رغم ارتياحهم حاليا لوجود البيشمركة.. سكان كركوك يتسلحون

(«الشرق الأوسط») تستطلع أجواء المدينة التي تضم نسيجا عرقيا ودينيا ومذهبيا غنيا

اللواء في الجيش العراقي السابق «أبو يوسف» يقضي وقتا هادئا مع عائلته  وسط أنقاض قلعة كركوك («الشرق الأوسط»)
اللواء في الجيش العراقي السابق «أبو يوسف» يقضي وقتا هادئا مع عائلته وسط أنقاض قلعة كركوك («الشرق الأوسط»)
TT

رغم ارتياحهم حاليا لوجود البيشمركة.. سكان كركوك يتسلحون

اللواء في الجيش العراقي السابق «أبو يوسف» يقضي وقتا هادئا مع عائلته  وسط أنقاض قلعة كركوك («الشرق الأوسط»)
اللواء في الجيش العراقي السابق «أبو يوسف» يقضي وقتا هادئا مع عائلته وسط أنقاض قلعة كركوك («الشرق الأوسط»)

وسط حالة الخراب المتداعية وبقايا مدينة الأشباح للمجتمعات التي هجرها سكانها منذ وقت طويل، تقف قلعة كركوك القديمة لتتلو علينا ما يمكن أن يجري في مستقبل العراق القريب بنفس الإتقان الذي تشرح به ماضي المدينة العريق.
عبرنا نقطة التفتيش عند مدخل القلعة قبل غروب الشمس بساعة، وتمهلنا المسير وسط الحشائش النامية وبقايا الأسلاك الشائكة المتناثرة. لقد كانت هذه الأطلال الخاوية مجتمعا عامرا، كان نموذجا مصغرا لمدينة كركوك الكبيرة حيث تجمع الناس من كل الأديان وعاشوا وعملوا معا، حيث يمكنك العثور على قبور أنبياء اليهود تحت قباب المسجد الخضراء.
أجلى صدام حسين السكان من منازلهم وحول القلعة إلى قاعدة عسكرية. وعقب سقوطه في عام 2003، احتشد الناس عائدين إليها للتنزه والاستلقاء تحت أشعة شمس الربيع المهيبة، غير أن حالة الإنعاش تلك كانت وجيزة، وسرعان ما اختبأت خلف حاجز النسيان. بوقوع العراق فريسة لكوابيس الطائفية، صار المشي في شوارع كركوك أشبه ما يكون بلعبة الموت الروسية الشهيرة. لم يبق إلا مقيم واحد فقط في تلك القلعة العريقة - وهو رجل عنيد يبلغ من العمر أرذله يرفض المغادرة على الرغم من انهيار منزله أمام عينيه.
كركوك هي مدينة يجتمع فيها نسيج غني من الأديان والأعراق العراقية. ولا تشكل مجموعة واحدة الأغلبية في هذه المدينة - فهناك المسيحيون والأكراد، والسنة والشيعة، والتركمان والعرب، يعيشون كلهم معا في مكان واحد. وتعتبر كركوك كذلك مركزا لصناعة النفط في البلاد. وقد جعل هذان العنصران من كركوك نقطة الخلاف الرئيسة ضمن المفاوضات بين حكومة إقليم كردستان وبغداد. إذ يزعم الأكراد أن كركوك هي مركزهم التاريخي في العراق ويرغبون في ضمها إلى إقليمهم. بينما ظلت بغداد ترفض التنازل عنها إليهم.
لكن ما يدعو للاستغراب والسخرية أن الهجوم الذي يقوده مسلحو تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، وكذلك البعثيون السابقون، قد وهبت أحداثه كركوك إلى الأكراد. فعندما وصلت أنباء سقوط الموصل إلى آذان القوات العراقية الرابضة في المدينة، تخلوا عن أسلحتهم وفروا هاربين. ودخلت قوات البيشمركة - وهي الميليشيات الكردية الأصلية التابعة لحكومة إقليم كردستان - لتحل محلهم وتملأ الفراغ الذي خلفوه.
