روسيات سرقن قلوب عباقرة فرنسيين في القرن العشرين

من أشهرهن أولغا وغالا وإيلزا

غالا وبول إيلوار - زونينا مع سارتر
غالا وبول إيلوار - زونينا مع سارتر
TT

روسيات سرقن قلوب عباقرة فرنسيين في القرن العشرين

غالا وبول إيلوار - زونينا مع سارتر
غالا وبول إيلوار - زونينا مع سارتر

اسمحوا لنا أن نتوقف قليلاً عند الحسناوات الروسيات اللواتي هاجرن إلى فرنسا بعد الثورة البلشفية أو قبلها بقليل بحثاً عن الأمان والاطمئنان، ثم بحثاً عن الحب، والحرية، والشهرة، والعباقرة. ومعلوم أن باريس كانت حلم كل الحسناوات السلافيات. بل وحلم كل الناس، بمن فيهم الطلاب العرب وغير العرب. باريس أسطورة الأساطير. هذا ما تسرده لنا كتب عدة نثرثر على هامشها الآن بكل حرية. أولها كتاب الباحثة الفرنسية دومنيك ديزانتي عن «ايلزا وأراغون. العلاقة الغامضة». وثانيها كتاب الباحث برتران ماير ستابلي عن غالا وسلفادور دالي بعنوان: «من هي غالا الحقيقية يا ترى؟»، وثالثها كتاب فلاديمير فيدوروفسكي عن «الحسناوات الروسيات» إن لم نقل الملهمات القويات الشخصية اللواتي سحرن أدباء فرنسا الكبار ومفكريها؛ فوقعوا في شباكهن. ويبدو أن بعض الجميلات الفاتنات لعبن دوراً سياسياً، أو حتى مخابراتياً لصالح الأجهزة السوفياتية. وليس سراً أن إيلزا التي سلبت قلب أراغون وعقله كانت متهمة من قبل الأوساط الفرنسية بأنها عميلة روسية. والواقع أنها هي التي أدخلت زوجها في الحزب الشيوعي بعد أن كان سريالياً حراً لا يعرف معنى الانضباط ولا التحزبات الضيقة... وهي التي جعلته يوقّع على بيان الانضمام إلى المعسكر السوفياتي ويؤيده بشكل أعمى على طول الخط. من قال إن المرأة ليست قادرة على كل شيء؟ إنها تقودك من أنفك إلى حيث تريد أو لا تريد عندما تقع في هواها. ويبدو أن أحدهم غير طائفته أو مذهبه أكثر من مرة بسبب الحوريات والغزالات...
عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
ولا يزال هذا الشخص هائماً على وجهه في الطرقات والدروب. ولا أحد يعرف لماذا؟ ولا إلى أين؟ ولا أي منقلب ينقلبون. أجمل حياة في العالم! بل وحتى جان جاك روسو عندما رأى «مدام دو فارين» صعق بجمالها فغير مذهبه فوراً من بروتستانتي إلى كاثوليكي، قائلاً عبارته الشهيرة: إن مذهباً يعتنقه أمثالها سوف يقود حتما إلى الجنة!
على أي حال، فالشيء الذي يلفت الانتباه بعد الاطلاع على هذه الكتب هو أن معظم عباقرة فرنسا في مطلع القرن العشرين أو منتصفه كانوا متعلقين عاطفياً بروسيات. فهناك أولاً «أولغا» زوجة بيكاسو. وهناك ثانياً «غالا» صاحبة بول إيلوار قبل أن توقِع سلفادور دالي في شباكها. وهناك بالطبع «إيلزا» التي ألهمت أراغون ديوانه الشهير: مجنون إيلزا. وقد أصبحت قصتهما شهيرة في الأوساط الأدبية إلى درجة أنه يمكن مقارنتها بقصة مجنون ليلى في الأدب العربي. وهناك «ليديا» التي ألهمت الفنان الكبير ماتيس. وهناك «مايا» التي سلبت رومان رولان قلبه إلى درجة أنه لم يتورع عن تقديم الولاء والخضوع لجوزيف ستالين! رومان رولان يفعل ذلك، هو المشهور بالاتزان ورجاحة العقل... ثم ينبغي ألا ننسى زعيم الوجودية الفرنسية جان بول سارتر. فقد كانت له مغامرات كثيرة، من بينها قصة حب مكتومة أو شبه سرية مع حسناء روسية تدعى «لينا زونينا». وهي التي أهداها كتابه الشهير الذي يشبه السيرة الذاتية: الكلمات. لكنه لم يتجرأ إلا على ذكر الحرف الأول من اسمها لكي لا ينصبّ عليه غضب سيمون دو بوفوار. فقال في الإهداء المختصر والغامض: «إلى السيدة ز…»، وكثيراً ما تخبط المعلقون والنقاد في شرح هذا الحرف «ز»، ولمن يرمز دون أن يتوصلوا إلى نتيجة. ذلك؛ أن سارتر نجح في المحافظة على سرية العلاقة إلى أقصى حد ممكن، ولم يكن يلتقي بعشيقته الروسية إلا على شواطئ بحر البلطيق، أو في زوايا العاصمة السوفياتية عندما كان يزور موسكو فتكلف بمرافقته رسمياً وكأن شيئاً لم يكن…
غالا وبول إيلوار

