ماكرون في واشنطن لمحاولة إنقاذ «النووي» الإيراني من الانهيار

الأمم المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا تدعو إلى حفظه... وروسيا والصين تتوعدان بالتصدي لأي تغيير... وظريف يكشف ثلاثة سيناريوهات للرد على الانسحاب

ماكرون وزوجته بريجيت لدى وصولهما إلى قاعدة {أندروز} الأميركية المشتركة بالقرب من واشنطن  أمس (رويترز)
ماكرون وزوجته بريجيت لدى وصولهما إلى قاعدة {أندروز} الأميركية المشتركة بالقرب من واشنطن أمس (رويترز)
TT

ماكرون في واشنطن لمحاولة إنقاذ «النووي» الإيراني من الانهيار

ماكرون وزوجته بريجيت لدى وصولهما إلى قاعدة {أندروز} الأميركية المشتركة بالقرب من واشنطن  أمس (رويترز)
ماكرون وزوجته بريجيت لدى وصولهما إلى قاعدة {أندروز} الأميركية المشتركة بالقرب من واشنطن أمس (رويترز)

اتسع تحدي مستقبل الاتفاق النووي مع إيران أمام الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمس وسط ارتفاع نسق الخطوات الدولية المعارضة لخطة انسحابه وتتجه الأنظار اليوم إلى مباحثات يبدأها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في واشنطن تهدف إلى إنقاذ الاتفاق النووي من الانهيار. فمن بكين إلى موسكو وصولا إلى جنيف سبقت أطراف بدء المباحثات بإعلان موقفها من الخطوة المرتقبة.
ويقوم ماكرون بما يمكن اعتباره مهمة إنقاذ للاتفاق المبرم في 2015 والذي يعرف بخطة العمل المشتركة الشاملة، والذي تعهد ترمب بالانسحاب منه إذا لم يشدد الحلفاء الأوروبيون بنوده بحلول منتصف مايو (أيار).
وتزداد المخاوف مع اقتراب مهلة منحها ترمب للدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق حتى 12 مايو «لإصلاح العيوب المروعة» في الاتفاق الذي أبرم في عام 2015. وإلا سيرفض تمديد تعليق العقوبات الأميركية على إيران.
ودفع المدافعون عن الاتفاق النووي من الانهيار أمس بمواقف تعزز موقف ماكرون في البيت الأميركي. وكان ماكرون قال في حوار لقناة «فوكس نيوز» سبق زيارته إلى واشنطن، بأنه لا توجد «خطة بديلة» لمواصلة كبح طموحات طهران النووية.
ولم تتوصل الدول الأوروبية في آخر اجتماع وزاري في لوكسمبورغ إلى صيغة نهائية حول فرض العقوبات على إيران ضد برنامج الصواريخ الباليستية ودور طهران الإقليمي وهي من بين قضايا يقول ترمب بأنها تستدعي اتفاقا ملحقا للنووي الإيراني لكبح جماح طهران.
ويقول منتقدو الاتفاق النووي إنه رفع القيود المالية عن إيران سمح لها بالإنفاق على مشاريع وجهت تهديدات مباشرة إلى أمن الدولي وعلى رأسه الشرق الأوسط.
وكان مستقبل الاتفاق النووي ضمن محاور اجتماع وزراء خارجية مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى في تورونتو. وقال وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون على هامش الاجتماع «نقر بأن السلوك الإيراني هدام في المنطقة ونقر بأن الرئيس محق في بعض النقاط التي يجب معالجتها، ولكننا نرى أنه يمكن معالجتها (داخل الاتفاق)».
في نفس السياق، قال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، أمس إن «زعيمي ألمانيا وفرنسا ترمب على عدم الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران ما دام ذلك سيؤدي إلى حدوث مشكلات كبيرة».