«إقليم داعش» يبدأ على مسافة 30 ميلا إلى الجنوب من كركوك على الطريق الواصل إلى تكريت. وتبلور خط المواجهة بين مسلحي التنظيم والبيشمركة إلى كيلومتر واحد خلال أقل من أسبوعين على الحدود بين الدولتين الجديدتين الفعليتين. ويقول جنود البيشمركة، المرابطون في قاعدة خانقين بالقرب من خط المواجهة في جلولاء عند الجنوب الشرقي من إقليم كردستان، إنهم يدافعون عن أراضيهم بمنتهى الفخر والإصرار. ويقول دابان، وهو مقاتل بعينين زرقاوين ثاقبتين ويتمتع بسمعة طيبة بين أقرانه لمهارته في استخدام سلاح الدوشكا «إنني سعيد من أجل القتال لأنها المرة الأولى التي تكون لنا فيها حدود ندافع عنها في تاريخنا».
إن من العسير اعتبار «داعش» جارا صديقا للأكراد، وخلال الأسبوعين الماضيين وقعت اشتباكات مستمرة بين الجانبين على طول الحدود الجديدة. ورغم ذلك، يقول الكثير من الناس إنهم يشعرون بقدر من الأمان الآن أكثر مما كان عليه الأمر قبل الأزمة. ويقول فرحات، وهو أحد سكان كركوك «قبل أن تسيطر قوات البيشمركة على كركوك كانت هناك حادثتان أو ثلاث حوادث إرهابية في كل أسبوع. كانت الانفجارات وعمليات الخطف، وكان الوضع غير آمن. لكن لم يحدث شيء مطلقا منذ أن سيطرت البيشمركة على المدينة. إن كركوك آمنة للغاية الآن».
لكن هناك دلائل على وجود توترات متفرقة. ففي ظهيرة يوم الجمعة وعقب فترة ليست بالطويلة من الصلاة، أشعل مجموعة من الرجال الغاضبين النار في صناديق القمامة على منتصف الطريق المؤدي إلى تكريت احتجاجا على أزمة الوقود المتزايدة في المدينة. وسمع إطلاق الأعيرة النارية. وفي قاعدة كركوك الجوية، وهي عبارة عن مجمع عسكري مهجور من قبل الجيش العراقي، قال لنا جنود البيشمركة الذين يحرسون المدخل إن كميات ضخمة من الأسلحة قد سرقت قبل وصولهم لتأمينها. وقد جرت استعادة بعض من هذه الأسلحة، وليس غالبيتها. وقد أخبرنا السكان المحليون في سوق السلاح شبه القانونية إن مدنيين يسلحون أنفسهم، تحسبا للأوضاع. وأخبرنا ضابط من جهاز الأمن الكردي (آسايش) اسمه هونر «إننا على يقين من أنهم يسلحون أنفسهم».
ويشعر سكان كركوك بالفخر جراء التنوع الذي يتميزون به، غير أنهم قلقون كذلك من الأخطار التي قد يجلبها مثل ذلك التنوع على العراق. وقد بدأت بعض الجماعات في المدينة بتسليح أنفسها ببطء ولكن بكل تأكيد. فقد أعلنت الجبهة التركمانية العراقية الأسبوع الماضي عن تشكيل ميليشيا جديدة في كركوك، وقالت إنهم سيقاتلون إذا ما رفضت قوات البيشمركة تسليم المدينة إلى الحكومة المركزية في بغداد. وعقب بضعة أيام نظم الصدريون مسيرة لهم في شوارع المدينة.
