العالم يترقب ميلاد «سوبر أوبك» على يد السعودية وروسيا

التحالف المقبل طويل المدى من شأنه التحكم في نصف إنتاج العالم النفطي

وزير الطاقة السعودي خالد الفالح يتحدث خلال مؤتمر صحافي سابق مع نظيره الروسي الكسندر نوفاك في الرياض (أ.ف.ب)
وزير الطاقة السعودي خالد الفالح يتحدث خلال مؤتمر صحافي سابق مع نظيره الروسي الكسندر نوفاك في الرياض (أ.ف.ب)
TT

العالم يترقب ميلاد «سوبر أوبك» على يد السعودية وروسيا

وزير الطاقة السعودي خالد الفالح يتحدث خلال مؤتمر صحافي سابق مع نظيره الروسي الكسندر نوفاك في الرياض (أ.ف.ب)
وزير الطاقة السعودي خالد الفالح يتحدث خلال مؤتمر صحافي سابق مع نظيره الروسي الكسندر نوفاك في الرياض (أ.ف.ب)

للتحالف المكون من 24 دولة، الذي أنشأته منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) والدول خارجها في أواخر عام 2016 أسماء كثيرة في الصناعة... فهناك من يسمي التحالف «أوبك وحلفاءها» وهناك من يطلق عليه «أوبك+».
ولأن التحالف كان من المفترض أن يستمر لعام أو عامين على الأكثر عندما تم إنشاؤه، لم يكن هناك أي حاجة لأن يتم تأطيره بشكل مؤسساتي. ولكن نظراً للنتائج العظيمة التي حققها هذا التحالف الذي تقوده السعودية وروسيا أكبر بلدين منتجين للنفط الخام في العالم حتى العام الماضي، فإن الجميع الآن يسعى لاستمرار هذا التحالف.
وإذا ما استمر التحالف لمدة أطول باتفاقية جديدة إطارية طويلة المدى، فإن ذلك يعني مولد مؤسسة جديدة على مستوى العالم، ولن تكون تحت مظلة «أوبك»، لأنه من الواضح أن روسيا والكثير من المنتجين الآخرين لا يسعون للانضمام للمنظمة. هذه المؤسسة الجديدة سوف تكون «سوبر أوبك»، أي «أوبك» وكبار المنتجين في العالم.
وتتحكم «أوبك» في 40 في المائة من إنتاج النفط العالمي اليومي تقريباً، وإذا ما انضمت إليها روسيا وعمان وأذربيجان وكازاخستان، فإن التحالف في صورته المؤسساتية الجديدة قد يتحكم في نصف أو أكثر بقليل من نصف الإنتاج العالمي.
وتحدث كثير من الوزراء في «أوبك»، وحتى وزير الطاقة الروسي إلكسندر نوفاك، عن احتمالية تمديد الاتفاق الحالي لتخفيض الإنتاج العالمي، الذي من المفترض أن ينتهي في أواخر العام الحالي، لمدة أطول وبصورة مختلفة، لا تتضمن فقط خفض الإنتاج، بل التنسيق العام والمشترك. ولا توجد حتى الآن صورة نهائية لهذه المؤسسة الجديدة سوى ما أعلنه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في حوار مع «رويترز»، قبل يومين، بأن السعودية تسعى لجعل التعاون مع روسيا و«أوبك» يستمر لمدة 10 إلى 20 عاماً، وأن هناك اتفاقاً حول الخطوط العريضة للتعاون طويل الأمد.
ولم تعلن روسيا عن أي تفاصيل سوى ما صرح به متحدث باسم الكرملين، أمس (الأربعاء) أن روسيا والسعودية تناقشان «مجموعة واسعة من الخيارات» بشأن التعاون في سوق النفط العالمية. وكان المتحدث ديمتري بيسكوف يعلق على تصريحات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
وبالأمس، كذلك قال محمد باركيندو الأمين العام لمنظمة «أوبك» في مؤتمر نفطي في بغداد إن المنظمة تتطلع إلى التعاون «لأمد طويل جدّاً» مع مصدري النفط الآخرين. وكان باركيندو كذلك يعلق على تصريحات الأمير محمد بن سلمان بأن السعودية أكبر منتج في أوبك وروسيا غير العضو في المنظمة تعملان صوب اتفاق تاريخي طويل الأجل قد يمدد قيود إمدادات الخام العالمية التي وضعها كبار المصدرين لما يصل إلى 20 عاماً.
وتعاونت روسيا، أكبر منتج للنفط في العالم، مع «أوبك» التي تضم 14 عضواً من قبل لكبح الإمدادات وتعزيز الأسعار في فترات شهدت تخمة في معروض الخام، لكن إذا توصل الجانبان إلى اتفاق مدته بين عشرة أعوام و20 عاماً فسيكون أمراً غير مسبوق.
واتفقت الدول الأعضاء في «أوبك» وروسيا وغيرها من المنتجين خارج المنظمة على خفض الإمدادات منذ يناير (كانون الثاني) 2017، لإعادة توازن السوق النفطية وخفض المخزونات، وإعادتها لمستوياتها الطبيعية حسب متوسط الخمس سنوات الماضية. وأسهم ذلك في رفع أسعار النفط التي هوت من فوق 110 دولارات للبرميل في 2014 إلى ما دون 30 دولاراً للبرميل في 2016.
