السعودية: ليلة للاحتفاء بالغناء الحجازي ورموزه في جدة

تشهد عودة عملاق لوني «الدانة والمجرور» علي عبد الكريم وعبد الله رشاد وطلال سلامة

علي عبد الكريم - طلال سلامة - عبد الله رشاد
علي عبد الكريم - طلال سلامة - عبد الله رشاد
TT

السعودية: ليلة للاحتفاء بالغناء الحجازي ورموزه في جدة

علي عبد الكريم - طلال سلامة - عبد الله رشاد
علي عبد الكريم - طلال سلامة - عبد الله رشاد

من يعشق الغناء والموسيقى العربية فربما قد يكون فاته الكثير، إن لم يطرب أذنيه بمقامات الغناء الحجازي الذي تزخر به مدن جدة ومكة والطائف والمدينة، (غرب السعودية). كيف لا؟ وقد أورد الأديب أبو فرج الأصفهاني أحد أدباء العصر العباسي في كتابه «الأغاني» أن الغناء العربي استوحى كثيرا من قواعده من الغناء الحجازي. ومن يرغب أكثر بالاستزادة حول جمالية الفن الحجازي فليستمع إلى تعليقات موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب في تسجيل شهير على موقع «يوتيوب» وهو يصفق إعجابا ويصف مقامات الحجاز التي كان يدندنها قطب الأغنية السعودية الراحل طلال مداح، بالفن العجيب.
الحنين للغناء الحجازي والفن الأصيل حرك شجون الكثير من عشاق الفن في السعودية، ليتم الإعلان عن إقامة ليلة خاصة أطلق عليها «ليلة حجازية» تنظم غداً السبت، في مدينة جدة (غرب السعودية). وهي مناسبة طربية يستعيد فيها أهل الحجاز أصول الطرب عبر أبرز الفنانين الحجازيين في السعودية، وقد تمكنت هذه الفعالية أيضا من أن تعيد عملاق فن «المجرور» الحجازي الفنان المخضرم علي عبد الكريم للحفلات الغنائية بعد طول غياب، بمشاركة الفنان المثقف الدكتور عبد الله رشاد، ومطرب الإحساس طلال سلامة.
‏الفن الحجازي له أصوله وقواعده الخاصة به ويأتي الفنان علي عبد الكريم كأحد الأسماء التي تميزت فيه فهو من الفنانين القلائل الذين تمسكوا بأداء هذا اللون كأحد أعمدته الفنية ولا سيما لون «المجرور». ويعلق عبد الكريم في حديث مطول لـ«الشرق الأوسط» يوم أمس بمناسبة مشاركته في «ليلة حجازية» بقوله «أتشرف كثيرا وسعيد بدعوتي لهذه المشاركة؛ لأنها متعلقة بموروث عظيم للغناء العربي وهو الفني الحجازي، وآمل أن نطرب الحضور وعشاق الفن الحجازي». ويواصل: «اختيار القائمين على هذه المناسبة لي هي مسؤولية كبيرة على عاتقي، وهي رسالة آمل أن أستطيع إيصالها بإخلاص وبدقة؛ لأننا نحمل موروث هام جدا بالنسبة لنا وللأجيال المقبلة، ولا مجال في للاجتهاد بل ينقل كما هو دون زيادة أو نقصان».
هناك الكثير من الألوان في الفن الحجازي منها لون الدانة والمجرور والمجس (أي الموال على الطريقة الحجازية) والصهبة والقصيمي وغيرها، وسيؤديها نجوم الحجاز في «ليلة حجازية» وفي مقدمتهم الفنان القدير علي عبد الكريم الذي سيقدم خلال الاحتفالية عدد من الألوان الحجازية منها المجس الحجازي ولون الدانة، وبين عبد الكريم أنه سيضيف إلى تلك الألوان «عدد من أغاني القديمة، مثل: يا سيدي يا مظلوم، وبنلتقي، وبحر الإثارة، وغيرها».
