برلين... مدينة التنوع الثقافي

برلين... مدينة التنوع الثقافي

تاريخها حزين وحاضرها منتعش بحركة فنية وطعم الثقافة الشرقية
الأربعاء - 8 شعبان 1439 هـ - 25 أبريل 2018 مـ رقم العدد [ 14393]
برلين: راغدة بهنام
قد لا تملك برلين عراقة لندن، ولا رومانسية باريس، ولكنها تتمتع بسحر خاص يميزها عن المدن الأوروبية، ويعطيها نكهة فريدة لا يمكن أن تفوت زائريها. ففي العاصمة الألمانية يمتزج ثقل التاريخ بالتنوع الثقافي المتجدد الذي طرأ على المدينة مع وصول موجات كبيرة من السوريين في السنوات الأخيرة.

أجزاء كبيرة من برلين تبدو أشبه بمتحف متحرك، من شوارعها إلى حدائقها العامة وأبينتها التي دمر عدد كبير منها في الحرب العالمية الثانية، ثم أعيد ترميمها.

هنا كل شارع يروي قصة. تجد أحياناً مقتطفات منها على لوحات حديدية مزروعة في الأرصفة كتبت عليها أسماء وتواريخ. هذه اللوحات زرعت في أماكن سكن سابقة لضحايا النازيين الذين قتلوا في الحرب. وعلى الخط الذي شيد عليه حائط برلين الذي هدم عام ١٩٨٩، تجد أيضاً لوحات حديدية في الأرصفة عليها أسماء وتواريخ. هؤلاء قتلوا أو ماتوا وهم يحاولون عبور الحائط من برلين الشرقية إلى الغربية أيام التقسيم.

والحدائق العامة هنا لا تعرف فقط بمساحاتها الكبيرة الخضراء، بل إن الكثير منها يحمل في طياته قصصاً تخبرك الكثير عن برلين.

حديقة تامبلهوف العامة مثلاً، أو حقل تامبلهوف كما يعرف، هو من أكبر المساحات الخضراء في برلين ومن الأماكن المفضلة لسكان العاصمة خلال فصل الصيف. فيه أماكن مخصصة لحفلات الشواء، أخرى للزرع، ومساحات أبعد لممارسة الرياضة أو الاسترخاء. وحتى أن الحقل يستضيف مقاهي تقدم المأكولات السريعة والمشروبات الباردة.

فالحديقة كانت مطاراً، ما يعني أنها تمتد على مساحة كبيرة مسطحة. ومدرج المطار ما زال كما كان، يستخدم اليوم للركض وركوب الدراجات الهوائية والمركبات الشراعية… وما زال موجوداً أيضاً مبنى المطار الذي أغلق بعد الحرب العالمية الثانية، وكان يستخدم من قبل الحلفاء لإنزال مساعدات غذائية. مؤخراً استخدم مبنى المطار لإيواء لاجئين، ولكنهم غادروه الآن.



مساحات خضراء ومحطات تاريخية

إذا كنت من محبي الحدائق والمساحات الخضراء، فلا بد من نزهة في تيرغارتن (Tiergarten) الواقعة بوسط برلين بالقرب من مبنى البرلمان المعروف بـ«الرايشتاغ» وبوابة «براندنبورغ». ستجد في الحديقة الشاسعة بحيرات صغيرة ومقهى للاستراحة. من هنا يمكن الانتقال إلى مبنى البرلمان الذي أعيد ترميمه عام ١٩٩٠ مع الوحدة الألمانية بعد أن كان أحرق في الثلاثينات، وتحول إلى مقر البرلمان. قبة «الرايشتاغ» مفتوحة للزوار، ولكن بحجز مسبق.

من هنا يمكنك السير حتى بوابة «براندنبرغ»، التي تحولت إلى رمز لوحدة ألمانيا، وشهدت احتفالات بعد سقوط حائط برلين. تقع البوابة على الخط الذي كان يوجد فيه الحائط الفاصل. شيدت البوابة في القرن الثامن عشر في مكان مدخل المدينة. وتعرضت لأضرار خلال الحرب العالمية الثانية، وما زال الرأس الأصلي لأحد الأحصنة الأربعة موجوداً اليوم في متحف «ماركيشس».

