بايع «أبو الوليد الصحراوي» تنظيم داعش عام 2015، معلناً تأسيس ما سماه «تنظيم الدولة في الصحراء الكبرى»، إلا أنه بقي معزولاً لعدة سنوات على هامش الأحداث في منطقة نفوذ تقليدي لتنظيم «القاعدة»، قبل أن تتغير خريطة نفوذ التنظيمات الإرهابية في الساحل الأفريقي، بسبب عودة آلاف المقاتلين من جبهات القتال في سوريا والعراق وليبيا إلى الساحل الأفريقي.
لقد كان مقتل 3 جنود أميركيين في كمين على الحدود بين مالي والنيجر، مطلع شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي (2017)، هو الطلقة الأولى التي أثارت انتباه المراقبين، وأظهرت أن لاعباً جديداً دخل الساحة وقد يقلب الموازين في منطقة أصبحت مرتعاً لمختلف أنواع التنظيمات الإرهابية، وتبنى «تنظيم داعش في الصحراء الكبرى» قتل الجنود الأميركيين، في عملية حملت بصمات جديدة.
حتى مطلع العام الحالي لم يكن «تنظيم داعش في الصحراء الكبرى» مدرجاً على قائمة الإرهاب لدى الولايات المتحدة الأميركية، أما اليوم فقد أصبح المسؤولون الأميركيون يتحدثون عنه ويحذرون منه، والجهات الرسمية في أفريقيا دقت ناقوس الخطر نهاية العام الماضي، وقدر الاتحاد الأفريقي بأن نحو 6 آلاف مقاتل داعشي، في طريقهم نحو منطقة الساحل الأفريقي.
وفي ظل تزايد التقارير والتحذيرات الرسمية من خطر هؤلاء المقاتلين، يبقى هنالك تعتيم كبير على حقيقة الوضع، وفي هذا السياق، يقول عثمان أغ محمد عثمان، وهو صحافي مقيم في النيجر ومالي ومتابع عن قرب للقضايا الأمنية في منطقة الساحل الأفريقي: «الجهات الأمنية والحكومية لم تخرج حتى الآن من دائرة التعبير عن القلق والمخاوف، لقد بحثنا عن معلومات بشأن تعاملها مع هؤلاء المقاتلين، وهل تملك معلومات دقيقة عن عددهم ومستوى تسليحهم وخطورتهم، فلم نجد لديهم سوى المخاوف والقلق».
يضيف محمد عثمان في حديثه مع «الشرق الأوسط»، أن عودة المقاتلين القادمين من سوريا والعراق «غيرت خريطة التنظيمات الجهادية في منطقة الساحل الأفريقي»، وأضاف: «على سبيل المثال جماعة أبو الوليد الصحراوي (تنظيم داعش في الصحراء الكبرى)، أظهرت أخيراً تحسناً كبيراً في مستوى ونوعية عملياتها، وذلك نتيجة مباشرة لتحسن علاقتها مع داعش».
ويوضح محمد عثمان أن «أبو الوليد الصحراوي بايع داعش منذ أكثر من 3 سنوات، وكانت عملياته محدودة القوة والتأثير، كما لم يكن يعلن مسؤوليته عنها لانعدام وسيلة تواصل مباشرة مع داعش، أما اليوم فقد أصبح يتبنى العمليات ويوقعها باسم (جند الخلافة)، هذا التغير الجذري لا يمكن تفسيره إلا من خلال وصول مقاتلين قادمين من الموصل، منحوا الرجل القوة والثقة».
البعض يتحدث عن تخطيط «داعش» لدخول منطقة الساحل الأفريقي من أجل «فتح» منافذ جديدة، خصوصاً أن هذه المنطقة تعد اليوم في قلب اهتمام شبكات تهريب البشر والسلاح والمخدرات، وتقدر الأموال العائدة من مثل هذه الأنشطة بمليارات الدولار سنوياً. وسبق أن أوضح عبد الحق خيام، مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية في المغرب، في تصريحات صحافية نشرتها صحيفة «لوموند» الفرنسية أن تنظيم داعش «لم يختفِ، وإنما نقل مكان تمركزه إلى منطقة الساحل والصحراء»، ولم يستبعد المسؤول الأمني المغربي إمكانية حدوث تنسيق بين «القاعدة» و«داعش» في منطقة الساحل الأفريقي. وقال: «إن ذلك هو الخطر، لا تنسوا أن تنظيم (القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي) لا يزال يسيطر على مناطق من جنوب الجزائر وشمال مالي، وعلى الرغم من الخلافات الآيديولوجية (ما بين التنظيمين) فإنهما يدافعان عن الفكر نفسه».