الفنان علي عبد الكريم وهو أحد أبرز مؤدي الفن الحجازي ومن القلائل الذين واصلوا في أدائه رغم صعوبته حيث لا يستطيع إجادة بعض ألوان الفن الحجازي سوى قلة من الفنانين الذي نشأوا في الحجاز. ويبين عبد الكريم أن السبب في ذلك يعود إلى أن هذا النوع من الفن «يحتاج لمعرفة عميقة وإجادة للمقامات الحجازية والتمرس عليها منذ سن مبكرة، حتى يتمكن المؤدي منها، وهو فن ممتع ويدخل مستمعيه في أجواء الطرب إذا ما وجد من يؤديه بشكل مميز». ويضيف: «هناك فنانين أبدعوا في هذا المجال ودعمته أمثال أستاذنا الفنان الكبير جميل محمود الذي أبدع خاصة في فن الدانة».
من جماليات الفن الحجازي أن يجبر حتى جيل الشباب على العودة له وعلى مطربيه ومنهم علي عبد الكريم الذي يعلق على ذلك بالقول: «كنت أواجه الانتقادات من البعض الذين يطالبونني بالتوجه إلى ألحان جديدة والبعد عن الحجازي، فتمسكت بموقفي فكانت النتيجة أن هذا الفن بقي خالدا في أذهان الشباب».
الفنان علي عبد الكريم رغم حبه للفن الحجازي الأصيل إلا أنه عُرف عنه الابتكار والتجديد في الألحان الأخرى بإدخال عدد من الجمل الموسيقية بما فيها الألحان الغربية وكذلك الآسيوية، ويتذكر كثير من متابعي الوسط الفني قبل عقدين من الزمن الموجة الكبيرة التي واجهها من عدد من منسوبي الفن بسبب الابتكارات التي وضعها في أغانيه.
ويشرح عبد الكريم بأنه «على خلاف معظم المسافرين حول العالم فهم يعودون بالهدايا، وأنا أعود بأسطوانات الأغاني والموسيقى بكميات كبيرة من أي مكان في العالم فقد جلبت معي مقاطع صوتية من الفن الصين والروسي وغيرها، وأستمع لها وأطرب بها، فيندمج في داخلي خليط من الألحان، لأخرج بجمل موسيقية جديدة». ويزيد: «بالمناسبة لم أبتدع مثل هذا التوجه، فموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب استوحى ألحان قدمها من الفنون في دول غير عربية، والمغنية الكبيرة فيروز غنت أغنية فيها مقدمة من الفن الورسي وغيرهم، وقد ساعدني اطلاعي على الفن الخارجي أن أكون أول مغنٍ سعودي يدخل الأوبرا على الأغنية السعودية من خلال أغنية «بنلتقي» وغيرها».
كما ساهم عبد الكريم في انتشار اللون الخبيتي حيث كان أول من ابتكر طريقة جديدة في إيقاع الخبيتي، وواجه انتقادات بسبب ذلك، لكنه انتصر في النهاية وأصبحت طريقته في الإيقاع تستخدم كثيرا على مستوى الأغنية الخليجية.
ولتولع عبد الكريم بالفنون الأصيلة في أي مكان في العالم واستثمارها وتقديمها للمستمع العربي، لم يخفَ عليه المخزون الفني الكبير والموروث الثقافي في جنوب السعودية، ليساهم أيضا في انتشار لون الغناء الجنوبي من خلال لون وإيقاع الخطوة من خلال عدد من الأغاني منها أغنية (قصر عالي) و(نذر علي) والتي بدورها نقلت الموروث الجنوبي إلى كافة دول الخليج ولا سيما إيقاعه وألحانه.
ويتذكر عبد الكريم تلك الفترة بنشوة وهو يقول: «كانت أياماً لا تنسى بأن اجتمعت مع الشاعر المتمكن ومرهف الإحساس عبد الله الشريف الذي صاغ كلمات جنوبية متزينة بلحن الفلكلور الجنوبي، حيث لقيت أصداء كبيرة ليست على مستوى جنوب السعودية بل وعلى مستوى الخليج العربي، وانتقل المورث إليهم».
