السودان: صراع قوي لاختيار خليفة غندور

البديل يكشف التوازن الجديد للنظام بين العسكر والإسلاميين... وعدوي وكرتي والفريق عروة أبرز المرشحين

غندور خلال مؤتمر صحافي في الخرطوم الشهر الجاري (أ.ف.ب)
غندور خلال مؤتمر صحافي في الخرطوم الشهر الجاري (أ.ف.ب)
TT

السودان: صراع قوي لاختيار خليفة غندور

غندور خلال مؤتمر صحافي في الخرطوم الشهر الجاري (أ.ف.ب)
غندور خلال مؤتمر صحافي في الخرطوم الشهر الجاري (أ.ف.ب)

مثلما انشغلت الأوساط السياسية السودانية بإقالة الرئيس عمر البشير لوزير خارجيته إبراهيم غندور، ها هي تنشغل مجدداً بمن يجلس مكانه في المكتب المطل على النيل الأزرق.
فبمجرد صدور قرار الإقالة المتعجل، تسارعت التكهنات وتم تداول الكثير من الأسماء والمجموعات تعبر كل منها عن توجه مختلف في السياسة الخارجية. فعلى الرغم من صعوبة التكهن بما يفكر فيه الرئيس البشير والأسس التي سيعتمدها في اختيار بديل الغندور، فإن صحافة الخرطوم ومنصاتها الاجتماعية، سارعت إلى ترشيح الكثير من الأسماء.
بعض الترشيحات تستند على استلهام التحديات التي تواجهها البلاد، والاضطراب في سياستها الخارجية، وأخرى لا تزيد على كونها «مصالح» ودعاية لأسماء بعينها تهدف لوضعها على طاولة الرئيس حين يأتي وقت الاختيار، وثالثة تلعب على إشعال جذوة الإسلاميين التي خبت بـ«نفض الغبار عن الحرس الإنقاذي القديم»، وإعادتهم إلى الأضواء مجدداً، لكن مراقبين يرون أن اختيار الوزير الجديد سيكون العامل الحاسم فيه مدى قبوله لتعديل الدستور لإتاحة دورة رئاسية جديدة للرئيس البشير في انتخابات 2020.
وأشار محللون سياسيون وخبراء، إلى أن اختيار بديل لغندور أشعل الصراع بين مراكز القوى السياسية، في محاولة لنيل المنصب. ويرى المحلل السياسي الجميل الفاضل أن اختيار وزير الخارجية القادم سيحدد توجهات هذه السياسة. وأضاف: «اختيار الرئيس لأحد المرشحين المحتملين من مجموعة الوزراء السابقين مثل (وزيري الخارجية علي كرتي، مصطفى عثمان) من ذوي الخلفيات الإسلامية، فإن هذا يؤشر لاحتمالات العودة للتقارب مع البعد الآيديولوجي الإسلامي، وعودة النظام إلى حاضنته التقليدية، قطر، تركيا، إيران، وروسيا بطبيعة الحال باعتبارها حليفة لهذه المجموعة».
لكن الفاضل يرجح احتمال اختيار شخصية عسكرية، ويخص رئيس هيئة الأركان العامة السابق الفريق أول عماد الدين عدوي، بكونه أحد أقوى المرشحين. ويرى أن اختياره للمنصب سيعطي النظام «مظهراً عسكرياً». يقول: «اختيار عدوي يعني أن النظام سيتجه نحو العسكرة على حساب الإسلاميين، بإعطاء الوزارات المهمة لعسكريين، مثل: (المالية، والدفاع، الخارجية)»، مستنداً في ذلك إلى أن عددا من العسكريين الذي وصلوا منصب رئيس هيئة الأركان أصبحوا وزراء بعد تقاعدهم مثل «الفريق أول عصمت عبد الرحمن للداخلية، الفريق أول مهدي بابو نمر للصحة»، وآخرين. واختيار عدوي للمنصب هو الذي سيغير موازين اللعبة، وسيبين التوجه الجديد وعسكرة النظام.
