أزمة نقدية في السودان... وقضية الرواتب تتخطى الدبلوماسيين

ارتفاع جنوني في الأسعار والبنك المركزي يحدد سقفاً للسحب من البنوك... وشح في العملات الصعبة

TT

أزمة نقدية في السودان... وقضية الرواتب تتخطى الدبلوماسيين

إلى أين تتجه الأمور في السودان؟ سؤال بدأ يتردد على شفاه المواطنين المحاطين بسلسلة أزمات تمتد من الرواتب إلى شح السيولة النقدية، وانعدام المحروقات، وجنون الأسعار الذي بات بلا أفق.
وتفاقمت الأزمة المعيشية والاقتصادية في السودان، وزادت حدتها خلال الأشهر المنصرمة من العام الجاري، وبلغت ذروتها بشكوى وزير الخارجية السابق إبراهيم غندور للبرلمان، من فشل الحكومة في تسديد مستحقات الدبلوماسيين، وإيجارات سفارات السودان في الخارج لسبعة أشهر متتالية.
فبعد أقل من يومين من شكواه، أصدر الرئيس عمر البشير قراراً رئاسياً «مقتضباً» أقال بموجبه وزير الخارجية دون إبداء أسباب؛ لكن تكهنات وتحليلات صحافية موالية للحكومة أرجعت الإقالة إلى أن الوزير «كشف للعالم والناس إفلاس الحكومة»، فيما أكدت تقارير أخرى مناوئة أن الغندور لم يفعل أكثر من كشف ما يعيشه الناس، بإزاحة ستار السرية ونقله للعلن.
الدبلوماسيون ليسوا وحدهم من تأخرت رواتبهم، فالمعلمون في الخرطوم نظموا وقفة احتجاجية على تأخير صرف مرتباتهم في 12 أبريل (نيسان) الجاري، وقالت لجنة المعلمين في بيان، إن الرواتب على قلتها وعدم كفايتها تأخر صرفها لأكثر من 45 يوماً، ومثلهم معلمون في ولايات أخرى من البلاد.
وعاد بنك السودان للاعتراف ضمناً بوجود أزمة رواتب، للدبلوماسيين في الخارج، بعد تكذيبها أول من أمس. وأكد البنك أنه يعمل حالياً على مراجعة متأخرات وزاره الخارجية، التي قدرها بـ29 مليون دولار من ميزانيتها، في الوقت الذي قدر فيه الوزير المقال العجز بنحو 30 مليون دولار.
وبجانب أزمة الرواتب، تشهد البلاد أيضاً أزمات كبيرة في المحروقات وغاز الطهي، فمنذ فترة تقارب الشهر، يعاني المواطنون من انعدام غاز الطهي، فيما تتراص في صفوف طويلة مئات السيارات والشاحنات والناقلات في محطات الخدمة، للحصول على حصتها من الوقود. بل وتكررت أزمة المحروقات مرتين خلال شهر، على الرغم من الإنكار الرسمي لوجودها، فبعد أن انفرجت الأزمة في العاصمة الخرطوم الأسبوع الماضي، عادت للتفاقم مجدداً، بينما تشكو معظم ولايات البلاد من انعدام كلي لوقود الديزل والبنزين، ويباع في بعضها بالسوق السوداء بأسعار خيالية بلغت 250 جنيهاً للجالون، وسعره الرسمي 26 جنيهاً، فيما تخشى الولايات الزراعية من خسائر في الموسم الزراعي بسبب ندرة الوقود.