الحجازي علي عبد الكريم كالسحابة التي أينما اتجهت تمطر، من خلال حبه للغناء من بيئات مختلفة وتقديمها بشكل جيد. وربما لا يعرف البعض أن علي عبد الكريم يكاد يكون الفنان السعودي الوحيد الذي تمكن من أخذ موافقة خطية من أسرة (كوكب الشرق) السيدة أم كلثوم وكذلك جمعية الملحنين والمؤلفين في القاهرة بعد أن استمتعوا لأدائه واستحسنوه، وشاركت في المهمة أيضا شركة (روتانا) التي وزعت بصوته ألبوما كاملا لعدد من أغاني أم كلثوم. ويروي عبد الكريم بأنه واجه: «معارضة في البداية من بعض المقربين مني حينما استشرتهم بأن أعيد أغاني أم كلثوم وبعض عمالقة الفن العربي، وقالوا لي من الصعب أن تستطيع مجاراتهم في الأداء، ولكنني لقيت شهادة أعتز وأفتخر بها طيلة مسيرة من جمعية الملحنين والمؤلفين في القاهرة التي أجازت الأداء واستحسنته».
احتفالية الغد ستحظى بأغنية حجازية جديدة يشدو بها علي عبد الكريم من ألحان الموسيقار الحجازي الكبير الراحل عمر كدرس وكلمات الشاعر محمد القرني، ويبين عبد الكريم بأنه: «سعيد بتقديمي لأغنية جديدة في هذه الليلة الممتعة، حيث سأغني بلحن أستاذنا الموسيقار الراحل عمر كدرس لكلمات الشاعر الجميل محمد القرني، كما أنني طرحت أخيراً أغنية وطنية من كلمات الشاعر ضياء خوجة ومن ألحاني بعنوان (ربي احفظ مملكتنا) واللحن على الطراز الفني السعودي القديم».
وكانت بدايات المطرب الحجازي علي عبد الكريم بحفلاته الصغيرة وسط أحياء جدة القديمة «الهنداوية وحارة الشاطئ والواسطة»، وتزامن ذلك ما غناه في سن صغيرة في مدرستي (الفيصلية والمنصورية) التي درس فيها مرحلة الابتدائية وهو لم يبلغ الـ15 عام ويعلق عبد الكريم على ذلك مشددا على أن «هذه الفترة ستبقى خالدة في ذاكرتي ولن أنساها، فهل هناك من ينسى فترة طفولته الجميلة والزمن الجميل».
واختتم عملاق لوني «الدانة والمجرور» الحجازية قصته لـ«الشرق الأوسط» بالتأكيد على أن «السعودية تسير بخطى ثابتة متجهة للأعلى بفضل الدعم اللامحدود الذي تسير عليه في كافة المجالات ولا سيما مجالي الفن والثقافة برؤية ثاقبة من الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، الذي عرف أن بناء الإنسان أولا، فحرص على الثقافة والموروث الفني فأحياها من جديد، فله كل الشكر». ويضيف: «ولا أنسى أن أشكر هيئة الترفيه على دعمها بقيادة رئيسها أحمد الخطيب، وكذلك كافة إخواني الإعلاميين على دعمهم الطويل لي في مشواري وكذلك دعم كافة زملائي الفنانين فهم مرآتنا التي نرى أنفسنا من خلالها».
ودعمت هيئة الترفيه، إقامة هذه الليلة الحجازية، مكملة للجهود التي قام بها عاشقو الفن الحجازي زكي حسنين، ومحمد زكي حسنين إذ يبين المدير التنفيذي لشركة بنش مارك زكي حسنين أن «ليلة حجازية» تأتي كدعم للفن المحلي الأصيل وهو الفن الحجازي والمساهمة في تعريفه للأجيال الصاعدة كمسؤولية على عاتقنا، لذلك قررنا أن نحيي ليلة طربية من الطراز الرفيع.
وأضاف حسنين أن «ليلة حجازية» سوف يفتتحها الصوت الحجازي الأصيل الفنان القدير علي عبد الكريم، الذي عاشت أجيال على صوته الطربي ليسافر بنا صوته إلى الحجاز قديما ويطرب مسامع الحضور، وهي مناسبة لتكريم الفن الحجازي والفنانين الذين تركوا بصمة في هذا الفن.



