي جبهة الضباب، أفادت المعلومات الميدانية بأن القوات الحكومية ثبّتت مواقعها في جبل هان، مع استمرار الاشتباكات في أطراف المنطقة وتنفيذ كمائن ضد مجموعات حوثية.

وتكشف هذه التطورات عن اتساع رقعة المواجهات في محيط تعز، حيث تتداخل الضربات الجوية مع الاشتباكات المباشرة والكمائن، في وقت تحاول فيه القوات الحكومية احتواء الاختراقات واستعادة المواقع التي شهدت تغيراً في خطوط التماس.

الساحل ومأرب والجوف

على امتداد الساحل الغربي، تواصل قوات ألوية العمالقة و«درع الوطن» تثبيت مواقعها في ذوباب ومحيط باب المندب، وسط مواجهات مع مجموعات حوثية لا تزال تتحصن في جيوب ومواقع صغيرة خلف الألغام والتلال المطلة على المضيق، وفق المعلومات الميدانية الواردة من المنطقة.

كانت القوات الحكومية قد أعلنت في الأيام الماضية تحقيق مكاسب في محاور الساحل، بالتوازي مع تأمين مواقع مرتفعة في كهبوب وتوسيع الضغط على تجمعات الحوثيين. غير أن استمرار الاشتباكات في بعض الجيوب يفرض على القوات مواصلة عمليات التمشيط وتثبيت المواقع، في ظل مخاطر الألغام والتحصينات التي تعوق الحركة.

الحوثيون يتكبدون خسائر بشرية كبيرة جراء الضربات البرية والجوية في تعز (إعلام عسكري)

وفي محافظة مأرب، استهدفت القوات الحكومية مواقع وآليات حوثية في الجبهتين الجنوبية والجنوبية الغربية، باستخدام المدفعية والطيران المسيّر، فيما شن الطيران الحربي غارات على ثكنات ومخازن تابعة للجماعة.

ونقلت وسائل إعلام عسكرية يمنية عن مصادر في عمليات المنطقة العسكرية الثالثة أن الضربات أدت إلى تدمير وإعطاب آليات قتالية، واستهداف مربض مدفعية حوثي، مما أسفر عن تدمير المدفع ومقتل طاقمه. كما تحدثت المصادر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجماعة، في حين أعلنت القوات الحكومية مقتل ثلاثة من أفرادها وإصابة آخرين خلال المواجهات.

وفي الجوف، تواصلت العمليات الجوية والمدفعية وهجمات الطائرات المسيّرة على مواقع وتحصينات ومراكز قيادة ومخازن أسلحة حوثية، وفق البيانات العسكرية الحكومية.


الحكومة اليمنية تحشد دعماً دولياً وإقليمياً لإنهاء التهديد الحوثي

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تحشد دعماً دولياً وإقليمياً لإنهاء التهديد الحوثي

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)

وسَّعت الحكومة اليمنية تحركها السياسي والدبلوماسي بالتوازي مع العمليات العسكرية التي تخوضها القوات الحكومية ضمن عملية «فجر اليمن»، مستهدفة حشد مواقف عربية وإسلامية ودولية لمواجهة الحوثيين، بالتزامن مع إقرار مشروع قانون لتصنيف الجماعة «منظمة إرهابية» وتجريم أنشطتها وتمويلها، في خطوة تعكس انتقال المواجهة من جبهات القتال إلى مسارات سياسية وقانونية أوسع.

وجاءت هذه التحركات مع تأكيد الحكومة أن استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران، يمثلان هدفاً مركزياً للمرحلة الحالية، وسط تصاعد المخاوف من تداعيات الهجمات التي تستهدف المنشآت المدنية والمطارات، وتهدد أمن الملاحة الجوية والبحرية في المنطقة.

وفي تحرك دبلوماسي متزامن، أجرت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين اليمنية، أفراح الزوبة، اتصالات مع القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن نيل هوب، والأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إسماعيل ولد الشيخ أحمد، لبحث التطورات العسكرية والإنسانية، وتداعياتها على الأمن الإقليمي والممرات البحرية الدولية.

وجاءت الاتصالات الثلاثة لتضع أمن اليمن والمنطقة في صدارة المشاورات، مع تركيز الحكومة على ما تصفه بالتهديدات الحوثية المرتبطة بالأجندة الإيرانية، والدعوة إلى تنسيق دولي وعربي وإسلامي يتجاوز الإدانات إلى إجراءات عملية.

