قرية يخزن بها «فيسبوك» بيانات المستخدمين تتساءل عن أمن الشبكة

عدد خوادم عملاق التواصل الاجتماعي يفوق ساكنة «فورست سيتي»

TT

قرية يخزن بها «فيسبوك» بيانات المستخدمين تتساءل عن أمن الشبكة

كانت الأمور هادئة في متجر البضائع المستعملة ذلك اليوم، وكانت مديرة المتجر، ستيفاني هندرسون (38 عاما) تتابع شاشة حاسوبها الخاص في محاولة لاكتشاف كل ما جمّعه «فيسبوك» من معلومات عنها وعن حياتها: المشاركات، و«الإموجيز»، والصور، وحتى الرسائل التي تبادلتها مع أفراد أسرتها.
وكانت ستيفاني قد قررت القيام بذلك منذ أسابيع، ومنذ اندلاع الغضب العام بشأن تعامل شركة «فيسبوك» مع خصوصية المستخدمين تحديدا. نقرت الزر، وأرسلت طلب الحصول على البيانات الخاصة بها إلى شركة «فيسبوك». وخلال فترة الانتظار، حاولت ستيفاني تخيّل نوع وكمية البيانات الشخصية التي جمعها «فيسبوك» عنها على مدى عشر سنوات كاملة من الاستخدام. وقالت: «أخشى معرفة ما تملكه شركة فيسبوك من معلومات عني. إن الأمر محرج للغاية».
واتّخذت شركة «فيسبوك» موقف الدفاع بشأن خصوصية المستخدمين منذ الإعلان الشهر الماضي عن أن شركة «كامبريدج أناليتيكا» التي استغلت البيانات السياسية بصورة غير قانونية لحوالي 87 مليون مستخدم لفيسبوك. وتعهدت شركة «فيسبوك» بإجراء إصلاحات، في الوقت الذي كشفت فيه أيضا عن أن بعض «الجهات الخبيثة» يمكن أن تجمع البيانات الشخصية لمعظم المستخدمين لديها، والبالغ عددهم ملياري مستخدم حول العالم. وفي مواجهة الانتقادات القاسية، قدّم الرئيس التنفيذي للشركة، مارك زوكربيرغ، اعتذارات متكررة أمام الكونغرس الأميركي، وحاول تفسير نموذج الأعمال للشبكة الاجتماعية العملاقة.
وانتشر الجدل المتعلق بالخصوصية في الدوائر السياسية والتجارية، لكنه أبعد ما يكون عن نطاق التأثير في المناطق الريفية في غرب ولاية نورث كارولينا، غير أن بلدة فورست سيتي تلعب في هذا السياق دورا غير عادي. فهي موطن مركز البيانات الضخم التابع لشركة «فيسبوك»، وهو أحد أربعة مراكز في الولايات المتحدة الأميركية وحدها، وهي عبارة عن مخازن رقمية تستخدمها الشركة في تخزين البيانات. ويقول بعض الخبراء إن بيانات مستخدمي «فيسبوك» التي حصلت عليها شركة «كامبريدج أناليتيكا» وغيرها قد انتشرت بعيدا عن متناول الجميع إلى قواعد بيانات أخرى و«الجانب المظلم من الإنترنت». ولكن في «فورست سيتي»، حيث عشرات الآلاف من الخوادم الحاسوبية المكدسة داخل ثلاثة مبانٍ دائمة التوسع والخاضعة للحراسة المشددة، تحولت المناقشات حول فضيحة البيانات إلى حقائق ملموسة.
وبدأ بعض السكان المحليين، مثل ستيفاني، في البحث الحثيث وأصابهم الهلع مما عثروا عليه إثر استنادهم إلى عالم الإنترنت الذي اعتبر انتهاك خصوصياتهم من الأمور المسلم بها. وقالت ستيفاني، وهي تتصفح أرشيف «فيسبوك» الخاص بها: «لقد فوجئت بوجود كل هذه الأشياء عن حياتي مخزنة لديهم».
ومن المحتمل أن بيانات ستيفاني مخزنة في الجانب الآخر من البلدة التي تعيش فيها، حيث يسعى «فيسبوك» إلى التوسع في إطار خطة توسع وطنية تشمل بناء خمسة مراكز جديدة في مختلف أنحاء البلاد. وتنتشر كاميرات المراقبة في مختلف أنحاء المستودعات رمادية اللون ذات الأسوار الفولاذية السميكة. ولكل مركز من مراكز البيانات محطة التغذية الكهربائية الخاصة به في الجوار. وفيما وراء ذلك هناك عدد قليل من المنازل والمراعي وبعض الماشية والخيول.