صابر الرباعي: الجمهور لا ينسى الأصوات الصادقة

يعمل صابر الرباعي حالياً على تنفيذ مجموعة متكاملة من الأغنيات الجديدة (حسابه على {إنستغرام})
يعمل صابر الرباعي حالياً على تنفيذ مجموعة متكاملة من الأغنيات الجديدة (حسابه على {إنستغرام})
TT

صابر الرباعي: الجمهور لا ينسى الأصوات الصادقة

يعمل صابر الرباعي حالياً على تنفيذ مجموعة متكاملة من الأغنيات الجديدة (حسابه على {إنستغرام})
يعمل صابر الرباعي حالياً على تنفيذ مجموعة متكاملة من الأغنيات الجديدة (حسابه على {إنستغرام})

قال الفنان التونسي صابر الرباعي إنه يعيش راهناً حالة فنية نشطة تتوزع بين التحضير لأعمال غنائية جديدة، مع الاستعداد لإحياء حفلات جماهيرية في عدد من الدول العربية.

وأشار الرباعي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «هذه المرحلة تمثل امتداداً طبيعياً لمسيرته الفنية، التي اعتمدت منذ بداياتها على مبدأ الاستمرارية والبحث الدائم عن الأغنية الصادقة القادرة على الوصول إلى الجمهور بمختلف أذواقه وأجياله».

ويؤكد الرباعي أن جدوله الفني كان مزدحماً خلال الآونة الأخيرة: «أحييت حفلاً في دبي، ثم في القاهرة ليلة رأس السنة، كما سأزور مدينة الدمام للمرة الأولى، وهي زيارة تسعدني كثيراً، لأنها على أرض طيبة وغالية، أرض المملكة العربية السعودية».

لا يؤمن الفنان صابر الرباعي بسياسة الطرح السريع أو الاستهلاكي للأعمال الفنية (حسابه على {إنستغرام})

وأشار الرباعي إلى أن «الغناء في السعودية وبقية دول الخليج العربي يشكّل محطة أساسية في مسيرته الفنية، في ظل الحراك الفني الكبير الذي تشهده المنطقة، إلى جانب المستوى العالي من التنظيم الذي تتميز به الحفلات والمهرجانات الغنائية».

ويعمل الفنان التونسي حالياً على تنفيذ مجموعة متكاملة من الأغنيات الجديدة، سيتم طرحها بشكل تدريجي خلال الفترة المقبلة، مؤكداً أنه «لا يؤمن بسياسة الطرح السريع أو الاستهلاكي للأعمال الفنية، لأن الأهم بالنسبة له ليس عدد الأغنيات، بل أن يصل العمل إلى الجمهور في الوقت المناسب وبالإحساس الذي اعتاد عليه منه، ومن هذه الأغنيات أغنية مصرية».

برأي الرباعي أن الارتقاء بالمشهد الغنائي مسؤولية مشتركة بين الفنانين والمنتجين والجمهور (حسابه على {إنستغرام})

وأضاف أن «عملية اختيار الأغنية لا تعتمد فقط على اسم الشاعر أو الملحن، بل تقوم بالأساس على الإحساس العام وصدق التجربة الفنية»، مشدداً على أن «الجمهور أصبح أكثر وعياً وقدرة على التمييز بين الأعمال الفنية المختلفة».

ويرى الرباعي أن «الساحة الغنائية العربية شهدت تنوعاً واضحاً في الألوان الغنائية، خلال العام الماضي»، لافتاً إلى أنه «كانت هناك أعمال قوية على مستوى الكلمة واللحن، ونحن بحاجة إلى هذا النوع من الأغنيات من أجل استعادة التوازن في الأغنية العربية، لأن الأغنية ليست مجرد إيقاع، بل هي إحساس وكلمة ولحن وصوت».

الساحة الفنية العربية شهدت تنوعاً واضحاً في الألوان الغنائية خلال العام الماضي

صابر الرباعي

وأكد أن «دعم هذا النوع من الأعمال الراقية مسؤولية مشتركة بين الفنانين والمنتجين والجمهور، من أجل الارتقاء بالمشهد الغنائي العربي».

وعبّر الرباعي عن شوقه للفنان اللبناني فضل شاكر الذي يحاكم بعدة تهم في بلده لبنان. مؤكداً أن «الساحة الفنية ما زالت بحاجة إلى صوته وحضوره»، وفق تعبيره.

وأضاف أن «الزمن كفيل بإعادة ترتيب المشهد الفني»، معتبراً أن «الجمهور لا ينسى الأصوات الصادقة التي تركت بصمة حقيقية».

وتطرق الرباعي إلى مشاركته في جولة Stars On Board، واصفاً التجربة بأنها مميزة على المستويين الفني والإنساني، لا سيما أنها أُقيمت في مدينة دبي: «دبي لها مكانة خاصة، فهي مدينة تحتضن الفن والفنانين من مختلف أنحاء الوطن العربي المشاركة في حفل (ستارز أون بورد) كانت تجربة جميلة، والتنظيم كان على مستوى عالٍ، وهو ما يمنح الفنان مساحة لتقديم أفضل ما لديه على المسرح».