وأضاف ماس أنه خلال اجتماعات مقبلة في واشنطن ستحث المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ومعها الرئيس الفرنسي ترمب على عدم الانسحاب من الاتفاق. وأوضح «نؤمن بأن من الضروري للغاية دعم هذا الاتفاق. وفي حالة فشله أو انسحاب الولايات المتحدة منه لن يكون لدينا أي يضاهيه ونخشى من تدهور الوضع بشدة وما سيترتب على ذلك من عواقب».
في بكين، قال وزير الخارجية سيرجي لافروف إنه اتفق مع نظيره الصيني وانغ يي على التصدي لأي محاولة أميركية لتقويض الاتفاق. وقال: «نعارض إعادة النظر في هذه الاتفاقات ونعتبر محاولة إهدار سنوات من العمل الدولي من خلال محادثات بين القوى الست الكبرى وإيران ليعود لنقطة الصفر أمرا سلبيا جدا» مضيفا: «سنتصدى لمحاولات تقويض هذه الاتفاقات التي نص عليها قرار لمجلس الأمن الدولي».
في خطوة مماثلة قال الكرملين في بيان إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الفرنسي اتفقا خلال مكالمة هاتفية أمس على ضرورة استمرار الاتفاق.
وكان مؤتمر حظر الانتشار النووي في جنيف أمس مسرحا للنقاش حول مستقبل الاتفاق إذ شهد دعوات متكررة للدول الموقعة عليه وهي الولايات المتحدة والصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، لضمان تنفيذه.
في هذا الصدد، قالت إيزومي ناكاميتسو الممثلة السامية للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح «خطة العمل المشتركة الشاملة تظل أفضل طريقة لضمان الطبيعة السلمية تماما لبرنامج إيران النووي وتحقيق المنافع الاقتصادية الملموسة التي جرى التعهد بها للشعب الإيراني».
على نقيض ذلك، قال كريستوفر فورد المبعوث الأميركي لشؤون منع الانتشار النووي قال إن إيران شكلت تحديا حقيقيا جدا وبعيد المدى لنظام منع الانتشار النووي. وأضاف: «إيران دولة سعت لسنوات إلى تطوير أسلحة نووية بشكل غير قانوني وسري، وأوقفت أعمال التسلح فقط عندما واجهت أسوأ العواقب المحتملة، دون أن تعترف قط بمساعيها غير المشروعة».
وتابع فورد قائلا: «واصلت لعدة سنوات أخرى جهودها لتخصيب اليورانيوم في انتهاك لمتطلبات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الملزمة قانونا، وتحتفظ بقدرتها على البقاء قريبة على نحو خطير من إمكانية التسلح السريع في السنوات التالية».
وقال ياتسيك بيليتسا مبعوث الاتحاد الأوروبي لشؤون نزع الأسلحة إن الاتفاق عزز النظام الدولي لمنع الانتشار النووي وأسهم في الأمن الإقليمي والدولي وضمن الطبيعة السلمية لبرنامج إيران النووي».
وقال كورنيل فيروتا، وهو مسؤول كبير في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إن الاتفاق حسن بشكل كبير القدرة على مراقبة البرنامج النووي لإيران. وأضاف: «باختصار فإن إيران الآن تخضع لأقوى نظام للتحقق النووي وتنفذ التزاماتها النووية بموجب خطة العمل المشتركة الشاملة».
من جهة ثانية، دعا وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف على «تويتر» أمس الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق إلى إقناع ترمب بعدم الانسحاب من الاتفاق الذي قال إنه ليس له «خطة بديلة». وقال: «إما كل شيء أو لا شيء. على الزعماء الأوروبيين تشجيع ترمب ليس فقط على البقاء في الاتفاق ولكن الأهم على البدء في تنفيذ جانبه من الاتفاق بنية صادقة».
والملاحظ أن ظريف ابتعد خلال الأيام القليلة الماضية عن نبرته الدبلوماسية في الملف النووي الإيراني إلى لغة الوعيد والتحذير وذلك في مؤشر على مخاوف جدية في طهران من انسحاب واشنطن. وكتب أن «الرئيس ماكرون مصيب في قوله إنه لا توجد «خطة بديلة» لخطة العمل المشتركة الشاملة»، وهو الاسم الرسمي للاتفاق النووي.