لمواجهة أزمات صرف الرواتب والمعيشة، اضطرت الحكومة السودانية لاتخاذ إجراءات تقشفية عنيفة، ترتب عليها تدهور مريع في سعر صرف العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية، وانعكس على أسعار السلع الغذائية الرئيسية، إذ بلغ سعر قطعة الخبز الواحدة جنيهاً بعد أن كان سعرها نصف جنيه، وارتفع سعر سلعة السكر الاستراتيجية 26 جنيهاً للكيلوغرام الواحد، بعد أن كان سعره لا يتجاوز 14 جنيهاً، وتنطبق هذه الزيادات على السلع الأخرى كافة.
وأثار هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار غضباً شعبياً واسعاً، نتجت عنه الاحتجاجات الشهيرة مطلع العام الجاري، التي عرفت باحتجاجات الخبز؛ لكن السلطات واجهتها بعنف لافت، وألقت القبض على مئات النشطاء والقادة السياسيين، ثم أفرجت عنهم بقرار رئاسي مطلع الشهر الجاري؛ لكن أسباب الاحتجاج والتظاهر لا تزال تتفاقم في البلاد؛ بل إن موجة سخرية لافتة من القرارات الحكومية احتلت وسائط التواصل الاجتماعي وأحاديث الناس؛ لكن اندلاع احتجاجات جديدة متوقع في كل لحظة.
وكانت لجنة رئاسية مكونة من محافظ بنك السودان ووزراء القطاع الاقتصادي، قد اتخذت في فبراير (شباط) الماضي، قرارات لمواجهة الارتفاع الحاد في أسعار السلع، ولوقف تدهور سعر الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، عن طريق امتصاص السيولة وتحجيم الكتلة النقدية المتداولة خارج الجهاز المصرفي.
وتنفيذاً لتلك القرارات، وجه بنك السودان المركزي البنوك العاملة في البلاد «سراً» بتحديد حجم السحب من حسابات العملاء، وشنت الأجهزة الأمنية حملة واسعة على تجار العملات في السوق الموازية، بهدف وقف تدهور سعر صرف الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، إذ بلغ أدنى مستوياته في التاريخ، فقد كان يباع وقتها بسعر 45 جنيها للدولار الواحد، واضطر إلى رفع السعر الرسمي للدولار من 18 إلى 28 جنيهاً.
وخلقت تلك القرارات أزمة سيولة حادة في البلاد، بيد أنها أوقفت جزئياً تدهور سعر العملة الوطنية، فارتفع سعر صرف الجنيه إلى 34 جنيهاً للدولار، بعد أن كان 45 جنيهاً. لكن متعاملين في النقد الأجنبي ومحللين يقولون إن سعر صرف الجنيه ارتفع؛ لكنه ارتفاع غير حقيقي، وإن سعر الصرف سيعود للارتفاع مجدداً متى ما رفعت قيود السحب من حسابات المتعاملين مع البنوك.
الحكومة رغم الأزمة التي أثرت في كل حياة الناس، لا تعترف علناً بعجزها عن مواجهة التردي الاقتصادي، ولا تتجه إلى أسبابه الفعلية بحسب محللين، ولهذا كذب بنك السودان وزير الخارجية ببيان صدر مطلع هذا الأسبوع وقال إنه سدد ما قيمته 92 في المائة من مطالبات وزارة الخارجية؛ لكن تقارير صحافية نشرت في الصحف المحلية ذكرت أمس أن الرئاسة في اجتماع مع محافظ بنك السودان حازم عبد القادر، ووزير الخارجية المكلف محمد عبد الله إدريس، دعت لمراجعة متأخرات وزاره الخارجية، واعترفت بعد يوم واحد من تكذيب الوزير، بعجز قدره 29 مليون دولار من ميزانية الخارجية، في الوقت الذي قدر فيه الوزير المقال العجز بنحو 30 مليون دولار.
