غارات ثلاثية على «البرنامج الكيماوي» السوري... وترمب يقول إن المهمة «تحققت»

ماي تعتبر التدخل العسكري قانونياً... وباريس تشير إلى «تدمير معظم الترسانة»... وأنباء عن ضربات استهدفت مواقع إيرانية في حلب ودير الزور

مركز الدراسات والبحث العلمي، منشأة أبحاث للأسلحة الكيماوية والبيولوجية.
مركز الدراسات والبحث العلمي، منشأة أبحاث للأسلحة الكيماوية والبيولوجية.
TT

غارات ثلاثية على «البرنامج الكيماوي» السوري... وترمب يقول إن المهمة «تحققت»

مركز الدراسات والبحث العلمي، منشأة أبحاث للأسلحة الكيماوية والبيولوجية.
مركز الدراسات والبحث العلمي، منشأة أبحاث للأسلحة الكيماوية والبيولوجية.

أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (السبت)، بالضربات التي نفذتها واشنطن ولندن وباريس على مواقع النظام السوري، مشيراً إلى أنها لم تكن لتحقق نتيجة «أفضل»، في وقت اعتبرت فيه رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أن الغارات «ترسل رسالة واضحة بأن المجتمع الدولي لن يتسامح مع استخدام أسلحة كيماوية».
وأكد وزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان أن «جزءاً كبيراً من الترسانة الكيماوية» التابعة للنظام «تم تدميره» في غارات ليل الجمعة - السبت التي شنّت من أميركا وفرنسا وبريطانيا باستخدام مدمِّرات في البحر المتوسط وطائرات بريطانية في قاعدة في قبرص.

