صفقة جديدة حول دوما وتل رفعت لـ«توزيع سوريا»

مفاوضات مباشرة بين أنقرة وموسكو وفصائل معارضة

عنصر تابع لقوات النظام السوري يراقب تل رفعت أمس (أ.ف.ب)
عنصر تابع لقوات النظام السوري يراقب تل رفعت أمس (أ.ف.ب)
TT

صفقة جديدة حول دوما وتل رفعت لـ«توزيع سوريا»

عنصر تابع لقوات النظام السوري يراقب تل رفعت أمس (أ.ف.ب)
عنصر تابع لقوات النظام السوري يراقب تل رفعت أمس (أ.ف.ب)

المفاوضات المباشرة بين الجيش الروسي و«جيش الإسلام» محتدمة لمستقبل دوما في غوطة دمشق. كما أن المحادثات بين الجيشين الروس والتركي مكثفة لتقرير مستقبل تل رفعت في ريف حلب، ما ذكر بالمفاوضات غير المباشرة سابقاً لتقرير مستقبل القطاع الجنوبي من الغوطة بالتزامن مع تقدم قوات «غصن الزيتون» التركية من مركز عفرين، شمال حلب، الأمر الذي أوحى بأن عمليات توزيع قطع سوريا بين القوى الخارجية مستمرة.
وإذ تجري مفاوضات مستقبل دوما على وقع تعزيز الحكومة السورية قواتها حول المدينة مع أنباء عن نية روسيا قيادة هذه العملية، فإن الحديث بات يتناول «مرحلة ما بعد الغوطة» وما إذا كانت ستنتقل قوات الحكومة وروسيا أولاً للهجوم على «الجيب المعزول» في ريف حمص أولاً أم إلى «هدنة الجنوب» حيث تقوم ترتيبات روسية - أميركية - أردنية، مع وجود قناعة بأن مرحلة شرق نهر الفرات مؤجلة إلى مرحلة بعيدة، بسبب القرار السياسي الأميركي بـ«البقاء إلى أجل مفتوح».
وتحت وطأة خسارة القطاع الجنوبي وتهجير آلاف المقاتلين من «فيلق الرحمن» و«أحرار الشام» من شرق دمشق إلى الشمال، دخل «جيش الإسلام» مفاوضات مباشرة مع الجيش الروسي لتقرير مصير آخر جيب للمعارضة شرق العاصمة. وبحسب المعلومات، فإن هناك الكثير من التعقيدات في هذه المفاوضات حيث سعى ضباط مصريون للوصول إلى تسوية ما استكمالاً لدورهم في عقد اتفاق «خفض التصعيد» صيف العام الماضي.
«جيش الإسلام» يريد البقاء في دوما بسلاحه ومؤسساته المدنية مع وقف للنار مع دمشق، مقابل السماح بوجود رمزي لمؤسسات الدولة وصولاً إلى تحول مقاتلين معارضين إلى قوات شرطة والتخلص من السلاح الثقيل وإيجاد صيغة للتعاطي مع الخدمة الإلزامية للشباب في دوما بـ«حماية روسية» مع «إصدار عفو عام»، والسماح بحرية الحركة من وإلى المنطقة.
لكن الجانب الروسي، الذي كان يبدي بعض المرونة، بات ميالاً إلى التشدد والاقتراب من موقف دمشق وخيّر «جيش الإسلام» الذي يضم نحو ثمانية آلاف مقاتل بين «الهجوم العسكري أو اللحاق بركب المناطق الأخرى والموافقة على الإجلاء».
وبرزت عقدة أخرى هنا، هي الوجهة التي يمكن أن يذهب إليها بعض قيادات «جيش الإسلام»، ذلك أنهم يرفضون الذهاب إلى إدلب بسبب المعارك السابقة بين «جيش الإسلام» و«جبهة النصرة» التي تلعب دوراً أساسيّاً في «هيئة تحرير الشام» في إدلب. كما أن أنقرة وفصائل متحالفة معها رفضت استقبال قيادات من «جيش الإسلام» بسبب اعتراض تركي على عقد فصائل اتفاقات عقد التصعيد مع روسيا برعاية مصرية.
عقدة وجهة المقاتلين المهجرين من الغوطة برزت قبل يومين، إذ إن فصائل «درع الفرات» التي تسيطر بدعم تركي على مناطق بين الباب وجرابلس في ريف حلب، رفضت استقبال «فيلق الرحمن» الذي كان ينسق مع «النصرة» في وسط وجنوب الغوطة. ونقل عن قيادي معارض قوله: «يجري الحديث عن استقبال ألفي مقاتل وعائلاتهم في درع الفرات، لكن التخوف أن يدعو فيلق الرحمن موالين من إدلب إلى مناطق درعا الفرات لاحقاً».