ويتابع: «اختيار عدوي يعني أن الرئيس قرر المضي قدماً في سياسة التقارب مع الغرب والخليج»، ويضيف «لعدوي علاقات قوية بالغرب، فهو أول عسكري سوداني يشارك في اجتماعات قيادة إفريكوم في شتوتغارت بألمانيا أبريل (نيسان) الماضي، ما يعني إعادة كرة الدبلوماسية السودانية للمعلب الغربي والخليجي».
ويقول الفاضل، إن توجهات السياسة الخارجية السودانية ارتبكت خلال الفترة الأخيرة، وصارت ضبابية عقب زيارة الرئيس لروسيا في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وطلبه من الرئيس فلاديمير بوتين حماية السودان من الخطر الأميركي... فبعد أن كانت تراهن على تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية والغرب والخليج، بل بذلت جهوداً كبيرة لتلبية المطالب الغربية، اتجهت نحو التقارب مع محور «روسيا - تركيا»، بل شهدت انتعاش علاقة الخرطوم مع الدوحة بعد الفتور الذي أصابها إثر النزاع الخليجي.
ومثل عدوي يقول الفاضل، فإن الفريق أول الفاتح عروة بصفته واحداً من المرشحين للمنصب، يتميز بعلاقات استخبارية مع الغرب، بدأت مع «عملية موسى» بترحيل اليهود الفلاشا إلى إسرائيل على الرئيس الأسبق جعفر نميري، فإن اختياره يعزز التوجه غرباً، وفي ذات الوقت يعزز التوجه نحو عسكرة النظام بعيداً عن خلفيته وحاضنته الإسلامية.
وعلى الرغم من المحددات التي حددها الفاضل، فإنه في ذات الوقت يستبعد أن يتم اختيار وزير من خارج الحزب الحاكم «المؤتمر الوطني» رغم احتكار الرئيس لسلطة الاختيار. وفي ذات الوقت يستبعد الفاضل اختيار تكنوقراطي يقول: «نادراً هم السفراء الذين وصلوا المنصب عن طريق التدرج، وإذا تم العثور على واحد منهم فسيكون باهتا وبلا لون، لأنه على الأرجح قدم تنازلات كبيرة للحفاظ على منصبه، في الوزارة التي أصبحت حكراً على الإسلاميين منذ مجيء الانقلاب في 1989».
الأكاديمي والمحاضر بجامعة الخرطوم بروفسور الطيب زين العابدين، له رؤية مختلفة للتحولات المتوقعة في السياسة الخارجية بعد ذهاب غندور، تقول بثبات السياسة الخارجية للسودان وعدم تغيرها، يقول: «لن تتغير السياسة الخارجية، لكن بالطبع لن تكون بذات الطريقة أو العلاقات التي كان يمتلكها الوزير غندور».
ويوضح زين العابدين أن السياسة الخارجية يرسمها الرئيس البشير وذلك وفقاً للدستور، وبالتالي فإن السياسات التي كانت متبعة في عهد غندور تمت برضاه وموافقته، وبحكم كونه - الرئيس - يحدد السياسات الخارجية بسلطات كاملة فإن ثوابتها لن تتغير.
ويرى زين العابدين أن إقالة الوزير غندور كانت خاطئة، لأن بنك السودان فعلا لم يدفع ميزانية وزارة الخارجية، وأن الوزير قال كلامه للبرلمان بعد يأسه من بنك السودان ووزارة المالية، لكن سلفه سيواجه تغييرات إقليمية ودولية كبيرة، مثل التحالف الأميركي بشأن سوريا واحتمالات إرسال قوات عربية إلى الدولة المضطربة.
