الإعلام الأفغاني تحرر من {قبضة العمائم} فأربكه الانفتاح

مضايقات لأهل المهنة... وطهران أكبر المستفيدين من تمويل بعض المطبوعات

غاليري تلفزيون {زان} - صحافية في قناة {طلوع}
غاليري تلفزيون {زان} - صحافية في قناة {طلوع}
TT

الإعلام الأفغاني تحرر من {قبضة العمائم} فأربكه الانفتاح

غاليري تلفزيون {زان} - صحافية في قناة {طلوع}
غاليري تلفزيون {زان} - صحافية في قناة {طلوع}

وفق معايير طالبان، فإن إذاعة «صوت الشريعة» هي المصدر الوحيد للأخبار والفتاوى الشرعية. الإذاعة كانت الوسيلة الإعلامية الوحيدة التي خاطبت الأفغان لمدة ست سنوات أي منذ ظهور جماعة طالبان في ولاية قندهار قبل اثنين وعشرين عاما. معظم برامج الإذاعة ركزت على فتاوى دينية لا تتجاوز الأوامر والنواهي وكانت الإذاعة تحذر وتبشر مستمعيها بما تراه مناسبا لهم عبر مجموعة من رجال الدين نصبوا أنفسهم كأهل العلم والحكمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
ظل الوضع قائما حتى سئم الأفغان من هذه الحالة وسط غياب تام للبرامج الترفيهية. أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 تلاها تدخل أميركي في أفغانستان وضربات لحكومة طالبان وحلفائها من تنظيم القاعدة. الحرب فتحت للأفغان صفحة جديدة من خلال وسائل إعلام بدأت تغزو البيوت الطينية والعشوائية لأغلب الأفغانيين مع اختلاف لغاتهم وعاداتهم وتقاليدهم القبلية.
ففي الوقت الذي استثمرت وبكل سخاء كل من الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية والمجتمع المدني الغربي بوسائل إعلام أفغانية ملايين الدولارات بعد رحيل نظام طالبان عام 2001، يواجه الإعلام الأفغاني اليوم مشاكل عديدة، فهو مهدد بالتلاشي مع انسحاب الممول الأميركي والغربي الذين بدأوا بمغادرة البلاد بهدوء منذ نهاية 2014 تاركين وراءهم الإعلام الوليد والإعلاميين لمصيرهم.
تقول نقابة الصحافيين الأفغان ومقرها كابل إن هناك أكثر من خمسين محطة تلفزيونية في أفغانستان وأكثر من مائتي محطة راديو تبث برامجها على موجات إف أم وبضع المئات من الصحف والمواقع الإلكترونية، إضافة إلى وكالتين للأخبار، وهو يعد إنجازا أفضل في المنطقة وربما في العالم. لكن كل هذه المحطات والصحف والإذاعات في واقع الأمر والتي تبث برامج مختلفة تمتزج بين الترفيه وحلقات نقاش سياسية وندوات حوار إما تعود لأمراء الحرب السابقين وتجار المخدرات الذين يتسترون وراء هذه المحطات البراقة مستغلين التطور الجديد ليخفوا وراءهم عالما من الحروب وانتهاكات بحق الإنسانية وأعمالا تخريبية ارتكبوها إبان الحرب الأهلية في تسعينات القرن الماضي.
القطاع الإعلامي في أفغانستان شهد طفرة كبيرة بين عامي 2005 و2014 قبل أن ينقطع الدعم المالي لعشرات المحطات التلفزيونية والمجلات والصحف اليومية والأسبوعية مع خروج قدر كبير من المؤسسات الدولية وتلك التابعة للأمم المتحدة التي كانت المصدر الأساسي في تمويل وسائل إعلام عملت من أجل تكريس دعائم الديمقراطية الوليدة في هذا البلدة الذي مزقته الحروب المتتالية ولا يزال يعاني تداعياتها المختلفة.