وأشار الفنان التونسي إلى أن «جمهور دبي يتميز بتنوعه وثقافته الفنية العالية، الأمر الذي يفرض على الفنان تقديم عرض متكامل يليق بهذا الجمهور»، مؤكداً أن «الاستمرارية والتواصل مع مختلف الأجيال يمثلان الأساس الحقيقي لأي نجاح فني، لأن الفن ليس مجرد تصنيفات، بل هو حضور واستمرارية، وقدرة على التواصل مع الأجيال التي كبرت معنا، وكذلك الأجيال الجديدة، يجب أن تجد نفسها في أغانينا، وعندما يتحقق ذلك، يستطيع الفنان أن يواصل مسيرته وينجح ويستمر».

 


مادونا عرنيطة: نعيش زمن الفن خفيف الظل والكلمة المختصرة

اشتهرت الليدي مادونا بأناقتها الباهرة (مادونا عرنيطة)
اشتهرت الليدي مادونا بأناقتها الباهرة (مادونا عرنيطة)
TT

مادونا عرنيطة: نعيش زمن الفن خفيف الظل والكلمة المختصرة

اشتهرت الليدي مادونا بأناقتها الباهرة (مادونا عرنيطة)
اشتهرت الليدي مادونا بأناقتها الباهرة (مادونا عرنيطة)

تترك الفنانة مادونا عرنيطة أثرها في كل إطلالة اجتماعية أو إعلامية لها. فلا تمر مرور الكرام، تماماً كعطر أنيق يعلق في الذاكرة.

أخيراً، وخلال تقديمها واجب التعزية للسيدة فيروز بوفاة ابنها هلي، انحنت الفنانة مادونا عرنيطة احتراماً، مقبّلةً يديها. غير أنّ هذا المشهد عرّضها لانتقادات واسعة، باعتبار أنّ اللقطة نفسها كانت قد سبقتها إليها الفنانة ماجدة الرومي خلال تعزية فيروز برحيل ابنها زياد الرحباني منذ نحو ستة أشهر. فذهب البعض إلى اعتبار ما قامت به عرنيطة نوعاً من التقليد والتشبّه.

وفي تعليقها على هذا الجدل، تقول صاحبة لقب «الليدي مادونا» لـ«الشرق الأوسط»: «معيب هذا الكلام، وآسف أن بعض الناس لا يشغلهم سوى إطلاق الأحكام على الآخرين. فأنا كنت أول من انحنى وقبّل يدي السيدة فيروز عند تعزيتي لها بوفاة ابنها زياد. يومها وصلت باكراً قبل مجيء السيدة ماجدة. ولم تكن الكاميرات قد جهزت بعد للتصوير، ولم يتمكن سوى قلة من المصورين من التقاط تلك اللحظة».

تؤكد بأنها ترى الأمور دائما من منظار ايجابي (مادونا عرنيطة)

وتتابع: «عندما أركع أو أنحني أمام فيروز، فإن ذلك يصدر عن عفوية مطلقة. فهي بمثابة أُم لي، وقد تربيت في منزلها ونشأت على أغانيها. هذا المشهد لا علاقة له بالاستعراض أو لفت الأنظار، بل ينبع من مشاعر عميقة أكنّها لهذه العائلة منذ طفولتي».

المعروف عن مادونا صراحتها ووضوحها بحيث تكره المواربة. وعندما تحدّثك عن السيدة فيروز وما تعنيه بالنسبة لها، تؤكد بأنها أمّ وطن بأكمله، وبأنها تمثّل البركة التي ترفرف في سماء لبنان. وتتابع: «هناك خبز وملح بيننا وكنت من الفنانين الأقرب إلى عائلة عاصي الرحباني. وقد أوصى بي قبيل رحيله، طالباً من عائلته مساندتي لأنني فنانة حقيقية حسب قوله، وصاحبة صوت جميل. لم أتعرّف عن قرب إلى ولدي السيدة فيروز هلي وليال الراحلين، ولكنني مقرّبة من ابنتها ريما رغم فارق السن بيننا».

وتشير في سياق حديثها إلى أنّها كانت تربطها علاقة وطيدة بالراحل زياد الرحباني، وكذلك بأبناء الراحل منصور الرحباني، وبالراحل إلياس الرحباني.