واجتمعت مجموعة من السكان التركمان في مقر الحزب الشيوعي التركماني بالمدينة لمناقشة المأزق الحرج الذي يمرون به. وقال حسن توران، نائب قائد الجبهة التركمانية العراقية «نعم إننا نثق بالبيشمركة، لكننا نريد قوات مشتركة لحماية المدينة. لقد استخدم الأكراد تنظيم (داعش) ذريعة للسيطرة على السلطة في كركوك».
لكن علي شكر عمر بياتلي، وهو رجل كبير في السن وذو قبعة أنيقة، كان أقل دبلوماسية حيث قال «دعوني أوضح لكم الأمر بطريقتي. كان هتلر السبب وراء قيام إسرائيل، فقد أباد اليهود، ثم جاءوا ليحكموا. وقد أباد العراق الأكراد، وقد جاءوا الآن ليحكمونا». ثم تدخل رجل ضخم يجلس على مقربة في الحوار قائلا «لا ينبغي علينا الخوض في التاريخ كثيرا»، قال ذلك مشيرا بإصبعه الذي تلتف حوله مسبحة خشبية طويلة، ثم أضاف «لكل منا تاريخه، لكن يجب علينا العيش معا في هذه المدينة».
كان التركمان في كركوك - وهو مجتمع يضم كلا من السنة والشيعة - يعيشون في حالة من السلام النسبي في تلك المدينة خلال السنوات الأخيرة. لكن الحظ لم يحالف بعض الجماعات الأخرى.
في منطقة أخرى بالمدينة، ارتدى الأب توما رداءه وسار عبر بوابة مدخل المدينة، ولوح بيديه في تحية ودية لاثنين من الحراس المسلحين الرابضين هناك، ثم قام بفتح باب كنيسته. وفي الوقت الذي أزاح فيه الستائر المخملية الثقيلة كشف عن محراب مزين بنصوص آرامية ومذبح ملون يقع في وسط المحراب. وتعتبر كنيسة القديس يوحنا المعمدان إحدى الكنائس الآشورية في كركوك. قال الأب توما «إن الكنيسة قد تعرضت للتهديد عدة مرات منذ سقوط صدام، وقد انفجرت عبوة ناسفة العام الماضي في كنيسة العائلة المقدسة. وإننا في انتظار ما سيحدث بعد ذلك». ويقول الأب توما إنه غير خائف من تحركات البيشمركة في المدينة - ربما بسبب أنه كان يعيش وسط انعدام الأمن والخوف لسنوات عديدة. وقال «شخصيا، أعتقد أن البيشمركة طيبون لأنهم سيدافعون عن المسيحيين. إنني خائف من تعرض الكنيسة للهجوم من قبل قوات (داعش)». لم يكن المسيحيون والمسلمون يخافون بعضهم بعضا في كركوك. فهناك في القلعة القديمة تقف آثار كنيسة آشورية قديمة بجانب مسجد النبي دانيال. وهما على مقربة بحيث يكادان يتلامسان.
«أبو يوسف» يمشي تحت أشعة الشمس الغاربة، وهو من العرب السنة في كركوك، في ساحة القلعة المهجورة مع زوجتيه وأطفالهم. اعتاد «أبو يوسف» المكوث هنا حينما كان ضابطا برتبة لواء في جيش صدام حسين. وكانت تلك هي المرة الأولى التي يعود فيها منذ خمسة عشر عاما.
وبينما كان أبناؤه يركضون بين أنقاض القلعة، نظر حوله ولخص المعضلة العراقية في كلمات قليلة قائلا «إنني أفضل حكومة تمثل العراق ككل، ولكن لا وجود للأمن منذ عام 2003. لم تتفهم الولايات المتحدة ولا بريطانيا الوضع الحقيقي حين قامتا بالغزو. والدليل على ذلك هو ما تشاهدونه الآن في البلاد».