ومساء أمس قال ناشطون سوريون معارضون إن تفجيرات حصلت في مواقع تابعة لميليشيات إيرانية قرب حلب وفي دير الزور، لكن «حزب الله» نفى ذلك.
وعلى صعيد الهجوم الثلاثي على المنشآت الكيماوية السورية، كتب ترمب عبر موقع «تويتر»: «ضربة منفذة بشكل مثالي (...) شكراً لفرنسا والمملكة المتحدة على حكمتهما وقوة جيشهما»، مضيفاً: «ما كان من الممكن تحقيق نتيجة أفضل. أُنجزت المهمة».
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ندد قبل إطلاق العمليات بدعم موسكو لنظام الرئيس بشار الأسد بطريقة قاسية للغاية، لكن الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا حرصت على تجنب القواعد الروسية خلال عملية عسكرية عقابية في سوريا فجر السبت.
وقال ترمب لدى الإعلان عن السماح بتوجيه ضربات ضد النظام السوري إن «هجوم الأسد الكيمياوي والرد اليوم هما نتيجة مباشرة لفشل روسيا في الوفاء بوعودها». وكان يشير إلى اتفاق حول تفكيك الترسانة الكيماوية السورية في عام 2013 بين سلفه باراك أوباما والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. في المقابل، تخلى الرئيس الجمهوري عن فكرة قصف نظام دمشق رغم «الخط الأحمر» الذي أعلنه شخصياً.
وهذه المرة أيضاً هناك هجوم كيماوي نُسِب إلى النظام السبت الماضي في دوما قرب دمشق، وهو سبب الهجمات التي شنت فجر السبت بعد تعبئة المجتمع الدولي الذي تؤرقه الحرب الأهلية التي راح ضحيتها أكثر من 350 ألف شخص منذ مارس (آذار) 2011.
وقال ترمب: «يمكن الحكم على دول العالم من خلال أصدقائها. ولا يمكن لأي دولة أن تنجح على المدى الطويل من خلال تشجيع الطغاة والمستبدين القتلة». وأضاف: «يجب على روسيا أن تقرر ما إذا كانت ستستمر في هذه الطريق الشريرة أم أنها ستنضم إلى الأمم المتحضرة كقوة للاستقرار والسلام».
وسرعان ما دان بوتين الضربات بشدة. وقال في بيان نشره الكرملين إن «روسيا تدين بأقصى درجات الحزم الهجوم على سوريا حيث يساعد عسكريون روس الحكومة الشرعية في مكافحة الإرهاب».
وأعلن بوتين أن بلاده دعت إلى اجتماع عاجل لمجلس الأمن الدولي للبحث في «الأعمال العدوانية للولايات المتحدة وحلفائها» في سوريا.
رغم الاتهامات الأميركية، كانت العملية العسكرية ضد سوريا محدودة وحرصت القوى الغربية على عدم المس بالقوات الروسية الموجودة في البلاد إلى جانب قوات النظام. ويتعلق الأمر بتجنب تصعيد عسكري خطير وعواقب لا يمكن التنبؤ بها بين القوتين العظميين مع تدهور العلاقات إلى حد ما، إثر تسميم الجاسوس السابق سيرغي سكريبال بغاز أعصاب في الرابع من مارس (آذار) في سالزبري البريطانية.
وفي الأيام القليلة الماضية، تصاعد التوتر بين واشنطن وموسكو ما أدى إلى إصدار الأمم المتحدة عدة تحذيرات.
وقال رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة جو دانفورد: «حددنا هذه الأهداف بدقة بغرض التقليل من خطر تورط القوات الروسية»، مشيراً إلى عدم تحذير موسكو مسبقاً بالأهداف التي تم اختيارها.
من جهته، قال وزير الدفاع جيم ماتيس إن «الأماكن التي استهدِفَت هذه الليلة كانت الغاية منها على وجه التحديد إضعاف قدرات الجيش النظامي السوري على إنتاج أسلحة كيماوية». وأضاف: «لم تكن هناك محاولة لتوسيع عدد الأهداف». كما أكدت الحكومة الروسية أنه لم يكن هناك قصف قرب قواعدها في سوريا.
وأعلن الجيش الروسي أن تحالف الدول الغربية الثلاث أطلق 103 صواريخ بعضها من طراز «توماهوك» على سوريا، لكن أنظمة الدفاع الجوي التابعة لدمشق نجحت في اعتراض 71 منها.
وكان «البنتاغون» أعلن، أمس (السبت)، أن العملية العسكرية الأميركية - البريطانية - الفرنسية المشتركة ضد النظام السوري «ضربت كل الأهداف بنجاح»، في تناقض مع التصريحات الروسية بأنه تم اعتراض عشرات الصواريخ.
وصرحت المتحدثة باسم «البنتاغون» دانا وايت للصحافيين: «نحن لا نسعى إلى نزاع في سوريا، ولكننا لا يمكن أن نسمح بهذه الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي... وقد ضربنا كل الأهداف بنجاح... والضربات مبررة ومشروعة ومناسبة».
من جهته، صرح الجنرال كينيث ماكنزي في المؤتمر الصحافي أنه تم ضرب ثلاثة مواقع «تعتبر عناصر أساسية في البنية التحتية لإنتاج الأسلحة الكيميائية لدى النظام السوري». وأكد أن العملية كانت «دقيقة وشاملة وفعالة»، مضيفاً أنها ستعيد برنامج النظام الكيميائي للنظام السوري سنوات «إلى الوراء». وقال ماكنزي إن «الدفاع الجوي السوري لم يتمكن من إصابة أي من صواريخنا أو مقاتلاتنا التي شاركت في العملية».
في لندن، ذكرت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، أمس (السبت)، أن الغارات الجوية بقيادة الولايات المتحدة على منشآت الأسلحة الكيماوية السورية «ترسل رسالة واضحة بأن المجتمع الدولي لن «يتسامح مع استخدام أسلحة كيميائية».