ونقلت صحيفة «الأخبار» المستقلة أمس، أن بنك السودان بعد أن راجع الحسابات المشتركة بشأن ميزانيه الخارجية، أعلن التزامه أمام رئاسة الجمهورية بالبدء فوراً في سداد متأخرات الخارجية، وبالفعل شرع في سداد الدفعة الأولى منذ الخميس الماضي.
ويقول الخبراء إن أزمة الاقتصاد السوداني ذات الطبيعة الهيكلية، أطلت بعد انفصال جنوب السودان، وذهاب البترول جنوباً، وفقدانه لأكثر من 80 في المائة من إيراداته النفطية، و90 في المائة من مصادر عائداته من العملات الأجنبية.
ودرجت الحكومة على إرجاع تعثر الاقتصاد إلى العقوبات الأميركية المفروضة على البلاد؛ لكن بعد قرار الرئيس دونالد ترمب برفعها كلياً في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، برزت أزمة الاقتصاد بشكل لافت، وفقدت الخرطوم «شماعة» كانت تعلق عليها إخفاقها الاقتصادي.
وأدت سياسة تحجيم الكتلة النقدية إلى شح لافت في السيولة، ويلاحظ المراقب تكدس أعداد كبيرة من المواطنين أمام البنوك وداخلها، محاولين سحب أموالهم؛ لكن البنوك ترفض تجاوز السقف غير المعلن للسحب في حدود 2000 جنيه يومياً على وجه التقريب، كل هذا والبنك المركزي ينفي إصدار منشور بتحجيم السيولة، وتسبب انعدام السيولة في نشوء «تجارة الشيكات»، وتُسيل فيها الشيكات من قبل تجار بنسبة تقارب 10 في المائة من قيمة الشيك.
ودفعت سياسة امتصاص السيولة ووقف السحب عدداً كبيراً من المواطنين إلى محاولة سحب أموالهم، وتحويل أرصدتهم إلى عملات أجنبية، فيما أصرت البنوك على تحجيم حتى السحب من ماكينات الصرف الآلي، ويلاحظ المراقب صفوفاً متراصة من المواطنين حول تلك الآلات التي توجد بها نقود، وهو ما دفع مصدر مصرفي للقول إن 90 في المائة من أموال المودعين ستصبح خارج البنوك إذا فتح باب السحب؛ بل ويقول مراقبون إن «تجارة وتصنيع الخزن» لقيت رواجاً كبيراً في الأسواق خلال الفترة الماضية، فالكل يريد حفظ أمواله السائلة بخزينة داخل منزله بدلاً من إيداعها البنوك.
ونتيجة لتلك السياسات ارتفع معدل التضخم في البلاد إلى 55.6 في المائة، في مارس (آذار) الماضي، بعد أن كان في حدود 54.34 في المائة في فبراير، وفقاً لتقارير الجهاز المركزي للإحصاء، على الرغم من أن السياسات كانت تهدف لخفض التضخم إلى 19.5 في المائة بنهاية عام 2018، بما ينعكس في ارتفاع متواصل في أسعار السلع، وتدهور في سعر صرف الجنيه، دون أفق واضح لحل ناجز.
ولم يعد أمام المواطنين خيار سوى مواجهة ما يشهدونه ولا يملكون له تغييراً من تردٍ في معاشهم ومعيشتهم، سوى اللجوء إلى السخرية والطرفة. تقول ربة منزل إنها درجت على السؤال بشكل يومي عن سعر أي سلعة تنوي أن تشتريها من المتجر القريب؛ «لأن الأسعار تتغير بشكل يومي».



وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)

أكد مجلس وزراء الإعلام العربي على أهمية قيام وسائل الإعلام العربية بدورها في توعية الرأي العام بحقائق «العدوان الإيراني السافر» على بعض الدول العربية، محذراً من الخلط بين الاعتداءات الإيرانية على دول عربية وبين صراع طهران مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي بيان صدر الأحد بعدما تقدمت به وزارة الدولة للإعلام في مصر ووافقت عليه الدول العربية، حذر المجلس من «الانسياق وراء ما يتم ترويجه من مغالطات تستهدف الوقيعة وإثارة الفتن بين الشعوب العربية وبعضها البعض».

ووجَّه المجلس التحية لوسائل الإعلام العربية التي نقلت تطورات الأحداث «بمهنية وشرف والتزام بالثوابت القومية العربية، وجسدت تماسك وقوة المجتمعات والدول العربية الشقيقة التي تعرضت لهذه الاعتداءات، ونقلت حالة الإجماع الرسمي والشعبي العربي على التضامن مع شعوب الدول العربية وإقرار حقها في الدفاع الشرعي عن النفس، والإدانة الكاملة للعدوان عليها».

وناشد البيان جميع وسائل الإعلام العربية، التقليدية والرقمية، المسموعة والمقروءة والمرئية، القيام بدورها في توعية الرأي العام العربي والعالمي بشأن حقائق التطورات الجارية، مع التأكيد على أن ما تتعرض له بعض الدول العربية من هجمات إيرانية هو «اعتداء غاشم غير مبرر على دول مسالمة لم تبادر بالاعتداء على أي طرف، ولم تستخدم قواتها العسكرية في توجيه أي هجمات لإيران أو لأي طرف في الصراع الجاري».

وأكد البيان على أهمية اطلاع الرأي العام على حقيقة أن الهجمات الإيرانية على بعض الدول العربية «قد استهدفت في معظمها مرافق مدنية، والبنية التحتية المدنية، ومقدرات الشعوب العربية وثرواتها، وإلحاق الضرر بأمن مواطنيها».

«خلط متعمد أو مغلوط»

وشدد البيان على ضرورة تجنب وقوع وسائل الإعلام «في الخلط المتعمد أو المغلوط بين الموقف من العمليات العسكرية والصراع المسلح بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، وبين الهجمات الإيرانية العدوانية على بعض الدول العربية».

وتابع: «أياً كان الموقف من الصراع بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، فإنه لا يبرر مطلقاً الخلط بينه وبين عدوان إيراني صريح وواضح على أهداف في دول عربية لم تستخدم قواتها في مهاجمة إيران، ولم تمس أراضيها أو أهدافها العسكرية أو المدنية».

كما ناشد المجلس مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي من أبناء الشعوب العربية «عدم الانسياق وراء ما يتم ترويجه من شائعات مدسوسة على هذه الوسائل، تستهدف الوقيعة بين الشعوب العربية».

وأشار إلى أن الظروف الراهنة «تتطلب من كل مواطن عربي التعبير عن التضامن العربي الكامل مع الشعوب التي تتعرض للعدوان، والحفاظ على وحدة الموقف العربي الثابت في وجه كل مساس بأي شعب عربي مسالم».

ودعا المجلس إلى تعاون وسائل الإعلام العربية العامة والخاصة في نقل الحقائق إلى الرأي العام العربي استناداً إلى البيانات والمعلومات الرسمية التي تصدر عن الدول العربية التي تتعرض للاعتداءات الإيرانية، «لقطع الطريق على ما يتم ترويجه من أكاذيب متعمدة بشأن أهداف ونتائج هذه الاعتداءات».

كما دعا إلى «تعاون عربي شامل لاطلاع الرأي العام العالمي بحقائق الأمور بشأن الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية وانتهاك سيادتها، والتواصل مع وسائل الإعلام الدولية الكبرى وتزويدها بالحقائق وتصحيح ما يتم ترويجه من مغالطات وأكاذيب».

المعلومات الموثقة

عميدة كلية الإعلام بجامعة القاهرة سابقاً، ليلى عبد المجيد، قالت لـ«الشرق الأوسط» إن من الطبيعي أن يقف أي عربي مع الدول العربية الشقيقة «لأننا كتلة واحدة نؤثر ونتأثر ببعضنا البعض، وبالتالي من البديهي أن يصدر وزراء الإعلام العرب بياناً تضامنياً وداعماً للدول التي تتعرض لاعتداءات من إيران».

وأضافت أن البيان تضمن لغة الخطاب التي حددت مجموعة من الأمور الأساسية المتفق عليها، «فكلنا ضد ما تتعرض له دول عربية من ضربات إيرانية رداً على الحرب من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل عليها».

