مئات الضحايا في قمع الاحتلال «مسيرة العودة» في «يوم الأرض»

مقتل 17 فلسطينياً وإصابة أكثر من ألف آخرين على حدود قطاع غزة مع إسرائيل

مواجهات بين الفلسطينيين وجنود الاحتلال شرق مدينة غزة أمس (أ.ب)
مواجهات بين الفلسطينيين وجنود الاحتلال شرق مدينة غزة أمس (أ.ب)
TT

مئات الضحايا في قمع الاحتلال «مسيرة العودة» في «يوم الأرض»

مواجهات بين الفلسطينيين وجنود الاحتلال شرق مدينة غزة أمس (أ.ب)
مواجهات بين الفلسطينيين وجنود الاحتلال شرق مدينة غزة أمس (أ.ب)

شهدت المناطق الفلسطينية، ولا سيما حدود قطاع غزة مع إسرائيل، يوماً دامياً أمس، قُتل فيه ما لا يقل عن 17 فلسطينياً، وأصيب أكثر من 1200 بجروح، في واحد من أسوأ أيام المواجهات مع قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ شهور. ووقعت المواجهات خلال احتفال الفلسطينيين بـ«يوم الأرض» في القطاع والضفة وبقية مناطقهم في إسرائيل، لكن أكثرها دموية كان خلال تنظيم «مسيرة عودة» سلمية قرب السياج الحدودي الفاصل بين غزة وإسرائيل، التي أغرقها رصاص الاحتلال في بحر من الدماء.
وأعلنت «الهيئة الوطنية العليا لمسيرة العودة» التي تضم «حماس» وكافة الفصائل الفلسطينية، مساء الجمعة، انتهاء اليوم الأول لـ«مسيرة العودة»، داعية المتظاهرين إلى التراجع نحو الخيم التي إقامتها في المواقع الخمسة التي تبعد مئات الأمتار عن الحدود بين إسرائيل وقطاع غزة، بحسب ما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية. وقال خالد البطش، رئيس الهيئة، في مؤتمر صحافي بمشاركة إسماعيل رضوان، القيادي في «حماس»: «نعلن انتهاء فعاليات اليوم الأول، وندعو جماهير شعبنا للعودة إلى الاعتصام والتخييم في الأماكن المحددة».
وأقام منظمو هذه المسيرة عشرات الخيم في خمسة مواقع تقع على بعد نحو سبعمائة متر عن الحدود مع إسرائيل، حيث اندلعت الجمعة مواجهات عنيفة وواسعة قتل خلالها 17 فلسطينياً وأصيب نحو 1200.
وأضاف البطش «نعلن أن اليوم هو يوم البداية، وسنواصل الاعتصام والتظاهر، وندعو شعبنا إلى الاستمرار وصولاً إلى يوم الزحف العظيم في 15 مايو (أيار) (لمناسبة الذكرى السبعين للنكبة)».
وقالت وزارة الصحة في قطاع غزة، إن 15 فلسطينياً قُتلوا في المواجهات، في حين أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قتل اثنين آخرين حاولا تنفيذ هجوم مسلح قرب الحدود، وهو الأمر الذي لم تعلق عليه أي جهة فلسطينية حتى مساء أمس.
وأشارت وزارة الصحة في غزة إلى أربعة قتلى من سكان مناطق شمال القطاع، وثلاثة آخرين من سكان مدينة غزة، وآخر من وسط القطاع، وثلاثة آخرين من خان يونس، إلى جانب قتيل من رفح جنوب القطاع.
وسقط أول قتيل فلسطيني في قصف مدفعي استهدفه خلال تواجده في أرضه الزراعية شرق مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة في ساعة مبكرة من فجر الجمعة. حيث كان يقوم بحراستها ليلاً قبل أن يتم استهدافه بقذيفة مدفعية. وقالت مصادر لـ«الشرق الأوسط»، إن اثنين من مجمل عدد القتلى أمس هما من عناصر «كتائب القسام» الجناح العسكري لحركة «حماس»، وقتلا برصاص قناصة الجيش الإسرائيلي، مشيرة إلى أن القتيلين هما جهاد فرينة وأحمد عودة، لكن «كتائب القسام» لم تصدر نعياً لهما.