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جرى تمديد الاتفاق الأصلي، وهو ما رفع الأسعار إلى نحو 70 دولاراً للبرميل. ومن المقرر أن تستمر تخفيضات الإنتاج الحالية حتى نهاية عام 2018.
ويرى مازن السديري، رئيس الأبحاث في «الراجحي كابيتال» - الذراع الاستثمارية لـ«مصرف الراجحي السعودي» - أن وجود روسيا في التحالف بصورته المؤسساتية الجديدة طويلة الأمد أمر مهم بالنسبة للسوق وللسعودية ولروسيا.
فبالنسبة للسوق، فإنها ستضمن وجود جهة تقوم على تنظيمها متى ما احتاج الأمر لذلك. وبالنسبة للسعودية، فإن الأمر مهم لها إذ إنها تتحمل دوماً العبء الأكبر في كل اتفاقية تخفيض للإنتاج، ووجود منتج ضخم آخر يتحمل معها العبء أمر مهم.
أما بالنسبة لروسيا، فيرى السديري أن روسيا هي المستفيد الأكبر، إذ إن هبوط أسعار النفط أثر كثيراً في اقتصادها وميزانيتها، ومع تدهور سعر الصرف للروبل الروسي تآكلت احتياطيات روسيا النقدية، وأصبح من المهم لها أن تحصل على نقد أكثر لدعم عملتها واقتصادها ونظامها المصرفي الذي كان قد دخل فترة صعبة بعد عام 2014 عندما انهارت أسعار النفط.
ولكن لا يزال هناك بعض المحللين يرون أن استمرار روسيا لفترة طويلة جداً أمر صعب. ويقول عبد الصمد العوضي أحد الممثلين الوطنيين السابقين لدولة الكويت في «أوبك»، إن روسيا لديها نظام يختلف عن نظام «أوبك» ويتم إنتاج النفط في البلاد على يد شركات مساهمة تمتلك فيها الدولة حصصاً كبيرة، ولكن هذه الشركات لا تزال تخضع لرغبات المساهمين حتى وإن كانت الكلمة الأخيرة في روسيا للرئيس فلاديمير بوتين.
وقال العوضي إن الضغوط التي تتعرض لها الشركات الروسية من قبل المساهمين تجعلها لا تفكر في الاستمرار في اتفاقيات لخفض الإنتاج لمدد طويلة.
وأضاف العوضي أن السعودية وروسيا لديهما الكثير من الاختلافات حول المواقف السياسية المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط، ولهذا فإن أي اختلافات كبيرة في المواقف السياسية قد لا تجعل التعاون طويل الأمد أمراً ممكناً.
ويبدو أن انخفاض أسعار النفط منذ عام 2014 كان له تأثير كبير على مداخيل روسيا حيث حققت البلاد مبيعات نفطية في عام 2014 قيمتها 154 مليار دولار انخفضت في عام 2015 مع انخفاض أسعار النفط بشكل كبير لتصل إلى 89.5 مليار دولار، بحسب الأرقام الرسمية الصادرة أخيراً.
وفي عام واحد، وهو 2017، حققت روسيا ما يقارب من 20 مليار دولار كدخل إضافي من صادراتها النفطية بعد أن باعت نفطاً بقيمة 93.3 مليار دولار ارتفاعاً من 73.7 مليار دولار في 2016، بعد التحسن الذي شهدته أسعار النفط نتيجة للاتفاق مع «أوبك».
وقال أمين منظمة «أوبك» محمد باركيندو: «بالإضافة إلى 24 دولة جاءت لتوقع إعلان التعاون في نوفمبر، لدينا ست دول أخرى منتجة جاءت لتبدي تضامنها».
وخلال مؤتمر أمس، قال وزير النفط العراقي جبار اللعيبي إن عدداً من الدول المصدرة اقترحت تمديد اتفاق تخفيضات الإنتاج ستة شهور، لكنه لم يحدد تلك الدول.
وفيما يتعلق بموارد العراق، ثاني أكبر منتج في «أوبك»، قال الوزير إن بلده ربما يملك احتياطيات نفطية تصل إلى مثلي التقديرات الحالية التي تبلغ نحو 150 مليار برميل.
وأضاف أن سوق الخام تتماسك وأن الأسعار «تحسنت»، مضيفاً أن اتخاذ قرار بشأن تمديد تخفيضات الإنتاج لما بعد 2018 سيعتمد على الاجتماعات التي سيعقدها المصدرون بحلول نهاية العام الحالي. وقال باركيندو إن «أوبك» تقيم تأثير اتفاق خفض الإمدادات لتحديد «الإجراء المناسب» الذي ينبغي اتخاذه عند انتهاء سريانه.
وعلاوة على ذلك، ذكر باركيندو أن الاستثمار في قطاع النفط يزيد مع تعافي أسعار النفط، لكنه لم يصل بعد للمستوى الذي كان عليه قبل هبوط الأسعار في 2014.