وبحسب الخبراء، يبدو واضحاً أن دخول «داعش» منطقة نفوذ تقليدي لتنظيم القاعدة يفتح الباب على مصراعيه أمام جميع الاحتمالات، خصوصاً إذا عرفنا أن المقاتلين العائدين من مناطق نفوذ «داعش» لم ينضموا جميعهم إلى جماعة «أبو الوليد الصحراوي» المبايعة لـ«داعش»، وإنما ذهب عدد كبير منهم إلى جماعة «المرابطون» التي يقودها الجزائري مختار بلمختار، المكنى بخالد أبو العباس، والمعروف بلقب «الأعور».
في هذا السياق يقول مارك ميميير، وهو باحث فرنسي مختص في قضايا الأمن والإرهاب في منطقة الساحل وشمال أفريقيا، إن «الهزيمة التي لحقت بتنظيم داعش في ليبيا وسوريا والعراق، انعكست بشكل إيجابي على تنظيم القاعدة»، وأضاف ميميير في بحث صادر عن المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية: «بعد هزيمة داعش في سرت الليبية، وتراجع مقاتليها نحو الجنوب الليبي، تقارب كثير من قادتها مع جماعة (المرابطون) التي يقودها الجزائري مختار بلمختار، الذي التحق به أيضاً عدد من مقاتلي داعش الذين ينحدرون من دول المغرب العربي، بعد عودتهم من جبهات القتال في سوريا والعراق». وفسر الباحث الفرنسي التحاق مقاتلي «داعش» من جنسيات مغاربية بجماعة «المرابطون» التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، بالسمعة التي يتمتع بها التنظيم في شبه المنطقة على عكس «داعش»، بالإضافة إلى أن الجزائري مختار بلمختار يحظى بتقدير كبير في الأوساط المتطرفة، ويعد اليوم الوجه الإرهابي الأكثر نفوذاً في الساحل الأفريقي، على عكس «أبو الوليد الصحراوي» الذي لا يزال يتلمس بدايات طريقه.
ويضيف الباحث الفرنسي مارك ميميير أن الظروف التي عاشها تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» خلال السنوات الماضية، والتي تتمثل في حرب شرسة تخوضها الجيوش الفرنسية والأفريقية ضده، والصعود القوي لتنظيم داعش، كلها أثبتت أن التنظيم يملك «قدرة كبيرة على التأقلم وإعادة التنظيم والانتشار في مناطق جديدة، وبالتالي فليس من الغريب أن يتوجه آلاف من مقاتلي داعش، إلى منطقة الساحل الأفريقي، رغبة في مواصلة الجهاد، تحت رايته».
ولكن فرضية التنسيق بين «داعش» و«القاعدة» في منطقة الساحل الأفريقي تبدو مستبعدة لدى الصحافي المالي أبو بكر صديقي ديارا، وهو المدير الناشر لصحيفة «لوسانتينيل» التي تصدر في العاصمة المالية باماكو، حين قال إن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي قام في العامين الأخيرين بخطوات توضح مدى تخوفه من دخول «داعش» لمناطق نفوذه، وفي مقدمة تلك الخطوات تشكيل «تحالف إرهابي» هو الأول من نوعه في المنطقة حين اندمجت 4 جماعات تحت راية جماعة جديدة تحمل اسم «نصرة الإسلام والمسلمين»، أصبحت تشن هجمات قوية ضد الفرنسيين والأفارقة والماليين، كان آخرها الهجوم على مقر قيادة الجيش والسفارة الفرنسية في مدينة واغادوغو، عاصمة بوركينا فاسو.