من جهته، سار مصدر طلب عدم كشف اسمه مع ما تكهنات مواقع التواصل الاجتماعي، وقال إن إقالة غندور لها علاقة قوية بصراع الأجنحة وسط النخبة الحاكمة، وإن هذا الصراع سيتكشف بشكل أكثر وضوحاً في اختيار الوزير البديل، ويكشف ما إن كان الحرس القديم للإنقاذ يستطيع العودة إلى الأضواء التي فقدها في مراحل سابقة، أو أن الرئيس البشير سيتخفف من حمل الإسلاميين الذي يثقل كاهله، ويضيف: «سياسة غندور الخارجية الموالية للغرب كانت بلا نتائج فعلية، ولم تخفف من أزمات النظام السياسية، أو الاقتصادية».
وأقيل غندور من منصبه على خلفية تصريحات للبرلمان أعلن خلالها إفلاس وزارته، لرفض بنك السودان تحويل رواتب الدبلوماسيين وإيجارات المقار لسبعة أشهر، لكن مراقبين يقولون إن الإقالة كانت متوقعة على خلفية تقارير عن تقديم غندور لاستقالته مطلع العام الحالي، لكن «رجل القصر» كان رفضها، ليس حباً به بل لأن الاستقالة تقليد غير مسموح: «تعين بقرار رئاسي، وتذهب بقرار رئاسي»، وأن الغندور وضع عنقه على المذبحة بتلك التصريحات.
ومنذ وقت طويل تتقاطع الملفات الخارجية مع ملفات رئاسية، تم بموجبها تحويل ملفات خارجية كثيرة إلى أشخاص تابعين للرئاسة، ليديروها بعيداً عن الخارجية، وهو ما يرجح أن «إقالة غندور» هي امتداد لهذا الاصطراع، ويقول المراقبون إن البديل سيتم اختياره على هذا الأساس.
ومن الملفات التي نزعت من الخارجية ملف دول مجموعة البريكس «الصين، روسيا، الهند، البرازيل وجنوب أفريقيا»، وأوكلت لمساعد الرئيس عوض الجاز، إضافة إلى ملف العلاقات مع تركيا، فيما أوكل ملف الخليج لمدير مكتب الرئيس السابق طه الحسين، فيما يشارك الأمن والدفاع والاستخبارات الخارجية في ملف الحوار مع أميركا.
وعلى الرغم من أن بنك السودان المركزي «كذب» مزاعم الوزير السابق غندور بعدم تسديد ميزانية وزارة الخارجية، وقال إنه سدد 92 في المائة من ميزانية الوزارة للعام 2017 لكن تقارير سابقة كشفت أن الخارجية عانت بشدة من شح التمويل والنقد الأجنبي.
وهكذا ذهب غندور وترك منصبه المرموق عن قصد حسب رواية، وعن خطأ حسب رواية أخرى للطامعين، وتم تداول أسماء كثيرة كخلفاء، فبالإضافة إلى الذين ورد ذكرهم في متن التقرير فإن أسماء مثل: «وكيل الخارجية الأسبق مطرف صديق، المسؤول عن التفاوض حول منطقة أبيي المتنازعة، الدرديري محمد أحمد سفير السودان لدى الإمارات، محمد أمين الكارب مدير مكاتب الرئيس السابق، والمستشار في الخارجية السعودية طه الحسين، رئيس نادي المريخ جمال الوالي» مطروحة كبدلاء، لكن المحللين يرون أن معظمهم يتم ترشيحهم لوضعهم على الطاولة حين يقرر الرئيس اختيار وزير خارجيته المقبل.



زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
TT

زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

مع ساعات الفجر الأولى، يجلس برك بو سبعة (63 عاماً) إلى طاولة أحد المقاهي الشعبية في قلب مدينة المكلا القديمة، يتأمل وجوه المارّة، ويتبادل أطراف الحديث مع أصدقائه عن هموم تتشابه وتفاصيل حياة لم تعد كما كانت.

ويُعدّ بو سبعة من قدامى سكان المدينة الساحلية، وقد ارتبط رزقه ورزق أسرته ببحر العرب، الذي يعانق جبال المكلا شرق اليمن، ويمنح الصيادين ما تجود به أمواجه؛ يوماً بعد آخر.

قدم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» أكثر من 200 قارب للصيادين في المكلا (الشرق الأوسط)

يستعيد برك، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، ملامح الحياة القديمة في المكلا، قائلاً إن «الأيام كانت أبسط وأجمل»، مضيفاً: «الناس كانوا طيبين... لا يميلون إلى المشكلات، ويحبون الضيف ويكرمونه».

وأثناء احتسائه الشاي بالحليب، يتابع بو سبعة حديثه عن العادات اليومية قائلاً: «كما ترى، يبدأ الناس صباحهم هنا بالباخمري والمطبق (من الأكلات الشعبية)، فيما تختلف الطقوس بعد الظهر، حيث يتناولون الأرز الصيادية، ويشتهر بها عمر عبود باسعد».

برك بو سبعة أحد قدامى الصيادين في مدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

ولا يزال بعض المظاهر القديمة حاضراً في ذاكرة بو سبعة، ومنها جلسات العصر التي كان الناس يلتفون فيها لسماع قصص عنترة، تُروى على شكل حلقات متتابعة تمتد أياماً عدة. ويقول: «من أشهر من كان يروي هذه القصص عبد أحمد، وكان الناس ينتظرون جلساته بشغف».

ويشير بو سبعة إلى المكان الذي كانت تُعقد فيه تلك الجلسات، خلف سدة يعقوب باوزير، وهي مقبرة كبيرة في المكلا القديمة، لافتاً إلى أن بعض الروايات تقول إن يعقوب باوزير قدم إلى المدينة من العراق.

وعن هموم الصيادين اليوم، يختصرها بو سبعة في 3 عناوين رئيسية: «غلاء المعيشة، وصعوبة توفير المحروقات، وارتفاع أسعار معدات الصيد»، مؤكداً أن هذه التحديات باتت تثقل كاهل من لا يزالون يعتمدون على البحر مصدراً وحيداً للرزق.

«كونتينر الريان»

تدخّل صياد آخر في الحديث قائلاً: «تحسّن وضع الصيادين الآن بعد مغادرة الإماراتيين». سألته كيف؟ فطلب عدم ذكر اسمه، موضحاً: «كانت هناك مناطق يُحظر علينا الصيد فيها من قبل القوة الإماراتية التي كانت موجودة».

وأضاف: «مُنعنا الصيد في منطقة شحير القريبة من مطار الريان، وكذلك في منطقة الضبة. اليوم تنفّسنا الصعداء بعد مغادرتهم».

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، طلب في 30 ديسمبر (كانون أول) الماضي، مغادرة ⁠كل ​القوات ‌الإماراتية ومنسوبيها جميع الأراضي اليمنية في غضون 24 ⁠ساعة.

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

غير أن الرجل، الذي يبدو في عقده الرابع، تحدث بمرارة عمّا يُعرف بـ«كونتينر الصيادين». اعتدل في جلسته، ثم واصل حديثه قائلاً: «كان هناك كونتينر خصصه الإماراتيون في مطار الريان لاحتجاز الصيادين المخالفين تعليماتهم».

وتابع: «كما كانت تُحتجز الهواري (القوارب) لفترات قد تصل أحياناً إلى شهر، وهو أمر كارثي بالنسبة إلى صياد يعتمد في قوت عائلته على صيده اليومي».

وأشار الصياد إلى ملاحظة أخرى وصفها باللافتة، قائلاً: «بعض الصيادين كانت تُصرف لهم رواتب شهرية من قبل الإمارات مقابل الامتناع عن الصيد، وعند تسلمهم تلك الرواتب فوجئوا بأن أسماءهم مُسجّلة في الكشوفات المالية بوصفهم (جنوداً) لدى القوة الإماراتية».

ووفق تقديرات محلية، يبلغ عدد الصيادين في مدينة المكلا نحو 3 آلاف صياد، يتوزعون على عدد من مناطق المدينة. ووفقاً لأحدهم، فقد قدّم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، قبل نحو عامين، أكثر من 200 قارب دعماً للصيادين في المكلا، في إطار الدعم التنموي المستمر الذي تقدمه المملكة للشعب اليمني في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.


سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
TT

سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)

أثار إعلان السلطة المحلية وقوات «تحالف دعم الشرعية» في اليمن عن المصادقة على خطة إخراج المعسكرات من مدينة عدن، التي تُتخذ عاصمة مؤقتة للبلاد، حالة من الارتياح لدى سكان المدينة التي عانت من الصراعات في السابق، وطالبوا بتحويل المعسكرات إلى حدائق ومدارس، عادّين ذلك خطوة مهمة لتجنيب المدينة أي صراعات مستقبلية.

وعبّر سكان في المدينة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، عن سعادتهم بهذه الخطوة، ورأوا أن تحويل المعسكرات إلى حدائق عامة ومدارس سيخدم السكان، ويسهم في تجنيب المدينة الصراعات لتكون آمنة ومستقرة، قائلين إنهم كانوا يتطلعون منذ مدة طويلة إلى مثل هذه الخطوة التي أثّرت على الدور الفاعل للمدينة ودورها الاقتصادي.

وقال صهيب، وهو معلم، إنهم يتطلعون إلى «مزيد من القرارات الجادة التي تصب في مصلحة سكان المدينة وتلبي تطلعاتهم المشروعة؛ لأن سكان عدن دفعوا عبر سنوات طويلة ثمن الصراعات التي أثّرت بشكل واضح على الطابع المدني الذي عُرفت به، وعلى الدور الاقتصادي المنشود بصفتها أكبر موانئ البلاد والعاصمة الاقتصادية لها».

تحقيق الأمن والاستقرار ركيزة أساسية لاستعادة عدن مكانتها الاقتصادية (إعلام محلي)

من جهته، يرى سامي عبد الباسط، وهو طالب جامعي، أن سكان عدن عانوا من الصراعات نتيجة انتشار المعسكرات فيها، وأنه حان الوقت لإغلاق هذه الصفحة من خلال تعزيز دور شرطة المدينة وإخراج المعسكرات منها، مبيناً أن وجود المعسكرات وسط التجمعات السكنية من شأنه أن يفتح الباب أمام أي مغامرة، كما حدث في عامي 2018 و2019.

الأمر ذاته عبّرت عنه نسرين، وهي موظفة حكومية، وأكدت أن الناس يتطلعون إلى أن تعود عدن كما عُرفت؛ مدينة مسالمة ومستقرة ومركزاً للأنشطة الثقافية والفنون، مشيرة إلى أنها بحاجة إلى تحسين الخدمات والفرص الاقتصادية، وأن إخراج المعسكرات سيشكّل خطوة مهمة في دعم وتعزيز الطابع المدني الذي عُرفت به منذ زمن طويل، قبل أن تدفع ثمن الصراعات.

آليات تنفيذية

وكانت قيادة السلطة المحلية بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، برئاسة وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، قد عقدت اجتماعاً مشتركاً مع قيادة التحالف الداعم للشرعية في اليمن، ممثلة باللواء الركن فلاح الشهراني، وبحضور قيادات أمنية وعسكرية؛ لمناقشة خطة إعادة تموضع المعسكرات خارج نطاق المدينة.

وذكر إعلام السلطة المحلية أن الاجتماع ناقش الآليات التنفيذية وخطة إخراج المعسكرات وإعادة تموضعها في المواقع المتفق عليها، على أن يعلَن عن تفاصيل ذلك لاحقاً من قبل الجهات المختصة؛ وذلك في إطار الجهود الهادفة إلى تعزيز الطابع المدني لمدينة عدن وترسيخ الأمن والاستقرار فيها.

وطبقاً لما أوردته المصادر، فإن «تنفيذ خطة إعادة التموضع سيكون على 3 مراحل، وفق خطوات وآليات واضحة جرى التوافق عليها، بما يضمن تحقيق الأهداف الأمنية والتنظيمية المنشودة».

