روسيات سرقن قلوب عباقرة فرنسيين في القرن العشرين

من أشهرهن أولغا وغالا وإيلزا

غالا وبول إيلوار - زونينا مع سارتر
غالا وبول إيلوار - زونينا مع سارتر
TT

روسيات سرقن قلوب عباقرة فرنسيين في القرن العشرين

غالا وبول إيلوار - زونينا مع سارتر
غالا وبول إيلوار - زونينا مع سارتر

اسمحوا لنا أن نتوقف قليلاً عند الحسناوات الروسيات اللواتي هاجرن إلى فرنسا بعد الثورة البلشفية أو قبلها بقليل بحثاً عن الأمان والاطمئنان، ثم بحثاً عن الحب، والحرية، والشهرة، والعباقرة. ومعلوم أن باريس كانت حلم كل الحسناوات السلافيات. بل وحلم كل الناس، بمن فيهم الطلاب العرب وغير العرب. باريس أسطورة الأساطير. هذا ما تسرده لنا كتب عدة نثرثر على هامشها الآن بكل حرية. أولها كتاب الباحثة الفرنسية دومنيك ديزانتي عن «ايلزا وأراغون. العلاقة الغامضة». وثانيها كتاب الباحث برتران ماير ستابلي عن غالا وسلفادور دالي بعنوان: «من هي غالا الحقيقية يا ترى؟»، وثالثها كتاب فلاديمير فيدوروفسكي عن «الحسناوات الروسيات» إن لم نقل الملهمات القويات الشخصية اللواتي سحرن أدباء فرنسا الكبار ومفكريها؛ فوقعوا في شباكهن. ويبدو أن بعض الجميلات الفاتنات لعبن دوراً سياسياً، أو حتى مخابراتياً لصالح الأجهزة السوفياتية. وليس سراً أن إيلزا التي سلبت قلب أراغون وعقله كانت متهمة من قبل الأوساط الفرنسية بأنها عميلة روسية. والواقع أنها هي التي أدخلت زوجها في الحزب الشيوعي بعد أن كان سريالياً حراً لا يعرف معنى الانضباط ولا التحزبات الضيقة... وهي التي جعلته يوقّع على بيان الانضمام إلى المعسكر السوفياتي ويؤيده بشكل أعمى على طول الخط. من قال إن المرأة ليست قادرة على كل شيء؟ إنها تقودك من أنفك إلى حيث تريد أو لا تريد عندما تقع في هواها. ويبدو أن أحدهم غير طائفته أو مذهبه أكثر من مرة بسبب الحوريات والغزالات...
عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
ولا يزال هذا الشخص هائماً على وجهه في الطرقات والدروب. ولا أحد يعرف لماذا؟ ولا إلى أين؟ ولا أي منقلب ينقلبون. أجمل حياة في العالم! بل وحتى جان جاك روسو عندما رأى «مدام دو فارين» صعق بجمالها فغير مذهبه فوراً من بروتستانتي إلى كاثوليكي، قائلاً عبارته الشهيرة: إن مذهباً يعتنقه أمثالها سوف يقود حتما إلى الجنة!
على أي حال، فالشيء الذي يلفت الانتباه بعد الاطلاع على هذه الكتب هو أن معظم عباقرة فرنسا في مطلع القرن العشرين أو منتصفه كانوا متعلقين عاطفياً بروسيات. فهناك أولاً «أولغا» زوجة بيكاسو. وهناك ثانياً «غالا» صاحبة بول إيلوار قبل أن توقِع سلفادور دالي في شباكها. وهناك بالطبع «إيلزا» التي ألهمت أراغون ديوانه الشهير: مجنون إيلزا. وقد أصبحت قصتهما شهيرة في الأوساط الأدبية إلى درجة أنه يمكن مقارنتها بقصة مجنون ليلى في الأدب العربي. وهناك «ليديا» التي ألهمت الفنان الكبير ماتيس. وهناك «مايا» التي سلبت رومان رولان قلبه إلى درجة أنه لم يتورع عن تقديم الولاء والخضوع لجوزيف ستالين! رومان رولان يفعل ذلك، هو المشهور بالاتزان ورجاحة العقل... ثم ينبغي ألا ننسى زعيم الوجودية الفرنسية جان بول سارتر. فقد كانت له مغامرات كثيرة، من بينها قصة حب مكتومة أو شبه سرية مع حسناء روسية تدعى «لينا زونينا». وهي التي أهداها كتابه الشهير الذي يشبه السيرة الذاتية: الكلمات. لكنه لم يتجرأ إلا على ذكر الحرف الأول من اسمها لكي لا ينصبّ عليه غضب سيمون دو بوفوار. فقال في الإهداء المختصر والغامض: «إلى السيدة ز…»، وكثيراً ما تخبط المعلقون والنقاد في شرح هذا الحرف «ز»، ولمن يرمز دون أن يتوصلوا إلى نتيجة. ذلك؛ أن سارتر نجح في المحافظة على سرية العلاقة إلى أقصى حد ممكن، ولم يكن يلتقي بعشيقته الروسية إلا على شواطئ بحر البلطيق، أو في زوايا العاصمة السوفياتية عندما كان يزور موسكو فتكلف بمرافقته رسمياً وكأن شيئاً لم يكن…
غالا وبول إيلوار