تذبذبات الدولار... هل تنعش «السوق السوداء» للعملة في مصر؟

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

تذبذبات الدولار... هل تنعش «السوق السوداء» للعملة في مصر؟

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)

وسط تذبذب سعر الدولار الأميركي، تواصل السلطات المصرية ملاحقة من يتاجرون في النقد الأجنبي خارج السوق الرسمية. فعلى مدار 3 أيام، تمكنت وزارة الداخلية من ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة، بقيمة مالية تجاوزت 20 مليون جنيه (377.3 ألف دولار).

وقد أثارت الملاحقات الأمنية التي تعلن عنها «الداخلية» يومياً، تساؤلات حول «انتعاش السوق السوداء مجدداً في البلاد». وبينما رهن بعض الخبراء عودة «السوق السوداء» بعدم «توفُّر العملة في البنوك»، رأى مراقبون أنَّ «استمرار الملاحقات يشي بوجود (السوق السوداء) للعملة، وأن هناك من يتاجرون خارج السوق الرسمية».

وشهدت مصر أزمة سابقة في توفر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء». وأثَّرت الأزمة حينها على توفر السلع والخدمات، ما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 53 جنيهاً.

وأكدت «الداخلية» في إفادة، مساء السبت، أنها «تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع في النقد الأجنبي والمضاربة في أسعار العملات خارج السوق المصرفية، لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي».

يأتي هذا في وقت انخفضت فيه العملة الأميركية، يوم الأحد، بعد موجة ارتفاعات سجلتها على مدار الأيام الماضية؛ حيث سجلت في معظم البنوك أدنى مستوى وهو 53 جنيهاً.

واستمر تذبذب سعر الدولار في البلاد، فبعدما صعد بعد الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً إلى أكثر من 55 جنيهاً، شهد تراجعاً، ثم عاد إلى الارتفاع الطفيف، ثم انخفض مجدداً في تداول الأحد.

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على فيسبوك)

ووجَّه الرئيس عبد الفتاح السيسي، الحكومة، الشهر الماضي، بـ«ضرورة مواصلة العمل على تدبير الاحتياجات الدولارية لتوفير مستلزمات الإنتاج، وتعزيز مخزون استراتيجي من السلع المختلفة».

وفي هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي، مصطفى بدرة، أن «ما يحدث الآن هو أن البعض يكتنز الدولار، ولكن أن تكون هناك متاجرة خارج نطاق السوق المصرفية، فهي ليست العامل الكبير لتغيير سعر الصرف». ودلَّل على أن «السلطات تضبط المتلاعب بالعملة ثم تحوِّله بعد إجراءات قانونية للنيابة، ثم إلى المحكمة التي تتخذ قراراً بإدانته أو الإفراج عنه؛ وهذا لا يحرك السوق اليوم».