وذكرت الوزارة، أن عدداً كبيراً من الجرحى تعرضوا لإطلاق نار متعمد من قناصة جيش الاحتلال في الأجزاء العلوية من أجسادهم؛ ما أدى إلى إصابة عدد منهم بجروح ما بين الحرجة والخطيرة، وبخاصة في الرأس والرقبة والصدر. وأشارت إلى أنها أجرت استعدادات مسبقة لتقديم العلاج لعدد كبير من الجرحى ميدانياً، لكنها أقرت بأن العدد الكبير من الشهداء والجرحى تسبب في نقص بالمعدات الطبية والأدوية المختلفة لعلاج المصابين. وناشدت الجهات المانحة توفير الأدوية والمواد الطبية الخاصة بأقسام الطوارئ والعمليات الجراحية والعناية المركزة بشكل عاجل.
وتوافد أكثر من 30 ألف فلسطيني إلى الحدود للمشاركة في تلك المسيرات، رافعين الأعلام الفلسطينية، ومرددين شعارات تؤكد على حق العودة إلى أراضيهم المحتلة عام 1948. في حين أظهرت صور نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية، أن المئات من الجنود الإسرائيليين وصلوا بحافلات إلى الجانب الآخر من الحدود، وسط انتشار عشرات القناصة والضباط الكبار من الجيش لمتابعة ما يجري على الأرض وعن قرب. كما نُشرت صور أخرى تظهر استخدام الجيش الإسرائيلي طائرات «دورون» صغيرة تلقي قنابل تتسبب في حرقة بالعيون وتلف في أعصاب الجسد في حال استنشاق الدخان المنبعث منها؛ ما زاد من عدد الجرحى في المناطق الحدودية. وحاول الاحتلال التشويش على بث وسائل الإعلام من المناطق الحدودية، كما عمل على تشويش الاتصالات وإرسال رسائل للمشاركين بعدم الاقتراب من السياج الأمني.
واتهم إيال زامير، قائد المنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي، حركة «حماس» بالزج بالفلسطينيين إلى الموت، واستغلال المظاهرات الشعبية لمحاولة وضع عبوات ناسفة على السياج الأمني والإضرار بالجنود، في حين قال الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، إن جميع القتلى حاولوا الإضرار بالسياج الأمني وجميعهم من البالغين عمراً، مشيراً إلى أن قواته قامت بقتل فلسطينيين آخرين أطلقا النار من أسلحة رشاشة صغيرة تجاه الجنود، دون أن تقع أي إصابات في صفوف قوات الجيش التي ردت بقتلهم وقصف مواقع لـ«حماس» في المنطقة.
وأطلقت المدفعية الإسرائيلية ثلاث قذائف تجاه نقطة رصد لـ«كتائب القسام» شرق منطقة جحر الديك بعد تبادل لإطلاق النار بين مسلحين وقوات الجيش في تلك المنطقة، دون معرفة مصير المسلحين. وأفيد بأن طواقم طبية حاولت إخلاءهم، إلا أن الاحتلال أطلق النار تجاههم. وقالت مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط» في غزة، إن المسلحين الذين أطلقوا النار تجاه الجيش الإسرائيلي يتبعون حركة «الجهاد الإسلامي».
ولوحظ خلال المسيرات الحدودية مشاركة فاعلة من قيادات «حماس»، وفي مقدمهم إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي للحركة، ويحيى السنوار، رئيس الحركة بغزة، حيث تنقلوا بين الجماهير المحتشدة وصافحوا المشاركين فيها من المسنين والشباب قبل أن يلقوا كلمات حماسية. وقال إسماعيل هنية في كلمة له، إن الشعب الفلسطيني يقود زمام المبادرة ويصنع الحدث من أجل القدس وحق العودة، مشدداً على أن «لا بديل عن فلسطين، ولا حل إلا بالعودة، ولا تنازل عن شبر واحد من هذه الأرض المباركة». واعتبر المشاركة الحاشدة من الجماهير الفلسطينية تأكيداً على «التمسك بالثوابت ورداً على قرار (الرئيس دونالد) ترمب ورفضاً لصفقته»، بحسب ما قال. وأضاف: «الشعب الفلسطيني يؤكد أنه موحَّد في خندق الثوابت، وعلى رأسها حق العودة والقدس ومواجهة الصفقات المشبوهة». وتابع: «غزة رغم المعاناة والحصار تخرج اليوم لحماية الثوابت ومسيرة اليوم هي البداية للعودة إلى كل أرض فلسطين».