عندما وصلت غالا إلى باريس عام 1918 لكي تلتقي ببول إيلوار بمحض الصدفة وتستقر في فرنسا إلى الأبد، كانت البلاد خارجة للتو من حرب مدمرة. كانت الحرب العالمية الأولى قد وضعت أوزارها للتو. وهي التي تدعى بالحرب الكبرى، أو حتى المجزرة الكبرى. وقد شارك فيها إيلوار نفسهن وجاء بالبزة العسكرية إلى الكنيسة لكي يتزوج من تلك الفتاة الروسية التي أحبها. لكنه كبقية أبناء جيله، كان قد خرج محطماً من تلك المذبحة. فنادراً ما كان يخلو بيت فرنسي من قتيل أو مفقود أو جريح أو معاق. ويمكن القول، إن الحركة السريالية التي انفجرت مباشرة تقريباً بعد الحرب العالمية الأولى بزعامة أندريه بريتون لم تكن إلا رد فعل عنيفاً على تلك الحرب ومآسيها. لقد كانت صرخة احتجاج عارمة ومن أقوى ما يكون. فقد أراد الشباب الفرنسي في تلك الفترة أن يروّح عن نفسه، أن يتنفس الصعداء، أن ينسى مآسي الحرب وما رآه من فظائع في ساحة الوغى. فلم ير أمامه من وسيلة إلا أن ينخرط في حركة فنية عبثية وتحررية في آن معاً. إنها لا تقل عبثية عن الحرب الكبرى نفسها. وعبثية الفن هنا ينبغي أن تكون على مستوى عبثية الحرب ذاتها، وإلا فإن شحنة الحرية لن تكون كافية. لهذا السبب جذبت السريالية معظم فناني فرنسا وشعرائها في تلك الفترة. فقد كانت تلبي حاجة تاريخية آنذاك تماماً كالفلسفة الوجودية لسارتر بعد الحرب العالمية الثانية. ألا تتيح السريالية للفنان، شاعراً كان أم أديباً، أن ينسى نفسه ولو قليلاً، أن يسرح في الحلم، أن يشطح في متاهات الخيال؟ ألا تتيح له أن يتحرر من رقابة العقل الواعي القمعي على العقل اللاواعي الباطني؟ ألا تتيح له أن يرتفع من مستوى الواقع البائس المحطم إلى عوالم ما فوق الواقع الوردية؟ وهذا هو المعنى الحرفي لكلمة سريالية. نعم، لقد لبّت السريالية حاجة تاريخية؛ لأنها جاءت في الوقت المناسب وساعدت المبدعين الفرنسيين على التحرر من أنفسهم، من الإكراهات التي تضغط عليهم، من جحيم الواقع الذي لا يرحم، من كوابيس الحرب الرهيبة. وهكذا أطلقوا لطاقاتهم الإبداعية العنان لكي تتفجر في الاتجاهات كافة... وتركوا اللغة تتفجر أيضاً وتتحرر من عقالها، أي من معانيها القاموسية أو الشرعية لكي تكتسب معاني أخرى فوضوية أو جنونية، لكي تكسر القوقعة. نعم، لقد تركوا اللغة تتجاوز نفسها، وتعبر ليس فقط عن المعنى، وإنما أيضاً عن اللامعنى والعبث واللامعقول، بل وحتى الجنون... ورأوا أن الواقعية الحقيقية هي ألا تكون واقعياً على الإطلاق! وما هو هذا الواقع المجرم الذي ينبغي احترامه؟ فهل الحرب المدمرة القذرة واقعية أم معقولة أم ذات معنى؟ هل يمكن التعبير عن عبثية الحرب بلغة منطقية، قاموسية، محافظة؟ ألا ينبغي على الفن أن يعبر عن جنون الواقع بلغة أكثر جنوناً منه؟ من هنا ظهر أيضاً موضوع تفجير اللغة الذي انتقل إلى ساحة الشعر الحديث في الستينات، وأنتج بعضاً من أجمل الدواوين الشعرية العربية. أقول ذلك وأنا أفكر «بأغاني مهيار الدمشقي» لأدونيس مثلاً. كل الشعر العظيم نتج من هذه الحركة التحريرية الهائلة: تفجير اللغة، تفجير الشعر، تفجير التفجير ذاته. ثم بالأخص تفجير اللاهوت والكهنوت. وكل ذلك من خلال مغامرة استكشافية كبرى في أرض بكر لم تطأها قدم قط. ومن خلال لغة ابتكارية ومجازات إبداعية خارقة غيرت خريطة الشعر العربي، ودشنت مساحة جديدة من الحرية. بهذا المعنى؛ فكل الحداثة الشعرية العربية خرجت من معطف أدونيس.
هذه هي بعض الأسباب والبواعث العميقة التي أدت إلى انطلاقة الحركة السريالية في العشرينات من القرن الماضي. ثم توسعت فيما بعد وانتشرت حتى أصبحت حركة فنية بحجم العالم كمعظم الحركات الأصيلة التي ظهرت في عاصمة النور والحرية: باريس. لكن السريالية تطرفت فيما بعد في سلوكها وتعبيرها حتى وصلت لدى الأتباع الصغار الذين لا يبدعون شيئاً إلى درجة مقيتة من التهتك والغثاثة والتكرار. أياً يكن من أمر، فإن غالا ألهمت قريحة بول إيلوار بعضاً من أجمل الأشعار:
أحبك لأجل كل النساء اللواتي لم أتعرف عليهن
أحبك لأجل كل الأزمان التي لم أعشها
أحبك لأجل رائحة البحر والخبز الساخن
أحبك لأجل الثلوج التي تذوب والبراعم الأولى
أحبك لأجل الحب
...
هكذا دخل إيلوار وغالا في حلقة السرياليين وانضما إلى أندريه بريتون ولويس أراغون وفيليب سوبول ورينيه شار وآخرين كثيرين. وهكذا، شكلت الحركة السريالية الطليعة الإبداعية المثقفة في فرنسا آنذاك، تلك الطليعة التي تريد تغيير الحياة. وأصبح أندريه بريتون يتصرف بصفته رئيس حركة أو حتى زعيم عصابة. وأصبح حي المونبارناس في باريس بكل مقاهيه مركزاً للحركة الجديدة التي تريد أن تكتسح العالم.



محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended


رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