عندما وصلت غالا إلى باريس عام 1918 لكي تلتقي ببول إيلوار بمحض الصدفة وتستقر في فرنسا إلى الأبد، كانت البلاد خارجة للتو من حرب مدمرة. كانت الحرب العالمية الأولى قد وضعت أوزارها للتو. وهي التي تدعى بالحرب الكبرى، أو حتى المجزرة الكبرى. وقد شارك فيها إيلوار نفسهن وجاء بالبزة العسكرية إلى الكنيسة لكي يتزوج من تلك الفتاة الروسية التي أحبها. لكنه كبقية أبناء جيله، كان قد خرج محطماً من تلك المذبحة. فنادراً ما كان يخلو بيت فرنسي من قتيل أو مفقود أو جريح أو معاق. ويمكن القول، إن الحركة السريالية التي انفجرت مباشرة تقريباً بعد الحرب العالمية الأولى بزعامة أندريه بريتون لم تكن إلا رد فعل عنيفاً على تلك الحرب ومآسيها. لقد كانت صرخة احتجاج عارمة ومن أقوى ما يكون. فقد أراد الشباب الفرنسي في تلك الفترة أن يروّح عن نفسه، أن يتنفس الصعداء، أن ينسى مآسي الحرب وما رآه من فظائع في ساحة الوغى. فلم ير أمامه من وسيلة إلا أن ينخرط في حركة فنية عبثية وتحررية في آن معاً. إنها لا تقل عبثية عن الحرب الكبرى نفسها. وعبثية الفن هنا ينبغي أن تكون على مستوى عبثية الحرب ذاتها، وإلا فإن شحنة الحرية لن تكون كافية. لهذا السبب جذبت السريالية معظم فناني فرنسا وشعرائها في تلك الفترة. فقد كانت تلبي حاجة تاريخية آنذاك تماماً كالفلسفة الوجودية لسارتر بعد الحرب العالمية الثانية. ألا تتيح السريالية للفنان، شاعراً كان أم أديباً، أن ينسى نفسه ولو قليلاً، أن يسرح في الحلم، أن يشطح في متاهات الخيال؟ ألا تتيح له أن يتحرر من رقابة العقل الواعي القمعي على العقل اللاواعي الباطني؟ ألا تتيح له أن يرتفع من مستوى الواقع البائس المحطم إلى عوالم ما فوق الواقع الوردية؟ وهذا هو المعنى الحرفي لكلمة سريالية. نعم، لقد لبّت السريالية حاجة تاريخية؛ لأنها جاءت في الوقت المناسب وساعدت المبدعين الفرنسيين على التحرر من أنفسهم، من الإكراهات التي تضغط عليهم، من جحيم الواقع الذي لا يرحم، من كوابيس الحرب الرهيبة. وهكذا أطلقوا لطاقاتهم الإبداعية العنان لكي تتفجر في الاتجاهات كافة... وتركوا اللغة تتفجر أيضاً وتتحرر من عقالها، أي من معانيها القاموسية أو الشرعية لكي تكتسب معاني أخرى فوضوية أو جنونية، لكي تكسر القوقعة. نعم، لقد تركوا اللغة تتجاوز نفسها، وتعبر ليس فقط عن المعنى، وإنما أيضاً عن اللامعنى والعبث واللامعقول، بل وحتى الجنون... ورأوا أن الواقعية الحقيقية هي ألا تكون واقعياً على الإطلاق! وما هو هذا الواقع المجرم الذي ينبغي احترامه؟ فهل الحرب المدمرة القذرة واقعية أم معقولة أم ذات معنى؟ هل يمكن التعبير عن عبثية الحرب بلغة منطقية، قاموسية، محافظة؟ ألا ينبغي على الفن أن يعبر عن جنون الواقع بلغة أكثر جنوناً منه؟ من هنا ظهر أيضاً موضوع تفجير اللغة الذي انتقل إلى ساحة الشعر الحديث في الستينات، وأنتج بعضاً من أجمل الدواوين الشعرية العربية. أقول ذلك وأنا أفكر «بأغاني مهيار الدمشقي» لأدونيس مثلاً. كل الشعر العظيم نتج من هذه الحركة التحريرية الهائلة: تفجير اللغة، تفجير الشعر، تفجير التفجير ذاته. ثم بالأخص تفجير اللاهوت والكهنوت. وكل ذلك من خلال مغامرة استكشافية كبرى في أرض بكر لم تطأها قدم قط. ومن خلال لغة ابتكارية ومجازات إبداعية خارقة غيرت خريطة الشعر العربي، ودشنت مساحة جديدة من الحرية. بهذا المعنى؛ فكل الحداثة الشعرية العربية خرجت من معطف أدونيس.
هذه هي بعض الأسباب والبواعث العميقة التي أدت إلى انطلاقة الحركة السريالية في العشرينات من القرن الماضي. ثم توسعت فيما بعد وانتشرت حتى أصبحت حركة فنية بحجم العالم كمعظم الحركات الأصيلة التي ظهرت في عاصمة النور والحرية: باريس. لكن السريالية تطرفت فيما بعد في سلوكها وتعبيرها حتى وصلت لدى الأتباع الصغار الذين لا يبدعون شيئاً إلى درجة مقيتة من التهتك والغثاثة والتكرار. أياً يكن من أمر، فإن غالا ألهمت قريحة بول إيلوار بعضاً من أجمل الأشعار:
أحبك لأجل كل النساء اللواتي لم أتعرف عليهن
أحبك لأجل كل الأزمان التي لم أعشها
أحبك لأجل رائحة البحر والخبز الساخن
أحبك لأجل الثلوج التي تذوب والبراعم الأولى
أحبك لأجل الحب
...
هكذا دخل إيلوار وغالا في حلقة السرياليين وانضما إلى أندريه بريتون ولويس أراغون وفيليب سوبول ورينيه شار وآخرين كثيرين. وهكذا، شكلت الحركة السريالية الطليعة الإبداعية المثقفة في فرنسا آنذاك، تلك الطليعة التي تريد تغيير الحياة. وأصبح أندريه بريتون يتصرف بصفته رئيس حركة أو حتى زعيم عصابة. وأصبح حي المونبارناس في باريس بكل مقاهيه مركزاً للحركة الجديدة التي تريد أن تكتسح العالم.



3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».