وفق تقارير دولية ومستقلة، فإن وضع الإعلام وحرية البيان والتعبير في أفغانستان أفضل بكثير من الدول المجاورة مثل إيران وباكستان ودول آسيا الوسطى وبفضل الوجود الدولي وحضور لافت للمجتمع الدولي في البلاد قفز القطاع الإعلامي الأفغاني قفزات عالية خلال السنوات الماضية، غير أن ذلك لا يعني أنه ليست هناك مشاكل أو عراقيل تواجه هذا القطاع فبسبب التوترات الأمنية واستمرار الحرب في جميع أنحاء البلاد وتهديدات المسلحين للمؤسسات الإعلامية والصحافيين خصوصا بعد 2014 مع تسلم الحكومة الأفغانية الملف الأمني أصبح وضع الإعلام يتجه من السيئ إلى الأسوأ.
كما يتعرض الإعلاميون والصحافيون إلى مضايقات من قبل بعض الأطراف الأفغانية، وهو ما حصل مع شبكتي «طلوع نيوز» التلفزيونية و«تي في1»، وباستمرار حيث هددتهما جماعات مقربة من حركة طالبان، وذلك بعد بثهما سلسلة تقارير خلال حرب قندز من سبتمبر (أيلول) إلى منتصف أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2015، وبسبب ما تقول الجماعات الدينية المتشدد بأنه انفلات من قواعد الشريعة في هذه القنوات من قبيل بث برامج موسيقية وحفلات رقص لا يزال المجتمع الأفغاني ينظر إليها بعين الريبة والشك.
إلى ذلك يتعرض الإعلام في أفغانستان للانحسار والتهديد سواء من جانب الحكومة أو من المعارضين المسلحين على حد سواء، وأن الصحافيين لا يشعرون بالأمان ولا يمكنهم نشر الحقائق وتدقيقها، وأن بعض جهات الصحافة دخلت في تواطؤات، وبعضها وقع رهينة لأصحاب المال والسلطة.
ومع موجة الحرية التي يتمتع بها الإعلام الأفغاني البعض يتهم هذا القطاع حتى من داخل المؤسسات الحكومية بأن هناك انفتاحا غير مبرر وانفلاتا في مستوى الحريات في بعض القنوات التلفزيونية مما يسبب إحراجا للحكومة أمام رجال الدين وبعض المؤسسات الدينية وأن حركة طالبان وباقي الجماعات المتشددة التي تبحث عن ذريعة لتعزيز صفوفها ومواصلة حربها ضد الحكومة تتخذ من هذا الانفلات ذريعة ووسيلة لتبرير هجماتها والإيحاء بأن الحكومة لا تفعل ما فيه الكفاية في مراقبة الإعلام الذي يبث برامج مخلة بالآداب والأخلاق وحتى مناقضة للشريعة والدين على حد تعبير الجماعات المتطرفة التي تبحث عن كل وسيلة وحجة لتبرير أفعالها.
تمويل الإعلام الأفغاني!
مستوى الحرية والانفتاح الذي يسود في قطاع الإعلام الأفغاني بسبب دعم الغرب له وحضور المجامع الدولي في هذا البلد استغل النظام الإيراني هذا الوضع لصالحه، وبحكم الجوار والحدود واللغة والثقافة المشتركة تغلغلت إيران في مؤسسات الإعلام الأفغاني عبر التسويق والترويج لثقافة إيرانية، وتسابقت الحوزات العلمية ومؤسسات صناع القرار في إيران في توفير الدعم المادي والمعنوي لمجموعة من القنوات التلفزيونية الأفغانية وعشرات الصحف والمجلات وذلك من خلال تدريب كوادر فنية لها في إيران أو تقديم منح دراسية للصحافيين والإعلاميين وإقامة ندوات علمية ونقاشية دعت إليها الصحافيين والمراسلين الأفغان إلى إيران، فضلا عن تقديم الدعم المالي بصورة شهرية لعدد من القنوات التي تدور في فلك السياسة الإيرانية الإقليمية أو الدولية خصوصا تلك القنوات والمحطات الإذاعية التي تتبع للأقلية الشيعية في أفغانستان.
وكان للنظام الإيراني تأثير كبير من خلال هذه القنوات في اتخاذ سياسات داخلية أو إقليمية من قبل الحكومة الأفغانية على مدى السنوات الماضية ولا تزال إيران لديها اليد الطولى في المؤسسة الإعلامية الأفغانية رغم شكاوى أغلب الأغلب الأفغان وانزعاجهم من التدخل الإيراني في وتغيير المعادلة لصالحها من خلال التمويل الهادف والسياسي للمؤسسات الإعلامية في أفغانستان.