وتخبر «الشرق الأوسط»: «في الثمانينات حضّر لي الراحل زياد الرحباني مسرحية (كان به)، واستقدم فرقة روسية لمشاركتي الخشبة. لكن الغزو الإسرائيلي للجنوب حال دون تنفيذ المشروع وتوقّف العمل عليه. لقد عاكستني الظروف أكثر من مرة في علاقتي الفنية مع الرحابنة. حتى عندما اتفقت مع مروان الرحباني على إحياء مسرحية (هالو بيروت)، تأخر موعد العرض، فاعتذرت لارتباطي بإحياء حفلات في فندق شيراتون – مصر. فيما أعتبر أنّ مسرحية (سفرة الأحلام) مع إلياس الرحباني كانت من أجمل ما قدّمته في عالم الخشبة الاستعراضية».

تصف الساحة اليوم بـ"خفيفة الظل" (مادونا عرنيطة)

ومن ناحية أخرى، تشيد مادونا بفيروز الأم، قائلة: «لقد رفضت التخلي عن ابنها هلي، صاحب الاحتياجات الخاصة، وأبقته إلى جانبها في المنزل. وربما، كغيرها من الفنانات، اضطرت أحياناً إلى التقصير بحق أولادها بسبب انشغالاتها الفنية، لكنها تبقى نموذجاً للأم الحنونة. وقد لمسنا دموعها الحزينة وهي تنهمر من عينيها حزناً على هلي، الذي كان رفيقها اليومي».

تعترف مادونا بأنها قصّرت بدورها تجاه ابنتها، لكن هل تندم على منح الفن الأولوية في حياتها؟ تجيب من دون تردّد: «لا، أبداً فالفن كان حلمي منذ صغري، واستطعت تحقيقه على أكمل وجه. رسمت هذا الطريق بنفسي، وثابرت على السير فيه بخطى واثقة حتى وصلت إلى القمّة ونجحت. صحيح أنّ المسار لم يخلُ من مطبات وصعوبات، لكنني واجهتها كلّها».

وتضيف: «في عام 2000 قررت التوقف قليلاً ومصارحة الذات. كنت بحاجة إلى فترة راحة أستعيد خلالها قوتي، لأعود بعدها وأنطلق من جديد».

وترى مادونا الحياة دائماً من زاوية إيجابية، كما تؤكد لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الإيجابية نابعة من إيماني بما كُتب وقُدّر لي من ربّ العالمين. كنت محظوظة منذ ولادتي، فقد نشأت في منزل دافئ وفني، يغمره الحب. وفي المقابل، منحني الناس حباً آخر، فتألقت من خلالهم».

أواجه كل مرحلة بإيجابية وأثابر على شقّ طريقي بثقة كبيرة بالنفس

مادونا عرنيطة

وتشبِّه الحياة بالكرة الأرضية التي تدور حول نفسها، مؤكدة أنها دارت معها في كل مراحلها: «وصلت إلى القمّة ونجحت، ثم تراجعت وخفّ وهجي أحياناً. لكنني كنت دائماً أواجه كل مرحلة بإيجابية، وأثابر على شقّ طريقي بثقة كبيرة بالنفس».

وعن رأيها بالساحة الفنية اليوم، تقول: «نعيش في زمن الفن خفيف الظل والكلمة المختصرة. الأيام تبدّلت، ولم يعد الناس يميلون إلى الجمل الغنائية الطويلة. سكان هذا العالم متعبون ويبحثون عن الفرح، لا سيما أنّ العمر قصير».

أما عن خوفها من الغد، فتجيب: «لا يراودني الخوف إطلاقاً. أنا جاهزة للرحيل متى شاء ربّ العالمين. رتّبت أوراقي وملابسي وأعددت كل شيء. الإنسان لا يعرف متى سيرحل، لذلك عليه أن يكون مستعداً على أكثر من صعيد».

وعن مشاريعها المستقبلية، تكشف عن نيتها إقامة معرض خاص بأزيائها قريباً، موضحة: «تراودني هذه الفكرة منذ زمن، وسأحققها حتماً. أملك مئات الفساتين التي ارتديتها في مسرحياتي وأفلامي وحفلاتي الغنائية، وأرغب في عرض جزءٍ منها. عددها الكبير لا يسمح بعرضها كلها. وقد تعاونت مع أهم مصممي الأزياء في لبنان بينهم إيلي صعب وفؤاد سركيس وروبير أبي نادر وسمير صبّاغ وغيرهم».