واختارت شركة «فيسبوك» «فورست سيتي» في عام 2010، نظرا لموقع البلدة القريب من منحدرات جبال «بلو ريدج» الواقعة ضمن الحزام الحراري الذي يوفر مناخا معتدلا وثابتا بشكل استثنائي. وتبلغ قيمة منشآت شركة «فيسبوك» في هذه البلدة حوالي 650 مليون دولار اليوم، وفقا إلى السجلات البلدية، وهو ما يساوي تقريبا نصف قيمة البلدة بأكملها. ولكن لا يعمل في هذه البلدة التي يبلغ عدد سكانها نحو 7400 مواطن، سوى 250 شخصا. كما يفوق عدد الخوادم الحاسوبية في فورست سيتي عدد سكان البلدة أنفسهم.
من جانبه، وجد كينيث أودوم نفسه فضوليا للغاية بشأن مركز «فيسبوك» للبيانات الذي يمر به يوميا في طريقه من وإلى عمله. ويقول أودوم، المتخصص في تكنولوجيا المعلومات في إحدى المكتبات: «الكثير من الأعمال التي أقوم بها موجودة في ذلك المبنى». ويتعامل أودوم مع الإنترنت بحذر كبير، فهو متابع لفيسبوك أكثر من كونه مدونا نشيطا. ولكنه، برفقة زملائه من موظفي المكتبة، طالما أرادوا تثقيف الناس كيفية حماية أنفسهم على الإنترنت. ولذلك، وقبل شهرين ماضيين، عقدوا سويا دورة حول الخصوصية على «فيسبوك». وكانوا يأملون أن تجتذب الدورة عددا كبيرا من الحضور. ويقول أودوم: «اهتم شخص واحد فقط بالأمر».
غير أن الموضوع، ولا سيما في أعقاب اندلاع فضيحة كامبريدج أناليتيكا، قد أثار المزيد من الجدل، على الأقل بين موظفي المكتبة. وقالت تامارا إدواردز، مسؤولة خدمات الشباب في المكتبة: «لا أشعر وأن الثقة قد انهارت في ذلك الموقع». وسألت أبريل يونغ، مديرة مكتبات المقاطعة: «ولكن ألا تعتقدون أن ذلك بسبب أنكم تعلمون بكيفية عمل هذه البرامج؟» فأجابت إدواردز: «لا يبدو أن هناك اختلافا عن المعلومات التي يجمعونها عندما تمرر البطاقة الائتمانية في متجر البقالة».
ومع ذلك، أقرت إدواردز بأنها شعرت بالهلع من شعورها بأنها قيد المراقبة طيلة الوقت على الإنترنت. ذات مرة، كان موظفو المكتبة يناقشون أمرا ما في المكتب، ثم لاحظت ظهور إعلانات عن نفس الأمر على صفحات «فيسبوك»، كما لو كان الحاسوب يتنصت عليهم وقتها. وفي حين أنه من النادر حذف حسابات «فيسبوك»، تحدث العديد من السكان عن التوقف عن مشاركة التفاصيل الخاصة عبر صفحات وسائل الإعلام الاجتماعية بسبب مشاكل الخصوصية الأخيرة. وهذا جزء من القلق الكبير الذي يساور شركة «فيسبوك»، والتي لاحظت في الآونة الأخيرة في نهاية عام 2017 أن الشركة عانت من انخفاض طفيف في عدد المستخدمين النشطين يوميا في الولايات المتحدة وكندا، بعد أعوام من النمو.
وفي متجر «سكند تشانسيس»، الذي يخدم جمعية «براذر وولف أنيمال ريسكيو» الخيرية، كانت ستيفاني تواصل النقر على ملف تلو الملف في أرشيف «فيسبوك» الخاص بها، وتستخرج أجزاء من المعلومات التي ظنت أنها ضاعت طي النسيان. وكانت هناك صورة ذاتية قديمة، وقالت عنها «إنني أبدو أصغر بكثير في هذه الصورة»، ومقالة إخبارية محلية عن سارقي أجهزة الصراف الآلي التي لا تذكر أنها قد نشرتها على صفحتها في حينها. وذلك إلى جانب الصور المتحركة («إيموجيز») التي أرسلتها إلى الأصدقاء، والتطبيقات التي قامت بتحميلها على هاتفها الخاص، وقائمة بكل من حاول لفت انتباهها على «فيسبوك»، وعدد مرات ذلك.
وتقول ستيفاني: «لا يضايقني الأمر إن بقيت هذه البيانات على صفحتي في فيسبوك. ولكن إن قامت الشركة بنقل هذه المعلومات إلى أناس آخرين، فهذا الأمر يثير فزعي بالتأكيد». ثم عثرت على قوائم بالكتب التي قرأتها. ويبدو أنها نابعة من تطبيق (Goodreads) الذي حملته ذات مرة. وبدأت تشعر بالضيق الشديد، مع الملف تلو الملف بعد الملف. ولم يكن هناك إلا شيء واحد فقط لتفعله. وكان بمثابة إجراء مؤقت للإصلاح. أغلقت حسابها على «فيسبوك»... حتى صباح اليوم التالي!
- خدمة «واشنطن بوست» خاص بـ«الشرق الأوسط»