وشدد المجتمعون على أن تحقيق الأمن والاستقرار يمثل ركيزة أساسية لاستعادة مكانة عدن ودورها الريادي، لا سيما في الجوانب الاقتصادية والاستثمارية، بما يسهم في دعم مسار التنمية وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

استقرار الوقود

وفي لقاء آخر، ناقشت السلطة المحلية بعدن مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، ممثلة بمستشار قائد القوات المشتركة اللواء الركن فلاح الشهراني، سبل تعزيز استقرار إمدادات الغاز المنزلي والمشتقات النفطية، وتحسين خدمات الطاقة في العاصمة المؤقتة للبلاد والمحافظات المحررة.

وكرّس الاجتماع، الذي حضره وكيل محافظة عدن لشؤون التنمية، عدنان الكاف، ووكيل وزارة النفط والمعادن، طلال بن حيدرة، لمناقشة التحديات المرتبطة بغياب الخزانات الاستراتيجية للغاز وتداعيات توقف الإمدادات مؤخراً، والتوجه إلى إنشاء خزانات استراتيجية تضمن استقرار التموين وتفادي الأزمات مستقبلاً.

حضور فاعل لـ«تحالف دعم الشرعية» في تحسين الخدمات لسكان عدن (إعلام حكومي)

كما ناقش المشاركون آليات تأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، وتعزيز التنسيق بين الجهات ذات العلاقة لضمان استمرارية تزويد السوق المحلية بالغاز والحد من أي اختناقات.

وثمن الحاضرون في الاجتماع الدعم الذي تقدمه السعودية في مجال المشتقات النفطية، وما أسهم به في تحسين خدمة الكهرباء واستقرار التيار خلال الأيام الماضية، ضمن الاستعدادات المبكرة لفصل الصيف.


اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
TT

اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)

في لحظة سياسية دقيقة، يعود ملف الجنوب اليمني إلى واجهة المشهد الإقليمي، وسط تحركات سعودية حازمة تهدف إلى إعادة صياغة مساره بعيداً عن الاستقطاب والصراعات المفتوحة، وبمقاربة تضع الحوار الشامل خياراً وحيداً لتفكيك التعقيدات المتراكمة وإنهاء حالة الجمود.

وفي هذا السياق، انطلقت في العاصمة السعودية الرياض، الأحد، أعمال «اللقاء التشاوري الجنوبي» بمشاركة واسعة من القيادات والشخصيات السياسية والاجتماعية، إلى جانب المشايخ والأعيان، من مختلف محافظات جنوب اليمن، في خطوة تمهيدية لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، الذي ترعاه السعودية، ضمن جهودها الرامية إلى دعم مسار سياسي شامل يعالج القضية الجنوبية بعيداً عن الإقصاء والتهميش، وبما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة.

ويأتي هذا اللقاء في ظل تعقيدات غير مسبوقة يعيشها المشهد اليمني، وما تواجهه القضية الجنوبية من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة، حيث يسعى المشاركون إلى بلورة رؤية جنوبية جامعة تقوم على الحوار بوصفه خياراً أساسياً لمعالجة جذور الأزمة، بعيداً عن منطق التصعيد والعنف، أو اختزال القضية في تمثيل أحادي لا يعكس تنوع الجنوب وتعدد مكوناته.

وأكد المجتمعون، في بيان ختامي تلاه عبد الرحمن المحرّمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، أن اللقاء يعكس «إرادة جنوبية جامعة تمثل مختلف شرائح الجنوب ومحافظاته، وتسعى إلى التوصل إلى حل عادل وآمن ومستدام للقضية الجنوبية»، مشددين على أن هذا المسار السياسي يستند إلى الحوار المسؤول بوصفه الطريق الوحيد القادر على تجنيب الجنوب مزيداً من الانقسامات والصراعات الداخلية.