واستطردت: «يمكن أن نحقق ما جاء في البيان من خلال وسائل الإعلام المهنية مثل الصحف والإذاعات والقنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية».

ثم قالت: «الإشكالية تكمن في مواقع التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بعض الشخصيات غير المسؤولة والذين ليس لديهم معلومات موثقة أو رؤية واضحة ويتحدثون بشكل غير مسؤول لا يعكس وعياً بحقيقة الأمر».

وتابعت: «أتصور أن تكون هناك توعية لمن يوجدون على وسائل التواصل الاجتماعي العربي، كما أن هناك حسابات كثيرة مزيفة تحاول بث الفرقة ونشر الشائعات يجب التصدي لها، وفي المقابل هناك بعض الصحافيين المهنيين يحاولون توضيح الأخبار المزيفة ويعطون المعلومات الحقيقية للجمهور».


مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

ركزت الدبلوماسية المصرية خلال الأيام الماضية على تعزيز التعاون والتنسيق العربي في مجالات الأمن والدفاع مع التطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة واستمرار الاعتداءات الإيرانية، ما كان دافعاً لطرح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مسألة استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية.

جاءت دعوة عبد العاطي خلال اتصال هاتفي أجراه، الأحد، مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، حيث أشار إلى «ضرورة تفعيل أطر العمل العربي المشترك واستحداث آليات أمنية فاعلة، في مقدمتها تشكيل القوة العربية المشتركة، لضمان صون الأمن القومي العربي، وحماية مقدرات دول الإقليم من أي تهديدات مستقبلية، وتوفير بيئة مستدامة للاستقرار».

وتطرق وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بنظيره الأردني إلى الترتيبات المستقبلية في المنطقة، حيث أكد «الأهمية القصوى لبلورة رؤية واضحة للترتيبات الإقليمية والأمنية عقب انتهاء الحرب».

وجدد عبد العاطي «إدانة مصر القاطعة للاعتداءات التي تستهدف أمن واستقرار الدول العربية»، مشدداً على الرفض التام «لأي ذرائع لتبرير هذه الانتهاكات التي تخرق قواعد القانون الدولي، وتهدد بدفع المنطقة بأكملها نحو فوضى شاملة».

وسبق أن شددت مصر في أكثر من مناسبة خلال الأيام الماضية على ضرورة تشكيل «قوة عربية مشتركة» قادرة على التعامل الفعّال مع التهديدات القائمة والمخاطر التي تواجه الدول العربية. كما طالبت بسرعة تفعيل معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لجامعة الدول العربية لعام 1950.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رؤوف سعد، أن الطرح المصري بشأن استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية الأمن القومي العربي تبرهن على أن الموقف المصري من التصعيد الحالي بالمنطقة «يتجاوز مسألة الإدانات ويبحث عن أطر للتعاون بين الدول العربية»، بالتوازي مع اتصالات مع الجانب الإيراني لوقف الاعتداءات والوصول إلى نقطة تهدئة التصعيد ووقف الحرب.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث عن تفعيل معاهدة الدفاع المشترك أو استحداث آليات أمنية فاعلة «لا يعني تشكيل جيش عربي موحد بالمعنى التقليدي، وإنما آليات مختلفة من الممكن أن تكون استخباراتية أو معلوماتية وتعزيز التعاون الأمني بين الدول العربية بما يساهم في الصمود بوجه الاعتداءات التي قد تتعرض لها».

وأضاف أن الموقف المصري يهدف لأن تكون هناك ترتيبات مشتركة بين الدول العربية لعدم الانزلاق إلى الصراع القائم في المنطقة وتجنيب البلدان العربية مزيداً من الخسائر، بما في ذلك مصر التي قال إنها تأثرت سلباً نتيجة التداعيات الاقتصادية للحرب الحالية.