مقالات ذات صلة

زوكربيرغ يعمل على تطوير وكيل ذكي لمساعدته في مهامه

تكنولوجيا صورة للرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» مارك زوكربيرغ وشعار الشركة (أرشيفية - أ.ف.ب)

زوكربيرغ يعمل على تطوير وكيل ذكي لمساعدته في مهامه

يعمل مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» على تطوير مساعد مدعوم بالذكاء الاصطناعي لمساعدته في أداء مهامه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يُسبب التعاسة بين الشباب حول العالم (رويترز)

تعرف على وسائل التواصل الاجتماعي الأسوأ لصحتك النفسية

كشف تقرير عالمي حديث عن أن تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل «إنستغرام» و«تيك توك» ترتبط بتأثيرات سلبية أكبر على الصحة النفسية مقارنة بـ«فيسبوك» و«واتساب».

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا إحدى نظارات «ميتا» في برشلونة (أ.ف.ب)

تقرير: نظارات «ميتا» تتجسس على مرتديها في المرحاض

زعم تقرير صحافي أن لقطات مصورة بنظارات «ميتا»، التي تتضمن أشخاصاً يخلعون ملابسهم أو يجلسون في المرحاض، تُشاهد من قبل موظفين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
إعلام مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
الولايات المتحدة​ مارك زوكربيرغ مؤسس «فيسبوك» والرئيس التنفيذي لشركة «ميتا بلاتفورمز» (أرشيفية - رويترز)

زوكربيرغ يواجه استجواباً في محاكمة تتعلق بإدمان صغار السن وسائل التواصل الاجتماعي

من المقرر استجواب الملياردير مارك زوكربيرغ مؤسس «فيسبوك» والرئيس التنفيذي لشركة «ميتا بلاتفورمز» لأول مرة في محكمة أميركية اليوم بشأن تأثير إنستغرام على الصغار.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)

مقتل 5 أشخاص بهجوم أميركي استهدف قاربين بشرق المحيط الهادئ

ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل 5 أشخاص بهجوم أميركي استهدف قاربين بشرق المحيط الهادئ

ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)

قال الجيش الأميركي، أمس الأحد، إن غارات أميركية على قاربين يحملان مهربي مخدرات مشتبه بهم في شرق المحيط الهادئ أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص.

وقالت القيادة الجنوبية الأميركية إن خمسة من «إرهابيي المخدرات الذكور» قتلوا في «غارتين نشطتين فتاكتين» على قاربين تزعم الولايات المتحدة أنهما «كانا يعبران مسارات معروفة لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ ويشاركان في عمليات تهريب مخدرات».

وأضافت القيادة الجنوبية أن شخصاً واحداً نجا من الغارات، التي وقعت يوم السبت.

وفي الأشهر الأخيرة أمر الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً بشن هجمات على قوارب في منطقة البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ.

ويقول منتقدون إن الهجمات المميتة في المياه الدولية تنتهك القانون الدولي. ووفقاً للأرقام الرسمية، فقد قتل بالفعل أكثر من 130 شخصاً.


صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.