تنامي ظاهرة إصدار المجلات باللغة الإنجليزية في القاهرة

رئيس تحرير «الزمالك» لـ {الشرق الأوسط}: المطبوعات الورقية قادرة على المنافسة

من المجلات التي تصدر باللغة الإنجليزية في القاهرة («الشرق الأوسط»)
من المجلات التي تصدر باللغة الإنجليزية في القاهرة («الشرق الأوسط»)
TT

تنامي ظاهرة إصدار المجلات باللغة الإنجليزية في القاهرة

من المجلات التي تصدر باللغة الإنجليزية في القاهرة («الشرق الأوسط»)
من المجلات التي تصدر باللغة الإنجليزية في القاهرة («الشرق الأوسط»)

دارت ماكينات المطبعة ليخرج من الجانب الآخر آلاف النسخ من أول عدد من مجلة باللغة الإنجليزية تحمل اسم الضاحية نفسها (ZAMALEK). وتعد هذه المجلة واحدة من مجلات كثيرة بدأت تخرج من ماكينات الطباعة في العاصمة الأكبر والأكثر سكانا في منطقة الشرق الأوسط، في أجواء يعمها التفاؤل بعد ثلاث سنوات من الاضطرابات السياسية والأمنية.
ويقول موظف المطبعة عدلي جمعة: «نعم.. عادت من جديد، هذه الأيام، ظاهرة إصدار المجلات باللغة الإنجليزية، وبلغات أخرى، ومنها مجلات متخصصة في الأدب أيضا».
يحدث هذا رغم غزو الإعلام الإلكتروني ومنافسته القوية التي أصبحت تهدد عرش الصحف والمجلات المطبوعة، لكن رئيس تحرير مجلة «الزمالك»، شريف الحلوة، وهو أميركي من أصل مصري، يقول إن هذا غير صحيح، وإن المطبوعات الورقية ستستمر في المنافسة لأسباب كثيرة من بينها رغبة القراء في اقتنائها ورغبة المعلنين في وضع دعايتهم فيها.
وكانت المرة الأولى التي شهدت رواجا في إصدار المجلات باللغة الإنجليزية بمصر في ثلاثينات القرن الماضي، حين زاد عدد الأجانب في البلاد بالتزامن مع الاكتشافات الأثرية حينذاك وانتشار الفنون والمسارح والأنشطة الاقتصادية من الشركات الأجنبية. والمرة الثانية كانت في السبعينات، حين أصبحت القاهرة أكثر انفتاحا على الغرب بعد انتهاء حرب أكتوبر (تشرين الأول)، وإلقاء الرئيس الراحل أنور السادات خطابا في الكنيست الإسرائيلي، ودخول الشركات متعددة الجنسيات للاستثمار في البلاد.
أما الآن فإن مصر تعد نفسها لنهضة جديدة بعد أن تمكنت، منذ ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013 من إنجاز خارطة غالبية مراحل خارطة الطريق لتصحيح مسار ثورة 2011 التي أسقطت حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك. وبالإضافة إلى مجلة «الزمالك» تصدر في مصر مجلات أخرى، بعضها جديد وبعضها منذ عدة عقود، وبعضها متخصص في الشؤون المصرية فقط، والبعض الآخر يغطي منطقة الشرق الأوسط والعالم، ومنها مجلات «ديلي نيوز إيجيبت» و«كايرو ويست» و«إيجيبت إندبندنت» و«بيزنس توداي» و«معادي ماسينجر»، و«إيجيبت توداي».
ويقول الحلوة إن فكرة مجلة «الزمالك» بدأت منذ عدة سنوات، لكنها لم تكن تستهدف منطقة الزمالك فقط. ويضيف في مقابلة مع «الشرق الأوسط»: «فكرتي كانت مجرد حلم بأن يتمكن كل أبناء منطقة من الحصول على صحيفتهم التي تتحدث عن منطقتهم وما تحتاج إليه وما فيها، بعيدا عن الأحداث العامة التي تجري في البلاد».
وعلى عكس مجلة «الزمالك»، التي خرجت للسوق قبل يومين، تعني مجلة «إيجيبت توداي» - التي صدرت لأول مرة في عام 1979، وما زالت تطبع في القاهرة وتوزع في كثير من دول العالم - بعرض الأحداث الحالية والأحوال المصرية العامة، إلا أنها تعد أيضا رائدة في شؤون منطقة الشرق الأوسط. ويقول أحد المسؤولين القدامى في هذه المجلة، إن الاسم مستوحى من مجلة قديمة كانت تصدر بنفس الاسم في ثلاثينات القرن الماضي، لكنها كانت بأربع لغات هي العربية والإنجليزية والفرنسية واليونانية.
وأسس مجلة «إيجيبت توداي» بمصر، في ثوبها الجديد، منذ أكثر من 35 سنة، رجل أميركي كان شهيرا في مجال الأعمال والإعلام بالولايات المتحدة، ويدعى ويليام هاريسون. كما أسس مجلة أخرى بمصر اسمها «بيزنس توداي». وفي الوقت الحالي تدير ابنته، «آن» هذه الأعمال في القاهرة.
ومن الطرائف أن غالبية الصحافيين الذين يعملون في مثل هذه المجلات قادمون من مجالات عمل مختلفة قبل أن يكتشفوا أنفسهم في الإعلام والصحافة. ويقول سعيد محمود، الذي كانت وظيفته السابقة دليلا سياحيا، ويكتب حاليا قصصا شيقة ويصور صورا جذابة لنشرها في المجلات الإنجليزية الجديدة عن رحلات السفاري في الصحارى المصرية، إنه اكتشف «هذا العالم الإعلامي الرائع» من خلال السياح الذين يحبون التخييم في الصحراء.. «لاحظت أن معهم المجلات تتحدث عن مصر باللغة الإنجليزية، ولم أكن أصدق أنها تحرر وتطبع في القاهرة».
ومن جانبه لم يبدأ الحلوة، الذي يدير مجلة «الزمالك»، حياته المهنية صحافيا إلا منذ سنوات قليلة. ويقول: «عملت في الصحافة بطريق الصدفة، وبطريقة لم يكن معدا لها على الإطلاق، لكنني عرفت أن هناك شيئا أريد أن أقوم به منذ سنوات طويلة». بدأ كل ذلك في مطبخ صديق لي في الولايات المتحدة، اسمه بترك كينيون، وهو مراسل معروف ومقدم برامج في الراديو الوطني العام بأميركا.. كنا نناقش موضوع الربيع العربي بداية عام 2011.. ثم لاحظ أنني على دارية بالأمور السياسية وتطورات الأحداث بالمنطقة العربية. وبعد أسبوعين وفر لي فرصة الذهاب معه إلى ليبيا مساعدا له في البرنامج الذي يقدمه، حيث كان في حاجة لرجل يتحدث اللغة العربية.
وكتب رئيس تحرير «الزمالك» أول قصة صحافية عن وضع البترول والغاز في ليبيا، نشرت في أبريل (نيسان) عام 2011، على موقع (Platts) وهو موقع باللغة الإنجليزية شهير ومتخصص في النشر عن البترول والغاز. واستمر الحلوة بعد ذلك في التنقل بين عدد من العواصم العربية بحثا عن القصص الصحافية الشيقة، إلى أن استقر به المقام في ضاحية الزمالك، وقرر إصدار مجلة بهذا الاسم في هذه المنطقة الواقعة على النيل وتنتشر فيها دور الرسم والتمثيل والأدب ويعيش فيها رجال أعمال وفنانون وسفراء ومشاهير مصريون وعرب وأجانب.
ويقول الحلوة إنه طلب من شريكته أن تنفذ فكرة المجلة.. «وهي دعمتني طوال الوقت بجلب الإعلانات التي تساعد على طباعة العدد»، مشيرا إلى أن «الطباعة مكلفة جدا في مصر، ربما بأكثر من الأسعار الموجودة في أميركا». ويضيف قائلا: «على الحكومة المصرية أن تتدخل بتخفيض الجمارك (على الورق ومعدات الطباعة) إذا كانت تريد حقا أن تساعد أصحاب مثل هذه المشروعات على تحقيق أحلامهم».
وبالتزامن مع صدور مجلة «الزمالك» وغيرها باللغة الإنجليزية، وهي مجلات تعنى بالشؤون العامة، صدرت مجلات أخرى متخصصة باللغة الإنجليزية، بعضها متخصص في السياحة وبعضها في الأدب، مثل مجلة «روايات» التي صدر أول عدد منها مطلع هذا العام. وكتبت المسؤولة بالمجلة، ليندا كليري، أن مصر تحتاج لهذا النوع من المجلات لأنها دولة غنية بالكتاب. بينما يوضح أحد المسؤولين الآخرين بالمجلة قائلا إن السبب في إصدارها يرجع لعدم وجود مساحة كافية للمصريين للتعبير عن أنفسهم باللغة الإنجليزية، ونريد للشعوب الأخرى أن ترى مصر بعين مختلفة من خلال الآداب سواء ما يكتبه المصريون أو ما يكتب عنهم». وتطمح هذه المجلة الأدبية في التوسع في أسواق أخرى خارج مصر، مثل إنجلترا وأميركا وكندا.
ويحمل معظم المسؤولين عن المجلات الإنجليزية الصادرة بمصر خلفيات حالمة عن الدولة المصرية منذ عهد محمد علي باشا، الذي تولى حكم مصر عام 1805، وحولها سريعا إلى إمبراطورية، وما تلا ذلك من انفتاح لمصر على العالم وشق لقناة السويس وبناء دار الأوبرا، واستضافة زعماء العالم في عدة احتفالات وطنية كبرى، إلى جانب وجود أعداد ضخمة من الجاليات الأجنبية في البلاد، لدرجة تخصيص محاكم خاصة بهم للنظر في قضاياهم والفصل في منازعاتهم. وتزامنت العقود اللاحقة من القرن التاسع عشر بالاكتشافات الأثرية للدولة الفرعونية وهي الكشوف التي أبهرت العالم وزاد معها اهتمام الإعلاميين والكتاب الأجانب بهذا البلد.
ومن المعروف أن الفرنسيين حين غزوا مصر أيام نابليون بونابرت عام 1798 جلبوا معهم أول مطبعة عرفت حينها باسم «المطبعة الشرقية الفرنسية». وصدرت فيما بعد مطبوعات بلغات أجنبية في مصر خاصة في النصف الأول من القرن الماضي. وتوسعت مصر في إقامة المطابع ويوجد في مصر الآلاف منها ما بين مطابع بدائية يرجع عمرها إلى أكثر من نصف قرن من الزمان، وأخرى حديثة تعمل بالتكنولوجيا الرقمية، مرورا بالمطابع المتوسطة التي جلبها التجار من أسواق مما كان يعرف بأوروبا الشرقية، مثل هذه المطبعة الموجودة في ضاحية «العجوزة» ويشغل فيها الموظف جمعة موقع المشرف على ضبط الألوان. ويوضح: «لدينا طلبات لطبع مجلات إنجليزية جديدة منها مجلة تسمى (المعادي) ومجلة (أهرامات الجيزة)».