وكان عبد العاطي قد ذكر خلال اجتماع مجلس الوزراء المصري، الثلاثاء الماضي، أن بلاده تقود حالياً مبادرات لتشكيل قوة عربية مشتركة تهدف إلى حماية الأمن القومي العربي، وأكد في هذا السياق رفض «فرض أي ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية، سواء من جانب دول إقليمية غير عربية، أو من أطراف خارج الإقليم».

وتوافق وزيرا خارجية مصر والأردن على «ضرورة الوقف الفوري للحرب الراهنة والعمليات العسكرية المتصاعدة»، وحذرا من التداعيات الكارثية لاستمرار نهج التصعيد.

وأكد عبد العاطي، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، أن تغليب المسار الدبلوماسي ولغة الحوار يمثل الخيار الأوحد لاحتواء الأزمة الحالية، وتجنيب شعوب المنطقة ويلات الصراع الممتد.

وقبل أن يبدأ جولة خليجية استهلها من قطر، أجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً، الأحد، مع نظيره الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح «للتشاور وتنسيق المواقف إزاء التطورات الأمنية المتسارعة التي تعصف بالمنطقة».

وتطرق الاتصال إلى الانعكاسات المباشرة للتصعيد العسكري الجاري على حركة الملاحة الجوية والترتيبات اللوجيستية في الإقليم، حيث أعرب عبد العاطي «عن تفهم مصر ودعمها للإجراءات الاحترازية والسيادية التي اتخذتها دولة الكويت، بما في ذلك إغلاق مجالها الجوي، لضمان أمن وسلامة أراضيها ومواطنيها في ظل التهديدات المحيطة».


عبد العاطي يبدأ جولة خليجية لتعزيز التضامن المصري وتنسيق المواقف

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)
TT

عبد العاطي يبدأ جولة خليجية لتعزيز التضامن المصري وتنسيق المواقف

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)

تزامناً مع جولة خليجية بدأها وزير الخارجية المصري، الأحد، لتعزيز التضامن وتنسيق المواقف مع دول الخليج في مواجهة التطورات المتسارعة بالمنطقة، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اتصالات هاتفية، الأحد، مع قادة قطر والإمارات والأردن «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة»، بحسب بيان للرئاسة المصرية.

ووصل عبد العاطي، الأحد، إلى العاصمة القطرية الدوحة، في مستهل جولة خليجية تستهدف «التنسيق والتشاور إزاء التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وتوجيه رسالة تضامن مع الأشقاء العرب، والعمل المشترك لخفض التصعيد، وتغليب المسار الدبلوماسي لصون السلم والأمن الإقليميين»، وفق إفادة رسمية لـ«الخارجيّة المصرية» لم تحدد الدول التي ستتضمنها الجولة.

وزير الخارجية المصري خلال لقائه وأمير قطر في مستهل جولة خليجية (وزارة الخارجية المصرية)

من جانبه، قال مصدر دبلوماسي مصري لـ«الشرق الأوسط» إن القاهرة تكثف جهودها وتتواصل مع جميع الأطراف المعنية من أجل خفض التصعيد، وتعزير التعاون العربي في مواجهة التحديات الأمنية، وإنشاء قوة عربية مشتركة.

وأكد المصدر أن التطورات المتلاحقة في المنطقة والتهديدات المتكررة أثبتت أنه لا سبيل لتحقيق الأمن سوى تعزيز آليات التعاون العربي.

الأمن القومي العربي

وفي أولى محطات الجولة، التقى عبد العاطي وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حيث نقل رسالة من السيسي تؤكد «دعم مصر الكامل قيادة وحكومة وشعباً لدولة قطر ووقوفها وتضامنها مع الأشقاء في قطر في هذا الظرف الدقيق على إثر الاعتداءات الإيرانية الآثمة المتكررة»، بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف.

وقال خلاف إن أمير قطر «ثمَّن الدور المحوري الذي تضطلع به القاهرة في الحفاظ على استقرار المنطقة والدفاع عن الأمن القومي العربي».