لقاء تشاوري في الرياض للقيادات الجنوبية أكد على نهج الحوار للتوصل إلى حلول عادلة للقضية الجنوبية (رويترز)

وأوضح البيان أن المشاركين لمسوا، من خلال لقاءاتهم المباشرة مع القيادات والمسؤولين في السعودية، دعماً واضحاً ومتطابقاً مع مطالب الجنوبيين المشروعة، وفي مقدمتها حقهم في الوصول إلى حل سياسي شامل يضمن كرامتهم وأمنهم واستقرارهم، دون فرض شروط مسبقة أو سقوف سياسية، وبما يكفل حق أبناء الجنوب في تقرير مستقبلهم السياسي عبر آلية توافقية لا يُقصى فيها أحد.

وشدد البيان على أن خيارات أبناء الجنوب، بما فيها شكل الدولة ومستقبلها السياسي، تظل حقاً أصيلاً لهم وحدهم، وأن المملكة العربية السعودية لا تتبنى موقفاً معادياً لأي خيار، شريطة أن يكون ناتجاً عن حوار جنوبي - جنوبي شامل، لا يُفرض من قبل مكون أو شخص بعينه، ولا يُختزل في تمثيل لا يعكس الإرادة الجنوبية الجامعة.

رعاية سعودية وفرصة تاريخية

البيان أكد أن مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، برعاية السعودية، يمثل «فرصة تاريخية نادرة» لإعادة تصويب مسار القضية الجنوبية، محذراً من محاولات العبث بهذه الفرصة عبر خلق استقطابات داخلية، أو الزج بالجنوب في صراعات جانبية تخدم أطرافاً إقليمية تسعى لإدامة الفوضى، ولا تصب في مصلحة الجنوبيين أو مستقبلهم.

وفي هذا السياق، برزت دعوات واسعة داخل اللقاء، إلى ضرورة الفصل بين عدالة القضية الجنوبية بوصفها قضية سياسية وحقوقية مشروعة، وبين الممارسات الفردية لبعض القيادات التي يرى مراقبون أنها ألحقت أضراراً جسيمة بالقضية، من خلال احتكار التمثيل، أو توظيفها في صراعات إقليمية لا تخدم تطلعات أبناء الجنوب.

السعودية تقود مساراً يقوم على الحزم والمسؤولية الإقليمية للتوصل إلى حلول آمنة لقضايا اليمن المعقدة (رويترز)

ويشير محللون إلى أن تراجع الزخم السياسي للقضية الجنوبية خلال مراحل سابقة ارتبط، إلى حد كبير، بممارسات سياسية ومالية مثيرة للجدل، وبتغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة، وهو ما أسهم في إضعاف حضور القضية على المستويين الإقليمي والدولي، قبل أن تعيد الرعاية السعودية الحالية تصديرها بوصفها قضية سياسية مركزية ضمن مسار الحل الشامل في اليمن.

وأشار المحرمي إلى أن القيادات والشخصيات الجنوبية المشاركة لمست منذ وصولها إلى الرياض، ترحيباً صادقاً ودعماً عملياً للقضية الجنوبية، مؤكداً أن هذا الدعم لم يقتصر على الجانب السياسي؛ بل شمل الملفات المعيشية والاقتصادية والأمنية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

وأوضح البيان أن اللقاءات التي عقدتها القيادات الجنوبية مع مسؤولي مؤسسات الدولة في المملكة، أسهمت في تقديم صورة أكثر عمقاً ووضوحاً عن أبعاد القضية الجنوبية، الأمر الذي عزز من حضورها السياسي إقليمياً، وساعد في تسريع معالجة عدد من الملفات العاجلة، وفي مقدمتها أزمة صرف المرتبات المتأخرة، التي أثقلت كاهل الموظفين المدنيين والعسكريين على حد سواء.

القيادات الجنوبية شددت على رفض الإقصاء أو الاحتكار لموضوع القضية الجنوبية (رويترز)

كما أعلنت السعودية عن دعم اقتصادي وتنموي للجنوب واليمن عموماً، بلغت قيمته نحو 1.9 مليار ريال سعودي (نصف مليار دولار) في خطوة عُدّت مؤشراً عملياً على التزامها بدعم الاستقرار المعيشي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتهيئة البيئة اللازمة لإنجاح أي مسار سياسي مقبل، مع تكفلها برواتب الموظفين المدنيين الحكوميين بمبلغ 9 ملايين دولار، وكذا برواتب كل العسكريين والأمنيين المرتطبين باللجنة المشتركة لقيادة تحالف دعم الشرعية.

