مدير «فوكس»: المنطقة مليئة بقصص تستحق روايتها

قال لـ إن «ناشيونال جيوغرافيك» العربية غيرت نظرة المشاهدين العرب للتلفزيون

جانب من تصوير برنامج {أنا مصور ناشيونال جيوغرافيك} («الشرق الأوسط»)
جانب من تصوير برنامج {أنا مصور ناشيونال جيوغرافيك} («الشرق الأوسط»)
TT

مدير «فوكس»: المنطقة مليئة بقصص تستحق روايتها

جانب من تصوير برنامج {أنا مصور ناشيونال جيوغرافيك} («الشرق الأوسط»)
جانب من تصوير برنامج {أنا مصور ناشيونال جيوغرافيك} («الشرق الأوسط»)

قال سانغاي راينا المدير العام ونائب رئيس مجموعة شبكات فوكس في منطقة الشرق الأوسط إن في العالم العربي الكثير من القصص المحلية التي تستحق أن تروى، مشيراً إلى أن قناة ناشيونال جيوغرافيك أبوظبي تسعى للمساهمة في أن ترى تلك القصص النور على الشاشة.
وبيّن راينا رغبتهم في الوصول للمتحدثين بالعربية، حيث أُنشئت قناة ناشيونال جيوغرافيك أبوظبي في عام 2009 بشراكة مع مؤسسة أبوظبي للإعلام، وهي أول محطة عالمية باللغة العربية تعنى بتقديم محتوى ترفيهي غني بالمعرفة. وتطرق المدير العام ونائب رئيس مجموعة شبكات فوكس في حوار مع «الشرق الأوسط» إلى القيمة التي تقدمها القناة في المنطقة والبرامج الجديدة ودورها الإقليمي في تعزيز المحتوى الهادف والواقعي من خلال الحوار التالي:

> ما القيمة التي تضيفها قناة ناشيونال جيوغرافيك للمنطقة؟
- تعزيز المعرفة والوعي بالعالم من حولنا هو الهدف الأساسي لقناة ناشيونال جيوغرافيك، التي يعود اهتمامها بالعلوم والاستكشاف إلى أكثر من 130 عاماً. نحرص على إنتاج محتوى ملهم وغني بالمعرفة وجذاب، يجمع بين الترفيه والفائدة، ومن خلال الدعم الفريد الذي نتلقاه من المكتشفين والمغامرين والعلماء والمعلمين والمصورين وغيرهم من رواة الأخبار. ونطمح للمساهمة في ترسيخ ثقافة الاستزادة من المعرفة. ينسجم عملنا مع رسالتنا والتي تتجسد فيما تقوم به جمعية ناشيونال جيوغرافيك، التي تستثمر 27 في المائة من مجموع عائداتها العالمية في تمويل أنشطة المحافظة على البيئة والتعليم والإرشاد. يتركز عملنا بصفة أساسية حول حماية البيئة الطبيعية في العالم من خلال تقديم برامج لمشاهدينا تسهم في الارتقاء بوعيهم بكوكب الأرض - وهذا هو جوهر التزامنا بالاستدامة البيئية. لدينا التزام راسخ بحماية كوكبنا والعمل على التعريف به، من خلال برامج اكتسبت سمعة عالمية بموثوقيتها العالية وقدرتها على تلبية مختلف أذواق المشاهدين. ونتيجة لذلك أصبحنا أشهر وجهة للعلوم والاستكشاف والمغامرة عبر الكثير من المنصات، مثل القنوات التلفزيونية والمجلات، وبرامج الأطفال، والرحلات، والكتب، والخرائط، والمنتجات الاستهلاكية، وبرامج الترفيه في الموقع، إلى جانب مجموعة من أنجح المنصات الرقمية والوسائط الاجتماعية في العالم.
> وماذا عن منطقة الشرق الأوسط؟
- لا يوجد اختلاف بينها وبين غيرها من المناطق. فعلى مستوى البرامج نعمل على ترجمة رؤيتنا ورسالتنا إلى برامج تجمع ما بين الجودة العالية والهدف الواضح والسعي الدؤوب نحو التميز الإبداعي. نحن نبث قنوات ناشيونال جيوغرافيك عبر القنوات التلفزيونية المشفرة في كل أرجاء المنطقة. غير أننا نرغب في الوصول للمتحدثين بالعربية ولهذا أنشأنا قناة ناشيونال جيوغرافيك أبوظبي في عام 2009 بشراكة مع مؤسسة أبوظبي للإعلام، وهي أول محطة عالمية باللغة العربية تعنى بتقديم محتوى ترفيهي غني بالمعرفة. وهي تعتبر أول نسخة عربية رسمية من قناة ناشيونال جيوغرافيك، وهي قناة ناشيونال جيوغرافيك الوحيدة التي تبث مجاناً. وكان من أسباب إطلاق هذه القناة أن المنطقة تفتقر بشدة إلى البرامج الترفيهية الواقعية. ولكي تصل برامج القناة لأكبر عدد من المشاهدين في العالم العربي، حرصنا على أن تكون قناة مجانية تبث برامجها عبر الأقمار الصناعية عرب سات ونايل سات لمشاهديها في كل أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وبذلك أصبحت متاحة للمشاهدة في 305 ملايين بيت في 165 دولة. نحن الآن القناة الواقعية الأولى التي تبث برامجها باللغة العربية في كل المنطقة، وتتمتع بنسب مشاهدة عالية في أوساط الفئة العمرية 15 إلى 35 سنة من الجنسين. غير أننا لم نتوقف عند هذا الحد. فقد أردنا أن نوفر برامج ومحتوى باللغة العربية في مجالات الاستكشاف والمغامرات والعلوم إلى مجموعة عمرية أصغر في المنطقة، ألا وهي الفئة بين 8 و13 سنة. وهكذا أطلقنا في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي قناة ناشيونال جيوغرافيك أبوظبي للأطفال والتي تقدم برامجها العلمية والتعليمية للأطفال في الشرق الأوسط على مدار الساعة.
وتعتبر قناة ناشيونال جيوغرافيك أبوظبي للأطفال أول قناة وثائقية عربية للأطفال. وتماشياً مع رؤيتنا الهادفة للوصول إلى أكبر قاعدة مشاهدة ممكنة فقد جعلناها هي الأخرى تبث مجاناً على القمر الصناعي نايل سات وليست مشفرة وتعمل بتقنية إس دي وإتش دي المعيارية. وهي تقدم محتوى متنوعاً في مجالات العلوم والطبيعة للأطفال الشغوفين بعلوم الجغرافيا والحياة البرية والاستكشاف والخيال العلمي والفضاء. وهي تحرص على تقديم برامجها في قالب مرح لتحبيبها لقلوب الصغار وتعتبر مؤسسة علمية من طراز رفيع. ولها أيضاً موقع إلكتروني مزود بخدمة تلفزيون عبر الإنترنت.
> ما نوعية البرامج التي تقدم على قناة ناشيونال جيوغرافيك أبوظبي؟
