بعدما يمر ترام الدار البيضاء بلونه الأحمر المميز، من قلب ساحة الأمم المتحدة، ويختفي في دهاليز الشوارع الملتوية بقلب المدينة الصاخبة، يظهر بوضوح برج ساعة الدار البيضاء، المجاور لـ«باب مراكش» الشهير. وهي ساعة تعتبر واحدة من المعالم القديمة بالمدينة، يتمكن المارة من خلالها معرفة الوقت المحلي. ويعود تاريخ بنائها إلى بداية القرن العشرين، لكن بعد هدمها في منتصف القرن الماضي، أعيد بناؤها من جديد عام 1994، ويبلغ ارتفاع برج الساعة، نحو 20 مترا. ويمكن القول إنها أشبه بمنارة تطل على أسوار المدينة القديمة وتراقب ساحة الأمم المتحدة، مقصد الباحثين عن أجواء دافئة ومرحة.
يستطيع السائح خلال جلوسه على الدكك الحديدية بالساحة الفسيحة هنا الاستمتاع بدفء أشعة الشمس في ساعات النهار الشتوية، ومراقبة تحركات الترام والركاب. فالساحة مثل قلب المدينة النابض، ومركز للراحة والترفيه والتسوق والتنقل، إذ لا تتوقف بها مظاهر الحياة ليلا أو نهارا. ويمكن للزائر الاستمتاع بركوب الترام محطات متعددة، لزيارة مناطق أخرى بالدار البيضاء، بـ8 دراهم فقط، (الدولار الأميركي يعادل 9.8 درهم مغربي). أي أقل من دولار للتذكرة الواحدة.
باب مراكش
ساحة الأمم المتحدة، بباب مراكش امتداد لساحة باريس، التي بنيت في ثلاثينات القرن العشرين، واكتسبت شهرة كبيرة، حيث يطلق عليها السكان أيضا الكرة الأرضية، نسبة إلى الكرة الأرضية المصنوعة بقضبان الحديد الصلبة التي تتوسطها. بجوارها يوجد باب مراكش، المواجه لفندق حياة ريجينسي. يأخذك الباب إلى المدينة القديمة لشراء الهدايا التذكارية والمشغولات اليدوية، أو فقط للاستمتاع بالتاريخ العريق. فباب مراكش من المعالم التاريخية هنا. صمد في وجه زلازل أتت على بقية أبواب وأسوار المنطقة. أمام بابه يفترش الباعة من جنسيات متنوعة الأرض لبيع منتجاتهم من الملابس التقليدية والمشغولات اليدوية كحال بقية الأسواق العربية القديمة في مصر وسوريا ولبنان. وتتنوع المنتجات في المتاجر الصغيرة ما بين أزياء شبابية للرجال والنساء على حد سواء، بالإضافة إلى بازارات الهدايا التذكارية رخيصة الثمن.
إلى ذلك، كان ينهمك عمال البلدية، في تنظيف واجهة مبنى قديم بنفس الشارع الضيق المؤدي إلى داخل المدينة القديمة، تمهيدا لطلائها باللون الأبيض، وهو اللون الموحد لكل واجهات مباني المدينة دون استثناء. التوغل داخل الشارع يقود السائح إلى قلب المدينة القديمة، التي تضيق حاراتها وأزقتها، وتتفرع يمينا ويسارا، في اتجاهات مختلفة وعكسية.
المدينة القديمة، أو المدينة العتيقة، حي له تاريخ عريق وبنايات تراثية بنيت على شكل باقي المدن القديمة، بمختلف المدن المغربية. يحيط بها سور، وتوجد به أبواب رئيسية، وتعد من أماكن الدار البيضاء السياحية الجديرة بالزيارة. ورغم قدم المدينة، فإنها نابضة بالحياة، حيث تضم الكثير من الدكاكين المتخصصة في بيع المنتجات التقليدية، والجلدية، التي تستقطب الكثير من السياح من مختلف دول العالم العربية والأجنبية، لشراء الملابس وحلي الذهب والفضة.
وهذه المدينة محاطة بسور قديم، لم يبق منه سوى أجزاء قليلة تطل على المحيط الأطلسي، وشارع فيليسك هوفويت، وجزء آخر مطل على شارع الطاهر العلوي، حيث يوجد الباب التاريخي باب مراكش، بعد انهيار الجزء الأكبر من السور في زلزال عام 1775.