وفي الجانب الأمني، تلقى المجتمعون تأكيدات مباشرة بشأن استمرار دعم القوات الجنوبية التي تضطلع بمهمة مكافحة الإرهاب وحماية الأمن والاستقرار، في مواجهة التهديدات التي تشكلها ميليشيات الحوثي والتنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها «القاعدة» و«داعش»، بما يعزز من قدرة الجنوب على حماية مكتسباته الوطنية.

دعوة للمشاركة والمسؤولية

دعا البيان الذي قرأه المحرّمي، جماهير الشعب الجنوبي، إلى التعبير عن تطلعاتهم المشروعة بوعي ومسؤولية، ودعم مسار الحوار الجنوبي برعاية السعودية، باعتباره الإطار الأكثر واقعية وأماناً للتوصل إلى حل سياسي شامل، يحفظ الحقوق ويصون المكتسبات، بأقل تكلفة ممكنة.

كما وجّه البيان نداءً إلى المجتمع الدولي لمساندة هذا المسار الجاد، واحترام تطلعات الجنوبيين، ودعم الجهود السعودية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في الجنوب واليمن والمنطقة، باعتبار أن معالجة القضية الجنوبية تمثل مدخلاً أساسياً لأي تسوية شاملة ومستدامة.

حشد من المتظاهرين في عدن المطالبين بإيجاد حلول للقضية الجنوبية (رويترز)

وفيما يتعلق بالمظاهرات التي تشهدها مدينة عدن بين الحين والآخر، أكد البيان أن هذه التحركات تعبّر في جوهرها عن مطالب شعبية مشروعة مرتبطة بالقضية الجنوبية والظروف المعيشية الصعبة، ولا يمكن اختزالها في دعم شخص أو مكون بعينه.

ويرى مراقبون أن توظيف هذه الاحتجاجات سياسياً من قبل بعض القيادات، بهدف تحقيق مكاسب شخصية أو تعزيز نفوذ ضيق، أسهم في تشويه صورة الحراك الجنوبي، وأضعف مصداقية القضية أمام المجتمع الدولي، لا سيما في ظل اتهامات متداولة حول قضايا فساد وسوء إدارة ألحقت أضراراً مباشرة بحياة المواطنين.

رفض للنهج الفوضوي

في مقابل الإشادة بالدور السعودي، برزت داخل اللقاءات الجنوبية مواقف نقدية حادة تجاه دور أبوظبي في اليمن، حيث يرى مراقبون أن السياسات الإماراتية، القائمة على دعم أطراف بعينها، أسهمت في تعميق الانقسامات الجنوبية، وإطالة أمد الفوضى، وعرقلة الوصول إلى حل سياسي شامل.

من المرتقب أن يتوصل حوار القادة الجنوبيين في الرياض إلى فتح صفحة جديدة في تاريخ اليمن (رويترز)

ويربط محللون هذا الدور بما تصفه تقارير دولية بنمط تدخل إماراتي مشابه في دول أخرى مثل السودان وليبيا والصومال، حيث أدت سياسات دعم الفصائل المحلية إلى تعقيد الأزمات بدلاً من حلها، في حين تميزت المقاربة السعودية، وفقاً لهذه الرؤية، بالتركيز على دعم الدولة، والحوار، والاستقرار، والتنمية.

ويرى محللون أن استمرار أي تدخلات خارجية تحرّض على شق الصف الجنوبي، أو توظف القضية الجنوبية لخدمة أجندات إقليمية، قد يدفع الرياض إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة لحماية مسار الحوار، وضمان عدم تقويض جهود مكافحة الإرهاب، وتحقيق الأمن والاستقرار في اليمن.