كما تخوفت فصائل إسلامية و«معتدلة» من انتقال مقاتلين من «فيلق الرحمن» و«النصرة» إلى إدلب لاعتقاد هذه الفصائل أن وصول مقاتلين جدد سيرجح الكفة لصالة «هيئة تحرير الشام» في أي مواجهة مقبلة بين فصائل إسلامية في ريف إدلب. وخرج أكثر من 19 ألف شخص من البلدات الجنوبية للغوطة فقط، بعدما كان تم إجلاء أكثر من 4500 من حرستا. وهناك توقعات بأن يصل العدد إلى 30 ألفاً.
وأمام هذا الواقع بدا أن إحدى المناطق التي يمكن أن يذهب إليها قياديون أو مقاتلون من «جيش الإسلام» هي زاوية أرياف درعا - السويداء - القنيطرة التي تسود فيها اتفاقية «خفض التصعيد» بتفاهم أميركي - روسي - أردني.
ويتزامن هذا الخيار مع بدء إرسال قوات الحكومة بعض التعزيزات إلى الجنوب للتلويح بإمكان الذهاب إليه بعد الغوطة. لكن مسؤولين غربيين ودوليين قالوا: «دمشق تضغط على موسكو للذهاب إلى شن هجوم على جيب ريف حمص في الرستن وتلبسية»، وهي المنطقة التي كان جرى التوصل في القاهرة مع روسيا لاتفاق «خفض التصعيد». وأوضح دبلوماسي: «معركة حمص سهلة وتقع ضمن سوريا المفيدة لدمشق، على عكس جنوب البلاد».
وكانت أميركا وروسيا والأردن توصلوا إلى «هدنة الجنوب» نصت على التزام أميركا بأن تقاتل فصائل «الجيش الحر» التي تضم 35 ألف مقاتل «جبهة النصرة» و«جيش خالد» التابع لـ«داعش» مقابل التزام روسيا بإبعاد «قوات غير سورية» في إشارة إلى «حركة النجباء» و«حزب الله» عن الجنوب في مرحلتين: الأولى بين 5 و15 كيلومتراً والثانية وراء 20 كيلومتراً.
وبحسب مسؤول غربي: «كلما راجعت أميركا روسيا إزاء تنفيذ التزاماتها لإبعاد ميلشيات إيران تطالب موسكو واشنطن بقتال (النصرة)».
عليه، بقي الموضوع معلقاً مع التزام الأطراف وقف النار. وتم خرق الهدنة مرات عدة الأسبوع الماضي من قوات الحكومة. وجرت لقاءات أميركية - روسية في عمان لعودة الأطراف إلى التزام الهدنة. وهناك اعتقاد بأن دمشق تضغط لتحسين الموقف التفاوضي للوصول إلى ترتيبات جديدة، خصوصاً وسط رغبة الأردن بإعادة تشغيل معبر نصيب ورفع العلم الرسمي.
عليه، فإن المرجح هو أن تكون المعركة المقبلة في «جيب» حمص. واستعجل «جيش التوحيد» و«هيئة التفاوض» في حمص الاتصال بأنقرة للوصول إلى تسوية تبعد ريف حمص عن المعارك ونشر نقاط مراقبة تركية شمال حمص. لكن أنقرة لا تزال إلى الآن تعطي أولوية لقضم ريف حلب بعد عفرين.
وبحسب المعلومات، فإن المفاوضات جارية بين الجيشين الروسي والتركي للاتفاق على آلية تسليم تل رفعت إلى أنقرة والاتفاق على خرائط انتشار فصائل معارضة والجيش التركي هناك. وقال مصدر مطلع: «هناك اتفاق على تسليم تل رفعت إلى تركيا، وإن قوات النظام انسحبت من أطراف مطار منغ ومناطق في تل رفعت، وإن الخلاف هو حول مستقبل وحدات حماية الشعب الكردية». ونفى مصدر كردي حصول أي تقدم للجيش التركي في تل رفعت، قائلاً: «الأمر على حاله هي في أيدي النظام وليس الوحدات الكردية التي تركز على حرب كر وفر في عفرين».
وبعد سيطرتها على 2100 كيلومتر مربع في مناطق «درع الفرات» وألف كيلومتر في مناطق عفرين، ترتفع مناطق سيطرة تركيا بعد القبض على تل رفعت لتضاف إلى مناطق أخرى في ريفي إدلب وحماة، حيث نشر الجيش التركي 13 نقطة مراقبة. في المقابل، تسيطر قوات الحكومة على نصف مساحة سوريا مقابل سيطرة حلفاء واشنطن على ثلث سوريا شرق نهر الفرات.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.