ويضيف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يحرك السوق اليوم هو زيادة المعروض في العملة الأجنبية، ما يؤثر في سعر الصرف الأجنبي».

آلية أخرى تحدَّث عنها بدرة، وهي «عندما يكون هناك تحسُّن في آليات جذب العملة الأجنبية إلى البلاد وتحسُّن في قيمة الجنيه، تبدأ العملات الأجنبية -بما فيها الدولار- في الانخفاض». ويشير إلى أنه «في حال عدم توفر العملة في البنوك تظهر السوق السوداء، ولكن ما دامت العملة متوفرة لأي مستثمر بالسعر الرسمي المعلن، فلماذا يلجأ للسوق السوداء؟».

وينص القانون المصري على معاقبة من يمارس «الاتجار في العملة» بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات، ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تتجاوز 5 ملايين جنيه، بينما تصل عقوبة شركات الصرافة المخالفة إلى إلغاء الترخيص وشطب القيد من السجل.

مصري يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)

كما يرى بدرة أن «آلية تذبذب الدولار هي الباعث الأساسي أو الرافد الأساسي للسوق السوداء». ويشير إلى «عدم ظهور أزمة لتدبير العملة بالنسبة للحجاج المصريين هذا الموسم، على عكس شكاوى البعض خلال سنوات ماضية من عدم توفر العملة، وهذا يدل أن الدولة دبَّرت احتياجات المسافرين من العملات الأجنبية لموسم الحج، رغم ما يحدث منذ الحرب الإيرانية من خروج للأموال الساخنة».

وتؤكد الحكومة بشكل متكرر «حرصها على توفير الاعتمادات المالية اللازمة للحفاظ على استقرار الخدمات الأساسية والسلع الاستراتيجية للمواطنين».

من جهته، قال الخبير الاقتصادي رشاد عبده، إن «المحدد الرئيسي لتحديد سعر الصرف، هو قوى العرض والطلب». ويرى أن «قوى العرض والطلب ليست ثابتة بسبب المتغيرات الإقليمية التي تسببت في رفع سعر الدولار، منذ بدء الحرب الإيرانية. ولكن مع الإعلان عن اتفاق، مساء السبت، تذبذب سعر الدولار نحو الانخفاض». ويشير إلى أن «هناك عوامل كثيرة تتحكم في سعر الدولار».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «البعض يرى في شراء الدولار الآن فائدة؛ خصوصاً مع تصاعد حديث عن ارتفاع سعره خلال الأشهر المقبلة في البلاد، ومن هنا تنشط وزارة الداخلية في ضبط كثير من القضايا».

مقر البنك المركزي المصري (صفحة البنك على فيسبوك)

لكن عبده يرهن «عودة السوق السوداء بعدم توفر الدولار في البنوك بالنسبة للمستثمرين، ولكن ما دام متوفراً -كما هو حالياً- فلا توجد سوق سوداء». ويقول إن «الفاصل في انتعاش السوق السوداء من جديد هو مدى قدرة البنوك على تلبية احتياجات المستوردين والمستثمرين، والإفراج عن البضائع في الجمارك».

وأكد وزير المالية أحمد كجوك، في أبريل (نيسان) الماضي، أن «الموازنة العامة للدولة للعام المالي المقبل اعتمدت 47 جنيهاً كمتوسط لسعر الصرف، بناء على سعر الصرف السائد في تاريخ إعداد الموازنة».

وحسب المراقبين: «يعدُّ سعر الدولار بالموازنة سعراً استرشادياً لتحديد حجم الموازنة، وبالتالي يمكن أن ينخفض أو يزيد عليه وفق مرونة سعر الصرف وتدفقات موارد العملة».


تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تواجه البنية التحتية للنظام المالي العالمي المبني على هيمنة الورقة الخضراء اختباراً غير مسبوق؛ حيث تكشف البيانات المالية الصادرة عن الأسواق عن موجة «تسييل جماعي» متزامنة لسندات الخزانة الأميركية تقودها كبرى الاقتصادات العالمية والناشئة، مما يثير مخاوف جدية حول بدء تفكك القواعد التقليدية التي استندت إليها المديونية السيادية الأميركية لعقود.