ويُذكر أنّ مادونا اشتهرت بأناقتها، وتشبّه أحياناً بالراحلة صباح وبإطلالاتها اللافتة، لكنها تقول: «صنعت لنفسي خطاً فنياً خاصاً بي، ولم أنظر يوماً إلى ما يفعله الآخرون، بل كنت أتطلع دائماً إلى الأمام وإلى الأفضل». وتشير مادونا إلى أنها لم تلجأ إلى الجراحة التجميلية أو حقن البوتوكس، قائلة: «لا أشعر أنني بحاجة إليها. أحبّ التجاعيد الخفيفة على وجهي أو رقبتي، فهي تحكي بصراحة عن مراحل حياة مررت بها بحلوها ومرّها. وعندما أشعر بأن الوقت حان لتحسين مظهري الخارجي، ربما سأقوم بشيء من هذا القبيل».

وعن علاقتها بالشاشة الصغيرة، تقول إنها لا تتابعها كثيراً، مفضّلة وسائل التواصل الاجتماعي: «أعمل مع فريق كبير، وأردّ شخصياً على متابعيَّ وأقف على آرائهم. لكن ما لا أستسيغه هو البعد الذي تفرضه الـ(سوشيال ميديا). بات الناس يؤدون واجب التهنئة والعزاء عبر (فيسبوك)، وهذا لا يليق بالإنسان. أنا أفضّل القيام بواجباتي وجهاً لوجه». وتختم حديثها لـ«لشرق الأوسط» بالقول: «لا أعتب على أحد، ومطلبي الوحيد، أن يحلّ السلام في منطقتنا».


لطيفة لـ«الشرق الأوسط»: الأغاني السريعة شكّلت هويتي

لم تشعر لطيفة بأي تخوف من تجسيد دور الأم في كليب أغنيتها {تسلملي} (الشركة المنتجة)
لم تشعر لطيفة بأي تخوف من تجسيد دور الأم في كليب أغنيتها {تسلملي} (الشركة المنتجة)
TT

لطيفة لـ«الشرق الأوسط»: الأغاني السريعة شكّلت هويتي

لم تشعر لطيفة بأي تخوف من تجسيد دور الأم في كليب أغنيتها {تسلملي} (الشركة المنتجة)
لم تشعر لطيفة بأي تخوف من تجسيد دور الأم في كليب أغنيتها {تسلملي} (الشركة المنتجة)

قالت الفنانة التونسية لطيفة إن أغنيتها المصورة الجديدة «تسلملي» جاءت نتيجة بحث طويل عن فكرة مختلفة تبتعد عن القوالب المعتادة في تصوير الأغاني، موضحة أنها تعدّ المغامرة والتجديد الدائم جزءاً أصيل من مسيرتها الفنية.

وأضافت في حديثها لـ«الشرق الأوسط» أنها عندما استمعت إلى الأغنية مع المخرج جميل جميل المغازي طرح عليها هذه الرؤية البصرية، ورغم ترددها في البداية، لكنها سرعان ما اقتنعت بعد نقاش قصير، خصوصاً حين شعرت بأن الفكرة جديدة وتحمل روح الأغنية ومعناها الإنساني.

لطيفة في مشهد من كليب اغينتها {تسلملي} الذي وقعّه المخرج جميل جميل المغازي (الشركة المنتجة)

ولم تشعر لطيفة بأي تخوف من تجسيد شخصية الأم داخل الأغنية المصورة، وفق قولها؛ «لكون العمل في جوهره أقرب إلى فيلم قصير يرصد علاقة واقعية بين أم وابنها، تبدأ من الطفولة وتمتد حتى لحظة زواجه»، مؤكدة أن تقديم شخصيات أو أفكار غير تقليدية لم يكن يوماً مصدر قلق بالنسبة لها، لا على مستوى الموسيقى ولا الصورة.

أغنية «تسلملي» التي كتب كلماتها حسام سعيد ولحنها سامر المصري وقام بتوزيعها خالد نبيل، جاءت ضمن ألبوم «قلبي ارتاح» الذي طرحته الفنانة التونسية، الصيف الماضي، وحقق ردوداً إيجابية بالتزامن مع تقديمها لأغنياته في الحفلات الغنائية التي قامت بإحيائها.

تراهن لطيفة على {التجديد المستمر} في أعمالها (حسابها على {فيسبوك})

وتطرقت لطيفة إلى كواليس التصوير، قائلة إن «الأجواء كانت مشحونة بالمشاعر، ولحظات التصوير نفسها حملت قدراً كبيراً من الصدق الإنساني؛ ما جعل كثيرين من فريق العمل يتأثرون ويبكون أثناء تنفيذ المشاهد»، مؤكدة أن هذا الإحساس الحقيقي انتقل تلقائياً إلى الجمهور عند عرضه على الشاشات، وهو ما لمسته من ردود فعل إيجابية بعد وقت قصير من طرح الأغنية.