مسيرة العودة الكبرى
من جهته، قال يحيى السنوار، قائد «حماس» في غزة، إن مسيرة العودة الكبرى «رسالة من شعبنا الفلسطيني للمحاصرِين بأن يعيدوا حساباتهم، وأنه على العالم أن يلتقط هذه الرسالة»، مبيناً أن الشعب الفلسطيني لن يقبل باستمرار الحصار المفروض عليه. وشدد على أن فعاليات مسيرة العودة الكبرى لن تتوقف وستستمر، مؤكداً أن الشعب الفلسطيني سيعود إلى أراضيه التي هُجر منها. وقال «إن مسيرة العودة ستستمر ولن تتوقف حتى ننطلق في اللحظة الحاسمة التي نقتلع فيها هذه الحدود الزائلة». واعتبر أن الشعب الفلسطيني يدشن اليوم مرحلة جديدة من نضاله وكفاحه الوطني على طريق التحرير والعودة، مشيراً إلى أن مسيرة العودة «تصوّب المسار، وتؤكد أنه لا يمكن التفريط والتنازل».
وأعلنت هيئة تنسيق مسيرة العودة عن انتهاء فعالياتها مساء أمس (الجمعة)، داعية إلى تواصل الاعتصام، وإلى أن يشارك فيه سكان الضفة والقدس وفلسطينيو الداخل والشتات.
وفي الضفة الغربية، أصيب عشرات الفلسطينيين في مسيرات حاشدة شهدتها مدن وبلدات في الضفة الغربية ضمن المسيرات الأسبوعية كل يوم جمعة؛ احتجاجاً على القرار الأميركي بشأن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. واشتبك فلسطينيون غاضبون مع الجنود الإسرائيليين في رام الله والبيرة وفي قرية بدرس غرب رام الله وفي قرية قصرة جنوب شرقي نابلس، وأمام الحرم الإبراهيمي في الخليل، وفي قرية كفر قدوم شرق محافظة قلقيلية. ورشق المتظاهرون الجنود بالحجارة والزجاجات الفارغة، في حين أطلق الإسرائيليون الرصاص الحي والمطاطي وقنابل الغاز والصوت.
واتهمت السلطة الفلسطينية إسرائيل باستخدام سياسة الإعدام الميداني ضد المتظاهرين العزل في قطاع غزة، وحمّلت الحكومة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عن ذلك. وأدان أمين سر اللجة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، صائب عريقات «العدوان الإسرائيلي المدروس، وعمليات الإعدام الميداني على الحراك السلمي والحضاري لأبناء شعبنا العزّل، وإعدام 10 شهداء وجرح ما يرنو على 1000 جريح (حتى صياغة البيان)، واستهداف المتظاهرين السلميين بالرصاص الحي والقنابل الغازية والصوت، بما في ذلك استهداف الطواقم الطبية». وحمّل عريقات حكومة الاحتلال الإسرائيلية ودول العالم قاطبة «المسؤولية الكاملة عن حياة وسلامة أبناء شعبنا العزّل من المتظاهرين السلميين»، وطالب المجتمع الدولي «بالخروج عن صمته وإداناته اللفظية والتدخل العاجل في اتخاذ الإجراءات الفورية لردع جرائم إسرائيل ووقف مجازرها بحق أبناء شعبنا ومحاسبتها عملاً بأحكام القانون والشرعية الدولية».