لا تكتمل زيارة برلين من دون زيارة الحائط. فرغم أنه دمر عام ١٩٨٩ إلا أن أجزاء منه ما زالت موجودة في مكانها. يمكنها أن تبدأ بالمشي في برناور شتراسا (Bernauerstrasse)، حيث ستجد أجزاء من الحائط هنا. وفي المقابل، حديقة الحائط أو «موار بارك» التي تجد فيها أيضاً جزءاً من الحائط. فقد بات هنا بمثابة أرضية أو كنفس يرسم عليه الفنانون لوحات ملونة.

يمكن من هنا التوجه إلى أشهر نقطة عبور أيام انقسام برلين، نقطة عبور تشارلي التي تحولت إلى مكان سياحي، فيه متحف صغير يمكن زيارته.

في برلين عدد كبير من المتاحف متوفرة للزيارة، لعل أبرزها تلك المنتشرة فيما يعرف بجزيرة المتاحف (Meuseumsinsel) التي تضم ٥ متاحف متلاصقة، أحدها يحوي فناً فرعونياً، بينها تمثال شهير لنفرتيتي.

إذا كنت من محبي المشي، يمكنك أن تكمل من البوابة باتجاه ساحة بوستدام القريبة. تمر عبر مجسم «الهولوكوست» القريب، وهو عبارة عن مجسمات إسمنتية تشبه المقابر لمئات الآلاف ممن قتلوا على يد النازيين. وبعد نحو ٢٠ دقيقة من المشي تصل إلى ساحة بوستدام التي تستضيف عدداً كبيراً من المقاهي والمطاعم وأماكن التسوق، إضافة إلى مركز «برلين مول» للتسوق.

أجزاء كثيرة من برلين يمكن اكتشافها مشياً على الأقدام، خصوصاً مناطق الوسط. أو يمكنك أيضاً أن تستكشف المدينة بركوب حافلات سياحية، أو حتى دراجات هوائية يمكنك أن تستأجرها من أماكن على الطرقات.

ولكن كلما ابتعدت عن الوسط، كلما بات اكتشاف العاصمة مشياً أصعب، وإن كانت الحافلات العامة ومترو الأنفاق تسهل الأمر مثل أي مدينة أوروبية أخرى.

أبعد قليلاً من الوسط، في منطقة تريبتاو (Treptow) تجد منطقة ساحرة أيضاً بالقرب من نهر شبري الذي يمر وسط العاصمة. يمكنك البدء من «تريبتاور بارك»، حديقة كبيرة فيها تمثال عملاق لجندي سوفياتي.

التمثال شيده السوفيات أثناء وجودهم في شرق برلين، وما زال اليوم يعتبر نصباً مهماً للروس الذين يقيمون عليه احتفالات سنوية بالنصر ضد النازيين وتكريماً لجنودهم الذين قتلوا في معركة برلين، والمدفونين في الحديقة تحت التمثال. من الحديقة يمكن أن تنتقل إلى الجهة الأخرى مشياً لتصل لضفة النهر، حيث يمكنك التنزه في مركب.

من تربتاو يمكنك الانتقال إلى كرويتزبورغ (Kreuzburg) القريبة التي تعد من أكثر مناطق برلين حيويةً وتنوعاً. تحولت في السنوات الأخيرة إلى مركز للفن والسهر. الشارع الأشهر فيها، الذي يضج بالحياة والمقاهي هو شارع أورانينشتراسا (Oranienstrasse) الذي تجد فيه مطاعم من كل زاوية في العالم.



مقاهٍ بنكهات شرقية

وفي الشارع تأثير واضح للأتراك، وهي أكبر جالية أجنبية في ألمانيا وصلت بعد الحرب عندما استقدم الألمان، الأتراكَ، بهدف العمالة. وتركزت أعداد كبيرة منهم في كرويتزبرغ حتى باتت تعرف المنطقة بـ«عاصمة الأتراك». تجد أسواق مأكولات وبضائع تركية في عطلات الأسبوع هنا أيضاً أشهرها في مايباخ أوفر. في كويتزبورغ أيضاً مقهى اسمه «Refugio» يقدم أيام الأحد مأكولات سورية تحضرها الطباخة السورية ملكة جزماتي التي اشتهرت بعد أن حضرت مأكولات لميركل ومؤخراً لحفل افتتاح «برلينالي»، مهرجان برلين للسينما.