وأكد وزير الخارجية المصري موقف بلاده الرافض وإدانتها الكاملة «للاعتداءات التي تتعرض لها من جانب إيران، وتستهدف المساس بسيادة دولة قطر وأمنها القومي ومقدرات شعبها»، مشدداً على أنه «لا يمكن قبول أي ذرائع أو مبررات أو مسوغات لهذه الاعتداءات السافرة التي تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني ومبادئ ميثاق الامم المتحدة».

وقال إن «أمن دولة قطر ودول الخليج العربي هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والأمن القومي العربي».

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي أن «الرسالة الأهم في جولة عبد العاطي هي التأكيد على وقوف مصر بشكل قاطع وداعم لدول الخليج، وتقديم كل ما من شأنه دعم أمنها وقدراتها، وإدانة الاعتداءات الإيرانية على أراضيها».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن الجولة «تأتي في مرحلة مفصلية وشديدة التعقيد وفي توقيت بالغ الحساسية تمر به المنطقة، ما يجعل من التحرك الدبلوماسي المصري أمراً ضرورياً ومطلوباً للحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وبذل المساعي وتبادل الأفكار لتنسيق المواقف». وأشار إلى أن أحد الملفات المطروحة خلال المباحثات هو مرحلة ما بعد الحرب ومقترح تشكيل قوة عربية مشتركة.

العمل المشترك

وتزامناً مع جولة عبد العاطي، أجرى الرئيس المصري اتصالات هاتفية، الأحد، مع أمير قطر ورئيس دولة الإمارات، وملك الأردن، أكد خلالها أن بلاده تُجري اتصالات وتحركات دولية وإقليمية مكثفة لوقف الحرب في أقرب وقت ممكن»، بحسب المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية السفير محمد الشناوي.

وشدد السيسي، بحسب بيان الرئاسة المصرية، على أن «مصر ودول الخليج يجمعهما مصير واحد، وأن مصر تنظر إلى الأمن القومي الخليجي بوصفه امتداداً للأمن القومي المصري»، كما أنها ترى أن أمن الأردن «جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، وأن المصير المشترك يفترض تعزيز التعاون العربي، وتوحيد الصفوف لمواجهة التحديات».

وأكد السيسي «ضرورة تعزيز العمل المشترك لمواجهة التحديات الراهنة وتجاوزها، وتفعيل مفهوم الأمن القومي العربي الجماعي بما يضمن التصدي لأي اعتداءات تستهدف الدول العربية»، مشدداً على أن «وحدة الصف العربي هي السبيل الأمثل لمواجهة التحديات الراهنة، وصون استقرار المنطقة».

بدوره، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، إن جولة عبد العاطي الخليجية لها 3 أهداف، أولها هو «تأكيد التضامن مع دول الخليج في مواجهة الاعتداءات غير المبررة».

أما الهدف الثاني، بحسب تصريحات حسن لـ«الشرق الأوسط»، فيتمثل في «تنسيق المواقف في إطار استعداد مصر للوساطة من أجل إيقاف الحرب، في ضوء الاتصال الهاتفي الأخير بين الرئيس المصري ونظيره الإيراني».

أما الهدف الثالث فهو «العمل على تفعيل آليات العمل العربي المشترك، وإنشاء قوة عربية مشتركة قادرة على حماية الأمن الإقليمي».

وزير الخارجية المصري مجتمعاً مع أمير قطر ووزير خارجيتها بالدوحة يوم الأحد (الخارجية المصرية)

وتلقى الرئيس المصري اتصالاً هاتفياً، الجمعة، من نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، أكد خلاله على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، بحسب إفادة رسمية للرئاسة المصرية.

وكان عبد العاطي قد أكد خلال اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب، الأسبوع الماضي، «أهمية تفعيل مفهوم الأمن القومي العربي للحفاظ على أمن الدول العربية، وصون سيادته»، مشيراً في هذا السياق إلى «ضرورة تفعيل أطر التعاون العربي المشترك للتعامل الفعال مع التهديدات القائمة».