الاستعداد الإسرائيلي للمسيرات الفلسطينية
وكانت إسرائيل قد استعدت للمسيرات الفلسطينية بإطلاق حملة إعلامية كبيرة ترافقت مع حشود عسكرية وتهديدات بإطلاق الرصاص على كل من يقترب من الجدار في قطاع غزة تحديداً. وأعلنت أنها نشرت مئات القناصة على طول الحدود لإطلاق الرصاص على كل من يقترب من الشريط الحدودي. ودفعت بقوات كبيرة وأرتال الدبابات والمجنزرات لتتخندق بشكل علني فوق كل مرتفع، وأرسلت إلى الجو طائرات الرصد. وأعلنت كل المناطق المتاخمة للشريط الحدودي منطقة عسكرية مغلقة. ولم تتردد في إطلاق الرصاص الكثيف بهدف الإصابة، فضلاً عن الآلاف من قنابل الغاز المسيل للدموع. وزعمت أنها تخشى من قيام «حماس» باستغلال الفوضى العارمة لتنفيذ عمليات تفجير كبيرة ضد الإسرائيليين. وقام رئيس أركان الجيش، غابي ايزنكوت، بالإشراف شخصياً على ممارسات جنوده لقمع المسيرات.
واستخدم مسؤولون أمنيون رفيعو المستوى، على رأسهم وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، والناطقان بلسان الجيش والحكومة، اللغة العربية لمخاطبة الفلسطينيين في قطاع غزة لثنيهم عن المشاركة في المسيرة. وكثفت إسرائيل أيضاً مساعيها الإعلامية والدبلوماسية لسحب الشرعية من فعاليات مسيرة العودة الكبرى، ولتحميل حركة «حماس» مسؤولية المسيرة، وما سيترتب عليها من مواجهات وإصابات.
وتوجه كل من ليبرمان ومنسق عمليات الحكومة في المناطق المحتلة، يوآف مردخاي، والمتحدث باسم رئيس الحكومة، أوفير جندلمان، والناطق بلسان الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، باللغة العربية لكتابة منشورات على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي في محاولة للتأثير على الفلسطينيين، ومنعهم من الخروج في المسيرة. وشاركوا في فيديوهات تحريضية وترهيبية، تُظهر الجيش يطلق الرصاص على فلسطيني، وشاركوا في نشر فيديو آخر يُظهر مسلحين قرب الحدود لتبرير أعمال القتل، كما ركزوا على تسمية مسيرة العودة الكبرى «مسيرة الفوضى» واستخدام وسم «حماس تستغلكم» وكتابة المنشورات بهذه الروح. وكتب ليبرمان على صفحته في «تويتر»: «إلى سكان قطاع غزة: قيادة حماس تغامر في حياتكم. كل من يقترب من الجدار يعرّض حياته للخطر. أنصحكم مواصلة حياتكم العادية والطبيعية وعدم المشاركة في الاستفزاز».

«مش حرام؟»
ونشر جندلمان شريطين مصورين يومي أمس وأول من أمس، في أحدهما هدد الفلسطينيين بإطلاق الرصاص الحي عليهم مثل الشخص الذي يظهر في الفيديو وهو يتلقى رصاصة من الجنود، وفي نهاية الفيديو تظهر كلمات «حماس ترسلكم للمظاهرات وتعرّض حياتكم للخطر». وكتب معلقاً على صفحته في «فيسبوك» «مش حرام؟ هذا أقل ما سيواجه كل من يحاول أن يجتاز الجدار الأمني الفاصل بين قطاع غزة وإسرائيل. كما يعلم كل فلسطيني في قطاع غزة، حماس لا ترسل أبناء قادتها إلى الجدار وهي تعلم جيداً لماذا. لا تنجروا وراء محاولاتها لاستغلالكم من خلال مسيرة الفوضى. أعذر من أنذر».
ونشر فيديو آخر قبل ظهر أمس، زعم فيه أن مسلحين من «حماس» يتواجدون قرب الجدار الحدودي العازل، في مسعى لتبرير إطلاق الرصاص القاتل ضد الفلسطينيين. وكتب جندلمان معلقاً على الفيديو: «إرهابيون مسلحون ينتمون لحماس وقفوا قبل قليل قرب الجدار الأمني الفاصل بين قطاع غزة وإسرائيل في إطار مسيرة الفوضى التي ترسل آلاف الفلسطينيين، بعضهم يحملون السلاح، ليجتازوا الجدار من أجل التسلل إلى أراضينا. لكل دولة الحق بحماية حدودها وهذا ما نفعل». بدوره، كتب أدرعي على صفحته: «مش باصات سلمية ولا باصات مخيم صيفي مثل باصات الطلاب في القاهرة، بل هي باصات الفوضى التي ستجلب الأطفال والنساء إلى ساحة قتال بينما سيبقى قادة الحركة في منازل تتمتع بكهرباء على مدار الساعة».



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.