حي القناصلة من بين أحياء المدينة القديمة. يضم آثارا تاريخية ومساجد ومنازل قديمة. وكان الحي نقطة استقطاب للأوروبيين خلال القرن التاسع عشر لشهرته التجارية. هنا أيضا توجد كنيسة تاريخية، بناها الفرنسيون سنة 1891، إضافة إلى حي الملاح اليهودي المطل على الساحل، والذي هدم جزء منه خلال الثلاثينات من طرف المستعمر الفرنسي لبناء ساحة فرنسا، وفق الروايات التاريخية الحديثة للمؤرخين المغاربة.
خلال سيري في زنقة «لهجاجمة» رأيت المحلات التجارية التي كتب على أبواب بعضها «فوطوكوبي»، للإعلان عن وجود تصوير المستندات والأوراق، ولاحظت أيضا استبدال المغاربة حرف «التاء» في بعض الكلمات المتعارف عليها عربيا، بحرف «الطاء»، مثل كلمة «تروماى»، الذي يسمونه أيضا «طروماي».
أبواب البيوت التراثية، ذات اللون البني اللامع، تُبرز جمال المعمار القديم. فالأبواب الخشبية لا تزال تحتفظ، بشكلها المميز، كما لم يمنع ضيق الأزقة المغاربة في القرن السادس عشر من بناء شرفات في الطوابق العليا. وكانت النتيجة ضيق الحارات أكثر.
زنقات المدينة القديمة، كانت تُفضي غالباً إلى أماكن فسيحة تتوسط المباني الملتصقة ببعضها بعضا، كأنها استراحة تريح الزائر من الضيق والتوهان، وتعطيه فرصة للتفكير للخروج من براثنها المعقدة.
ويبدو واضحا أن سكانها اعتادوا على وجود السياح الأجانب والعرب بينهم، لذلك لا يشخصّون أبصارهم نحوهم بل يرحبون بهم من بعيد. ويميزون بين الزوار العرب، والأجانب من خلال اللهجة والشكل، مع دفء أكبر تجاه العرب.
قبل الخروج من الحارات شدت انتباهي مطبعة قديمة اسمها مطبعة الأزهر، تطل على زاوية فسيحة، يقع بالقرب منها مطعم صغير لساندويتشات الأسماك، ويطلق المغاربة على كل وجبات، أو ساندوتشات الأسماك «حوت»، مع أنهم لا يقصدون الحوت الضخم نفسه، وهي كلمة دارجة، ومستخدمة بكثرة في كل المجتمع المغربي... «لا تقل أريد سمكا بل قل أريد حوتا».
قبل الخروج إلى الشارع الموازي لشاطئ المحيط، شاهدت باباً أثرياً ضخماً، ورائعا، ذا ألوان زاهية، وهو أحد الأبواب المتبقية من الزلزال المدمر في القرن السابع عشر، وبالقرب من الباب يوجد مسجد أثري لونه أبيض من الخارج، تبرز مئذنته أندلسية الطراز من الجانب الأيسر، ويتم الصعود إليه عبر درجات سلم قديمة، وإلى جواره توجد قلعة أو حصن «الصقالة» التي بناها، السلطان محمد بن عبد الله، في منتصف القرن السادس عشر.
بعد صعود السلم، تكتشف مدافع حديدية قديمة، رؤوسها موجهة نحو المحيط مباشرة. ومن هنا يمكن الدخول إلى القلعة للاطلاع على اللوحة الخاصة بتاريخ الحصن بنفسي قبل التوجه إلى حديقة تقع في زاوية متسعة من الطريق الساحلي لالتقاط الأنفاس قبل زيارة مسجد الحسن الثاني. فهو وجهة لا بد منها إذ إنه أكبر مساجد أفريقيا، وأعلى بناية دينية في العالم. للوصول إليه لا بد من المرور من أحياء المدينة القديمة حيث ستطالع الزائر بنايات شبه متهالكة تطل على المحيط الأطلسي، حاولت السلطات المغربية تزيينها باللون الأبيض، لإضفاء نوع من الجمال إليها، لكن اللون الأبيض لم يفلح في تغيير شكلها المتآكل بفعل الزمن خصوصا وأن سكانها من الطبقات الفقيرة على الأرجح. عند دخول مسجد الحسن الثاني تنسى كل هذه الأجواء وتدخل في مرحلة جديدة من السكينة تُنسيك العالم الخارجي تماما وتجعلك تفكر فقط في جمال المكان وهيبته.