خلايا «الانتقالي» المنحلّ تهاجم مبنى محافظة شبوة

تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
TT

خلايا «الانتقالي» المنحلّ تهاجم مبنى محافظة شبوة

تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)

شهدت مدينة عتق، مركز محافظة شبوة اليمنية، الأربعاء، اشتباكات مسلحة رافقت مظاهرة نظمها أنصار المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، وهو ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، فيما اتهمت اللجنة الأمنية العليا عناصر خارجين عن القانون بالوقوف وراء محاولة اقتحام ديوان عام المحافظة، والاعتداء على أفراد الأمن.

وأدانت اللجنة الأمنية في شبوة، بأشد العبارات، في بيان رسمي ما وصفته بـ«العمل الإجرامي المسلح» الذي أقدمت عليه عناصر «مندسة، وخارجة عن النظام، والقانون»، متهمة إياها باستهداف أفراد الوحدات الأمنية، والعسكرية بالذخيرة الحية، ومحاولة اقتحام مبنى السلطة المحلية بالقوة.

وأفادت مصادر محلية بأن التوتر بدأ مع تحرك مجموعة من المحتجين باتجاه مبنى السلطة المحلية، في حين تدخلت قوات الأمن لتفريقهم، قبل أن تتطور الأحداث إلى مواجهات مسلحة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، وسط تضارب في الأرقام، والروايات حول هوية الضحايا، وعددهم.

الأمن في شبوة اتهم مندسين في مظاهرة «الانتقالي» بإطلاق النار (إكس)

سكان ونشطاء تداولوا مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر محتجين يرفعون أعلام «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل، وصور قياداته، بينما بدت مجاميع مسلحة ترافقهم في شوارع المدينة. وبحسب روايات متداولة، حاولت مجموعة الصعود إلى سطح مبنى المحافظة لإنزال العلم اليمني، ما فاقم التوتر في محيط الموقع.

وتحدث ناشطون عن إلقاء قنبلة متفجرة باتجاه حراسة بوابة المبنى، ما أدى إلى إصابة عدد من الجنود المكلفين بحمايته، فيما أشارت روايات أخرى إلى أن القوات أطلقت النار في الهواء لتفريق الحشود قبل أن تتطور المواجهات إلى تبادل إطلاق نار.

وفي حين لم تورد السلطات الرسمية توضيحاً عن عدد الضحايا، قال الإعلام الموالي لـ«الانتقالي» إن 4 قتلى سقطوا، كما أصيب 28 آخرون، وسط اتهامات لعيدروس الزبيدي -الذي كان هرب إلى أبوظبي الشهر الماضي- بمحاولة زعزعة الاستقرار في المحافظات اليمنية الجنوبية، والشرقية عبر موالين له.

توضيح أمني

وفي خضم هذه التطورات، أصدرت اللجنة الأمنية بمحافظة شبوة بياناً أدانت فيه الأحداث، وقالت إن عناصر مندسّة، وخارجة عن النظام، والقانون، اعتدت على أفراد الوحدات الأمنية، والعسكرية، واستهدافهم بالذخيرة الحية، مع محاولة اقتحام ديوان عام المحافظة بالقوة.

وأكدت اللجنة في بيان لها أن هذا التصرف المدان يمثل اعتداءً سافراً على مؤسسات الدولة، وهيبتها، وتهديداً مباشراً للأمن، والاستقرار في المحافظة، محملةً العناصر المشبوهة المسؤولية القانونية الكاملة عن تبعات هذه الأعمال الإجرامية، وما أسفرت عنه من سقوط ضحايا، ومصابين نتيجة استخدام القوة المسلحة بصورة متعمدة، في تحدٍ خطير للقوانين النافذة، واستخفاف واضح بحرمة الدم اليمني، والسلامة العامة.

قوات أمنية أمام مبنى الإدارة المحلية لمحافظة شبوة في مدينة عتق (إكس)

وشددت اللجنة الأمنية على أن الحق في التعبير، والتظاهر السلمي مكفول بالقانون، إلا أن حمل السلاح، والاعتداء على رجال الأمن، واستهداف المنشآت الحكومية يُعد من الجرائم الجسيمة التي يعاقب عليها القانون، ولن يتم التساهل معها تحت أي ظرف، أو مبرر.

وأعلنت اللجنة مباشرتها إجراءات ملاحقة العناصر المتورطة في هذا الاعتداء، وضبط كل من يثبت تورطه في التحريض، أو التمويل، أو التخطيط، أو التنفيذ، وتقديمهم للعدالة لينالوا جزاءهم الرادع وفقاً للقانون.

تشديد على رفض الفوضى

وأكد البيان أن الأجهزة الأمنية والعسكرية في شبوة ستتخذ كافة التدابير، والإجراءات اللازمة لحماية مؤسسات الدولة، وصون الأمن العام، ولن تسمح بفرض الفوضى، أو تقويض السكينة العامة.

