الهند قلقة من نيران الحرب التجارية بين الصين وأميركا

دعوات إلى نيودلهي للاستفادة من الفرص الكامنة في الأزمة

الهند قلقة من نيران الحرب التجارية بين الصين وأميركا
TT

الهند قلقة من نيران الحرب التجارية بين الصين وأميركا

الهند قلقة من نيران الحرب التجارية بين الصين وأميركا

في منتدى دافوس، في يناير (كانون الثاني) الماضي، بعث رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي برسالة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قال فيها: «إن الحمائية التجارية تثير قلقنا».
وبعد أسابيع من ذلك، دخل الاقتصاد العالمي في حالة من الفوضى العارمة، إذ شرعت البلدان في بناء جدران عالية من الرسوم الجمركية المرتفعة، والانسحاب من الاتفاقيات التجارية الاستراتيجية، وفرض الضرائب الانتقامية، وهي توشك على التوقف التام عن التفاعل الاقتصادي الدولي بغية مواجهة بعضها بعضاً.
فأين تقف الهند من حرب الرسوم الجمركية التجارية بين الولايات المتحدة والصين التي بلغت أسوأ حالاتها؟
في ظل الصراع الدائر بين الصين والولايات المتحدة، وحالة الفعل ورد الفعل الانتقامي، تعتبر الهند هي الدولة الوحيدة العالقة فيما بينهما. لقد فرض الرئيس الأميركي الرسوم المرتفعة على واردات الصلب والألمنيوم من الهند والصين، في رد انتقامي على رسوم مكافحة الإغراق، ومن الواضح أن موقف الهند من هذه السياسات ليس بالموقف الجيد على أي حال.
ولقد طالبت الحكومة الهندية بالفعل إعفاءها من الرسوم الأميركية على منتجات الألمنيوم والصلب، من واقع أنها لا تشكل أية تهديدات تذكر على الأمن القومي للولايات المتحدة، رغم أن الهند ليست من بين كبار الشركاء التجاريين للولايات المتحدة بالنسبة لواردات الألمنيوم والصلب، إذ تحتل الهند المركز الرابع عشر عالمياً على قائمة مصدري الصلب الدوليين. أما الصين، فهي أكبر دولة مصدرة للصلب في العالم، وهي تشحن أكثر من 100 مليون طن من ذلك المعدن على مستوى العالم سنوياً. وإن لم يتم إعفاء الهند من الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة، فسوف يكون لها تأثير كبير وأكيد على الأعمال التجارية الهندية، كما تقول شركة فيكي جاين وشركاه، الشركة العاملة في مجال تصدير الصلب الفولاذي المقاوم للصدأ وغيره من المواد الخام إلى الولايات المتحدة.
وقال أحد المسؤولين بوزارة التجارة الهندية: «حتى الآن، التزمنا بموقف الحياد من الأزمة الراهنة، نظراً لأن الولايات المتحدة هي حليف استراتيجية للهند. وفي حين أن قيمة صادرات الصلب والألمنيوم إلى الولايات المتحدة تبلغ 1.6 مليار دولار فقط، لا يمكن اعتبار الأمر حالة تهديد مباشرة للمصالح التجارية الهندية، وإننا نحتفظ بجملة من الخيارات المفتوحة بشأن الانضمام إلى قائمة الدول الأخرى المتضررة، التي تقاوم ارتفاع الرسوم الجمركية الأميركية أمام منظمة التجارة العالمية، ولكن في الوقت المناسب، وذلك إن أخفقنا تماماً في تأمين الإعفاء الذي نحاول الحصول عليه من الجانب الأميركي».
وقالت وزيرة التجارة الهندية ريتا تيوتيا، الشهر الماضي، إن الهند فوجئت وأصيبت بخيبة أمل كبيرة بسبب قرار الولايات المتحدة إدراجها على قائمة البلدان التي تواجه ارتفاع الرسوم الجمركية على صادراتها من الصلب والألمنيوم، على الرغم من أن الهند ليست من الدول الرئيسية المصدرة لهذه المواد الخام إلى الأسواق الأميركية.
ووفقاً للخبير الاقتصادي إم. جي. أرجون، فإنها «قضية شديدة الخصوصية، حيث إنها ليست المرة الأولى التي تستهدف فيها الولايات المتحدة الهند بشأن المسائل المتعلقة بالتجارة. ففي عام 2014، أطلقت لجنة التجارة الدولية الأميركية تحقيقاً في سياسة التجارة والاستثمار الهندية، للوقوف على المجالات التي تتعارض سياسات الهند التجارية فيها مع نظيرتها في الولايات المتحدة... ومن المحتمل أن تخرج الولايات المتحدة ببعض العقوبات ذات الصلة بالملكية الفكرية في المستقبل، تماماً كما صنعت مع الصين».
وترغب الولايات المتحدة أيضاً من الهند وقف ما تصفه ببرامج دعم الصادرات، وتزعم أنها تلحق الضرر بالعمالة الأميركية. ودفعت الولايات المتحدة بأن هذه المحفزات الهندية تعتبر انتهاكاً لاتفاقيات منظمة التجارة العالمية.
- سيناريوهات الحرب التجارية
تعد الولايات المتحدة أكبر شريك تجاري لدى الهند، وهي تمثل 16 في المائة من صادراتها. وبلغ إجمالي التجارة الثنائية بين البلدين في مجال السلع والخدمات نحو 115 مليار دولار في عام 2016، وفقاً للأرقام الصادرة عن الحكومة الأميركية. وتقف الصادرات الأميركية إلى الهند عند مستوى 42 مليار دولار فقط، في حين أن الواردات من الهند تبلغ نحو 72.8 مليار دولار.