وقالت ماي، في حديثها في مؤتمر صحافي في مقر الحكومة البريطانية «داونينغ ستريت» إن «الضربات المحدودة والمستهدفة» تعرقل قدرة نظام الأسد على استخدام أسلحة كيماوية. وتابعت ماي أن تلك الغارات كانت «صحيحة وقانونية»، وكانت ترمي «لتخفيف المعاناة الإنسانية» للمدنيين السوريين. وأضافت ماي عندما سؤالها عن قرارها للانضمام إلى العمل العسكري دون استشارة البرلمان: «أعتقد أنه كان الشيء الصحيح لنا لفعله».
وتابعت ماي أنها ستطلع البرلمان على المسألة وستجيب عن أسئلة المشرعين يوم الاثنين المقبل. وتابعت رئيسة وزراء بريطانيا، أن المزاعم الروسية بأن بريطانيا متورطة في تدبير هجوم بأسلحة كيميائية في سوريا «بشعة وسخيفة».وكانت ماي ترد بعد تكرار الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مزاعم حكومته بأن جيوش غربية دبرت هجوماً منظماً لتبرير ضربات صاروخية ضد سوريا. واستطردت ماي أن بلادها «واثقة» من أن الضربات الجوية التي نفذتها بريطانيا وأميركا وفرنسا على ما يُشتبه في أنها منشآت لأسلحة كيماوية في سوريا كانت «ناجحة». وذكرت رئيسة الوزراء أنه «من الصواب والقانوني» اتخاذ إجراء.
في باريس، أكد وزير الخارجية الفرنسي أن «جزءاً كبيراً من الترسانة الكيميائية» التابعة للنظام السوري «تم تدميره» في الغارات. وقال لودريان لقناة «بي إف إم تي في»، أمس (السبت): «دُمّر جزء كبير من ترسانته الكيميائية»، مضيفاً: «تم تدمير الكثير في الضربات هذه الليلة».
وأشار إلى أن هذه الضربات كانت تهدف أيضاً إلى منع الرئيس السوري بشار الأسد من استخدام الأسلحة الكيميائية مرة جديدة ضد المدنيين. وقال لودريان: «فيما يتعلق بالأسلحة الكيميائية، هناك خط أحمر لا ينبغي تجاوزه، وفي حال تم تجاوزه مجددا، سيكون هناك تدخل آخر»، مضيفاً: «لكنني أعتقد أنه تم تلقينهم درساً».
وأكد الوزير الفرنسي أنه «ما من شكّ» في شأن استخدام الأسلحة الكيماوية في السابع من أبريل (نيسان) في مدينة دوما، موضحاً أن باريس تملك «معلومات موثوقة» عن تورط «القوات المسلحة» السورية في الهجوم الكيميائي المفترض الذي أوقع 40 قتيلاً على الأقل، بحسب مسعفين وأطباء.
وردّاً على سؤال حول ما إذا كانت القيادة العليا في الجيش السوري هي التي أعطت الأمر لتنفيذ الهجوم، قال: «كل شيء يجعلنا نفكر بأن الأمور جرت هكذا».
لكنه أشار إلى أنه في هذه المرحلة، لا يمكن تأكيد ما إذا كان الرئيس السوري هو من أعطى الأمر.
من جهة أخرى، قال لودريان إن «لا إعادة نظر» في زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى موسكو المرتقبة في أواخر مايو (أيار) بغض النظر عن هذه الضربات. وتابع: «على روسيا أن تدرك أنها صوتت على نصوص في مجلس الأمن الدولي، من المهمّ اليوم تطبيقها، وعدم ترك نفسها تنجرّ وراء بربرية بشار الأسد»، في إشارة إلى الانتهاكات المتكررة لقرارات وقف إطلاق النار ووصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين.
وختم بالقول: «لستُ متأكداً أن بشار يسمع كل شيء، لكنني أعتقد أن (الرئيس الروسي) فلاديمير بوتين قادر على سماع هذه الرسائل».
وتدعم موسكو دمشق، بينما تطالبها بعض الدول بالضغط عليها في مسار البحث عن حل سياسي.
واستخدمت فرنسا إمكانيات مهمة تضمَّنَت تسع طائرات مطاردة وخمس فرقاطات من الطراز الأول، كما أطلقت للمرة الأولى صواريخ بحرية عابرة لضرب «مواقع إنتاج وتخزين الأسلحة الكيميائية» للنظام السوري، إلى جانب حليفيها الأميركي والبريطاني.
وقد أطلقت باريس 12 صاروخاً من أصل نحو مائة استهدفت سوريا، فجر أمس (السبت)، ابتداء من الساعة 01:00 ت.غ، حسب المعلومات التي قدمها الإليزيه ووزارة الدفاع.
ومنها ثلاثة صواريخ بحرية من طراز «إم دي دي إن» التي يبلغ مداها ألف كلم، وتتسم بدقة عالية، أطلقتها فرقاطة متعددة المهام. وهذه سابقة لفرنسا التي لم تكن قد استخدمت بعد هذا السلاح في ظروف واقعية.
وبذلك انضمت باريس إلى النادي المغلق للبلدان التي تمتلك صواريخ عابرة تنقل على متن سفن حربية، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا. ونشرت باريس بالإجمال ثلاث فرقاطات متعددة المهام (من أصل خمس موضوعة في خدمة سلاح البحرية حالياً)، هي فرقاطة مضادة للغواصات، وفرقاطة مضادة للطيران وسفينة للتزويد بالنفط.
وفي الجو، استخدمت فرنسا ست طائرات «رافال» و4 «ميراج 2000 - 5» وطائرتي مراقبة جوية من نوع «أواكس»، وقد أقلعت من فرنسا، أول من أمس (الجمعة)، ترافقها ست طائرات للتزود بالوقود جوّاً. وأطلقت «رافال» 9 صواريخ «سكالب» (يفوق مداها 250 كلم) بعد الفرقاطة بنحو نصف ساعة.
وتركزت جميع الصواريخ الفرنسية على موقعين في منطقة حمص، الأول مخصص للتخزين والثاني لإنتاج الأسلحة الكيماوية، كما أكدت وزارة الدفاع الفرنسية. ولم تشارك فرنسا في الغارات ضد هدف ثالث قرب دمشق، هو مركز أبحاث تصفه باريس بأنه «عنصر أساسي في البرنامج السري» للسلاح الكيميائي السوري.



الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
TT

الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)

اتسعت التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في اليمن مع تكثيف الجماعة استهداف التجمعات السكنية في ريف محافظة لحج ومحيط مدينة تعز، وفق مصادر حكومية، في وقت تزداد فيه أعداد الأسر الفارة من مناطق المواجهات، وتواجه فيه المنظمات الإغاثية احتياجات متنامية في بلد يعاني بالفعل من واحدة من أوسع الأزمات الإنسانية.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الحوثيين كثفوا، بعد تعثر محاولاتهم تحقيق تقدم ميداني، استهداف القرى في مديرية المضاربة التابعة لمحافظة لحج بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بصورة شبه يومية، ما أجبر مئات الأسر على الفرار والانضمام إلى موجات نزوح آتية من الساحل الغربي وأطراف لحج.

وأضافت أن هذه الهجمات تستهدف، حسب تقديرها، الضغط على رجال القبائل ودفعهم إلى التوقف عن مساندة القوات الحكومية.

وفي محيط مدينة تعز، أفادت المصادر بأن الحوثيين استهدفوا قرى في جبل صبر بالطائرات المسيّرة وقذائف الهاون، في محاولة للحد من مقاومة وحدات القوات الحكومية والمتطوعين من السكان، الذين تصدوا خلال الأيام الماضية لهجمات متكررة سعت الجماعة من خلالها إلى اختراق الجبهة.

طفلة مصابة جراء قصف الحوثيين ترقد في مستشفى بمدينة تعز (رويترز)

وتأتي هذه التطورات بينما تواجه تعز، وفق المصادر، حصاراً مستمراً منذ 20 يوماً، في وقت يفاقم فيه القتال صعوبة وصول المدنيين إلى الخدمات والاحتياجات الأساسية، ويزيد الأعباء على السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية.

تحذيرات إنسانية

على وقع التداعيات الإنسانية للهجمات الحوثية، حذّر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن التصعيد الراهن فاقم أزمة إنسانية ممتدة، مشيراً إلى أن 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 5.2 مليون كانوا نازحين داخلياً قبل موجة التصعيد الأخيرة.

وأوضح الاتحاد، في تقرير حديث، أن القتال وانعدام الأمن أعاقا الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والأسواق والإمدادات الأساسية، بينما تصل الأسر النازحة إلى مناطق الاستقبال بممتلكات محدودة، وتحتاج إلى المأوى والأدوات المنزلية والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.

فارون من التصعيد الحوثي يعيشون في مواقع تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)

وأشار إلى أن المجتمعات المضيفة تواجه بدورها ضغوطاً كبيرة على الخدمات والموارد، في حين يؤدي تكرر النزوح إلى تدهور سبل العيش وارتفاع مخاطر الحماية، ويزيد احتمالات اضطرار مزيد من الأسر إلى مغادرة مناطقها.

وشدد الاتحاد على ضرورة استمرار وصول المساعدات الإنسانية وتوفير استجابة مرنة تتناسب مع تغير الاحتياجات الميدانية، خصوصاً في المناطق التي تعيق فيها الظروف الأمنية حركة السكان والإمدادات.