في السنوات الأخيرة انتقلت أعداد كبيرة من الطلاب والفنانين إلى منطقة نويكولن (Neukolln) القريبة من كرويتزبورغ بسبب ارتفاع الأجور هناك. ومع انتقالهم تحولت شوارع كثيرة من نويلوكن التي تعد من أفقر مقاطعات برلين إلى أكثر شوارع العاصمة حيوية. وبات شارع شيلاركيز الذي يحتضن مقاهي ومطاعم ومعارض فن من أشهر هذه الشوارع.

في نويكلن أيضاً جالية تركية كبيرة، توسعت مقابلها جالية عربية في السنوات الأخيرة. في شارع زونانالي (Sonnennalle) تجد محلات تبيع بضائع شامية ومطاعم شاورما سورية ومحلات لبيع الهواتف كلها بالعربية. من أشهر مطاعم الشارع، مطعم «الدمشقي» الذي فتح أبوابه قبل عامين تقريباً مستقدماً كل فريقه من مطعم في دمشق. المكان يعج دائماً بالمرتادين العرب والألمان على حد سواء. مقاهي الشيشة منتشرة أيضاً بكثرة في هذا الشارع. ولكن إذا كنت تبحث عن مقاهٍ تقدم الشيشة بأناقة أكثر، يمكنك التوجه إلى منطقة أبعد بقليل عن الوسط في شارلوتنبيرغ (Charlottenburg) وستيغليتز (Steglitz). يمكن أن تصل إلى المنطقة بواسطة المترو، وهنا يعتبر عدد الأجانب أقل بكثير من مناطق أخرى في برلين، وتعد المنطقتان من الأغنى في العاصمة. ولكن مع ذلك فإن تنوع برلين وصل إلى هنا أيضاً. ومقاهي شيشة «أفخم» موجودة كذلك.



التسوق في برلين

المنطقة أيضاً فيها أشهر شارع تسوق هو شارع «Kufutserdamm»، معروف أيضاً هنا بـ«كودام». الشارع أشبه بالشانزيليه بمحلاته الفخمة والمقاهي المنتشرة على أطرافه.

وإذا كنت من محبي التسوق الفخم يمكنك أن تقصد مركز «كاديفي» (KaDeWe) التجاري القريب، وهو ما يمكن مقارنته بـ«هارودز» في لندن. المركز لا يشتهر فقط بالتسوق، بل أيضاً بمطاعمه المميزة في الطابق العلوي.



أين تقيم؟

من أشهر فنادق برلين، فندق الدون (Aldon) الواقع على بوابة براندنبيزغ، الذي ظهر منه مايكل جاكسون بالصورة الشهيرة مع طفل يتدلى من النافذة. يقع بالقرب من مجموعة من السفارات أبرزها السفارة الأميركية.

ولفندق فخم وأقل تكلفة هناك الـ«Titanic» في منطقة «Mitte» وسط برلين، ثم فندق «أوتيل دي روما» في شارع أونتر دير ليندن. فنادق أخرى بموقع متميز في ساحة «RosenthalerPlaz» مثل فندق «أمانو» (Amano) و«سيركوس» (Circus) الساحة قريبة من برج التلفزيون الشهير «Fernsehturn» الذي بات معلماً رئيسياً في برلين، ويمكن الصعود إليه والتمتع بفنجان قهوة في المقهى أعلاه. البرج ملاصق لساحة ألكسندر بلاتز الشهيرة التي يمكن قصدها للتسوق. الجلوس في أحد مقاهيها يعطيك فكرة عما كانت عليه برلين الشرقية تحت حكم الشيوعيين بأبنيتها وشوارعها الضخمة.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة