«حماس» تتريث في اتهام إسرائيل باغتيال خبير طائرات «درون» في ماليزيا

البطش طوّر أبحاثاً في مجال الطاقة... وقتله محترفان بملامح أجنبية

فلسطينيون بجانب ملصق نعت فيه حركة «حماس» فادي البطش في قطاع غزة أمس (أ.ف.ب)
فلسطينيون بجانب ملصق نعت فيه حركة «حماس» فادي البطش في قطاع غزة أمس (أ.ف.ب)
TT

«حماس» تتريث في اتهام إسرائيل باغتيال خبير طائرات «درون» في ماليزيا

فلسطينيون بجانب ملصق نعت فيه حركة «حماس» فادي البطش في قطاع غزة أمس (أ.ف.ب)
فلسطينيون بجانب ملصق نعت فيه حركة «حماس» فادي البطش في قطاع غزة أمس (أ.ف.ب)

اتهمت فصائل فلسطينية وعائلة المهندس الفلسطيني فادي البطش (35 عاماً) الذي قتله مجهولون في العاصمة الماليزية، كوالالمبور، فجر أمس، جهاز «الموساد» الإسرائيلي باغتياله. وبينما لم تعلّق إسرائيل على الحادث، اكتفت حركة «حماس» بنعي ابنها «العالم»، قائلة إنه من المبكر توجيه اتهامات. وأفادت معلومات إسرائيلية بأن القتيل كان خبيراً في تصنيع طائرات «دورن» لمصلحة «حماس».
وأكدت السلطات الماليزية أن مسلحَين على دراجة نارية أطلقا الرصاص على البطش فجراً وقتلاه فوراً، ملمّحةً إلى تورط «مخابرات أجنبية». وقال قائد شرطة المدينة، مازلان لازيم، إن البطش كان في طريقه إلى مسجد مجاور، عندما أُطلقت عليه النيران من مهاجمَين على دراجة نارية في حي «غومباك» شمال العاصمة. وأضاف: «أطلقا عليه نحو 10 رصاصات أصابته 4 منها واحدة مباشرة في الرأس فتوفي فوراً». وأعلن قائد الشرطة فتح تحقيق في القضية لمعرفة تفاصيلها والوصول إلى الجناة، حسبما أوردت وكالة «رويترز».
وأظهر مقطع فيديو البطش وهو ملقى على الأرض والدماء تسيل من رأسه فيما تجمهر حوله مجموعة من المارة. كما أظهرت لقطات فيديو لكاميرات في المكان أن المنفذَين انتظرا نحو 20 دقيقة قبل أن يخرج البطش من منزله. وأحجم السفير الفلسطيني لدى ماليزيا أنور الأغا، عن القول إن فادي البطش كان عضواً في «حماس»، لكنه أوضح لوكالة «رويترز» أن شهوداً في الموقع أبلغوه أن المشتبه بهما «ملامحهما أوروبية». كما نقلت وكالة «برناما» للأنباء الماليزية الرسمية عن أحمد زاهد حميدي نائب رئيس الوزراء، قوله إنه من المعتقد أن المشتبه بهما أوروبيان على صلة بجهاز مخابرات أجنبي. وأضاف أن القتيل كان ناشطاً في منظمات غير حكومية تدعم الفلسطينيين، ووصفه بأنه كان خبيراً في الهندسة الكهربائية وصناعة الصواريخ، حسبما أوردت «رويترز». ونقلت «برناما» عن زاهد قوله إن القتيل ربما اعتُبر «خصماً لدولة تعادي فلسطين».
ويعيش البطش، وهو باحث متفوق، في ماليزيا منذ نحو 10 أعوام عندما أرسلته «حماس» من أجل متابعة علومه. وقالت مصادر لـ«الشرق الأوسط» إن البطش كان معروفاً لدى عدد محدود من قيادات الحركة فقط، كما كان نشاطه غير معلن. وأضافت: «بالنسبة إلى عامة الناس، لم يكن (البطش) معروفاً». وتابعت: «قادة في (حماس) وعائلته كانوا فقط يعرفون ماذا يفعل».
وقالت المصادر ذاتها إنه معروف لدى العائلة كعالم متفوق في مجال الطاقة، وقد تلقى العديد من الجوائز الرفيعة. وأكدت أن المعلومات المتوافرة لدى «حماس» تشير حتى الآن إلى أن رجلَين بملامح أجنبية نفّذا عملية الاغتيال، وذلك حسب شهود عيان.
ونعت «حماس» البطش، وقالت في بيان إن «الشهيد المهندس فادي البطش اغتالته يد الغدر في العاصمة الماليزية كوالالمبور وهو في طريقه لصلاة الفجر». وأضافت أنه كان «ابناً من أبنائها (حماس) البررة، وفارساً من فرسانها، وعالماً من علماء فلسطين الشباب، وحافظاً لكتاب الله، من بلدة جباليا المجاهدة». وأشارت إلى أنه تميز بتفوقه وإبداعه العلمي، وله إسهامات مهمة ومشاركات في مؤتمرات دولية في مجال الطاقة.
ونوهت «حماس» بأن البطش كان «نموذجاً في الدعوة إلى الله، والعمل من أجل القضية الفلسطينية». ولم تتهم الحركة إسرائيل باغتياله، ولم تلمِّح إلى تورطها في الجريمة. وقال مسؤول في الحركة لـ«الشرق الأوسط» إنها تُجري اتصالات مكثفة مع السلطات الماليزية للوقوف على التفاصيل، مضيفاً أن «حماس ستعلن التفاصيل الدقيقة في الوقت المناسب».
ويُعتقد أن الحركة تريد الوقوف أولاً على تفاصيل الاغتيال، كما أنها تفضّل التريث بسبب حساسية الحديث عن نشاطها خارج الأراضي الفلسطينية. لكن عائلة البطش اتهمت إسرائيل مباشرة باغتيال ابنها، وهو اتهام أيّدته فصائل فلسطينية. وقالت العائلة: «نتهم جهاز الموساد بالوقوف خلف حادثة اغتيال الدكتور فادي الباحث في علوم الطاقة». وطالبت العائلة السلطات الماليزية بإجراء تحقيق عاجل لكشف المتورطين بالاغتيال قبل تمكنهم من الفرار.
وأعلن خالد البطش، وهو أحد كبار أفراد العائلة وقيادي بارز في حركة «الجهاد الإسلامي»، أنه لا أحد لديه مصلحة في اغتيال فادي سوى «الموساد» الإسرائيلي، دون أن يعطي مزيداً من الإيضاحات.
واغتيل البطش قبل يوم من سفره إلى تركيا لترؤس مؤتمر علمي في مجال الطاقة. وهو كان قد حصل قبل عامين على جائزة الخزانة الماليزية في الطاقة بعد إعداده بحوثاً في مجال إلكترونيات القوة في الهندسة الكهربائية. وعمل الراحل محاضراً في جامعة كوالالمبور، وفي مجال الدعوة الإسلامية، وفي جمعيات خيرية. وفي هذا الإطار، أوضح داوود شهاب، الناطق باسم حركة «الجهاد الإسلامي»، أن «الدكتور فادي البطش يعمل محاضراً جامعياً في ماليزيا وهو ناشط في الدعوة الإسلامية هناك وإمام لأحد المساجد، ومن أشد الناشطين في دعم القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وهو عضو في العديد من المؤسسات والاتحادات الخيرية والأهلية التي تقدم الإسناد والدعم لفلسطين والقدس». وأضاف شهاب أن «الدكتور فادي شاب متفوق جداً ومثابر وهو من العقول الكبيرة في مجال الهندسة الكهربائية، وأصابع الاتهام تتجه نحو الموساد الإسرائيلي».
واتهمت لجنة المتابعة للقوى الوطنية والإسلامية أيضاً «الموساد» باغتيال البطش. كما اتهمت «الجبهة الشعبية» عملاء «الموساد» بالوقوف خلف الجريمة، مشيرة إلى «السياسة الثابتة» التي انتهجها جهاز المخابرات الإسرائيلي في تنفيذ عمليات اغتيال وتصفية علماء عرب وفلسطينيين.
أما حركة «فتح» فأدانت اغتيال البطش واعتبرته «يمثّل عودة إسرائيل لسياسة الاغتيالات في عواصم العالم المختلفة». وقالت إن سياسة الاغتيال «تشكل جريمة كبرى واعتداءً على سيادة الدولة التي ارتُكبت هذه الجريمة على أراضيها». ولم تستبعد ماليزيا هذه الفرضية. وقال نائب رئيس الحكومة الماليزية، أحمد زاهي حميدي، إنه لا يستبعد تورط «مخابرات أجنبية» باغتيال البطش، وإنه طلب من شرطة بلاده التحقيق بشكل شامل في حادثة القتل، داعياً الشرطة الجنائية الدولية «إنتربول» إلى المشاركة في التحقيق.
وجاءت تصريحات حميدي في ظل إعلان مسؤول أمني أن التحقيقات الأولية أوضحت أن القتيل لم يكن لديه أعداء معروفون ولا مشكلات مالية. وكالعادة، لم تعقّب إسرائيل على الحادثة، والتزمت الصمت أمام الاتهامات الفلسطينية. وعادةً لا تعلّق إسرائيل على عمليات الاغتيال الخارجية التي يضطلع بها جهاز «الموساد»، غير أن وسائل إعلام إسرائيلية عمدت إلى التذكير باستخدام «حماس» ماليزيا ساحة عمل وتجنيد وتطوير.
وقال المراسل العسكري للقناة العبرية العاشرة أور هيلر، إن عملية اغتيال البطش في ماليزيا تمت بحرفية ومهنية عالية من قبل المنفذَين اللذين عملا كما يبدو لفترة طويلة في تعقّبه، ثم نفّذا العملية بنجاح وهدوء. واتهم هيلر حركة «حماس» بتأسيس خلايا في ماليزيا، مدّعياً أن إسرائيل أحبطت في عام 2014 هجوماً كان سيتم باستخدام مظلات وطائرات من دون طيار تم التدرب عليه في ماليزيا من قبل 10 نشطاء من «حماس». وقال هيلر: «إذا كانت إسرائيل وراء الاغتيال فإنه يمكن الافتراض أنّه تم منع هجوم كبير تم التخطيط له، أو إحباط مشروع كبير تعمل عليه حماس».
كما أوردت وسائل إعلام إسرائيلية معلومات تفيد بأن فادي البطش كان متخصصاً في تصنيع طائرات من دون طيار لصالح حركة «حماس». وكتبت صحيفة «إسرائيل هيوم» أنّ البطش كان له دور في تصنيع هذه الطائرات، وأيدت قنوات وإذاعات إسرائيلية هذه الرواية.
ووصفت صحيفة «يديعوت أحرنوت»، الأكثر انتشاراً، البطش بأنه مهندس «حماس» المتخصص في «مجسّات» هذه الطائرات، وقالت إنه يعمل في مجالات متعلقة بالصواريخ والطائرات من دون طيار. وكتبت: «المهندس الكهربائي الذي اغتيل عمل محاضراً في المعهد البريطاني الماليزي في جامعة كوالالمبور. لقد كان على معرفة جيدة بما يجري في غزة». وأضافت: «سيرته الذاتية تشير إلى قدرته على تشغيل محركات وأجهزة إرسال خاصة بالطائرات من دون طيار». واتهمته بأنه ساعد «حماس» في مشروعها الخاص بطائرات من دون طيار. ولم يتضح فوراً أين سيُدفَن البطش بسبب الحصار المفروض على غزة. وقالت السفارة الفلسطينية في ماليزيا إنها تتابع التحقيقات وتحاول تلبية طلب العائلة بنقل رفاته وعائلته إلى غزة. والبطش متزوج ولديه 3 أطفال.

- فادي البطش... عالم متخصص في مجال الطاقة
لا يساور كثيرون الشك أن قدرة فادي البطش على البحث والابتكار العلمي وتخصصه في مجال الطاقة، كانت وراء اغتياله في العاصمة الماليزية كوالالمبور على أيدي مجهولَين يُعتقد أنهما تابعان لجهاز «الموساد» الإسرائيلي.
وُلد فادي محمد البطش عام 1983، في مخيم اللاجئين الفلسطينيين في جباليا شمال قطاع غزة. درس في مدارس الـ«أونروا» لدعم اللاجئين، وحصل على درجتي البكالوريوس والماجستير في الهندسة الكهربائية من الجامعة الإسلامية بغزة عام 2009. انتقل بعدها إلى ماليزيا مبتعثاً من حركة «حماس» وحصل هناك على درجة الدكتوراه في الهندسة الكهربائية من جامعة ملايا عام 2015، وكان بحثه بعنوان «رفع كفاءة شبكات نقل الطاقة الكهربائية باستخدام تكنولوجيا إلكترونيات القوى».
عمل البطش بعد ذلك أستاذاً جامعياً في جامعة كوالالمبور في الهندسة الكهربائية. وحصل على جائزة منحة «الخزانة» الماليزية عام 2016، كأول عربي يحصل عليها، وتعد الأرفع من ناحية الجودة، كما أعلنت جهات فلسطينية، أمس. لديه العديد من البحوث العلمية وكان معروفاً بتفوقه. وقد حصل على براءة اختراع في رفع كفاءة شبكات نقل الطاقة الكهربائية باستخدام تكنولوجيا إلكترونيات القوى، بما يخدم فكرة تقليل فقدان الطاقة، ونجح في ابتكار جهاز يعتمد تصميمه على تكنولوجيا إلكترونيات القوى ومن ثم توصيله بشبكة نقل الطاقة الكهربائية وتحسين كفاءة الشبكة بنسبة تصل إلى 18%.
والراحل متزوج ولديه 3 أبناء جميعهم كانوا يعيشون معه في ماليزيا.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».