رغم ارتياحهم حاليا لوجود البيشمركة.. سكان كركوك يتسلحون

(«الشرق الأوسط») تستطلع أجواء المدينة التي تضم نسيجا عرقيا ودينيا ومذهبيا غنيا

اللواء في الجيش العراقي السابق «أبو يوسف» يقضي وقتا هادئا مع عائلته  وسط أنقاض قلعة كركوك («الشرق الأوسط»)
اللواء في الجيش العراقي السابق «أبو يوسف» يقضي وقتا هادئا مع عائلته وسط أنقاض قلعة كركوك («الشرق الأوسط»)
TT

رغم ارتياحهم حاليا لوجود البيشمركة.. سكان كركوك يتسلحون

اللواء في الجيش العراقي السابق «أبو يوسف» يقضي وقتا هادئا مع عائلته  وسط أنقاض قلعة كركوك («الشرق الأوسط»)
اللواء في الجيش العراقي السابق «أبو يوسف» يقضي وقتا هادئا مع عائلته وسط أنقاض قلعة كركوك («الشرق الأوسط»)

وسط حالة الخراب المتداعية وبقايا مدينة الأشباح للمجتمعات التي هجرها سكانها منذ وقت طويل، تقف قلعة كركوك القديمة لتتلو علينا ما يمكن أن يجري في مستقبل العراق القريب بنفس الإتقان الذي تشرح به ماضي المدينة العريق.
عبرنا نقطة التفتيش عند مدخل القلعة قبل غروب الشمس بساعة، وتمهلنا المسير وسط الحشائش النامية وبقايا الأسلاك الشائكة المتناثرة. لقد كانت هذه الأطلال الخاوية مجتمعا عامرا، كان نموذجا مصغرا لمدينة كركوك الكبيرة حيث تجمع الناس من كل الأديان وعاشوا وعملوا معا، حيث يمكنك العثور على قبور أنبياء اليهود تحت قباب المسجد الخضراء.
أجلى صدام حسين السكان من منازلهم وحول القلعة إلى قاعدة عسكرية. وعقب سقوطه في عام 2003، احتشد الناس عائدين إليها للتنزه والاستلقاء تحت أشعة شمس الربيع المهيبة، غير أن حالة الإنعاش تلك كانت وجيزة، وسرعان ما اختبأت خلف حاجز النسيان. بوقوع العراق فريسة لكوابيس الطائفية، صار المشي في شوارع كركوك أشبه ما يكون بلعبة الموت الروسية الشهيرة. لم يبق إلا مقيم واحد فقط في تلك القلعة العريقة - وهو رجل عنيد يبلغ من العمر أرذله يرفض المغادرة على الرغم من انهيار منزله أمام عينيه.
كركوك هي مدينة يجتمع فيها نسيج غني من الأديان والأعراق العراقية. ولا تشكل مجموعة واحدة الأغلبية في هذه المدينة - فهناك المسيحيون والأكراد، والسنة والشيعة، والتركمان والعرب، يعيشون كلهم معا في مكان واحد. وتعتبر كركوك كذلك مركزا لصناعة النفط في البلاد. وقد جعل هذان العنصران من كركوك نقطة الخلاف الرئيسة ضمن المفاوضات بين حكومة إقليم كردستان وبغداد. إذ يزعم الأكراد أن كركوك هي مركزهم التاريخي في العراق ويرغبون في ضمها إلى إقليمهم. بينما ظلت بغداد ترفض التنازل عنها إليهم.
لكن ما يدعو للاستغراب والسخرية أن الهجوم الذي يقوده مسلحو تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، وكذلك البعثيون السابقون، قد وهبت أحداثه كركوك إلى الأكراد. فعندما وصلت أنباء سقوط الموصل إلى آذان القوات العراقية الرابضة في المدينة، تخلوا عن أسلحتهم وفروا هاربين. ودخلت قوات البيشمركة - وهي الميليشيات الكردية الأصلية التابعة لحكومة إقليم كردستان - لتحل محلهم وتملأ الفراغ الذي خلفوه.
«إقليم داعش» يبدأ على مسافة 30 ميلا إلى الجنوب من كركوك على الطريق الواصل إلى تكريت. وتبلور خط المواجهة بين مسلحي التنظيم والبيشمركة إلى كيلومتر واحد خلال أقل من أسبوعين على الحدود بين الدولتين الجديدتين الفعليتين. ويقول جنود البيشمركة، المرابطون في قاعدة خانقين بالقرب من خط المواجهة في جلولاء عند الجنوب الشرقي من إقليم كردستان، إنهم يدافعون عن أراضيهم بمنتهى الفخر والإصرار. ويقول دابان، وهو مقاتل بعينين زرقاوين ثاقبتين ويتمتع بسمعة طيبة بين أقرانه لمهارته في استخدام سلاح الدوشكا «إنني سعيد من أجل القتال لأنها المرة الأولى التي تكون لنا فيها حدود ندافع عنها في تاريخنا».
إن من العسير اعتبار «داعش» جارا صديقا للأكراد، وخلال الأسبوعين الماضيين وقعت اشتباكات مستمرة بين الجانبين على طول الحدود الجديدة. ورغم ذلك، يقول الكثير من الناس إنهم يشعرون بقدر من الأمان الآن أكثر مما كان عليه الأمر قبل الأزمة. ويقول فرحات، وهو أحد سكان كركوك «قبل أن تسيطر قوات البيشمركة على كركوك كانت هناك حادثتان أو ثلاث حوادث إرهابية في كل أسبوع. كانت الانفجارات وعمليات الخطف، وكان الوضع غير آمن. لكن لم يحدث شيء مطلقا منذ أن سيطرت البيشمركة على المدينة. إن كركوك آمنة للغاية الآن».