وفي ظل الفجوة التجارية بين البلدين، التي تصل إلى 31 مليار دولار لصالح الهند، قد تواجه نيودلهي المزيد من القيود التجارية، لا سيما أن الرئيس الأميركي ليس راضياً عن رسوم الاستيراد على السلع الأميركية التي فرضتها الهند.
ويدعو كثير من كبار رجال الصناعة في الهند إلى انتهاج المسار الدبلوماسي، في خضم المخاوف بأن الإجراءات الانتقامية سوف تلحق الضرر باقتصاد البلاد في خاتمة المطاف. وقال راشيش شاه، رئيس اتحاد غرف التجارة والصناعة الهندية: «ينبغي للدول حول العالم النظر لما وراء اتخاذ التدابير الانتقامية لمواجهة تلك التحديات. ويمكن للهند أن تلعب دوراً مهماً في توجيه دفة الأحداث، ولنزع فتيل الأزمة إزاء احتمالات نشوب حرب تجارية عالمية بسببها».
وعلاوة على ذلك، يمكن للنمو الاقتصادي الهندي أن يتضرر من عدة زوايا بسبب الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة: أولاً، من خلال الخطوات التي تتخذها الولايات المتحدة مباشرة ضد الهند، بما في ذلك المعايير الجديدة والصارمة للحصول على تأشيرات «إتش 1 بي»، التي شهدت انخفاضاً كبيراً في عدد الطلبات الهندية بنحو 50 في المائة؛ ومن شأن ذلك أن يرفع من تكاليف ممارسة الأعمال التجارية لشركات خدمات تكنولوجيا المعلومات الهندية في الأسواق الأميركية.
وهناك المخاوف من أن الرسوم الجمركية الأميركية على مجموعة من المنتجات يمكن أن تسفر في نهاية الأمر عن خلق بيئة يزداد العرض فيها كثيراً على الطلب في مجموعة من الصناعات، وبالتالي إغراق هذه المنتجات في الأسواق الهندية، الأمر الذي بدوره يُلحق كثيراً من الضرر بشركات تصنيع هذه المنتجات محلياً في الهند.
ويؤثر ارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة على الاقتصادات الناشئة مثل الهند، بالنسبة إلى أسواق الأسهم والديون. وارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة يعني اندفاع موجة عاتية وقاسية على سوق الأسهم الهندية، فسوف يحاول المستثمرون الأميركيون السعي للحصول على عائدات أكبر في بلادهم.
وقالت غرفة التجارة والصناعة الهندية، في بيانها: «إن تصاعدت حرب الرسوم الجمركية إلى حرب تجارية عالمية وشاملة، فسوف تُلحق الأضرار الكبيرة على الاقتصاد الهندي أيضاً، مع الأضرار التي تصيب قطاع الصادرات، والعجز في الحساب التجاري الحالي الذي يواجه المزيد من الضغوط، والناتج المحلي الإجمالي الذي يشهد انتكاسة حقيقية».
وقال دي. إس. راوات، رئيس رابطة غرف التجارة والصناعة الهندية: «حتى إن اختارت الهند اتخاذ إجراءات سريعة للاستجابة بشأن الواردات، فإن التأثير على صادرات البلاد يمكن أن يكون كبيراً، حتى مع ارتفاع التقلب في أسعار صرف العملات الأجنبية».
وطالبت الرابطة حكومة الهند بوضع خطة احتياطية، تتضمن فتح قنوات التجارة الثنائية مع الشركاء التجاريين الرئيسيين حول العالم، وذلك لمحاولة عزل البلاد عن تأثيرات التدابير الحمائية.
وقالت الرابطة كذلك إنه إن لحق التدهور بالثقة في الأسواق، فسوف يكون هناك تدفق خارجي للمحافظ الاستثمارية، مما يؤثر سلباً على أسعار الصرف.
- المكاسب الهندية
مع انخفاض التفاعل الأميركي والصيني في مجال التجارة، يمكن للهند استغلال الفرصة السانحة في زيادة وجودها في كلا السوقين الكبيرين، كما يقول خبراء التجارة.
ويقول أحد محللي الاقتصاد من نيودلهي: «نظراً لحالة فك الارتباط التجاري الراهنة، مع حرب الرسوم الجمركية بين واشنطن وبكين، فإنها تفسح للهند المجال لمزيد من التفاعل في كلا البلدين، وزيادة وجودها هناك».
وتقول بريرانا ديساي، رئيسة قسم الأبحاث لدى شركة «إديلويس أجري فاليو تشين المحدودة»: «سوف تصبح الهند لاعباً مهماً للغاية مع منع أكبر اقتصادين في العالم حق الوصول إلى أسواق بعضهما بعضاً. وهناك نافذة يمكن فتحها لصادرات البذور الزيتية والقطن والذرة مع كلا البلدين».
والهند تعتبر ثاني أكبر مصدر للقطن في العالم، ويعد فول الصويا من السلع الأخرى التي يمكن للهند توريدها إلى الأسواق الصينية.
ومن المثير للاهتمام أن وزير التجارة الهندي سوريش برابهو صرح أخيراً: «اليوم، ما نراه في العالم هو أن الجميع يتساءلون عما بات مقبولاً كأمر عادي. ولا يمكننا أبداً انتظار أن الدولة التي تقسم بحق الرأسمالية، وبحق اقتصاد السوق، سوف تنزع إلى تدابير معينة من شأنها تحدي نظام التجارة العالمي بأسره. ورغم ذلك، فإننا نشهد ذلك فعلاً بصورة من الصور، ويبدو أن هناك معياراً جديداً آخذاً في الظهور في هذا السياق. وعلينا الاستعداد للأمر تماماً، ليس لأجل مجابهة التحديات الجديدة، وإنما لمحاولة تحويلها إلى فرصة نستفيد منها جيداً».



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.