«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.


تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)
TT

تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)

تصاعدت الملاحقة القضائية لمنصات التواصل الاجتماعي في مزاعم بشأن تسببها في إدمان المستخدمين، لا سيما الأطفال؛ ما عدّه خبراء محاولةً قد تدفع المنصات إلى تقديم تنازلات أو تغيير سياسة الخصوصية، وتزيد من اتجاه الجمهور نحو تنويع التطبيقات التي يستخدمها.

خلال الأسبوع الماضي، بدأ المحلفون في الولايات المتحدة نظر قضية «تسعى لتحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال». وهذه المحاكمة مبنية على دعوى رفعتها شابة في العشرين من عمرها تُعرَف باسم «كيلي جي. إم» ضد شركتي «ميتا بلاتفورمز» مالكة منصات «فيسبوك» و«إنستغرام»، و«غوغل» التابعة لمجموعة «ألفابيت» مالكة منصة «يوتيوب»، تتهمهما بتعمد تصميم منتجاتهما بطريقة تتسبب في إدمان الأطفال.

الشركتان نفتا الاتهامات، وقال آدم موصيري، الرئيس التنفيذي لـ«إنستغرام»، في شهادة أدلى بها أمام المحكمة، إنه «من المهم التمييز بين الإدمان السريري والاستخدام الذي يعدّ إشكالياً»، نافياً «صحة الادعاء بأن (ميتا) تعطي الأولوية للربح على حساب السلامة... ذلك أن حماية القُصّر على المدى الطويل مفيدة أيضاً للأعمال وللربحية».

وفق مراقبين، فإن «صدور حكم ضد شركات التكنولوجيا قد يُمهد الطريق أمام قضايا مماثلة في محاكم الولايات المتحدة، ويُزعزع الدفاع القانوني الراسخ لهذه الشركات ضد دعاوى الإضرار بالمستخدمين». حيث تواجه كل من «غوغل» و«ميتا» و«تيك توك» و«سنابشات» دعاوى قضائية مشابهة عدة.

ومن المنتظر استدعاء كارك زوكربرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، شاهداً في المحاكمة التي قد تمتد إلى مارس (آذار) المقبل.