وفي تطور دراماتيكي لافت، أقدمت تركيا على بيع نحو 89 في المائة من إجمالي حيازاتها من السندات الأميركية في غضون شهر واحد فقط؛ حيث هوت أرقام حيازتها من 15.7 مليار دولار في فبراير (شباط) الماضي إلى 1.8 مليار دولار فقط في مارس (آذار)، في خطوة تؤكد تخلي أنقرة شبه الكامل عن الديون الأميركية كأداة احتياطية.

هروب لكبار الدائنين

لم تكن الخطوة التركية معزولة عن مشهد أوسع يقوده كبار حاملي الديون الأميركية تاريخياً، وتحديداً اليابان والصين؛ تحت وطأة ضغوط العرض والوقود والتبعات الاقتصادية للحرب المستمرة في الشرق الأوسط ومضيق هرمز. وتظهر البيانات الصادمة الأبعاد التالية:

  • الصين: خفّضت بكين حيازاتها بمقدار 42 مليار دولار في شهر مارس وحده، لتهبط بمحفظتها إلى 652.3 مليار دولار، وهو المستوى الأدنى لها منذ عام 2008، مواصلةً خطتها الاستراتيجية لتقليل الاعتماد العضوي على الدولار وتدويل اليوان.
  • اليابان: الدائن الأكبر لواشنطن، لم تكن بمعزل عن هذه «الحمى»؛ إذ تخلصت طوكيو من نحو 47 مليار دولار من السندات خلال ذات الفترة، في خطوة وُصفت بأنها أضخم عملية تسييل يابانية تشهدها الأسواق منذ نحو ثلاثة عقود، وذلك بهدف توفير السيولة النقدية والدفاع عن عملتها المحلية (الين) أمام تداعيات أسعار الطاقة الوافدة.

كماشة النفط والدفاع عن العملات

ويرى محللو أسواق المال أن هذا الانسحاب الجماعي - الذي تسبب في تراجع إجمالي الديون الأميركية المملوكة لأطراف أجنبية بنحو 240 مليار دولار في شهر واحد - ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو نتاج ضغوط اقتصادية حادة؛ إذ إن القفزة القياسية لأسعار النفط العالمية التي بلغت نحو 80 في المائة منذ فبراير (شباط) الماضي، أجبرت البنوك المركزية حول العالم على تسييل أصولها المقومة بالدولار (وفي مقدمتها السندات) لتمويل فاتورة استيراد الطاقة الباهظة ودعم استقرار عملاتها الوطنية.

ويتفق المراقبون في نيويورك على أن هذا التراجع الحاد في قاعدة المشترين الدوليين يمثل المعضلة الأكبر لإدارة ترمب ومجلس الاحتياطي الفيدرالي على حد سواء؛ حيث يتزامن هذا «الهجران الجماعي» للسندات مع تنامي الاحتياجات التمويلية الضخمة لواشنطن لتغطية عجز الموازنة، مما يضع نظام الدولار أمام حقيقة رقمية قاسية، مفادها أنه «عندما تشتد الضغوط الهيكلية، لم يعد الاحتفاظ بالديون الأميركية خياراً آمناً»، وهو ما سيدفع تكاليف الاقتراض الأميركية نحو مستويات حرجة قد تعيد صياغة النظام النقدي العالمي بالكامل.


رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
TT

رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)

تواجه الإدارة الأميركية، برئاسة الرئيس دونالد ترمب، اختباراً معقداً وغير متوقع في إدارة دفة السياسة الاقتصادية؛ حيث لم تعد الضغوط نابعة من كواليس غرف القرار السياسي فحسب، بل من قوة سوقية هائلة ومستقلة إلى حد كبير؛ تتمثل في «سوق السندات الأميركية» التي بدأت تفرض شروطها، وتختبر مدى تحمل واشنطن لارتفاع تكاليف الاقتراض السيادي.

وبينما يتحدث البيت الأبيض عن إحراز تقدم ملموس نحو صياغة اتفاق سلام لإنهاء الحرب المستمرة منذ 3 أشهر مع إيران، ركّز مستثمرو سندات الخزانة على التداعيات التضخمية طويلة الأجل والشكوك المحيطة بفرص التهدئة المستدامة؛ وهو ما دفع عوائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات إلى تجاوز عتبة 4.5 في المائة بشكل حاد، لتلامس مستوى 4.69 في المائة مؤخراً، وهو الأعلى لها منذ يناير (كانون الثاني) 2025.