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (سبأ)

وأكدت أفراح الزوبة، خلال اتصالها بالمسؤول الأميركي، أن أي تسوية سياسية مستدامة يجب أن تستند إلى المرجعيات الوطنية والإقليمية والدولية، وأن تضمن حصرية السلاح واحتكار الدولة قرارَي الحرب والسلام، بما يمنع إخضاع مستقبل اليمن لإرادة جماعة مسلحة.

تنفيذ القرارات الدولية

ودعت وزيرة الخارجية اليمنية إلى تنفيذ قرارات مجلس الأمن المتعلقة باليمن، وفي مقدمها القرار 2216، وتعزيز التدابير الرامية إلى وقف تدفق الأسلحة والتمويل والخبرات العسكرية الإيرانية إلى الحوثيين، ومنع استخدام الأراضي اليمنية منطلقاً لتهديد دول المنطقة والممرات البحرية.

كما شددت على ضرورة حماية الملاحة الدولية وتأمين خطوطها الحيوية؛ خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مشيرة إلى ما وصفته بالانتصارات التي حققها الجيش والقوات المساندة له في دحر الحوثيين من المنطقة.

الحوثيون يدفعون بحشودهم المسلحة لتشديد الحصار على مدينة تعز (أ.ف.ب)

من جانبه، جدد القائم بالأعمال الأميركي موقف بلاده الداعم لوحدة اليمن وأمنه واستقراره، ومساندتها الحكومة اليمنية، وأدان الممارسات الحوثية بحق المدنيين، مؤكداً أهمية استمرار التنسيق لحماية الملاحة الدولية وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

وفي اتصالاتها مع جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، دفعت الوزيرة أفراح الزوبة باتجاه توحيد المواقف العربية والإسلامية إزاء الهجمات التي تستهدف اليمن والسعودية والمنشآت الحيوية، معتبرة أن تداعياتها تتجاوز حدود دولة واحدة، وتمس الأمن الإقليمي ومصالح شعوب المنطقة.

ودعت إلى تفعيل آليات العمل العربي المشترك، وتعزيز التواصل مع المؤسسات الدولية، في حين أكد فهمي أن التحديات الراهنة تهدد الأمن القومي العربي، وأبدى استعداده لمواصلة التشاور بشأن التحركات المطلوبة. كما أكد الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي أهمية استمرار التنسيق مع اليمن إزاء التطورات الراهنة.

«حكومة معركة»

على المسار الداخلي، اتخذ مجلس الوزراء اليمني، برئاسة رئيس الحكومة شائع محسن الزنداني، خطوات قال إنها تستهدف رفع جاهزية مؤسسات الدولة، وتوفير متطلبات استمرار العمليات العسكرية وحماية السكان والمنشآت.

وأشاد المجلس بتقدُّم «ألوية العمالقة» الجنوبية وقوات «درع الوطن» والمقاومة الشعبية، بإسناد من «تحالف دعم الشرعية»؛ مشيراً إلى تحرير ذوباب ومواقع استراتيجية في محيط باب المندب، وقطع الطريق بين ذوباب والمخا. واعتبر أن هذه التطورات تمثل تحولاً استراتيجياً في أحد أهم الممرات المائية في العالم، من شأنه تقليص قدرة الحوثيين على استخدام تهديد الملاحة الدولية ورقة ضغط.

وقال الزنداني إن ضربات «فجر اليمن» والخسائر التي تكبدها الحوثيون في باب المندب، دفعت الجماعة إلى نقل المعركة نحو المدنيين والمنشآت المدنية. وشدد على أن الحكومة لا تتعامل مع المرحلة بوصفها حالة دفاعية مؤقتة؛ بل بوصفها معركة لاستعادة سلطة الدولة.

حشد من الحوثيين في صنعاء حيث العاصمة اليمنية المختطفة (أ.ف.ب)

ووجَّه رئيس الوزراء أجهزة السلطة التنفيذية بالخروج من منطق رد الفعل إلى العمل الاستباقي، ورفع الجاهزية، وتوفير احتياجات القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية والأمن والمقاومة الشعبية، إلى جانب ضمان استمرار الخدمات وحماية السكان.

ووافق المجلس على مشروع قانون بشأن تصنيف جماعة الحوثي «منظمة إرهابية» وتجريم أنشطتها وتمويلها، ووجّه باستكمال الإجراءات الدستورية والقانونية اللازمة للمصادقة عليه.

كما استمع المجلس إلى إحاطة من وزير الدفاع بشأن المستجدات الميدانية والاحتياجات اللازمة لمواصلة العمليات، مؤكداً دعمه للعملية وتسخير إمكانات الدولة لإسنادها، ومشدداً على استمرارها حتى استكمال أهدافها وتحرير ما تبقى من الأراضي، وصولاً إلى صنعاء.