ووفق التقرير، تواجه الأسر النازحة عوائق متداخلة في الحصول على المأوى والغذاء والمياه النظيفة والصرف الصحي والتعليم والرعاية الصحية. كما يؤدي انعدام الأمن وإغلاق الطرق إلى تعطيل الأسواق وخطوط الإمداد وعمليات إيصال المساعدات، بينما يحد فقدان مصادر الدخل واستنزاف الأصول وارتفاع الأسعار من قدرة الأسر على شراء احتياجاتها الأساسية.

ولفت الاتحاد إلى أن المجتمعات المعزولة تواجه قيوداً أشد، إذ يصبح الحفاظ على الإمدادات التجارية واستمرار الخدمات الأساسية أكثر صعوبة، في وقت يفاقم فيه انعدام الأمن الغذائي هشاشة الأسر التي تعاني أصلاً من نقص الغذاء.

مع استمرار التصعيد الحوثي يتواصل تدفق النازحين إلى مناطق سيطرة الحكومة (إعلام محلي)

وفي مؤشر على حجم الأزمة، ذكر التقرير أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد على مستوى البلاد، محذراً من أن استمرار الحصار وانقطاع المساعدات قد يزيدان تدهور الأوضاع، خصوصاً بين الأطفال الصغار والنساء الحوامل والمرضعات.

وأضاف أن النزوح المتكرر يستنزف قدرة الأسر على التكيف مع الأزمات. وأظهر تقييم سريع أُجري في ثلاثة مواقع للنزوح أن نحو 45 في المائة من الأسر التي شملها التقييم سبق أن تعرضت للنزوح.

وأكد التقرير أن هذه النسبة تعكس أوضاع الأسر التي شملها التقييم في المواقع الثلاثة، ولا ينبغي تعميمها على جميع النازحين في اليمن.

مخاطر إضافية

في سياق المخاوف الإنسانية، حذر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن خسارة الممتلكات وعدم استقرار سبل العيش يقوضان قدرة الأسر على مواجهة الأزمات، ويزيدان مخاطر لجوئها إلى وسائل تكيف ضارة، من بينها عمالة الأطفال.

وأشار إلى أن المعاناة تتجاوز نقص الغذاء والمأوى، لتشمل صعوبات إضافية تواجه الأسر التي تعيلها نساء، والأطفال المنفصلين عن ذويهم، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمرضى الذين يحتاجون إلى علاج منتظم.

الحوثيون يستهدفون القرى السكنية للضغط على القوات الحكومية (إعلام محلي)

كما تواجه النساء والفتيات مخاطر حماية إضافية في المناطق التي تفتقر إلى المأوى الملائم ومرافق الصرف الصحي، بينما قد يعجز الأشخاص ذوو القدرة المحدودة على الحركة أو الموارد عن مغادرة المناطق المعزولة أو الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وتعكس هذه التحذيرات اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والقدرة على تلبيتها، مع استمرار المواجهات وتكرر النزوح وتعطل الطرق والإمدادات، وهي عوامل تزيد هشاشة الأسر، وتضع المجتمعات المستقبلة للنازحين أمام أعباء إضافية.


1400 قتيل خلال شهرين... ذمار تدفع فاتورة الاستنزاف الحوثي

جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)
جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)
TT

1400 قتيل خلال شهرين... ذمار تدفع فاتورة الاستنزاف الحوثي

جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)
جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)

خسرت الجماعة الحوثية أكثر من 1400 مقاتل من محافظة ذمار، الواقعة على بعد نحو 100 كيلومتر جنوب صنعاء، خلال شهرين، في حصيلة محلية تكشف عن حجم الاستنزاف البشري المتصاعد في صفوفها، بالتزامن مع تكثيف أنشطتها التعبوية وإقامة معارض لصور قتلاها في مدينة ذمار و12 مديرية تابعة لها، ضمن مسعى لتحويل خسائرها المتلاحقة إلى أدوات للتحشيد والتجنيد وتعويض النقص في مقاتليها.