الدكتورة مي عبد الغني، الباحثة في الإعلام الرقمي وأستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا، رأت في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «الدعاوى القضائية المرفوعة حالياً في الولايات المتحدة وأوروبا تنطلق من فلسفة قانونية تتجاوز مجرد الاعتراض على المحتوى، لتصل إلى عيوب التصميم الهيكلي للمنصات والمتمثلة في الطريقة التي صُممت بها المنصات لجعل الطفل يقضي أطول وقت ممكن كالتمرير اللانهائي».

وتلخص عبد الغني الأسباب وراء هذه الملاحقات القضائية في «استخدام هذه المنصات باستخدام تقنيات عصبية وبيولوجية، مثل التمرير اللانهائي والإشعارات الفورية التي تعمل على تعطيل قدرات الأطفال على التحكم في النزوات، إضافة إلى استغلال نقاط الضعف النفسية؛ حيث تعمل هذه المنصات على استهداف أطفال تعرضوا للصدمات بخوارزميات تتضمن محتوى ضاراً يتعلق باضطرابات الأكل أو إيذاء النفس». وأشارت إلى أن «المنصات تلاحق بتهمة انتهاك قوانين مثل (قانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت) COPPA عبر جمع بيانات الأطفال دون سن الـ13 سنة واستخدامها في الإعلانات».

ووفق عبد الغني، فإن «هذه الدعاوى القضائية تضع المنصات أمام مسؤولية مباشرة عن الأضرار النفسية التي تلحق بالأطفال، مثل الاكتئاب، واضطرابات الأكل، أو التنمر الإلكتروني». لكنها لفتت إلى أن «قرار حظر استخدام الأطفال للمنصات لا ينهي الاستخدام، بل يحوله مغامرة... وبمجرد صدور قرار الحظر، تشهد تطبيقات كسر الحجب VPN طفرة غير مسبوقة». وأردفت: «الدعاوى القضائية الحالية قد تدفع بعض المنصات إلى تقديم تنازلات للحكومات، مثل تشديد الرقابة على المحتوى أو تغيير سياسات الخصوصية؛ ما يغير شكل المنصة التي عرفناها».

وبشأن تأثير الدعاوى على سلوك المستخدمين، أكدت عبد الغني أنه «عندما تزداد التهديدات بحظر المنصات العامة، يميل الناس سلوكياً نحو التطبيقات التي توفر خصوصية أعلى وتصعب مراقبتها أو حظرها بسهولة... وقد يدفع هذا إلى الهجرة الجماعية وتنويع المنصات»، موضحة أن «الجمهور قد يتجه لفتح حسابات احتياطية على منصات بديلة».

جدير بالذكر، أن هذه الإجراءات تتزامن مع خطوات لحظر استخدام الأطفال منصات التواصل الاجتماعي في دول عدة، حيث وافق البرلمان البرتغالي، الأسبوع الماضي، على مشروع قانون يفرض الموافقة الصريحة للوالدين قبل استخدام الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي. وأيّد مجلس النواب الفرنسي الشهر الماضي تشريعاً يحظر على الأطفال دون سن 15 سنة استخدام المنصات. وكانت أستراليا قد طبّقت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي الحظر الأول من نوعه في العالم لمن هم دون سن 16 سنة.

وهنا يرى الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، معتز نادي، أن «الأطفال ورقة رابحة لكل من اليمين واليسار، سواءً في أوروبا أو المعسكرين الديمقراطي والجمهوري في أميركا». إذ أفاد في لقاء مع «الشرق الأوسط» بأن «إثارة مثل هذه القضية يخدم التوجهات السياسية لتلك الأطراف».

وعدَّ نادي الدعاوى القضائية في أميركا «فرصةً للضغط على شركات التواصل الاجتماعي التي باتت في هدنة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ وصوله للولاية الثانية». وتابع: «أي تحرّك قضائي سيُلزم المنصّات بالكشف عن وثائقها من خلال أمر المحكمة»، مشيراً إلى أن «المنصات في سبيلها لمواجهة هذه الدعاوى قد تعلن عن تحديثات في سياسات عملها لحماية الأطفال بإعدادات افتراضية تمنع أي محاولة إدمان في حال ثبتت التهمة على المنصات».

ومن ثم، توقع نادي أن يكون الأمر «أشبه بالتحذير المكتوب على علب السجائر، بمعنى أن الطفل قد يرى تحذيراً من قبيل الاستمرار في التمرير والمتابعة قد يؤدي للإدمان».