كماشة الفائدة وتكلفة المعيشة

وينعكس هذا الصعود المتسارع في عوائد السندات مباشرة على تكاليف الاقتراض في مختلف مفاصل الاقتصاد الأميركي، بدءاً من القروض العقارية، مروراً ببطاقات الائتمان، وصولاً إلى قروض الشركات؛ ما يُهدد الاستقرار المالي الإجمالي.

وفي هذا السياق، يرى غريغ فارانيلو، رئيس استراتيجية الأسعار الأميركية في مؤسسة «أميري فيت سيكيوريتيز»، أن السوق بدأت تفرض نوعاً من «الألم الاقتصادي»، مشيراً إلى أن المستويات الراهنة ستلقي بظلالها حتماً على قطاع الإسكان والتمويل العقاري، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ويتزامن هذا التوتر المالي مع مخاوف عميقة تعصف بموظفي البيت الأبيض تتعلق بالقفزة المستمرة في أسعار وقود السيارات (البنزين)، والتي باتت تُشكل المصدر الأكبر للقلق الإداري حالياً. ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي مناقشة خيارات رفع أسعار الفائدة بوصفها أداة وحيدة لكبح جماح التضخم، بدلاً من خفضها كما يُطالب ترمب بانتظام؛ ما يضع السياسة النقدية والمالية في مسار متقاطع ومربك للأسواق.

رهانات الخريف وخيارات المناورة المحدودة

وتكتسب هذه الضغوط الاقتصادية بُعداً سياسياً بالغ الحساسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والتي ستُحدد مصير السيطرة الجمهورية الهشة على مجلسي النواب والشيوخ؛ إذ يُثير إنفاق إدارة ترمب الطموح مخاوف بعض المشرعين من تفاقم العجز المالي.

وفي هذا الصدد، يؤكد خبراء أن معيار «القدرة على تحمل التكاليف» بات الكلمة الأكثر تردداً في أروقة واشنطن؛ نظراً لأن مستويات الفائدة الحالية قد تؤدي إلى تبريد الطلب على الإسكان، والضغط على إنفاق المستهلكين، وفي أسوأ السيناريوهات، دفع الاقتصاد نحو الركود.

وفي المقابل، تسعى الإدارة الأميركية إلى تهدئة روع المستثمرين عبر رسائل تطمينية؛ إذ صرح وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، بأن الارتفاع الحالي في العوائد، خصوصاً في الآجال الطويلة للمنحنى، مدفوع أساساً بصدمة الطاقة الناتجة عن حرب إيران، مؤكداً أنها «ضغوط مؤقتة» ستزول بزوال مسبباتها الجيوسياسية.

وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم البيت الأبيض، كوش ديساي، أن التركيز يظل منصباً على الأجندة طويلة الأجل لترمب، والتي تستهدف تسريع النمو، وخفض البيروقراطية، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي لاستعادة الحيوية المالية.

قوة السوق ومقصلة الـ5 %

تاريخياً، لطالما شكّلت سوق السندات قوة سياسية قادرة على صياغة السياسات في واشنطن التي تحتاج دوماً للحفاظ على ثقة المستثمرين لتمويل ديونها المتنامية؛ وهي المفارقة التي لخّصها المستشار السياسي الأسبق جيمس كارفيل في تسعينات القرن الماضي، بقوله إنه يرغب في أن يعود للحياة على هيئة «سوق السندات» لقدرتها العالية على إخافة الجميع وترهيبهم.

ويرى الخبراء والمحللون أن خيارات واشنطن للتدخل وكبح جماح العوائد تظل محدودة للغاية، حتى لو قفزت الأسعار إلى «مستوى الألم الحرج» المقدر بنحو 5 في المائة؛ فالارتفاع الحالي مدفوع بقوة النمو الاقتصادي وعناد التضخم المرتبط بالوقود، وليس بمخاوف ائتمانية تتعلق بالقدرة على السداد. وبالتالي، فإن أي تدخل حكومي عنيف أو مصطنع قد يقوّض مصداقية الدولة في معركتها ضد التضخم، ويأتي بنتائج عكسية تؤدي إلى تفاقم الضغوط الصعودية للعوائد، ما يبقي الاقتصاد الأميركي معلقاً بين مرونة قطاع الشركات وقواعد اللعبة الصارمة لأسواق المال.