وقالت مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، إن قتلى الجماعة سقطوا في جبهات متفرقة، أبرزها تعز والضالع والجوف والساحل الغربي ومأرب، مشيرةً إلى أن معارض الصور ومواكب التشييع التي تشهدها المحافظة تكشف عن جانب من حجم الخسائر التي تتكبدها الميليشيات، في وقت تواصل فيه الدفع بمزيد من أبناء المحافظة إلى خطوط المواجهة لتعويض قتلاها.

الحوثيون يقيمون معارض صور قتلاهم لتمجيد ثقافة الموت (فيسبوك)

وخلال الأيام الماضية، كثفت الجماعة إقامة معارض صور لقتلاها في مدينة ذمار وبقية مديريات المحافظة، ضمن فعاليات أسبوعها السنوي المخصص للقتلى، مستغلةً المناسبة لتكريس خطابها التعبوي وتطبيع المجتمع مع الموت في الجبهات، بدلاً من الإقرار بالتكلفة الإنسانية الباهظة لمعاركها وما تخلّفه من مآسٍ في أوساط الأسر اليمنية.

معارض مفتوحة

في مدينة ذمار، حوَّلت الجماعة الحوثية عدداً من الأحياء والشوارع الرئيسية والمدارس والمساجد والمقرات الحكومية إلى معارض مفتوحة لصور مئات من قتلاها، بينهم أطفال وصغار سن، سقطوا في جبهات القتال المختلفة، وفقاً للمصادر المحلية.

وامتدت الفعاليات إلى مديريات وصاب العالي، وعنس، وضوران آنس، ووصاب السافل، ومغرب عنس، وجبل الشرق، وجهران، وميفعة عنس، والحداء، والمنار، وعتمة، حيث نصبت الجماعة المعارض والخيام لعرض صور القتلى، في مشهد يعكس اتساع نطاق خسائرها ومحاولاتها توظيفها في خدمة أجندتها العسكرية والتعبوية.

معرض أقامه الحوثيون لصور قتلاهم من مدينة ذمار (إعلام حوثي)

ولم تقتصر المعارض على قتلى الجبهات، بل شملت، حسب المصادر، فئات مرتبطة بالتعبئة العامة والحشد والأقسام الأمنية، إلى جانب موظفين في المكاتب الحكومية، بمن فيهم العاملون في القطاع التربوي والطلبة الذين دفعت بهم الجماعة إلى جبهات القتال.

وفي مؤشر على محدودية التجاوب الشعبي مع فعاليات الجماعة، كشفت المصادر عن ممارسة الجماعة الحوثية ضغوطاً على السكان في مناطق متفرقة من ذمار لإجبارهم على تنظيم زيارات جماعية إلى معارض القتلى، غير أن هذه المساعي لم تحقق الإقبال الذي كانت تتطلع إليه الجماعة، إذ وصفت المصادر الحضور بأنه «باهت»، رغم محاولات فرض المشاركة.

مواكب تشييع

بالتوازي مع المعارض، واصلت الجماعة الحوثية تنظيم مواكب تشييع قتلاها، وإغراق الشوارع والحارات والأزقة في المدينة ومديريات المحافظة بصورهم وشعاراتها الطائفية، ضمن حملة دعائية تسعى من خلالها إلى إظهار التعبئة بوصفها حالة شعبية، رغم ما يصاحبها من ضغوط على السكان الذين يواجهون ظروفاً معيشية قاسية.

ويؤكد ناشطون من ذمار أن تكثيف إقامة معارض القتلى يعكس حجم النزيف البشري في صفوف الجماعة، موضحين أنها تستغل فعالياتها السنوية لتجديد خطابها التعبوي واستهداف صغار السن والموظفين الخاضعين لسلطتها، بدلاً من التعامل مع الخسائر بوصفها مأساة إنسانية تطول الأسر والمجتمع.

الحوثيون يجبرون السكان على الاحتشاد لزيارة مقابر القتلى في ذمار (إكس)

وحذر الناشطون من أن تحويل صور القتلى إلى أدوات للتحشيد يفتح الباب أمام مزيد من الاستنزاف، عبر دفع شباب جدد إلى الجبهات لتعويض النقص في صفوف الميليشيات، بما يفاقم معاناة الأسر ويُبقي المحافظة رهينة دوامة متواصلة من الخسائر البشرية.