المشهد الإعلامي بعد {طالبان}

حكومي
قناة (راديو تلفزيون دولتي) هي القناة والإذاعة الحكومية وهي أقدم وسيلة إعلامية عرفها الأفغان لكنها تعرضت لعدة مطبات حيث تعرض مبناها للحرق والنهب أيام سيطرة المتطرفين على كابل في عام 1992 ثم تعرض نفس المبنى الواقع في منطقة (وزير أكبر خان) وسط كابل للنهب والحرب وتدمير أجزاء منه أيام سيطرة طالبان على كابل وأغلقت القناة التلفزيونية أثناء الحرب بسبب عدم وجود كوادر فنية ومعارضة قادة طالبان بالإعلام المرئي، ومنذ رحيل طالبان حاولت السلطات الجديدة إعادة بث الروح إلى القناة الحكومية فتم تأسيس مبانٍ جديدة لها وتجهيزها بأحداث المعدات غير أنها فشلت في استقطاب عدد كاف من المشاهدين والمشاهدات بسبب عدم الكفاءة وعدم قدرة الموظفين على مواكبة التطورات السريعة والمتلاحقة في قطاع الإعلام الحديث.
حزبي
هناك عشرات المحطات التلفزيونية والإذاعات تتبع للأحزاب السياسية ولقادة المتطرفين السابقين الذين يحاولون الوصول إلى أنصارهم من خلال هذه المحطات التي تبث خطابات وكلمات القادة السياسيين في مختلف المناسبات والمجالات وهي تعمل جاهدة في تثبيت دعائم هؤلاء الساسة في المجتمع الأفغاني المنقسم عرقيا وطائفيا. بعض هذه القنوات متهمة بالتحريض على القتل والعنف وإثارة النعرات الطائفية والقبلية، كما أن السلطات متهمة أيضا باتخاذ سياسات التضرع وعدم الجدية في التعامل مع هكذا الملفات التي توسع الشرخ في المجتمع الأفغاني. أهم هذه القنوات والمحطات الناطقة باسم الأحزاب وقادة المتطرفين وأمراء الحرب هي (قناة نغاه) أي وجهة نظر لمحمد كريم خليلي الزعيم الشيعي ورئيس مجلس السلام الحالي في كابل، وقناة (دعوت) التابعة لعبد رب الرسول سياف أحد أبرز قادة المتطرفين وزعيم حزب الدعوة الإسلامية، وقناة (النور) التابعة للراحل برهان الدين رباني الزعيم المتطرف.
مستقل
هناك عدد محدود من القنوات التي تم تأسيسها من قبل صحافيين كبار ورجال أعمال يعيشون في الغرب والولايات المتحدة أبرزها (باقة قنوات طلوع وطلوع نيوز ولمر) فضلا عن عدد من الإذاعات التابعة لهذه الباقة التابعة لرجل أعمال أفغاني يحمل الجنسية الأسترالية وهو سعد محسني، هذه القنوات هي الأنجح أو هي تتميز بتنوع برامجها من قبيل ندوات الحوار وطاولات النقاش بالإضافة إلى المسلسلات.



البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.