وحملت اللجنة الأمنية المسؤولية الكاملة لكل من سعى إلى جرّ المحافظة نحو مربع العنف، والفوضى، محذرةً من مغبة الاستمرار في مثل هذه الأعمال التي لن تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر، والمساءلة القانونية الصارمة.

ودعت اللجنة كافة المواطنين إلى الالتزام بالنظام، والقانون، وعدم الانجرار خلف الدعوات المشبوهة، والتعاون مع الأجهزة المختصة للحفاظ على أمن المحافظة، واستقرارها، مجددة عزمها الثابت على فرض النظام، وسيادة القانون، والتزامها بحماية الأرواح، والممتلكات، والتعامل بحزم ومسؤولية مع أي تهديد يمس أمن المحافظة.

موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل يرفعون صور الزبيدي (إكس)

وكانت اللجنة الأمنية استبقت هذه الأحداث ببيان أكدت فيه التزامها الكامل بالحفاظ على الأمن، والاستقرار، وحماية المكتسبات الوطنية التي تحققت في المحافظة، مشددة على ضرورة احترام القانون، والنظام في جميع الفعاليات، والأنشطة العامة.

وقالت إنها تحترم الحريات العامة، وحق الرأي، والتعبير السلمي، مع التأكيد على أن ممارسة هذه الحقوق يجب أن تكون ضمن الأطر القانونية، والتشريعية، حفاظاً على السلم الاجتماعي، والأمن العام.

وفي حين حذرت اللجنة الأمنية في شبوة من قيام أي فعالية غير مرخصة، أو تنفذ من دون التنسيق مع الجهات المختصة، دعت جميع المواطنين، والمكونات المجتمعية إلى تغليب المصلحة الوطنية، والالتزام بالقوانين المنظمة للأنشطة، والفعاليات، لضمان حماية المكتسبات الوطنية، وصون السلم الاجتماعي.


توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
TT

توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)

أفادت مصادر يمنية مطّلعة بتصاعد حدة التوتر بين الجماعة الحوثية وحزب «المؤتمر الشعبي العام» (جناح صنعاء)؛ على خلفية استمرار رفض قيادة الحزب المشاركة الصورية في حكومة الانقلاب الجديدة، التي تأخّر إعلان تشكيلها، رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على مقتل رئيسها السابق أحمد الرهوي وعدد من الوزراء، في غارة إسرائيلية استهدفت صنعاء.

يأتي هذا التوتر في سياق سياسي واقتصادي معقد، حيث تزداد الضغوط الداخلية على الجماعة، في ظل أوضاع معيشية صعبة وعجز عن إدارة المرحلة أو تقديم معالجات حقيقية للأزمات المتراكمة.

وكشفت مصادر سياسية في صنعاء عن استمرار رفض قيادة جناح «المؤتمر الشعبي» المشاركة في أي حكومة لا تقوم على شراكة حقيقية وصلاحيات واضحة، وعَدَّت أن أي انخراط شكلي لن يسهم في معالجة الأزمات المتفاقمة التي يكابدها اليمنيون في مناطق سيطرة الحوثيين.

القيادي بحزب «المؤتمر» صادق أبو راس خلال فعالية في صنعاء (الشرق الأوسط)

وأوضحت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، أن موقف الحزب «نابع من تجربة سابقة أثبتت أن الشراكة الصورية لا تصنع استقراراً أو تنمية»، مشيرة إلى أن جناح الحزب، المتحالف شكلياً مع الجماعة منذ الانقلاب، لا يرغب في الاستمرار بوصفه غطاء سياسياً لقرارات لا يشارك في صياغتها أو تحمُّل تبِعاتها.

وطبقاً للمصادر نفسها، فإن الخلافات الحالية لا تقتصر على توزيع الحقائب الوزارية، بل تمتد إلى طبيعة القرار السياسي وآلية إدارة مؤسسات الدولة في صنعاء، وغياب الضمانات المتعلقة باستقلال الحكومة المفترضة، وقدرتها على ممارسة مهامّها بعيداً عن هيمنة القادة والمشرفين الحوثيين.

