«التحالف الثلاثي»... كيف تشكل وماذا قصف؟

«التحالف الثلاثي»... كيف تشكل وماذا قصف؟
TT

«التحالف الثلاثي»... كيف تشكل وماذا قصف؟

«التحالف الثلاثي»... كيف تشكل وماذا قصف؟

شن «التحالف الثلاثي»، الأميركي - البريطاني - الفرنسي، فجر الجمعة / السبت هجمات منسقة على مواقع تتعلق بـ «برنامج السلاح الكيماوي السوري» في دمشق وحمص.
ورغم عدم وصول جميع حاملات الطائرات والمدمرات الأميركية إلى البحر المتوسط، استعجلت الطائرات البريطانية من قاعدتها في قبرص والمدمرات الأميركية والفرنسية في المتوسط توجيه حوالى ١٠٠ غارة. والاستعجال مرده سببان: الأول، شن الغارات قبل وصول مفتشين من «منظمة حظر السلاح الكيماوي» إلى دمشق اليوم. الثاني، قبل عودة مجلس العموم البريطاني إلـى الانعقاد الاثنين خصوصاً أن رئيسة الوزراء البريطاني تيريزا ماي قررت المشاركة دون استشارة البرلمان وهناك معارضة ضد القرار.

وهنا بعض النقاط في الطريق الى الغارات الثلاثية:

- اتصالات وقرارات

التأم قبل يومين، كل من مجلس الأمن القومي الأميركي برئاسة الرئيس دونالد ترمب والحكومة المصغرة برئاسة تيريزا ماي، التي أكدت بعد اجتماع مطول مع فريقها «الحاجة إلى فعل (عمل) لتخفيف المعاناة الإنسانية وردع الاستخدام الإضافي للأسلحة الكيماوية من قبل نظام الأسد». ثم اتصلت بالرئيس ترمب حيث «اتفقا على أن نظام الأسد قد وضع نمطاً من السلوك الخطر فيما يتعلق باستخدام الأسلحة الكيماوية».
وبدا أن ملف تسميم الجاسوس الروسي ووقوف ترمب مع لندن بمعاقبة موسكو دبلوماسياً لعبا دوراً حاسماً بقرار ماي الذهاب إلى المشاركة في العمليات العسكرية من دون اللجوء إلى مجلس العموم، على عكس ما حصل في 2013 عندما فشل رئيس الوزراء الأسبق ديفيد كاميرون في الحصول على موافقة برلمانية. وبذلك بات هناك حلف ثلاثي من أميركا وبريطانيا وفرنسا التي كانت مبكرة في دعم الموقف الأميركي.
وكان لافتاً حصول اتصال أول أمس بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الروسي فلاديمير بوتين وظهور قراءة مختلفة في باريس وموسكو بين تحذير الكرملين من «عمل متهور وخطير» في سوريا، وحديث الإليزيه عن ضرورة «الحوار» مع روسيا. كما أن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان حاول الدخول على خط التهدئة لدى إجرائه اتصالات مع ترمب وبوتين لحضهما على وقف التصعيد، مقترحاً البحث عن حل سياسي و«تنازل مؤلم» من موسكو لحلحلة الملف الكيماوي.

- الحشد العسكري
أفادت صحيفة «ذي تايمز» أول أمس، بأن واشنطن بدأت نشر أكبر أسطول لها منذ حرب العراق عام 2003 في البحر المتوسط. وقالت إن ذلك يشمل 10 سفن حربية وغواصتين في البحر المتوسط ومنطقة الخليج، بينها المدمرة دونالد كوك التي تحمل 60 صاروخً توماهوك، إضافة إلى 3 مدمرات أخرى قريبة جداً. كما أن حاملة الطائرات «يو إس إس هاري تورمان»، التي تعمل بالطاقة النووية أبحرت مع 90 طائرة و5 سفن مرافقة، الأربعاء الماضي، من نورفولك بولاية فرجينيا إلى المتوسط.
إضافة إلى ذلك، كانت هناك قطع بحرية فرنسية، وقطعتان بريطانيتان وقرار لندن فتح قاعدتها في قبرص أمام الجيش الأميركي للتدخل في سوريا بشكل أوسع من مشاركة بريطانيا ضمن التحالف الدولي لمحاربة «داعش». وساهمت قاذفات من السلاح الجوي البريطاني.
وبحسب مسؤولين غربيين، فإن المحادثات بين المسؤولين العسكريين بين الدول الثلاث في اليومين الماضيين تناولت كيفية تنفيذ القرار السياسي، خصوصاً كانت تعقيدات متغيرة بسبب قرار "عدم الصدام" مع روسيا، لكن في الوقت نفسه ضرورة الاستعداد لاحتمال كهذا. وبحث المسؤولون ما إذا كانت بريطانيا ستشارك بطائراتها واحتمال استهداف هذه الطائرات من روسيا خصوصاً في ضوء الأزمة حول الجاسوس الروسي أو الاقتصار على فتح القاعدة البريطانية في قبرص، إضافة إلى ما إذا كان يمكن تحقيق الأهداف بغارات من طائرات أم بصواريخ من البحر المتوسط. واقترح مسـؤولون أميركيون انتظار بضعة أيام إلى حين وصول القطع البحرية الأميركية كي تتوفر الإمكانية العسكرية لتحقيق الأهداف والتعاطي مع أي تصعيد روسي، مع الأخذ في الاعتبار الالتزام بمبدأين سياسيين: عدم الاحتكاك مع روسيا وعدم سقوط ضحايا مدنيين. لكن لندن، التي لعبت دور في الحشد للضربات في ضوء ازمة الجاسوس الروسي والدعم الاميركي، قررت لعب دور أكبر في القصف واستعمال قاذفاتها.