لكن هناك دلائل على وجود توترات متفرقة. ففي ظهيرة يوم الجمعة وعقب فترة ليست بالطويلة من الصلاة، أشعل مجموعة من الرجال الغاضبين النار في صناديق القمامة على منتصف الطريق المؤدي إلى تكريت احتجاجا على أزمة الوقود المتزايدة في المدينة. وسمع إطلاق الأعيرة النارية. وفي قاعدة كركوك الجوية، وهي عبارة عن مجمع عسكري مهجور من قبل الجيش العراقي، قال لنا جنود البيشمركة الذين يحرسون المدخل إن كميات ضخمة من الأسلحة قد سرقت قبل وصولهم لتأمينها. وقد جرت استعادة بعض من هذه الأسلحة، وليس غالبيتها. وقد أخبرنا السكان المحليون في سوق السلاح شبه القانونية إن مدنيين يسلحون أنفسهم، تحسبا للأوضاع. وأخبرنا ضابط من جهاز الأمن الكردي (آسايش) اسمه هونر «إننا على يقين من أنهم يسلحون أنفسهم».
ويشعر سكان كركوك بالفخر جراء التنوع الذي يتميزون به، غير أنهم قلقون كذلك من الأخطار التي قد يجلبها مثل ذلك التنوع على العراق. وقد بدأت بعض الجماعات في المدينة بتسليح أنفسها ببطء ولكن بكل تأكيد. فقد أعلنت الجبهة التركمانية العراقية الأسبوع الماضي عن تشكيل ميليشيا جديدة في كركوك، وقالت إنهم سيقاتلون إذا ما رفضت قوات البيشمركة تسليم المدينة إلى الحكومة المركزية في بغداد. وعقب بضعة أيام نظم الصدريون مسيرة لهم في شوارع المدينة.
واجتمعت مجموعة من السكان التركمان في مقر الحزب الشيوعي التركماني بالمدينة لمناقشة المأزق الحرج الذي يمرون به. وقال حسن توران، نائب قائد الجبهة التركمانية العراقية «نعم إننا نثق بالبيشمركة، لكننا نريد قوات مشتركة لحماية المدينة. لقد استخدم الأكراد تنظيم (داعش) ذريعة للسيطرة على السلطة في كركوك».
لكن علي شكر عمر بياتلي، وهو رجل كبير في السن وذو قبعة أنيقة، كان أقل دبلوماسية حيث قال «دعوني أوضح لكم الأمر بطريقتي. كان هتلر السبب وراء قيام إسرائيل، فقد أباد اليهود، ثم جاءوا ليحكموا. وقد أباد العراق الأكراد، وقد جاءوا الآن ليحكمونا». ثم تدخل رجل ضخم يجلس على مقربة في الحوار قائلا «لا ينبغي علينا الخوض في التاريخ كثيرا»، قال ذلك مشيرا بإصبعه الذي تلتف حوله مسبحة خشبية طويلة، ثم أضاف «لكل منا تاريخه، لكن يجب علينا العيش معا في هذه المدينة».
كان التركمان في كركوك - وهو مجتمع يضم كلا من السنة والشيعة - يعيشون في حالة من السلام النسبي في تلك المدينة خلال السنوات الأخيرة. لكن الحظ لم يحالف بعض الجماعات الأخرى.
في منطقة أخرى بالمدينة، ارتدى الأب توما رداءه وسار عبر بوابة مدخل المدينة، ولوح بيديه في تحية ودية لاثنين من الحراس المسلحين الرابضين هناك، ثم قام بفتح باب كنيسته. وفي الوقت الذي أزاح فيه الستائر المخملية الثقيلة كشف عن محراب مزين بنصوص آرامية ومذبح ملون يقع في وسط المحراب. وتعتبر كنيسة القديس يوحنا المعمدان إحدى الكنائس الآشورية في كركوك. قال الأب توما «إن الكنيسة قد تعرضت للتهديد عدة مرات منذ سقوط صدام، وقد انفجرت عبوة ناسفة العام الماضي في كنيسة العائلة المقدسة. وإننا في انتظار ما سيحدث بعد ذلك». ويقول الأب توما إنه غير خائف من تحركات البيشمركة في المدينة - ربما بسبب أنه كان يعيش وسط انعدام الأمن والخوف لسنوات عديدة. وقال «شخصيا، أعتقد أن البيشمركة طيبون لأنهم سيدافعون عن المسيحيين. إنني خائف من تعرض الكنيسة للهجوم من قبل قوات (داعش)». لم يكن المسيحيون والمسلمون يخافون بعضهم بعضا في كركوك. فهناك في القلعة القديمة تقف آثار كنيسة آشورية قديمة بجانب مسجد النبي دانيال. وهما على مقربة بحيث يكادان يتلامسان.
«أبو يوسف» يمشي تحت أشعة الشمس الغاربة، وهو من العرب السنة في كركوك، في ساحة القلعة المهجورة مع زوجتيه وأطفالهم. اعتاد «أبو يوسف» المكوث هنا حينما كان ضابطا برتبة لواء في جيش صدام حسين. وكانت تلك هي المرة الأولى التي يعود فيها منذ خمسة عشر عاما.
وبينما كان أبناؤه يركضون بين أنقاض القلعة، نظر حوله ولخص المعضلة العراقية في كلمات قليلة قائلا «إنني أفضل حكومة تمثل العراق ككل، ولكن لا وجود للأمن منذ عام 2003. لم تتفهم الولايات المتحدة ولا بريطانيا الوضع الحقيقي حين قامتا بالغزو. والدليل على ذلك هو ما تشاهدونه الآن في البلاد».



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.