وفي وقت يواجه فيه الملايين في مناطق سيطرة الحوثيين أوضاعاً معيشية وإنسانية متدهورة، قدرت مصادر يمنية مطلعة أن الجماعة أنفقت مليارات الريالات اليمنية (الدولار 535 ريالاً) على طباعة صور قتلاها، وتجهيز المعارض، وتنظيم الفعاليات المصاحبة لها في مناطق سيطرتها، في وقت تكافح فيه أسر كثيرة لتأمين احتياجاتها الأساسية وسط الفقر وتراجع القدرة الشرائية.

وتكشف هذه النفقات عن اختلال أولويات الجماعة، التي تخصص موارد كبيرة لأنشطتها الدعائية والتعبوية، بينما تتفاقم الأعباء المعيشية على السكان وتتراجع قدرتهم على توفير متطلبات الحياة اليومية.


تعز تتصدّى لهجمات حوثية عنيفة في جبهتها الجنوبية

القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)
القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)
TT

تعز تتصدّى لهجمات حوثية عنيفة في جبهتها الجنوبية

القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)
القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)

دخلت عملية «فجر اليمن»، التي أطلقتها الحكومة اليمنية يومها الرابع والعشرين، الأربعاء، مع تصاعد القتال في الجبهات الجنوبية لمدينة تعز؛ حيث كثّفت الجماعة الحوثية هجماتها على قرى ومديريات صبر، في محاولة للوصول إلى جبل صبر الاستراتيجي المطل على المدينة، بالتزامن مع استمرار المعارك في جبهاتها الغربية، وتوسع العمليات العسكرية إلى محور باب المندب، وسط ضربات جوية استهدفت مواقع للجماعة في مناطق متفرقة.

وتتركز المواجهات في جبهات الشقب وكحلان والأقروض؛ حيث تسعى القوات الحوثية، وفق تقديرات ميدانية، إلى السيطرة على مواقع تتيح لها إغلاق الطرق الجبلية البديلة التي يستخدمها السكان والقوات الحكومية للتنقل بين مديريات الريف الجنوبي، بما يُعزز عزل المدينة، ويُقيد حركة الإمدادات والإسناد العسكري.

وتكتسب هذه الجبهات أهمية إضافية لكونها تربط مديريات صبر والموادِم والمسراخ بالريف الجنوبي لتعز، ويؤدي اختراقها، حسب التقديرات الميدانية، إلى عزل القوات المدافعة عن بعضها وقطع خطوط الإسناد عنها، في وقت تحاول فيه الجماعة تعويض خسائرها وتراجعها في الجبهات الغربية، خصوصاً تلة الميدان ومحيط طريق الضباب.

مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)

وتحدّثت أنباء ميدانية عن معارك عنيفة في جنوب جبل صبر، تركزت في جبهتي كحلان والشقب، وسط ترجيحات بأن الجماعة شنت هجوماً سعت من خلاله إلى انتزاع مواقع من القوات الحكومية والمقاومة الشعبية المدافعة عن المنطقة.

وأفادت مصادر عسكرية بأن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية تمكنت من التصدي لهجوم حوثي استهدف قريتي كحلان وحمة في مديرية المسراخ جنوب تعز، فيما تواصلت المواجهات في المحاور الغربية للمدينة بالتزامن مع ضربات جوية استهدفت مواقع الجماعة وتعزيزاتها.

مركبات مصطفة من قوات «درع الوطن» على جانب طريق عقب عملية عسكرية في منطقة باب المندب (رويترز)

وفي محور باب المندب، أعلنت قوات «درع الوطن» و«ألوية العمالقة الجنوبية» تنفيذ عملية عسكرية سيطرت خلالها على مرتفعات ومواقع استراتيجية، وأوقعت خسائر بشرية ومادية في صفوف الحوثيين. وتواصل القوات، بدعم جوي من التحالف، عملياتها ضد جيوب الجماعة المتبقية في المنطقة، والمتحصنة في التلال والمناطق المزروعة بالألغام.

وامتدت الضربات الجوية، وفق المعطيات الميدانية، إلى المخا وحرف سفيان شمال محافظة عمران، في إطار اتساع نطاق العمليات التي تستهدف مواقع الجماعة وتحركاتها.