- برامجنا تحفز المشاهدين في الشرق الأوسط على إعادة التفكير في نظرتهم للتلفزيون وللعالم، وذلك من خلال برامج ذكية ومبتكرة باللغة العربية تقدم مواد جذابة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والتاريخ الطبيعي والآثار وأسرار الطبيعة. لقد استطاعت قناة ناشيونال جيوغرافيك أبوظبي إرساء معايير جديدة في المنطقة فيما يتعلق بمشاركة المشاهدين، إذ توفر للمشاهدين برامج ذات جودة عالية من ناشيونال جيوغرافيك، بعضها يتم إنتاجه أصلاً باللغة العربية كما هو الحال بالنسبة للبرامج التي تنتج محلياً، أو تتم دبلجتها. وهي تقدم كماً هائلاً من المسلسلات الوثائقية الواقعية، من بينها عدد كبير من البرامج المنتجة محلياً والموجهة للمنطقة، بما في ذلك برامج عن الحج بالتعاون مع وزارة الصحة، وفيلم مصور عن شركة المراعي للألبان بالمملكة العربية السعودية بمناسبة عامها الأربعين، وكذلك برامج عن إعادة بناء القرية العالمية، مهمة إيفرست فريق الإمارات العسكري. كما تقدم القناة مسلسلات عالمية مدبلجة مثل ميغاستراكشرز، واللوفر أبوظبي، وأولاتميت إيربورت دبي.
> ما موقع البرامج الإقليمية في استراتيجية القناة؟
- لقد قمنا بزيادة كمية البرامج الإقليمية بعد أن لمسنا وجود فرص جيدة لإنتاج محتوى جذاب وغني بالمعرفة والفائدة للمشاهدين العرب، هنالك الكثير من القصص الرائعة في المنطقة جديرة بالعرض ونعتقد أن إنتاج برامج محلية يزيد من ارتباط هذه القناة بالمشاهدين المحليين. ونحن لدينا اهتمام خاص برعاية المواهب في المنطقة، خاصة في أوساط الشباب، وهذا واضح في نوعية البرامج المحلية التي نقوم بإنتاجها.
> ماذا عن سلسلة «أنا مصور ناشيونال جيوغرافيك» من كل هذا؟
- صممت هذه السلسلة بهدف دعم ورعاية المصورين الموهوبين في المنطقة. ويحظى المشاركون في البرنامج بنصائح وإرشادات فنية من الخبراء كما يحصلون على تدريب مكثف في مدرسة «نيكون» للتصوير في دولة الإمارات، لتطوير مهاراتهم الفنية والإبداعية وإتقان فن التصوير والتعامل مع الكاميرا. يجسد هذا البرنامج حرصنا على دعم فن التصوير الفوتوغرافي في المنطقة وإتاحة الفرص للشباب الموهوبين لبناء مستقبل مهني مرموق في هذا المجال، فضلاً عن تشجيع المشاهدين على الخروج من الدائرة المحلية والإقليمية والاهتمام باستكشاف العالم من حولهم، القريب والبعيد، وذلك من خلال إيصال البرنامج لملايين المشاهدين في منازلهم في شتى أرجاء المنطقة على شاشة ناشيونال جيوغرافيك أبوظبي. وتتيح طبيعة البرنامج الواقعية إمكانية إنتاج برامج ترفيهية جيدة تلبي احتياجات السوق لإنتاج محلي جذاب يستقطب نسب مشاهدة عربية عالية. سوف تستثمر الشركة خبرتها بالتصوير الفوتوغرافي والتي تمتد لنحو 130 سنة من أجل أن يسهم هذا البرنامج، إلى جانب مسابقات التصوير السنوية وبرنامجنا القادم المخصص لبراعم المصورين صغار السن، في إلهام واستقطاب هواة التصوير من كل أنحاء الشرق الأوسط لإشباع شغفهم وتحقيق أحلامهم بمساعدة خبراء من ناشيونال جيوغرافيك ونيكون. إننا نلمس عاماً بعد عام الإمكانات الهائلة التي يملكها الفنانون في منطقة الشرق الأوسط ونحن فخورون بمساهمتنا في تمكينهم من إنتاج أعمالهم وترجمة أفكارهم وتحويلها إلى أعمال بصرية بديعة. ويعتبر هذا البرنامج جزءاً من ثلاث مبادرات محلية ننفذها سنوياً لتشجيع المواهب المحلية في مجال التصوير بصفة خاصة. والبرنامجان الآخران هما: مسابقة لحظات وهي مسابقة سنوية للتصوير الفوتوغرافي تدخل هذا العام سنتها الثامنة، وتهدف لرعاية مواهب هواة التصوير من مختلف أنحاء العالم العربي. وتحظى هذه المسابقة بشعبية كبيرة وقد شارك فيها أكثر من 19 ألف متسابق من مختلف أرجاء الشرق الأوسط، من الإمارات والسعودية إلى فلسطين ومن مصر إلى موريتانيا. يتم إعداد قائمة قصيرة من 75 من المتسابقين من فئات المسابقة الأربع: الشباب، والكبار، والتصوير الوثائقي و«اختيار الجمهور». إن مسابقة لحظات تتيح الفرصة للمصورين في المنطقة لإبراز مواهبهم والتي نقوم برعايتها. حيث يحصل الفائزون في فئة الصورة الواحدة وفئة الصورة الوثائقية على فرصة الذهاب في رحلة مدفوعة الأجر إلى كوبا ممولة من ناشيونال جيوغرافيك بهدف صقل مهاراتهم بمعاونة خبراء من ناشيونال جيوغرافيك، كما يحصلون على معدات تصوير، وسنطلق نسخة خاصة للمشاهدين الصغار تسمى «أنا مصور ناشيونال جيوغرافيك صغير» وذلك على قناة ناشيونال جيوغرافيك أبوظبي للأطفال التي بدأت بثها في نوفمبر الماضي. وسيكون هذا أيضاً برنامجاً يتم إنتاجه محلياً بهدف رعاية مواهب الصغار. ومن حسن الطالع أن أصغر مصور في المنطقة شارك في يوم التدشين كان من هنا... من السعودية.



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.