مصر.. العشوائيات «الواقع المخيف»

1750 منطقة تحتضن 13 مليون نسمة اقترنت بالعنف.. والحكومة خصصت وزارة لتطويرها

مصر.. العشوائيات «الواقع المخيف»
TT

مصر.. العشوائيات «الواقع المخيف»

مصر.. العشوائيات «الواقع المخيف»

استحدثت الحكومة المصرية التي جرى تكليفها مع انتخاب الرئيس الجديد عبد الفتاح السيسي، وزارة جديدة من نوعها تهدف إلى معالجة واحدة من أهم المشاكل التي تواجه البلاد منذ نحو أربعين سنة وظهر خطرها بشكل كبير عقب ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، وهي المناطق السكنية غير المخططة التي يعيش فيها ملايين المصريين في ظروف صعبة، والمعروفة باسم «المناطق العشوائية» المنتشرة في المدن الكبرى. وتسببت، لطبيعة تكوينها، في تفريخ أعمال عنف ولجوء «الإرهابيين» للاختباء فيها.
والوزارة الجديدة جرى تسميتها أولا «وزارة العشوائيات»، لكن يبدو أن الاسم لم يكن مستساغا، فجرى إبدال اسمها قبل يومين إلى وزارة «التطوير الحضاري»، وتقودها الوزيرة ليلى إسكندر، التي كانت تتولى في السابق العمل وزيرة لشؤون البيئة. وتتفاوت تقديرات المناطق العشوائية ومن يعيشون فيها، لكنها تدور حول 1300 إلى 1750 منطقة يعيش فيها نحو 13 مليون نسمة، وإن كان العدد يقل ويزيد من جهة إلى أخرى.

ترى منال الطيبي، مديرة مركز «الحق في السكن» مشكلة استحداث وزارة للعشوائيات بنظرتين.. النظرة الأولى أنها «خطوة إيجابية» وأن المسؤولين شعروا أخيرا بمشكلة كبيرة مثل العشوائيات. وأضافت أن النظرة الثانية هي تخوفها من أن تتحول مهمة هذه الوزارة إلى محاولة لتجميل شكل العشوائيات لا تطويرها. وتقول الطيبي: «لدي تخوف بدا مع تغيير اسم الوزارة وأطلقوا عليها اسم التطوير الحضاري.. أتخوف من أن تكون مهمتها تنحصر في شكل العشوائيات وليس بكل ما يتعلق بهذا النوع من المناطق، لأن التطوير أرى أنه (ليس تطويرا للمباني فقط ولكن للناس أيضا)».
ويعقد كثير من المصريين الأمل على أن تؤدي هذه الوزارة، بالتعاون مع المحافظات الكبرى، إلى التخلص من المناطق العشوائية بعدة طرق؛ منها الإزالة الكاملة، أو التطوير أو الإحلال والتجديد. ويأتي اهتمام حكومة المهندس إبراهيم محلب بوضع خطط تطوير العشوائيات موضع التنفيذ بصفته رجل مقاولات قادما من شركة المقاولون العرب.
لكن منال الطيبي تزيد قائلة: «أخشى أن يكون هناك تهجير قسري لسكان العشوائيات تحت اسم التطوير. وأقلق من التعامل مع العشوائيات على أنها مشكلة في حد ذاتها منفصلة عن المشاكل الأخرى.. هذه القضية ترتبط بمشكلة أكبر وهي سياسات الإسكان بمصر منذ عقود.. لكي نغلق باب العشوائيات، لا بد من خطة عامة تشارك فيها الوزارات المختصة.. أي وضع نظرة كلية لموضوع السكن، لأن هذه الأزمة لن تحل إلا باستراتيجية كلية تدرك أسباب العشوائيات.
ووفقا للتقارير الرسمية، فإنه توجد 143 منطقة عشوائية قابلة للتطوير ويجري العمل فيها بالفعل، بينما هناك 195 منطقة أخرى قابلة للتطوير أيضا، لكن لم يبدأ العمل بها بعد، بالإضافة إلى 26 منطقة غير قابلة للتطوير ويجري العمل على إزالتها، ونقل سكانها إلى مناطق مخططة.
ولا توجد معلومات دقيقة عن توصيف المناطق العشوائية ولا عددها أو عدد سكانها، والرقم يتراوح عادة بين ستة ملايين و15 مليونا. وكشف مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء (الحكومة)، في تقرير أعده عدد من الخبراء أخيرا، عن أن عدد سكان المناطق العشوائية يقدر بنحو 6.2 مليون حتى عام 2005، وأن القاهرة تستحوذ على ثلث عدد سكان المناطق العشوائية. لكن بيانا آخر في الدراسة نفسها يقول إن عدد المناطق العشوائية في 2007 بلغ 1171، يعيش فيها نحو 15 مليون نسمة.
ويضيف التقرير أن مساحة العشوائيات، حتى فبراير (شباط) الماضي، تبلغ نسبتها نحو 37.5 في المائة من إجمالي مساحة المدن المصرية البالغ عددها 226 مدينة، مشيرا إلى أن «العشوائيات» تنقسم لمناطق غير مخططة تبلغ مساحتها نحو 97 في المائة، ومناطق غير آمنة تصل مساحتها إلى نحو ثلاثة في المائة.
لكن عبد الحميد كمال، عضو لجنة الإدارة المحلية، في البرلمان المصري السابق، قال إن العشوائيات يعيش فيها ما يقرب من 20 في المائة من تعداد السكان في البلاد، وعدد هذه المناطق غير المخططة يقترب من 1750 منطقة، و«هذه المشكلة كان يوجد لها صندوق لحلها اسمه صندوق تطوير العشوائيات، لكن هذا الصندوق لم يحقق النجاح المطلوب في السنوات الماضية لأنه أنشئ بلا خطة، ولا دراسات فنية لتطوير المناطق العشوائية».
ومع ذلك، ما زالت الأعمال تسير، وإن كانت ببطء، لتطوير ما يمكن من بعض المواقع العشوائية. ومن أشهر هذه المناطق التي تخضع للتطوير في الجيزة «كفر نصار» و«عزبة جبريل» و«كفر العرب»، وغيرها خاصة في محيط منطقة كرداسة التي شهدت أحداثا مأساوية حين هاجم عدد من الخارجين عن القانون قسم الشرطة وقاموا بقتل عدد من الضباط والتمثيل بجثثهم.
ولم تكتسب المناطق العشوائية شهرتها من الجريمة والإرهاب فقط، ولكن بعض المناطق تعرضت لكوارث قاتلة، مثل منطقة الدويقة التي سقط على جانب منها صخور ضخمة من جبل المقطم المجاور لها، مما تسبب في مقتل العشرات، قبل خمس سنوات. وفي ذلك الوقت، ظهرت أول فكرة لوضع حد لهذه المشكلة، من خلال إنشاء صندوق لتطوير المناطق العشوائية، لكن وفقا لكمال، لم تسر الأمور بالطريقة المرجوة.
ومن جانبه، يضيف النائب السابق كمال قائلا إن تطوير المناطق العشوائية ما زال ممكنا، و«أعتقد أن بعض الخطط التي جرى تنفيذها في الماضي، مثل تطوير منطقة (عرب المحمدي) في مدخل القاهرة، ناحية ضاحية عين شمس، والواقعة بجوار مستشفى عين شمس القديمة، تحولت حاليا إلى منقطة صالحة للسكن، وجرى تخطيطها وأقيمت بها حديقة أيضا».
ويقول إن تطوير العشوائيات «يحتاج لخطة تشارك فيها الحكومة وجمعيات الإسكان ورجال الأعمال والاتحاد العام للإسكان التعاوني، على أن يقيم هذا الاتحاد مباني للمحتاجين وفقا لدوره وليس بناء المساكن الفاخرة أو المتوسطة كما كان يجري أخيرا».
ويوضح كمال أن «عدد العشوائيات اليوم زاد على السابق، بسبب احتياج الناس المساكن، ولأنه لا توجد رقابة على أراضي الدولة». ويرى أيضا أنه «ومن بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 حتى اليوم، شهدت مصر تزايدا في عدد العشوائيات، بسبب غياب رقابة الدولة في السنوات الأخيرة»، وبسبب الهجرة من الريف للمدينة التي بدأت منذ عقود وما زالت مستمرة حتى الآن.
وبدأت الوزيرة الجديدة، ليلي إسكندر، تولي مهام وزارتها بالقيام بعدة جولات من أجل الوقوف على أبعاد مشكلة العشوائيات، ليس في القاهرة فقط، ولكن في عدة محافظات أخرى أيضا. وتأتي تحركات الوزيرة في إطار برنامج عام تبناه الرئيس الجديد، السيسي، يتضمن إعادة ترسيم حدود المحافظات، وإنشاء محافظات جديدة، مما يمكن أن يتسبب في خلخلة التكدس السكاني الذي ينحصر في المدن الواقعة على الشريط الضيق لوادي النيل.
ويقول كمال: «أعتقد أن السكن الاجتماعي الذي يبنيه الجيش ومشروع المليون وحدة (الذي تقيمه الإمارات بالتعاون مع الجيش في مصر) يمكن أن يقلل من عدد العشوائيات، بشرط أن تتوقف الدولة عن دعم مشروعات الإسكان الفاخر والمدن المغلفة (كمباوند)، وأن تقوم بفرض ضرائب تصاعدية على الوحدات الكبيرة لصالح صندوق تطوير العشوائيات»، مشيرا إلى خطورة استمرار المناطق العشوائية، لأنها «هي التي تفرخ الإرهابيين، وهي التي تنشط فيها الزوايا الدينية التي يخرج منها المتطرفون، ومنطقة عرب شركس خير مثال على ذلك، وهي المنطقة التي تمكن فيها مجموعة من الإرهابيين من الاختباء في أحد أوكار المنطقة وجمع ترسانة من الأسلحة فيها، قبل أن تتمكن السلطات من اكتشاف الأمر».
ويواجه المسؤولون مشكلة في إقناع السكان بالانتقال إلى شقق ومساكن بديلة في عدد من المدن الجديدة المحيطة بكل من القاهرة والجيزة، مثل مدن العبور والشروق وبدر والسادس من أكتوبر، وغيرها. ومن الصعب إقامة عمارات سكنية مخططة بنفس المنطقة العشوائية التي أقيمت منذ عشرات السنين بشكل غير مخطط.
ولفت تقرير مركز المعلومات إلى أن أكثر المناطق غير الآمنة الواقعة، ضمن المناطق العشوائية في القاهرة، هي منطقة ماسبيرو، التي تقع في قلب العاصمة، خلف مبنى التلفزيون الحكومي الشهير، وهي منطقة قريبة من ميداني التحرير وعبد المنعم رياض. أما في محافظة الجيزة المجاورة للقاهرة، فإن أكثر المناطق غير الآمنة وفقا للتقرير نفسه فتقع في منطقة «عشش السكة الحديد».
وبسبب الإجراءات الأمنية الصارمة، وأعمال التطوير أو الإزالة، التي بدأت الحكومة اتخاذها بعد ثلاث سوات من الاضطرابات والفوضى، تقول مصادر وزارة الداخلية إن عدد المناطق غير الآمنة تراجع منذ مطلع هذا العام بنسبة تزيد على عشرة في المائة مقارنة بما كان عليه الحال مع بداية عام 2011. وتقول محافظة القاهرة إنه يوجد نحو 284 ألف مواطن يعيشون في مساكن «غير آمنة» ويحتاجون إلى 42 ألف وحدة سكنية جديدة، قامت بالفعل ببناء 15 ألف وحدة. وتجري محافظة القاهرة في الوقت الحالي تنفيذ مشروعات لتطوير العشوائيات بما يزيد على مليار جنيه. ويقول الدكتور مصطفى سعيد، محافظ القاهرة، إن المحافظة تحتاج إلى ما يتراوح بين ستة إلى سبعة مليارات جنيه لحل قضية العشوائيات. ويقترح المحافظ إيجاد خطة أو التزام من الدولة بأن تقضي على العشوائيات خلال فترة خمس سنوات. ويرى أن قضية العشوائيات من أهم القضايا التي تواجهها المحافظة، وهو من الداعين لأن تكون «قضية دولة» وليست «قضية حكومة»، حتى قبل أن يجري تخصيص وزارة لهذا الغرض.
وتقول داليا مجدي، رئيس اللجنة الإعلامية لحزب «المؤتمر» بمصر، إن العشوائيات قضية قومية، «ولا بد أن يكون هناك اهتمام بهذا الأمر لأن إصلاح العشوائيات من إصلاح الدولة»، مشيرة إلى أن العشوائيات «كانت منطلقا لبؤر الفساد في البلد؛ يخرج منها الإرهابيون والتطرف.. البلد لن تتطور لو ظل الحال على ما هو عليه.. أي طالما كان في مصر قصور للأثرياء وجحور للفقراء». وأضافت أن الانفلات الأمني وغيره في ثورة 2011 كانت معظم أسبابه من العشوائيات.
وتعد محافظة الجيزة ثاني كبرى المحافظات التي تعاني المناطق العشوائية. وتتولى «الهيئة الهندسية للقوات المسلحة» تنفيذ عمليات لرفع مستوى الكثير من تلك المناطق عن طريق توسيع الطرق وإقامة الأرصفة وإدخال الخدمات الأساسية. ويقول المحافظ، الدكتور علي عبد الرحمن، إن المحافظة تمكنت، من خلال التعاون مع «صندوق تطوير العشوائيات» أيضا، من تطوير 13 منطقة عشوائية غير مخططة.
وتوقعت داليا مجدي في حال جرى الاهتمام بقضية العشوائيات كما أعلنت الحكومة أخيرا، مقترنا بالعمل الجاد والحقيقي، أنه يمكن خلال خمس سنوات «أن يكون هناك تحسن في معالجة هذه المشكلة بشرط أن تضع الدولة خطة متكاملة، وأن تعمل على أرض الواقع، وألا تكتفي بالاجتماعات المغلقة التي يتناول فيها المسؤولون القضية لعدة ساعات ثم يمضي كل إلى حال سبيله دون تنفيذ أي شيء ملموس». وألقى تشكيل وزارة جديدة للعشوائيات بظلاله على مناقشات الكثير من الأحزاب والجمعيات الأهلية التي تعمل في تلك المناطق. ومن جانبه، يقول محمد العزبي، مؤسس حزب «السادس من أكتوبر»، إن هذا النوع من الوزارات كانت تفتقده مصر وهو «الوزارات التخصصية». ويضيف: «مصر افتقدت التخصص في حل المشاكل على مدار الستين سنة الماضية، وكان لزاما على الدولة أن تبدأ تأسيس إدارات فعلية لإنهاء مشكلة العشوائيات عن طريق هيئة تخصصية، هي وزارة التطوير الحضاري والعشوائيات.. (على أن تعمل بمنتهى الشفافية والحيادية)».
وواجهت الحكومات السابقة رفض الكثير من سكان المناطق العشوائية الانتقال من مناطقهم إلى مناطق مخططة، خاصة في المدن الجديدة القريبة من المدن القديمة، وذلك لعدة أسباب من بينها عدم وجود فرص عمل مماثلة لتلك الموجودة في الأماكن القديمة، ورغبة السكان في البقاء مع جيرانهم وذويهم الذين عاشوا معا في نفس المنطقة لعدة عقود.
ويضيف العزبي قائلا إن الحكومة المصرية «تواجه مشكلة تتلخص في أن الناس تعد المكان القديم قريبا من الأماكن العمرانية وأماكن عملهم، ولكن في ظل أزمة الدولة حيث يتوطن جزء كبير من سكان البلاد في المساحة الكلية لمصر، فإنه أصبح لزاما علينا جميعا أن ننتقل إلى أماكن أوسع، حتى نستطيع استغلال المساحات الشاسعة غير المستغلة من أراضي مصر وإن اضطر ذلك لإجبار هؤلاء على الانتقال إلى الأماكن الجديدة».
وأسست الحكومة منذ عدة سنوات صندوقا خاصة لتطوير العشوائيات، تابعا لوزارة «التنمية المحلية»، لكن يبدو أن إمكاناته أقل مما ينبغي، رغم زيادة الاعتمادات المالية المخصصة له في العام الأخير. ويقول تقرير مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار إن حجم الاعتمادات المالية المخصصة لصندوق تطوير العشوائيات في خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية خلال عام 2013-2014 ارتفعت إلى 400 مليون جنيه (الدولار يساوي نحو 7.15 جنيه) لتطوير نحو 67 منطقة عشوائية غير آمنة، مقابل 300 مليون جنيه كان قد جرى تخصيصها في الخطة المالية لعام 2012-2013 لتطوير 68 منطقة غير آمنة.
ويزيد العزبي موضحا أن الكثير من المناطق العشوائية عرفت أسماؤها وذكرها قادة ورؤساء في الخطب الرسمية وفي البرلمان، بعد أن أصبحت مصدرا لإيواء مجرمين ومتطرفين وإرهابيين. ويقول: «قديما، نتذكر ما كان يعرف بأمير منطقة إمبابة (شمال القاهرة)، ولدينا اليوم مناطق شهيرة جرت فيها أحداث مروعة مثل قتل الضباط في منطقة كراسة بمحافظة الجيزة، قائلا إن هناك مناطق عشوائية أصبحت تحتاج إلى تدخل عاجل من الدولة مثل (الوراق) و(الدويقة) وغيرها بالقاهرة الكبرى»، و«كثير منها أصبحت فيها أماكن تمثل بؤرا إجرامية، حيث لا تستطيع الدولة الوصول إلى كل البؤر المتوطنة في مثل تلك الأماكن نتيجة لضيق الشوارع وعدم قدرة الآليات على الدخول، مما يشكل تهديدا كبيرا على الأمن القومي المصري، وكذا توطن بعض الإرهابيين في العشوائيات واتخاذ بعض منها كمخازن للسلاح، مما يجعلها خطرا داهما على الوطن».

* استراتيجية عمل وزارة التطوير الحضاري
* تعتمد وزارة التطوير الحضاري المعنية بقضية المناطق السكنية غير المخططة في مصر، والمعروفة باسم «المناطق العشوائية»، على عدد من البرامج لتغيير حياة نحو عشرين مليون مصري يعيشون في عشوائيات منتشرة بالقاهرة وعدة محافظات أخرى. ووفقا لمسؤولين في الوزارة الجديدة، فإنه يأتي على رأس هذه البرامج نقل جانب من سكان العشوائيات إلى مناطق سكنية مخططة خاصة في المدن الجديدة، لكن هذا يخص العشوائيات التي لا يمكن تطويرها بسبب أوضاعها الصعبة، مثل ضيق الشوارع أو البيئة غير الصحية، أو عدم وجود أساسات قوية للمباني المقامة أصلا دون تراخيص رسمية.
وتسعى الوزارة الجديدة إلى الاستعانة ببعض الخبراء المحليين والدوليين للإسهام في حل أزمة العشوائيات، دون الاضطرار إلى نقل مناطق بأكملها خاصة في العشوائيات ذات الكثافات العالية مثل منطقة «الملقى» و«المطبعة» بجنوب القاهرة، والاكتفاء بإنشاء طرق جديدة وجسور وأنفاق وتشجير وإقامة مراكز للشباب وإدخال المرافق الأساسية وتهيئة الأجواء الصحية لحياة السكان. ومن بين البرامج التي تتضمنها خطة الوزارة الجديدة إصدار تشريعات وقوانين جديدة تمكنها من عملها بما لا يتعارض مع اختصاصات الوزارة والجهات الإدارية الأخرى. ويضع هذا البرنامج في حسبانه أيضا إحداث تنمية شاملة في كل منطقة عشوائية بحيث لا تقتصر على المباني والطرق فقط، بل تزيد إلى التطوير والتنمية في المجالات الثقافية والرياضية وكذا محو الأمية بما ينعكس على سلوكيات قاطني هذه المناطق، خاصة من الشباب والأجيال الجديدة.
ووفقا لمصادر الوزارة نفسها، فإنها ستعتمد في برامجها على تشغيل العاطلين في المناطق العشوائية من خلال فتح مجالات للمشروعات الصغيرة والمتوسطة وإقامة مراكز للتدريب والتأهيل للانخراط في الأعمال الأخرى المتطورة بالمدن، بالإضافة إلى إقامة مراكز تجارية وخدمية عصرية.
وتابعت المصادر قائلة إن الوزارة تسعى لتحويل طبيعة عملها الجديد من عمل وزاري، إلى عمل قومي تتحول فيه الوزارة إلى منفذ لخطة استراتيجية تتعاون معها في ذلك الوزارة والإدارات الحكومية المختلفة، بالإضافة إلى التعاون مع مؤسسات المجتمع المدني في كل منطقة لإعادة تخطيط المناطق وتوعية السكان بأهمية ما تقوم به الوزارة من أجل تحسين ظروف الحياة فيها.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.