وأوضحت أنهم كانوا حريصين على الاهتمام بالتفاصيل الخاصة بالتصوير، ومن بينها اختيار الأطفال الذين جسَّدوا شخصية الابن في مراحله العمرية المختلفة، وهو أمر استغرق وقتاً طويلاً من البحث والتجارب، بالتعاون مع المخرج، حتى تم الاستقرار على الاختيارات النهائية التي ظهرت في الأغنية، لافتة إلى أنهم لم يعملوا باستعجال في أي من مراحل الأغنية، وكانوا حريصين على خروجها بأفضل صورة.

تؤكد لطيفة حرصها الدائم على المشاركة في جميع مراحل صناعة أعمالها الفنية (الشركة المنتجة)

وأكدت لطيفة حرصها الدائم على المشاركة في جميع مراحل صناعة أعمالها الفنية، سواء فيما يتعلق بمرحلة تحضيرات الأغنية من الكلمات واللحن والتوزيع والتنفيذ، وصولاً إلى فكرة تصويرها وتقديمها، وهو أمر اعتادت عليه في جميع مراحل عملها منذ بداية مشوارها الفني رغم الأعباء التي يضعها عليها هذا الأمر، لكنها تشعر بسعادة فيها.

وعن تفضيلها منذ بداياتها إلى الأغاني السريعة، قالت لطيفة إن «هذا التوجه كان نابعاً من إحساسي الشخصي بالموسيقى؛ إذ كنت أميل دائماً إلى الألحان التي تحمل حركة وإيقاعاً نابضاً وقريباً من الناس، وهذا الميل كان واضحاً منذ لقائي الأول بالموسيقار الراحل عمار الشريعي، الذي شكَّل محطة مفصلية في مشواري الفني، حيث بدأت معه رحلة قائمة على التجريب والبحث عن هوية موسيقية خاصة، وهو ما تحقق في الأغاني السريعة ذات الإيقاع النابض».

كواليس «تسلملي» كانت مشحونة بالمشاعر ولحظات التصوير نفسها حملت قدراً كبيراً من الصدق الإنساني

لطيفة

وأوضحت أن ألبومها الأول، الذي ضم ثماني أغنيات فقط، كان خطوة غير معتادة في ذلك الوقت، لكنها جاءت عن قناعة كاملة، مؤكدة أنها لم تكن تسعى لمجاراة السوق بقدر ما كانت حريصة على تقديم رؤيتها الفنية، وقالت: «هذه التجربة أسهمت لاحقاً في تغيير شكل الألبومات الغنائية، بعدما أصبحت فكرة الثماني أغنيات في الألبوم أمراً شائعاَ».

لطيفة التي تراهن على «التجديد المستمر» في أعمالها تؤكد أن دراستها للغيتار والموسيقى في تونس لسنوات عدة قبل التوجه إلى مصر أفادتها كثيراً، وجعلتها تخوض تجارب موسيقية مختلفة مستعيدة اقتراحها استخدام آلة الميزويت التونسية الشعبية في أحد أعمالها، والتي لم تكن مألوفة داخل الأغاني المصرية في ذلك الوقت.

تُخضِع الفنانة لطيفة اختياراتها لإحساسها وقناعتها وليس لمنطق السوق (حسابها على {فيسبوك})

وعن تعاونها مع أجيال مختلفة من صناع الموسيقى، أكدت لطيفة أن هناك موسيقيين شكَّلوا محطات فنية مهمة في حياتها على غرار الشاعر الراحل عبد الوهاب محمد الذي قدمت معه موضوعات جريئة ومختلفة ولا تزال تحتفظ بأعمال له لم تطرح بعد، بالإضافة إلى تجربتها مع الموسيقار عمار الشريعي، لكن في الوقت نفسه لا تخشى التعاون مع أسماء جديدة لديها موهبة حقيقية وهو ما برز في ألبومها الأخير.

وأضافت أن «التنوع في الاختيارات والعمل مع موسيقيين من أجيال مختلفة يمنح العمل روحاً متجددة باستمرار ويجعل كل فرد يقدم أفضل ما لديه»، مؤكدة أنها دائماً تُخضِع اختياراتها لإحساسها وقناعتها الخاصة وليس لمنطق السوق».