وأشار في حوار مع مجلة «نيويوركر» الأميركية، إلى أن هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة أمام إيران في حال انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي. السيناريو الأول، هو أن تنسحب إيران من الاتفاق النووي أيضا، وأن تنهي التزامها بمضمون الاتفاق وتستأنف تخصيب اليورانيوم، ولا يجب أن تتوهم أميركا أبدا بأن إيران تسعى وراء القنبلة الذرية ولكن سنسعى وراء التخصيب بقوة.
وتابع: «السيناريو الثاني، يستخلص من آلية الخلاف والنزاع في الاتفاق النووي، حيث تسمح لجميع الأطراف تقديم شكوى رسمية في اللجنة التي تم تشكيلها للبت في انتهاك مضمون الاتفاق، إذ أن إيران قدمت حتى الآن 11 شكوى إلى هذه اللجنة، وقد تم إبلاغ مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي والتي تترأس هذه اللجنة، حالات الانتهاك التي قامت بها أميركا، أن الهدف الرئيسي من هذه العملية هو إعادة أميركا إلى الالتزام بمضمون الاتفاق النووي» وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية عن وكالة «تسنيم» الإيرانية.
ونوه ظريف إلى أن السيناريو الثالث هو الأكثر جدية وقوة حيث إن إيران من المحتمل أن تتخذ القرار بشأن الانسحاب من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، فإيران تعتبر من الموقعين على هذه المعاهدة. وأضاف أنه «إذا أرادت أميركا القضاء على الاتفاق النووي، فهي لديها هذا الخيار ولكن يجب أن تواجه تداعياته».
وتتصدر ملفات الاتفاق النووي الإيراني، والأزمة السورية، والتعامل مع روسيا، زيارتين مهمتين يشهدهما البيت الأبيض هذا الأسبوع لاثنين من أبرز زعماء الاتحاد الأوروبي، حيث استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في زيارة تستمر لمدة ثلاثة أيام، فيما يستقبل، الجمعةَ، المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي تزور واشنطن ليومٍ واحدٍ، في ثالث لقاء بينهما.
واستقبل ترمب، نظيره الفرنسي، في البيت الأبيض، بعد ساعات من وصوله إلى واشنطن ليلة أمس. وسيحصل الرئيس الفرنسي على نصيب وافر من المراسم الاحتفالية في واشنطن خلال زيارته، بعد تسعة أشهر من استقباله ترمب في باريس، وتقديم استعراض عسكري في الشانزليزيه.
وسيجتمع ترمب مع نظيره الفرنسي اليوم في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، ويعقبه اجتماع عمل ثنائي موسع مع وفدي فرنسا والولايات المتحدة، يضم نائب الرئيس والقائم بأعمال وزير الخارجية ووزير الخزانة ووزير الدفاع ووزير التجارة ومستشار الأمن القومي والسفراء من الجانبين.
وستتطرق النقاشات إلى الدور الروسي في المنطقة، وقد حث ماكرون على إجراء حوار مع روسيا بشأن سوريا، ومن المرجح أن يدعم إدانة السلوك الروسي في تسميم الجاسوس سكريبال وابنته، والتدخل الروسي في أوكرانيا وسوريا. ويرغب ترمب في حث ماكرون على فرض عقوبات مالية ودبلوماسية ضد روسيا، وإصدار عقوبات متعددة الأطراف تنقلها من الرمزية إلى التأثير.
ومن المقرر أن يزور ماكرون، الشهر المقبل، روسيا، للمشاركة في منتدى سان بطرسبرج الاقتصادي الدولي، حيث يلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.



الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».