مئات العمليات العسكرية

في سياق العمليات العسكرية، أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد ماجد النزيلي، تنفيذ 1382 عملية استهداف خلال يوم الثلاثاء، قال إنها طالت مراكز القيادة الميدانية والتحصينات ومصادر النيران والتجمعات العسكرية والاحتياطيات ووسائل الحركة والإمداد التابعة للحوثيين.

وأوضح النزيلي أن وحدات محور تعز والمقاومة الشعبية نفذت، بإسناد من الطيران الحربي، إغارات وهجمات منسقة أسهمت، وفق البيان، في إحباط محاولات الجماعة استعادة المواقع التي فقدتها، وتحقيق تقدم ميداني، وتعزيز السيطرة النارية على عدد من المواقع والمرتفعات.

جندي يمني في تعز يستعد لتلقيم مدفع بقذيفة خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ف.ب)

وأضاف أن القوات الحكومية أحبطت محاولات تسلل حوثية في جبهات باب المندب وذوباب والمضاربة، واستهدفت تعزيزات وآليات للجماعة، بالتزامن مع استمرار العمليات في المحاور الشمالية والشمالية الغربية والجبهة الشرقية شرق صنعاء، باستخدام المدرعات والمدفعية والطيران المسيّر.

وذكر البيان أن العمليات أسفرت عن تحييد نحو 440 من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير أو إعطاب 146 آلية وعربة ووسيلة نقل عسكرية وقطعة سلاح ثقيل ومعدة قتالية، مؤكداً استمرار الضغط على مواقع الحوثيين وتحركاتهم بين الجبهات.

وفي تطور موازٍ، اتهم النزيلي الحوثيين بتشويه جثامين عدد من الجنود الذين تسلمتهم القوات المسلحة اليمنية عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وقال إن الجهاز الطبي في المستشفى العسكري بتعز وثق صب مواد كيميائية حارقة على الجثامين وتكسير أطرافها وطمس معالم الوجوه.

وعدّ النزيلي هذه الأفعال انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، مطالباً الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بفتح تحقيق مستقل لتحديد المسؤولين عنها ومحاسبتهم. واستشهد بحوادث سابقة قال إن الجماعة ارتكبتها بحق أسرى وجنود، بينها قضية العميد حسين العصيمي عام 2020، وحوادث تسليم جثامين جنود احتجزتهم الجماعة في الجوف عام 2023.

دعوة لتحرك أوروبي

سياسياً، دعا رئيس «مجلس القيادة الرئاسي» اليمني رشاد العليمي، الاتحاد الأوروبي إلى تبني قرار البرلمان الأوروبي الداعي إلى إدراج الحوثيين، بأجنحتهم السياسية والعسكرية وقياداتهم وأجهزتهم الأمنية، على قائمة المنظمات الإرهابية.

وقال العليمي، خلال اتصال هاتفي مع رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، إن الحكومة اليمنية تعوّل على تحويل الموقف السياسي الأوروبي إلى إجراءات قانونية واقتصادية ودبلوماسية للضغط على الجماعة ووقف هجماتها.

وحسب الإعلام الرسمي، حذّر العليمي من أن استمرار الهجمات داخل اليمن وعبر الحدود، واستهداف الملاحة الدولية، يرفع تكلفة التأخير في اتخاذ إجراءات أوروبية، مشيراً إلى ما وصفه بانتهاكات الجماعة بحق المدنيين والمطارات والمنشآت الحيوية، وحصار المدن واحتجاز العاملين الأمميين والإنسانيين.

كما تناول الاتصال الأوضاع الإنسانية في تعز، إذ اتهم العليمي الحوثيين بعرقلة وصول المياه والمشتقات النفطية والاحتياجات الأساسية، وممارسة القتل والتنكيل والاعتقال والتهجير القسري، مؤكداً استمرار عملية «فجر اليمن» حتى إنهاء التهديد الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة.

ونقلت المصادر الرسمية اليمنية عن كوستا تأكيد دعم الاتحاد الأوروبي لـ«مجلس القيادة الرئاسي» والحكومة اليمنية، ومساندة الشعب اليمني، مشيراً إلى متابعة التطورات الميدانية والاحتياجات الإنسانية الملحّة في تعز ومناطق أخرى، والعمل على تعزيز الاستجابة الإنسانية بالتنسيق مع الحكومة والشركاء المعنيين.