وقال ديارا لـ«الشرق الأوسط» إن التحالف الجديد «هو نتيجة مباشرة لقرار (داعش) التمركز في الساحل الأفريقي بعد أن خسر الحرب الدائرة في سوريا والعراق، والخسائر الكبيرة التي لحقت به، ويأتي تشكيل القاعدة لهذا التحالف الإرهابي ليرتبط أكثر بما يجري في العراق وسوريا، منه بالأحداث التي تعيشها دولة مالي ومنطقة الساحل الأفريقي».
في غضون ذلك، يشير الصحافي المالي إلى أن «داعش» سبق أن قام قبل عدة أعوام، بحملات لاكتتاب عدد من المقاتلين ينحدرون من دول الساحل الأفريقي، وخصوصاً من مالي، وذلك مقابل 1000 دولار أميركي في الشهر، للقتال في ليبيا، ويضيف الصحافي المالي: «بالإضافة إلى التهديدات الأمنية التي يشكلها هؤلاء المقاتلون، فنحن على موعد مع حرب طاحنة وشرسة بين داعش والقاعدة».
الصحافي عثمان أغ محمد عثمان في حديثه مع «الشرق الأوسط»، يعتقد أن هذه الحرب بدأت بالفعل تلوح بوادرها في الأفق، مشيراً إلى حملة تصفيات طالت بعض زعماء الطوارق المنخرطين في التنظيمات الجهادية في شمال مالي، خصوصاً تلك المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، معتبراً أن تصفية هذه القيادات جاءت بعد تسريب معلومات استخباراتية بخصوص مواقعهم للفرنسيين، وهو ما جاء نتيجة لتصفية حسابات داخل هذه التنظيمات المتطرفة.
ويضيف محمد عثمان: «هنالك معلومات تشير إلى أن قيادياً بارزاً من الطوارق انشق عن القاعدة والتحق بداعش، وإذا تأكدت هذه المعلومات فنحن أمام تغير جذري في الخريطة الجهادية في منطقة الساحل الأفريقي، وهذا التغير لن يتم من دون إراقة كثير من الدماء».
ولكن المراقبين يتحدثون عن استفادة فرنسية واضحة من الصراع الدائر بين الجماعات الإرهابية لكسب النفوذ، كما أن جماعات مسلحة محلية (غير مؤدلجة) دخلت على الخط من جانبها، وشنت بالتعاون مع الفرنسيين حملة عسكرية واسعة في الغابات الواقعة على الحدود بين مالي والنيجر، وتقول الأنباء الواردة من تلك المنطقة إن قاعدة خلفية تابعة لتنظيم «داعش في الصحراء الكبرى» قد تم تدميرها بالكامل خلال الأسابيع الماضية، وإن الفرنسيين كانوا على وشك اعتقال أو قتل زعيم التنظيم «أبو الوليد الصحراوي»، إذ أكد بعض الأسرى أنه غادر المخيم قبل الهجوم بدقائق.
ويوضح استهداف الفرنسيين للغابات التي يتمركز فيها مقاتلو «تنظيم داعش في الصحراء الكبرى» أنها أصبحت بالفعل تشكل تهديداً جدياً، وربما كان يتمركز فيها مقاتلون أجانب قادمون من الموصل العراقية أو سرت الليبية، أنباء رفض الفرنسيون التعليق عليها، ونفتها الجهات الرسمية في مالي والنيجر، بينما يقول الخبراء إن التعتيم على ما يجري يثير كثيراً من الشكوك.
«العائدون من داعش»... لاعب جديد في الساحل الأفريقي
المتطرفون في الصحراء الكبرى أظهروا تحسناً كبيراً في مستوى العمليات ونوعيتها
استنفار أمني في بوركينا فاسو عقب شن «القاعدة» هجوماً إرهابياً على السفارة الفرنسية في العاصمة واغادوغو في فبراير الماضي (أ.ف.ب)
«العائدون من داعش»... لاعب جديد في الساحل الأفريقي
استنفار أمني في بوركينا فاسو عقب شن «القاعدة» هجوماً إرهابياً على السفارة الفرنسية في العاصمة واغادوغو في فبراير الماضي (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