أزمة أعمق

وتشير هذه المعطيات إلى أزمة أعمق تتعلق بتوازنات السلطة الانقلابية داخل صنعاء، حيث يرى مراقبون أن إعادة تشكيل الحكومة الحوثية تمثل اختباراً حقيقياً لمدى استعداد الجماعة لإشراك حلفائها في صنع القرار، أو الاكتفاء بإعادة إنتاج صيغة حكم تتركز فيها الصلاحيات الفعلية خارج الأُطر المؤسسية المعلَنة.

في موازاة ذلك، تتحدث مصادر حزبية عن تصاعد حالة التذمر داخل أوساط «المؤتمر الشعبي» من استمرار ما تصفه بـ«التضييق» على النشاط السياسي والتنظيمي للحزب، بما في ذلك القيود المفروضة على الاجتماعات والفعاليات، وهو ما يفاقم فجوة الثقة بين الطرفين، ويضعف فرص التوافق في المدى المنظور.

عنصران حوثيان خلال تجمُّع دعا له زعيم الجماعة بصنعاء (إ.ب.أ)

وعلى وقْع استمرار تعثر إعلان الحكومة غير المعترف بها دولياً، برزت، خلال الأيام الأخيرة، انتقادات لاذعة من ناشطين وكُتاب محسوبين على الجماعة الحوثية، عبّروا فيها عن استيائهم من التأخير المستمر في تشكيل الحكومة، وعدُّوا أن هذا التعطيل ينعكس سلباً على الأوضاع المعيشية، ويزيد حالة الإرباك الإداري والاقتصادي.

وأشار بعض هؤلاء إلى أن تأخر تشكيل الحكومة «لم يعد مبرراً»، وأن استمرار المشاورات دون نتائج ملموسة «يزيد من حالة الإحباط، ويعكس ارتباكاً في إدارة المرحلة»، وفق ما نقلته مصادر محلية.

وذهب آخرون إلى اتهام قيادات داخل الجماعة بالمماطلة، والإبقاء على مؤسسات الدولة في حالة شلل، بما يسمح بإدارة الملفات الحساسة عبر قنوات غير رسمية.

Your Premium trial has ended


القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
TT

القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)

قدّم برنامج الأغذية العالمي مساعدات غذائية ونقدية لأكثر من ثلاثة ملايين شخص في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في وقت يواصل فيه الحوثيون منع البرنامج من العمل بحرية في مناطق سيطرتهم، ما أدى إلى حرمان ملايين اليمنيين من مساعدات توصف بأنها منقذة للحياة، وفق ما أكدته تقارير أممية وإعلام محلي.

وبحسب أحدث تقارير البرنامج، فقد استفاد حتى نهاية عام 2025 نحو 3.2 مليون شخص في 118 مديرية ضمن مناطق الحكومة من المساعدات الغذائية العامة، توزعت بين حصص عينية لنحو 2.4 مليون مستفيد، وتحويلات نقدية لنحو 800 ألف شخص.

وأوضح التقرير أن اختيار نمط المساعدة – عينية أو نقدية – استند إلى كفاءة الأسواق المحلية، وتفضيلات المستفيدين، واعتبارات لوجيستية وأمنية.

أكثر من 19 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات غذائية هذا العام (الأمم المتحدة)

في المقابل، تتصاعد المخاوف من تدهور الوضع الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين، خصوصاً بعد اقتحام مكاتب منظمات أممية واعتقال عشرات العاملين فيها، الأمر الذي دفع بعض الوكالات إلى تعليق أو تقليص أنشطتها.

وترى مصادر إنسانية أن القيود المفروضة على حركة العاملين والإمدادات أدت إلى تقويض قدرة المنظمات على الوصول إلى الفئات الأشد ضعفاً.

وأفاد برنامج الأغذية العالمي بأن معظم الأسواق في مناطق الحكومة اليمنية أظهرت أداءً متوسطاً إلى عالٍ، لا سيما من حيث توافر السلع الغذائية، وتنوعها، ومرونة سلاسل التوريد، وإمكانية الوصول، وجودة الغذاء.