- الأهداف
جرت محادثات بين واشنطن وباريس ولندن وبين المؤسسات في كل دولة إزاء الأهداف المحتملة، وما إذا كان المطلوب «ردع» دمشق عن استخدام الكيماوي أو «معاقبتها» على استخدامه أو «تدمير المصانع ووسائل النقل والمطارات المنخرطة في هجوم دوما أو قبله وبعده». وطرح مسؤولون أوروبيون على واشنطن أبعاداً سياسية مثل ضرب قوات الحكومة قرب مناطق حلفاء واشنطن شرق الفرات أو جنوب سوريا. كما اقترحت باريس على واشنطن أن تكون الضربات «ضمنت استراتيجية سياسية ترمي إلى البحث عن حل سياسي وسوريا الغد».
واقترح إسرائيليون في الوقت نفسه استهداف مواقع تابعة لإيران أو «حزب الله»، الأمر الذي حذر منه بوتين لدى اتصاله برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل أيام، إضافة إلى تسريبات إيرانية من أن طهران سترد على استهداف خبراء طائرات «درون» في قاعدة «تيفور» وأن «حزب الله» أو إيران قد يستغلان التصعيد الثلاثي لاستهداف مواقع إسرائيلية وتصعيد الحرب إقليمياً بالتزامن مع نية ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي. وبرز احتمال حصول مواجهة إيرانية - إسرائيلية مباشرة بعد «حرب بالوكالة» سابقاً.

وبحسب المعلومات، بقي الرئيس ترمب متمسكاً بقراره أن تكون الضربات متعلقة فقط بـ "البرنامج الكيماوي وتجنب التصعيد مع روسيا"، لكن «مع توجيه ضربات أكثر من عقابية كما حصل في أبريل (نيسان) العام الماضي وأكبر من الردع». وقال دبلوماسي: «بعد التصعيد العسكري والحشد في المتوسط، لم يقبل ترمب أن يكون مثل الرئيس باراك أوباما بأن يقبل تسوية هشة والتراجع عن الخط الأحمر»، لافتاً إلى «شعور ترمب بأن بوتين لم يلتزم بتعهداته إزاء الملف الكيماوي» بموجب اتفاق البلدين في نهاية ٢٠١٣.

- الأدلة
الرئيس الفرنسي يقول إن لديه «الدليل» حول استعمال الكيماوي، أو الكلور على الأقل. وقال مسؤولون أميركيون إن لديهم أدلة عن استعمال الكيماوي، في حين قالت رئيسة الوزراء البريطانية أول من أمس، إن «نظام الأسد لديه سجل حافل في استخدام الأسلحة الكيماوية، ومن المرجح جداً أن يكون النظام مسؤولاً عن هجوم دوما». لكن أشارت إلى «مثال إضافي على تآكل القانون الدولي فيما يتعلق باستخدام الأسلحة الكيماوية، الأمر الذي يثير قلقنا جميعاً». ولم تتحدث ماي عن وجود «دليل» لديها، لكن ربطت بين هجوم دوما واستهداف الجاسوس الروسي في لندن، الأمر الذي قاله أيضاً وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس أمام الكونغرس مساء الخميس.
وكان لافتاً، ان البيت الابيض اعلن قبل شن الغارات وجود "دليل" على استعمال الكيماوي. وقال ماتيس بعد القصف ان هناك دليلاً علـي استعمال "الكلور على الاقل من دون استبعاد السارين" في تراجع عن موقفه اول امس بعدم وجود دليل.
في المقابل، أشارت موسكو إلى أن الهجوم في دوما «مسرحية»، بل إن وزارة الدفاع الروسية قالت إنه مفبرك من الاستخبارات البريطانية، بالتزامن مع نتائج تقرير منظمة حظر الكيماوي عن تسميم الجاسوس الروسي. ودعت موسكو إلى انتظار نتائج تحقيق مفتشي «منظمة الحظر» الذين سيدخلون برعاية الجيش الروسي إلى دوما. وتتفق موسكو ودمشق في نفي الاتهامات الغربية باستخدام الكيماوي في دوما وغيرها.
وعلى عكس خان شيخون التي كانت متصلة بتركيا، ما وفر لدول غربية نقل مصابين عبر إدلب إلى خارج سوريا، فإن مدينة دوما منعزلة عن العالم الخارجي وكانت هناك صعوبة في نقل أدلة إلى مختبرات غربية، ما يطلب انتظار نتائج زيارة «المفتشين» الدوليين الذين يحتاجون نحو أسبوعين للوصول إلى نتائج.
وعليه، كانت التوقعات تراوحت بين حصول «ضربة رمزية» من البحرية الموجودة حالياً في المتوسط وانتظار المدمرات لبضعة أيام وتوجيه ضربات أعمق وأوسع تناولت «8 أهداف قرب دمشق وحماة وحمص». وكان القرار ببدء القصف على موقع في دمشق وموقعين قرب حمص.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.