وأشار البرنامج إلى أن التدخلات القائمة على السوق، بما في ذلك التحويلات النقدية، ما تزال ممكنة على نطاق واسع، وهو ما يتيح للأسر شراء احتياجاتها مباشرة من الأسواق المحلية.

غير أن التقرير حذّر من استمرار مخاطر تقلب الأسعار وضعف جودة بعض الخدمات، إضافة إلى قابلية سلاسل التوريد للتأثر بانقطاعات طرق الإمداد، خصوصاً في مناطق تماس مثل مأرب وتعز ولحج وأبين. وتبقى هذه المناطق عرضة للتوترات الأمنية التي قد تعرقل حركة البضائع وترفع تكاليف النقل.

منظمات الأمم المتحدة غادرت مناطق سيطرة الحوثيين بعد اقتحام مكاتبها ونهبها (الأمم المتحدة)

وكانت آخر تقييمات مؤشر كفاءة السوق قد أُجريت في عامي 2020 و2022 وشملت جميع المديريات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً. وقد وفّرت تلك التقييمات مؤشرات مهمة حول قدرة الأسواق على استيعاب التحويلات النقدية دون التسبب في ضغوط تضخمية، ما ساعد البرنامج في تحديد أنسب آليات الدعم.

لكن البرنامج أقر بأن الأساسيات الاقتصادية تغيّرت بشكل ملحوظ منذ آخر تقييم، ما خلق حالة من عدم اليقين بشأن استقرار سلاسل التوريد والمنافسة والبنية التحتية والقدرة الشرائية للأسر. ولهذا أنجز تقييماً محدثاً لمؤشر وظائف السوق بدأ العمل به في يناير (كانون الثاني) 2026.

ويشير التقرير الأممي إلى أن الأسواق اليمنية تعمل في بيئة شديدة التقلب، تتداخل فيها عوامل الاقتصاد الكلي مثل التضخم وتقلبات أسعار الصرف والاعتماد الكبير على الواردات، مع ديناميكيات الصراع وانعدام الأمن وتدفقات المساعدات الخارجية وضعف البنية التحتية والكوارث الطبيعية المتكررة.

وأكد أكثر من 80 في المائة من التجار الذين شملهم الاستطلاع أن عدم استقرار الأسعار يمثل مصدر قلق رئيسياً، مشيرين إلى ارتفاع تكاليف السلع الأساسية. ويرى البرنامج أن هذا المستوى المرتفع من عدم القدرة على التنبؤ بالأسعار يقوض القدرة الشرائية للأسر، ويؤثر مباشرة على الأمن الغذائي وثقة السوق.

ويعكس هذا التقلب هشاشة الاقتصاد اليمني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية والوقود، فضلاً عن تأثير ارتفاع تكاليف النقل وعدم اليقين بشأن السياسات المالية. ويحتاج أكثر من 19 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية هذا العام، وفق تقديرات أممية، ما يجعل أي اضطراب إضافي في الأسواق عاملاً مضاعفاً للأزمة.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى تحول مهم حدث في نهاية أغسطس (آب) الماضي، حين فرض البنك المركزي في عدن ضوابط صارمة على سوق العملة، وفكك أسواقاً غير مشروعة بدعم من مساعدات خارجية.

وأسهمت هذه الإجراءات في خفض سعر الصرف إلى نحو 1624 ريالاً يمنياً مقابل الدولار، ما انعكس تراجعاً نسبياً في أسعار المواد الغذائية والوقود في مناطق الحكومة.

غير أن خبراء اقتصاديين يحذرون من أن استدامة هذا التحسن تبقى رهناً باستمرار الدعم الخارجي واستقرار الإيرادات العامة، في ظل الانقسام المالي القائم بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين.

ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أن فاعلية التحويلات النقدية تظل مرتبطة باستقرار الأسعار، إذ إن أي موجة تضخمية جديدة قد تقلص أثر الدعم المقدم للأسر الأشد احتياجاً.